أبو بكر أحمد بن محمد بن الحسين الأرجاني الملقب ناصح الدين؛ - كان قاضي تستر وعسكر مكرم -، وله شعر رائق في نهاية الحسن، ذكره العماد الكاتب الأصبهاني في كتاب الخريدة فقال: كان الأرجاني في عنفوان عمره
_________________
(١) راجع ترجمة الأرجاني في طبقات السبكي ٤: ٥١ والوافي ٧، الورقة: ١٨١ والعبر ٤: ١٢١ والشذرات ٤: ١٣٧، وله ديوان مطبوع.
[ ١ / ١٥١ ]
بالمدرسة النظامية بأصبهان، وشعره من آخر عهد نظام الملك، منذ سنة نيف وثمانين وأربعمائة، إلى آخرعهده، وهو سنة أربع وأربعين وخمسمائة، ولم يزل نائب القاضي بعسكر مكرم، وهو مبجل مكرم، وشعره كثير والذي جمع منه لا يكون عشره، ولما وافيت عسكر مكرم سنة تسع وأربعين وخمسمائة لقيت بها ولده محمدًا رئيس الدين أعارني إضبارة كبيرة من شعر والده.
منبت شجرته أرجان، وموطن أسرته تستر وعسكر مكرم من خوزستان، وهو وإن كان في العجم مولده، فمن العرب محتده، سلفه القديم من الأنصار، لم يسمح بنظيره سالف الأعصار، أوسي الأس خزرجيه، قسي النطق إياديه، فارسي القلم وفارس ميدانه، وسلمان برهانه، من أبناء فارس الذين نالوا العلم المتعلق بالثريا، جمع بين العذوبة والطيب في الري والريا. انتهى كلام العماد.
قلت: ونقلت من ديوانه أنه كان ينوب في القضاء ببلاد خوزستان، تارة بتستر وتارة بعسكر مكرم، مرة عن قاضيها ناصر الدين أبي محمد عبد القاهر بن محمد، ومن بعده عن عماد الدين أبي العلاء رجاء، وفي ذلك يقول:
ومن النوائب أنني في مثل هذا الشغل نائب
ومن العجائب أن لي صبرًا على هذي العجائب وكان فقيهًا شاعرًا، وفي ذلك يقول:
أنا أشعر الفقهاء غير مدافعٍ في العصر، أو أنا أفقه الشعراء
شعري إذا ماقلت دونه الورى بالطبع لا بتكلف الإلقاء
كالصوت في قلل الجبال إذا علا للسمع هاج تجاوب الأصداء ومن شعره أيضًا:
شاور سواك إذا نابتك نائبة يومًا وإن كانت من أهل المشورات
فالعين تلقى كفاحًا ما دنا ونأى ولا ترى نفسها إلا بمرآة ومن شعره أيضًا:
[ ١ / ١٥٢ ]
ما جبت آفاق البلاد مطوفًا إلا وانتم في الورى متطلبي
سعيي إليكم في الحقيقة، والذي تجدون عنكم فهو سعي الدهر بي
أنحوكم ويرد وجهي القهقرى عنكم فسيري مثل سير الكوكب
فالقصد نحو المشرق الأقصى لكم والسير رأي العين نحو المغرب ومن شعره أيضًا ما كتبه إلى بعض الرؤساء يعتب عليه لعدم سؤاله عنه وقد انقطع عنه مدة:
نفسي فداؤك أيهذا الصاحب يا من هواه علي فرض واجب
لم طال تقصيري وما عاتبتني فأنا الغداة مقصر ومعاتب
ومن الدليل على ملالك أنني قد غبت أيامًا وما لي طالب
وإذا رأيت العبد يهرب ثم لم يطلب فمولى العبد منه هارب وله أيضًا، وهومعنى غريب:
رثى لي وقد ساويته في نحوله خيالي لما لم يكن لي راحم
فدلس بي حتى طرقت مكانه وأوهمت إلفي أنه بي حالم
وبتنا ولم يشعر بنا الناس ليلة أنا ساهر في جفنه وهو نائم وله من قصيدة وأجاد فيها:
تأمل تحت ذاك الصدغ خالًا لتعلم كم خبايا في الزوايا وله أيضًا:
شبت أنا والتحى حبيبي وبان عني وبنت عنه
وأبيض ذاك السواد مني وأسود ذاك البياض منه وله أيضًا:
سأل الفضا عنه وأصغى للصدى كيما يجيب فقال مثل مقاله
ناداه أين ترى محط رحاله فأجاب أين ترى محط رحاله
[ ١ / ١٥٣ ]
وله أيضًا:
لو كنت أجهل ما علمت (١) لسرني جهلي كما قد ساءني ما أعلم
كالصعو يرتع في الرياض، وإنما حبس الهزار لأنه يترنم (٢) ومثله قول بعضهم:
يقصد أهل الفضل دون الورى مصائب الدنيا وآفاتها
كالطير لا يحبس من بينها إلا التي تطرب أصواتها وهذا ينظر إلى قول الغزي أبي إسحاق المقدم ذكره من جملة قصيدة طويلة:
لا غرو أن تجني علي فضائلي سبب احتراق المندلي دخانه ونقتصر على هذه المقاطيع من شعره، ولا حاجة إلى ذكر شيء من قصائده المطولات خوفًا من الإطالة.
وله أيضًا:
أحب المرء ظاهره جميل لصاحبه وباطنه سليم
مودته تدوم لكل هول وهل كل مودته تدوم وهذا البيت - أعني الثاني منهما - يقرأ معكوسًا، ويوجد في ديوان الغزي المذكور أيضًا، والله أعلم.
وله ديوان شعر فيه كل معنى لطيف.
ومولده سنة ستين وأربعمائة، وتوفي في شهر ربيع الأول سنة أربع وأربعين وخمسمائة بمدينة تستر، رحمه الله تعالى، وقيل بعسكر مكرم.
والأرجاني - بفتح الهمزة وتشديد الراء المهملة وفتح الجيم وبعد الألف نون - هذه النسبة إلى أرجان، وهي من كور الهواز من بلاد خوزستان،
_________________
(١) هـ: ما أقول.
(٢) هـ: يتكلم؛ والصعو: عصفور صغير.
[ ١ / ١٥٤ ]
وأكثر الناس يقولون: إنها بالراء المخففة، واستعملها المتنبي في شعره مخففة في قوله (١):
أرجان أيتهاالجياد، فإنه عزمي الذي يذر (٢) الوشيج مكسرا وحكاها الجوهري في الصحاح، والحازمي في كتابه الذي سماه ما اتفق لفظه وافترق مسماه يتشديد الراء.
وتستر - بضم التاء المثناة من فوقها وسكون السين المهملة وفتح التاء الثانية وبعدها راء - مدينة مشهورة بخوزستان، والعامة تسميها ششتر.
وعسكر مكرم - قد اختلفوا في مكرم، فأكثر العلماء على أنه مكرم اخو مطرف بن سيدان بن عقيلة بن ذكوان بن حيان بن الخرزق بن عيلان بن حاوة بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار ابن معد بن عدنان، هكذا نسبه استخرجته على هذه الصورة من كتاب الجمهرة لابن الكلبي، وليس في نسبه باهلة، ومكرم المذكور يعرف بمكرم الباهلي الحاوي، والله اعلم. وقيل: هو مكرم أحد بني جعونة العامري.
وقيل: هو مكرم مولى الحجاج بن يوسف الثقفي، نزله لمحاربة خرزاد ابن بارس فسمي بذلك.
وخوزستان - بضم الخاء المعجمة وبعد الواو زاي ثم سين مهملة - وهوإقليم متسع بين البصرة وفارس.
_________________
(١) من قصيدته في مدح ابن العميد.
(٢) أ: يدع.
[ ١ / ١٥٥ ]
٦٤ - (١)