أبو إسحاق إبراهيم بن هلال بن إبراهيم بن زهرون بن حبون الحراني الصابىء، صاحب الرسائل المشهورة والنظم البديع؛ كان كاتب الإنشاء ببغداد عن الخليفة وعن عز الدولة بختيار بن معز الدولة بن بويه الديلمي الآتي ذكره إن شاء الله تعالى، وتقلد ديوان الرسائل سنة تسع وأربعين وثلثمائة، وكانت تصدر عنه مكاتبات إلى عضد الدولة بن بويه بما يؤلمه، فحقد عليه، فلما قتل عز الدولة وملك عضد الدولة بغداد اعتقله في سنة سبع وستين وثلثمائة، وعزم على إلقائه تحت أيدي (٢) الفيلة، فشفعوا فيه، ثم أطلقه في سنة إحدى وسبعين، وكان قد أمره أن يصنع له كتابًا في أخبار الدولة الديلمية، فعمل الكتاب التاجي فقيل لعضد الدولة: إن صديقا للصابىء دخل عليه فرآه في شغل شاغل من التعليق والتسويد والتبيض فسأله عما يعمل (٣)، فقال: أباطيل أنمقها، وأكاذيب (٤) ألفقها، فحركت ساكنه وهيجت (٥) حقده، ولم يزل مبعدا في أيامه. وكان متشددا في دينه، وجهد عليه عز الدولة أن يسلم فلم يفعل. وكان يصوم شهر رمضان مع المسلمين، ويحفظ القرآن الكريم أحسن حفظ، وكان يستعمله في رسائله، وكان له عبد أسود اسمه يمن، وكان يهواه، وله فيه المعاني البديعة، فمن جملة ماذكره له الثعالبي في كتاب الغلمان، قوله:
قد قال يمن وهو أسود للذي ببياضه استعلى علو الخاتن
_________________
(١) ترجمة الصابئ في معجم الأدباء ٢: ٢٠ واليتيمة ٢: ٢٤٣ - ٣١٢.
(٢) أ: أرجل.
(٣) د: عما يعمله من ذلك.
(٤) أ: وأحاديث.
(٥) ج: وأهاجت.
[ ١ / ٥٢ ]
ما فخر وجهك بالبياض وهل ترى أن قد أفدت به مزيد محاسن
ولو أن مني فيه خالًا زانه ولو أن منه في خالًا شانني قلت: ومعنى البيت الثالث ينظر إلى قول ابن الرومي من جملة أبيات في جاريته السوداء، وهو قوله:
وبعض ما فضل السواد به والحق ذو سلم وذو نفق
أن لا يعيب السواد حلكته (١) وقد يعاب البياض بالبهق وهي أبيات مشهورة أحسن فيها كل الإحسان.
وذكر له الثعالبي فيه أيضًا:
لك وجه كأن يمناي خطت هـ بلفظ تمله آمالي
فيه معنى من البدور ولكن نفضت صبغها عليه الليالي
لم يشنك السواد بل زدت حسنًا إنما يلبس السواد الموالي
فبما لي أفديك إن لم تكن لي وبروحي أفديك إن كنت مالي وله كل شيْ حسن، من المنظوم والمنثور (٦) .
وتوفي يوم الاثنين - وقيل: يوم الخميس - لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وثمانين وثلثمائة، ببغداد، وعمره إحدى وسبعون سنة.
وذكر أبو الفرج محمد بن إسحاق الوراق المعروف بابن أبي يعقوب النديم البغدادي في كتابه " الفهرست " (٢)، أن الصابىء المذكور ولد سنة نيف وعشرين وثلثمائة وتوفي قبل سنة ثمانين وثلثمائة ودفن بالشونيزي.
ورثاه الشريف الرضي بقصيدته الدالية المشهورة التي أولها (٣):
أرأيت (٤) من حملوا على الأعواد أرأيت كيف خبا ضياء النادي
_________________
(١) أ: حلته.
(٢) الفهرست: ١٣٤.
(٣) انظر ديوان الرضي ١: ٣٨١.
(٤) د: أعلمت.
[ ١ / ٥٣ ]
وعاتبه الناس في ذلك لكونه شريفًا يرثي صابئًا، فقال: إنما رثيت فضله.
وزهرون: بفتح الزاي المعجمة وسكون الهاء وضم الراء المهملة وبعد الواو نون.
وحبون: بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة وبعد الواو نون.
والصابىء: بهمزة آخره. وقد اختلفوا في هذه النسبة، فقيل: إنها إلى صابىء بن متوشلح (١) بن إدريس ﵇، وكان على الحنيفية الأولى. وقيل: إلى صابىء بن ماري، وكان في عصر الخليل ﵇، وقيل: الصابىء عند العرب من خرج عن دين قومه، ولذلك كانت قريش تسمي رسول الله، ﷺ، صابئا لخروجه عن دين قومه، والله أعلم.
١٦ - (٢)