بين عامي ١٨٣٥ و١٨٥٠، قام الأستاذ فردينند وستنفيلد بنشر كتاب «وفيات الأعيان» في اثني عشر جزءًا، وخصص الجزء الثالث عشر لاختلاف القراءات وللزيادات في النسخ المختلفة وللفهارس العامة. وقد اعتمد في طبعته هذه على النسخ الآتية:
١ - النسخة " أ ": وهي من مخطوطة بليدن نسخ القسم الأعظم منها لورسباخ من مخطوطة كان يملكها شولتز وأخيرًا اشترتها مكتبة جوتنجن سنة ١٩١٧؛ وتتألف من ست مجلدات متوسطة الحجم من قطع الربع وفيها بعض صفحات خالية. وكان ما نسخه لورسباخ منها جيدًا مساويًا مساويًا للأصل في دقته.
٢ - النسخة " ب ": وهي من غوطا، وتشمل ما يقارب نصف الكتاب وتنتهي بترجمة أبي محمد عبد الملك بن هشام وتعد من اقدم المخطوطات إذ أنها كتبت بعد وفاة المؤلف باثنتى عشرة سنة إذ في آخرها: " كتب هذا الكتاب في مساء الأحد لثلاث بقين من جمادى الأول سنة ٦٩٣، وكتبه العبد الفقير أبو الرحى ابن أبي الحسن بن يوسف ابن أبي الرحى بن سعيد الاسرائيلي بدمشق المحروسة عن اصل يملكه القاضي علاء الدين علي بن شمس الدين محمد بن غانم كاتب الديوان ". وهذه النسخة التي كان يملكها القاضي علاء الدين نسخت سنة ٦٩٢ بخط تاج الدين معتوق بن سعد الاسعردي السميساطي وعلى النسخة تملكات مؤرخة آخرها سنة ١٠٣٦، وعلى الصفحة الأولى منها ترجمة لابن خلكان مأخوذة من كتاب " تذكرة النبيه " لحسن بن حبيب الكلبي، وعلى هوامشها حواش وتعليقات لبعض العلماء تتفاوت في قيمتها.
٣ - النسخة " ج ": وهي من برلين، كتبت بخط دقيق وجاءت في مجلد
[ ١ / ١٠ ]
واحد يشمل الكتاب كله وتاريخ نسخها سنة ١٠٨٣، فهي حديثة نسبيا كما أن تراجمها كثيرا ما تكون موجزة.
٤ - النسخة " د ": وهي من برلين أيضًا وتقع في أربعة أجزاء إلا أن الجزء الرابع فيها ناقص، وهي من أشد النسخ إسهابا في الترجمات ومن أكثرها عدد تراجم وكثيرا ما يختلف ترتيب التراجم فيها عن النسخ الأخرى وقد كتب الجزء الثاني منها سنة ١١٢٦هـ وفي آخر الجزء الثالث عبارة هامة يذكر فيها المؤلف أنه ترك القاهرة لأنه عين قاضيا بدمشق ولهذا توقف عن إتمام الكتاب.
٥ - النسخة " هـ ": وهي مخطوطة أخرى من غوطا وتاريخ نسخها ١٢٠١.
وقد اختار الأستاذ وستنفيلد الاعتماد على نسخة " ب " لأنها أقدم النسخ وخاصة حين تتفق معها نسخة أخرى، ولم يكن يفارق قراءة " ب " إلا إذا اتفقت فيها النسخ الأخرى دونها، ويقول أن " ب " و" د " تتفقان كثيرا في القراءة بينما تتفق " أ " و" ج " في قراءة أخرى.
وبعد أن مضى شوطا في العمل، اعتمد على مخطوطات أخرى منها " ف "، التي تمثل نسخة لبعض أصدقاء المحقق نسخها بخطه عن أصل في باريس. ثم حصل على نسخة ثالثة من غوطا - رقم ٤١٧ - وهي قطعة ناقصة من أولها وآخرها إلا أنها قديمة جيدة الخط والقراءة وهي تكمل النسخة " ب "، ويقول أنه لم يستطع الحصول على جميع المخطوطة عند تحقيقه الكتاب وإنما قرأ معضمها وقيد الخلاف بينها وبين سائر المخطوطات.
ويبدو من هذا العرض أن طبعة وستنفيلد تمثل تلفيقا بين هذه المخطوطات العديدة في عدد التراجم لأنه ليست هناك نسخة من النسخ المذكورة قد استوفت ذلك العدد كاملًا. وقد انتهى عدد تراجم الكتاب في هذه الطبعة إلى ٨٦٥ ترجمة، إلا أن بعضها لم يذكر منه إلا الاسم ولم يكتب المؤلف عنه شيئا من الخبر. ويبدو أن هذه العملية التلفيقية أمر لا معدا عنه لأن النسخ الخطية من الكتاب كثيرة جدا ولسنا نعلم أيها يمثل المرحلة الأولى في التأليف وأيها يمثل المرحلة الأخيرة وأيها هو الواقع بين المرحلتين؛ ولهذا آثرت إبقاء ما أختاره وستنفيلد على حاله واستأنست في مراجعة عمله بمخطوطتين:
[ ١ / ١١ ]
١ - النسخة " م ": وهي نسخة المتحف البريطاني - رقم ١٥٠٥ التكملة ٦٠٧ - وتحتوي التراجم من أول الكتاب وحتى آخره حرف الميم، تشبه أن تكون مسودة أولية للمؤلف لأن تراجمها شديدة الإيجاز وهي تنقص عددا كبيرا من التراجم التي وردت في النسخ الاخرى.
٢ - النسخة " ط ": وهي أيضا في المتحف البريطاني وتحمل رقم ٦٠٨/١٢ وتمثل الجزء الرابع من كتاب " الوفيات " وقد كتب على الورقة الأولى منها: " هذا الجزء فيه التكملة التي ألحقها بحرف الياء رحمة الله تعالى على مصنفه ورضوانه " وهي تقع في ١٥٣ ورقة، وفي آخرها: " تم الجزء الرابع من وفيات الأعيان وبه يتم الكتاب ". وتاريخ نسخها الخامس عشر من شهر رمضان المعظم قدره سنة ٩٩١، والتراجم فيها لا تعتمد الإيجاز كما هي حال القطعة السابقة.
وقد جرى عملنا في تحقيق الجزئين الأولين بالاعتماد على طبعة وستنفيلد ونسخة " م "، ولهذا أثبت فروق القراءات بين النسخ في حواشي هذين الجزئين. ولما كانت نسخة " د " من أكثر النسخ زيادات، فقد أدرجت في المتن من زياداتها ما لا يخل بالسياق العام في التراجم، وأرجأت ما كان صورة أخرى فيها وجعلته ملحقا بآخر كل جزء. وتنتهي هذه الزيادات الملحقة التي أثبتها وستنفيلد في آخر الجزء الثاني. وأحيانا أشرت إلى بعض الزيادات التي وردت في " أ " و" ج " إذا كانت ذات أهمية واضحة. أما زيادات " ف " فإني لم أعتمدها في هذه الطبعة لأنه من التجوز أن تعد " ف " أصلا معتمدا.
وقد قدرت أن يجيء هذا الكتاب في سبعة أجزاء، وأن يكون الجزء الثامن خاصًا بالفهارس المفصلة، وأنا أتوقع أن يكون اعتمادي في الأجزاء الأخرى بعد الثاني على مخطوطات جديدة بالإضافة إلى المخطوطة " ط ". وعند الحصول على ما يسعف في تحقيق هذا الكتاب من مخطوطات جديدة، ستتم الإشارة إلى ذلك تباعا، وسيدرج في الجزء الثامن ترجمة تفصيلية للمؤلف ودراسة لكتاب " وفيات الأعيان " وإني لأرجو أن أوضح هنالك شيئا من طبيعتي التأليف المتدرج الذي جرى عليه المؤلف في كتابه هذا.
[ ١ / ١٢ ]
ولا يفوتني في هذا المقام أن أتقدم بوافر الشكر إلى كل من الصديقين العزيزين: الأستاذ الدكتور يوسف فإن أس على مساعدته في توضيح المقدمات اللاتينية التي كتبها وستنفيلد في مطالع الأجزاء الاثني عشر؛ والأستاذ الدكتور وليد عرفات الذي تفضل فأرسل إلي فلمين مصورين عن نسختي المتحف البريطاني. ويطيب لي أيضًا في إخراج هذا الكتاب أثناء تغيبي عن بيروت في رحلة علمية طويلة.
والله أسأل أن يعينني على إتمام الأجزاء الباقية منه بمنه وكرمه.
بيروت في ٣ آب (أغسطس) ١٩٦٨
إحسان عباس
[ ١ / ١٣ ]