أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خلكان قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس البرمكي الإربلي الشافعي، ولد بإربل سنة ثمان وستمائة وسمع بها " صحيح البخاري " من أبي محمد بن هبة الله بن مكرم الصوفي وأجاز له المؤيد الطوسي وعبد المعز الهروي وزينب الشعرية. روى عنه المزي والبرزالي والطبقة، وكان فاضلًا بارعًا متفننًا عارفًا بالمذهب حسن الفتاوي جيد القريحة بصيرًا بالعربية علامة في الأدب والشعر وأيام الناس، كثير الاطلاع حلو المذاكرة وافر الحرمة، فيه رياسة كبيرة، له كتاب " وفيات الأعيان " وقد اشتهر كثيرًا وله مجاميع أدبية. قد الشام في شبيبته وقد تفقه بالموصل على كمال الدين ابن يونس وأخذ بحلب عن القاضي بهاء الدين ابن شداد وغيرهما. ودخل مصر وسكنها مدة وتأهل بها وناب بها في القضاء عن القاضي بدر الدين السنجاري ثم قد الشام على القضاء في ذي الحجة سنة تسع وخمسين منفردًا بالأمر ثم أقيم معه في القضاء ثلاثة سنة أربع وستين وكان ذلك في جمادى الأولى جاء من مصر ثلاثة تقاليد لشمس الدين عبد الله بن محمد بن عطاء الحنفي ولزين الدين عبد السلام الزواوي المالكي ولشمس الدين عبد الرحمن ابن الشيخ أبي عمر الحنبلي فلم يقبل المالكي ووافق الحنفي والحنبلي، وكان الحنفي قبل ذلك نائبا للشافعي، ثم إن الأمر من مصر ورد بإلزام المالكي وامتنع المالكي والحنبلي من أخذ الجامكية وقالا نحن في كفاية. قال شهاب الدين أبو
_________________
(١) له ترجمة في الفرات ١، ١٠٠ وقضاة دمشق: ٧٦ وطبقات السبكي ٥: ١٤ والنجوم الزاهرة ٧: ٣٥٣ وشذرات الذهب ٥: ٣٧١. وهذه منقولة عن الوافي (الجزء السابع) .
[ ١ / ١ ]
شامة: ومن العجيب اجتماع ثلاثة من قضاة القضاة لقب كل واحد منهم شمس الدين في زمن واحد. واتفق أن الشافعي استناب نائبًا لقبه شمس الدين فقال بعض الأدباء الظرفاء:
أهل دمشق استرابوا من كثرة الحكام
إذ هم جميعًا شموس وحالهم في الظلام وقال أيضًا:
بدمشق آية قد ظهرت للناس عاما
كلما ازدادوا شموسا زادت الدنيا ظلامها ثم عزل عن القضاء سنة تسع وستين بالقاضي عز الدين ابن الصائغ، ثم عزل ابن الصائغ بعد سبع سنين به، وقدم من مصر فدخل دخولا لم يدخل غيره مثله من الاحتفال والزحمة وأصحاب البغال والشهود وكان يوما مشهودا وجلس في منصب حكمه وتكلم الشعراء. ولما قدم ابن خلكان إلى دمشق ثانيًا وكان لثامن سنة قال رشيد الدين الفارقي في ذلك:
أنت في الشام مثل يوسف في مص ر وعندي أن الكرام جناس
ولكل سبع شداد وبعد ال سبع عام يغاث فيه الناس وقال سعد الدين الفارقي:
أذقت الشام سبع سنين جدبا غداة هجرته هجرا جميلا
فلما زرته من أرض مصر مددت عليه من كفيك نيلا وقال ابن جعوان:
لما تولى قضاء الشام حاكمه قاضي القضاة أبو العباس ذو الكرم
من بعد سبع شداد قال خادمه ذا العام فيه يغاث الناس بالنعم وقال نور الدين ابن مصعب:
رأيت أهل الشام طرا ما فيهم قط غير راض
[ ١ / ٢ ]
نالهم الخير بعد شر فالوقت بسط بلا انقباض
وعوضوا فرحة بحزن مذ أنصف الدهر في التقاضي
وسرهم بعد طول غم قدوم قاض وعزل قاض
فكلهم شاكر وشاك بحال مستقبل وماض قلت: بيتا رشيد الدين الفارقي خير هذه المقاطيع.
وكان كريما جوادا ممدوحا فيه ستر وحلم وعفو، وحكايته في ذلك مشهورة. ثم عزل بابن الصائغ ودرس بالأمينية إلى أن مات عشية نهار السبت سادس عشرين شهر رجب سنة إحدى وثمانين بالنجيبية النورية وشيعة الخلائق.
أنشدني من لفظه لنفسه شهاب الدين أحمد بن غانم كاتب الإنشاء يرثي قاضي القضاة شمس الدين:
يا شمس علوم في الثرى قد غابت كم نبت عن الشمس وهي ما [إن] نابت
لم تأت بمثلك الليالي أبدا إما قصرت عنه وإما هابت وكان وجيه الدين محمد بن سويد صاحبه وكان يسومه قضاء أشغال كثيرة ويقضيها، فحضر في بعض الأيام ورام منه أمرًا متعذرا فاعتذر، فقال: ما يكون الصاحب صاحبًا حتى يعرق جبينه مع صاحبه في جهنم، فقال القاضي: بلى يا وجيه الدين، صرنا معك قشلمشا وما ترضى. ويقال إنه عمل تاريخا للملك الظاهر ووصل نسبه بجنكزخان، فلما وقف عليه قال: هذا يصلح أن يكون وزيرًا، اطلبوه، فطلب وبلغ الخبر الصاحب بهاء الدين ابن حنا فسعى في القضية إلى أن أبطل ذلك، وناسى السلطان عليه، فبقى في القاهرة يركب كل يوم ويقف في باب القرافة ويمشي قدام الصاحب إلى أن يوصله بيته، وافتقر حتى لم يكن له غير البغلة لركوبه، وكان له عبد يعمل بابا ويطعمه، والشيخ بهاء الدين ابن النحاس يؤثره، ومع ذلك فلا يحنو عليه الصاحب ولا يحن إلى الإحسان إليه، حتى فاوضه الدوادار وقال له: إلى متى يبقى هذا على هذه الحالة فجهز إلى مكانه بدمشق على القضاء. وحضر إليه وهو بالقاهرة عز الدين
[ ١ / ٣ ]
محمد بن شداد بكتب فقارس من الغور وانتقالها إلى الظاهر وقد ثبتت عليه بالشام وطلب منه الإشهاد عليه بما فيها لتثبت بمصر، قال: كيف اشهد علي قال: يأذن لك قاضي القضاة ابن رزين. فقال: لو كنت موليًا ما كنت آذن له، أفأكون مولى من جهته هذا لا يكون أبدًا. واطلع الظاهر على ذلك فعظم عنده وتحقق شرف نفسه. وأمر له بدر الدين بيليك الخزندار تلك الأيام بألفي درهم ومائة إردب قمح فأبى من قبولها وتلطف معه مع القاصد، فقال: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها، ولم يقبل وأصر على الامتناع مع الفاقة الشديدة. وكان له ميل إلى بعض أولاد الملوك وله فيه الأشعار الرائقة، يقال إنه أول يوم جاء إليه بسط له الطرحة وقال: ما عندي أعز من هذه، طأ عليها، ولما فشا أمرهما وعلم به أهله منعوه من الركوب فقال:
يا سادتي إني قنعت وحقكم في حبكم منكم بأيسر مطلب
إن لم تجودوا بالوصال تعطفًا ورأيتم هجري وفرط تجنبي
لا تمنعوا عيني القريحة أن ترى يوم الخميس جمالكم في الموكب
لو كنت تعلم يا حبيبي ما الذي ألقاه من ألمٍ إذا لم تركب
لرحمتني ورثيت لي من حالةٍ لولاك لم يك حملها من مذهبي
قسمًا بوجهك وهو بدر طالع وبليل طرتك التي كالغيهب
وبقامةٍ لك كالقضيب ركبت في أخطارها في الحب أصعب مركب
وبطيب مبسمك الشهي البادر ال عذب النمير اللؤلؤي الأشنب
لو لم أكن في رتبة أرعى لها ال عهد القديم صيانة للمنصب
لهتكت ستري في هواك ولذ لي خلع العذار ولو ألح مؤنبي
لكن خشيت بأن تقول عواذلي قد جن هذا الشيخ في هذا الصبي
فارحم فديتك حرقة (١) قد قاربت كشف القناع بحق ذياك النبي
لا تفضحن محبك الصب الذي جرعته في الحب أكدر مشرب أخبرني من لفظه القاضي جمال الدين عبد القاهر التبريزي قال: كان الذي
_________________
(١) في الأصل: خرقة.
[ ١ / ٤ ]
يهواه القاضي شمس الدين هو الملك المسعود وكان قد تيمه حبه فكنت أنام عنده في العادلية فتحدثنا في بعض الليالي إلى أن راح الناس من عنده فقال لي: نم أنت، وألقي علي فروة، وقام يدور حول البركة في بيت العادلية، ويكرر هذين البيتين إلى أن أصبح وتوضأ. والبيتان المذكوران:
أنا والله هالك آيس من سلامتي
أو أرى القامة التي قد أقامت قيامتي ويقال إنه سأل بعض أصحابه عما يقوله أهل دمشق عنه فاستعفاه فألح عليه فقال: يقولون إنك تكذب في نسبك وتأكل الحشيشة وتحب الغلمان. فقال: أما النسب والكذب فيه فإذا كان ولا بد منه فكنت أنتسب إلى العباس أو إلى علي بن أبي طالب أو إلى أحد الصحابة، وأما النسب إلى قوم لم يبق لهم بقية وأصلهم فرس مجوس فما فيه فائدة. وأما الحشيشة فالكل ارتكاب محرم وإذا كان ولا بد فكنت أشرب الخمر لأنه ألذ. وأما محبة الغلمان فإلى غد أجيبك عن هذه المسألة. قال قطب الدين البونيني: سمعت من يذكر إنما خرج له النسب إلى البرامكة أبو شامة، وليس كذلك. ووقفت على مجلدة من " تاريخ إربل " لوزيرها شرف الدين وقد ذكر وفاة ابن عم قاضي القضاة وقد نسبه إلى البرامكة ولعل ذلك قبل خروجه من إربل. وذكره الصاحب كمال الدين في " تاريخ حلب " ونسبه إلى البرامكة.
ومن شعره:
وسرب ظباء في غدير تخالعوا (١) بدور بأفق الماء تبدو وتغرب
يقول عذولي والغرام مصاحبي أما لك عن هذي الصبابة مذهب
وفي دمك المطلول خاضوا كما ترى فقلت له: ذرهم يخوضوا ويلعبوا ومنه مضمنًا:
كم قلت لما أطلعت وجناته حول الشقيق الغض دوحة آس
_________________
(١) الفوات: تخالهم.
[ ١ / ٥ ]
لعذاره (١) الساري العجول بخده ما في وقوفك ساعة من باس ومنه:
لما بدا العارض في خده بثرت قلبي بالنعيم المقيم
وقلت هذا عارض ممطر فجاءني فيه العذاب الأليم ومنه على ما قيل:
انظر إلى عارضه فوقه لحاظه ترسل منها الحتوف
تشاهد (٢) الجنة في وجهه لكنها تحت ظلال السيوف ومنه:
ولما أن تفرقنا وحالت نوب الدهر
رأيت الشهد لا يحلو فما ظنك بالصبر ومنه:
وما سر قلبي منذ شطت بم النوى نعيم ولا لهو ولا متصرف
ولا ذقت طعم الماء إلا وجدته سوى ذلك الماء الذي كنت أعرف
ولم أشهد اللذات إلا تكلفا وأي سرور يقتضيه التكلف ومنه:
أحبابنا لو لقيتم في إقامتكم من الصبابة ما لا قيت في ظعني
لأصبح البحر من أنفاسكم يبسًا والبر من أدمعي ينشق بالسفن ومنه:
تمثلتم لي وبالبلاد (٣) بعيدة فخيل لي أن الفؤاد لكم مغنى
وناجاكم قلبي على البعد والنوى فأوحشتم لفظًا وآنستم معنى
_________________
(١) الفوات: أعذاره.
(٢) الفوات: تعاين.
(٣) الفوات: والديار.
[ ١ / ٦ ]
وقال في ملاح أربعة يلقب أحدهم بالسيف:
ملاك بلدتنا بالحسن أربعة بحسنهم في جميع الخلق قد فتكوا
تملكوا منهج العشاق وافتتحوا بالسيف قلبي ولولا السيف ما ملكوا ومنه:
أي ليل على المحب أطاله سائق الظعن يوم زم جماله
يزجر العيس طاويًا يقطع المه مه عسفًا وسهوله ورماله
أيها السائق المجد ترفق بالمطايا فقد سئمن الرحاله
وأنخها هنيهة وأرحها قد براها السرى وفرط الكلاله (١)
لا تطل سيرها العنيف فقد بر ح بالصب في سراها الإطاله
وتركتم وراءهم حلف وجد نادبًا في محلكم أطلاله
يسأل الربع عن ظباء المصلى ما على الربع لو أجاب سؤاله
ومحال من المحيل جواب غير أن الوقوف فيها غلاله
هذه سنة المحبين يبكو ن على كل منزل لا محاله
يا ديار الأحباب لا زالت الأد مع في ترب ساحتيك مذاله (٢)
وتمشى النسيم وهو عليل في مغانيك ساحبًا أذياله
أين عيش مضى لنا فيك ما أس رع عنا ذهابه وزواله
حيث وجه الشباب طلق نضير والتصابي غصونه مياله
ولنا فيك طيب أوقات أنس ليتنا في المنام نلقي مثاله
وبأرجاء جوك الرحب سرب كل عين تراه تهوى جماله
من فتاة بديعة الحسن ترنو من جفون لحاظها مغتاله
ورحيم الدلال حلو المعاني تتثنى أعطافه مختاله
ذي قوام تود كل غصون ال بان لو أنها تحاكي اعتداله
وجهه في الظلام بدر تمام وعذاراه حوله كالهاله
_________________
(١) الفوات: فرط السرى والكلاله.
(٢) الفوات: مساله.
[ ١ / ٧ ]
ومن ذلك:
كأنني يوم بان الحي عن إضم والقلب من سطوات البين مذعور
ورقاء ظلت لفقد الإلف ساجعة تبكي عليه اشتياقًا وهو مأسور
يا جيرة الحي هل من عودة فعسى يفيق من نشوات الشوق مخمور
إذا ظفرت من الدنيا بقربكم فكل ذنب جناه الدهر مغفور وله في الدوبيت شيء كثير من أحسنه قوله:
في هامش خدك البديع القاني أسرار هوى لكل (١) صب عان
قد خرجها الباري فما أحسنها من حاشية بالقلم الريحاني وقوله:
روحي بك يا معذبي قد شقيت في جنب رضاك في الهوى ما لقيت
لا تعجل بالله عليها فعسى أن تدركها برحمة إن بقيت وقوله:
يا سعد عساك تطرق الحي عساك قصدًا فإذا رأيت من حل هناك
قل صبك ما زال به الوجد إلى أن مات غرامًا أحسن الله عزاك وكتب إليه السراج الوراق لغزًا في مئذنة:
يا إمامًا له ضياء ذكاء يتلاشى له ضياء ذكاء
ما مسمى بالرفع يعرب والنص ب وإن كان مستقر البناء
علم مفرد فإن رفعوه رفعوه عمدًا لأجل النداء
أنثوه ومنه قد عرف التذكي ر فانظر تناقض الأشياء
وهو ظرف فأين من فيه ظرف ليجلي من هذه العمياء فأجاب (٢):.
_________________
(١) الفوات: تصحيح غرام كل.
(٢) بياض في الأصل بقدر ثلاثة أسطر.
[ ١ / ٨ ]
قال شمس الدين أحمد بن المنير في قاضي القضاة المذكور:
ليس شمس الضحى كأوصاف شمس الدي ن قاضي القضاة حاشا وكلا
تلك مهما علت محلا ثنت ظ لا وهذا مهما علا مد ظلا
[ ١ / ٩ ]