لما أدْركْت أَبَا فراس حِرْفَة الْأَدَب وأصابته عين الْكَمَال أسرته الرّوم فِي بعض وقائعها وَهُوَ جريح وَقد أَصَابَهُ سهم بَقِي نصله فِي فَخذه وَحصل مثخنا بخرشنة ثمَّ بقسطنطينية وتطاولت مدَّته بهَا لتعذر المفاداة وَقد قيل على كل نجح رَقِيب من الْآفَات وَقد كَانَت تصدر أشعاره فِي الْأسر وَالْمَرَض واستزادة سيف الدولة وفرط الحنين إِلَى أَهله وإخوانه وأحبابه والتبرم بِحَالهِ ومكانه عَن صدر حرج وقلب شج تزداد رقة ولطافة وتبكي سامعها وَتعلق بِالْحِفْظِ لسلاستها فَمِنْهَا قَوْله
(مَا للعبيد من الَّذِي يقْضِي بِهِ الله امْتنَاع)
(ذدت الْأسود عَن الفرائس ثمَّ تفرسني الضباع) // من الْكَامِل //
وَقَوله
(قد عذب الْمَوْت بأفواهنا وَالْمَوْت خير من مقَام الذَّلِيل)
(إِنَّا إِلَى الله لما نابنا وَفِي سَبِيل الله خير السَّبِيل) // من السَّرِيع //
[ ١ / ٨٥ ]
وَلما شقَّتْ فَخذه عَن نصل السهْم الَّذِي أَصَابَهُ قَالَ
(فَلَا تصفن الْحَرْب عِنْدِي فَإِنَّهَا طَعَامي مذ بِعْت الصِّبَا وشرابي)
(وَقد عرفت وَقع المسامير مهجتي وشقق عَن زرق النصول إهابي)
(ولججت فِي حُلْو الزَّمَان ومره وأنفقت من عمري بِغَيْر حِسَاب) // من الطَّوِيل //
وَقَالَ بخرشنة
(إِن زرت خرشنة أَسِيرًا فَلَقَد حللت بهَا مغيرا)
(وَلَقَد رَأَيْت النَّار تنتهب الْمنَازل والقصورا)
(وَلَقَد رَأَيْت السَّبي يجلب نحونا حوا وحورا)
(من كَانَ مثلي لم يبت إِلَّا أَمِيرا أَو أَسِيرًا)
(لَيست تحل سراتنا إِلَّا الصُّدُور أَو القبورا) // من الْكَامِل //
وَكتب إِلَى سيف الدولة قصيدة مِنْهَا
(دعوتك للجفن القريح المسهد لدي وللنوم الْقَلِيل المشرد)
(وَمَا ذَاك بخلا بِالْحَيَاةِ وَإِنَّهَا لأوّل مبذول لأوّل مجتد)
(وَلَا زَالَ عني أَن شخصا معرضًا لنبل العدا إِن لم يصب فَكَأَن قد)
(ولكنني أخْتَار موت بني أبي على سروات الْخَيل غير موسد)
(وآبى وتأبى أَن أَمُوت موسدا بأيدي النَّصَارَى موت أكمد أكبد)
(نضوت على الْأَيَّام ثوب جلادتي ولكنني لم أنض ثوب التجلد)
[ ١ / ٨٦ ]
(فَمن حسن صَبر بالسلامة وَاعد وَمن ريب دهر بالردى متوعدي)
(فمثلك من يدعى لكل عَظِيمَة ومثلي من يفْدي بِكُل مسود)
(تشبث بهَا أكرومة قبل فَوتهَا وقم فِي خلاصي صَادِق الْعَزْم واقعد)
(فَإِن تفتدوني تفتدوا شرف الْعلَا وأسرع عواد إِلَيْكُم معود)
(يدافع عَن أعراضكم بِلِسَانِهِ وَيضْرب عَنْكُم بالحسام المهند)
(مَتى تخلف الْأَيَّام مثلي لكم فَتى طَوِيل نجاد السَّيْف رحب الْمُقَلّد)
(وَلَا وَأبي مَا ساعدان كساعد وَلَا وَأبي مَا سيدان كسيد)
(وَإنَّك للْمولى الَّذِي بك أقتدي وَإنَّك للنجم الَّذِي بك أهتدي)
(وَأَنت الَّذِي عَرفتنِي طرق الْعلَا وَأَنت الَّذِي أهديتني كل مقصد)
(وَأَنت الَّذِي بلغتني كل غَايَة مشيت إِلَيْهَا فَوق أَعْنَاق حسدي)
(فيا ملبسي النعمى الَّتِي جلّ قدرهَا لقد أخلقت تِلْكَ الثِّيَاب فجدد)
(ألم تَرَ أَنِّي فِيك صافحت حَدهَا وفيك شربت الْمَوْت غير مصرد)
(وفيك لقِيت الْألف زرقا عيونها بسبعين فِيهَا كل أشأم أنكد)
(يَقُولُونَ جنب عَادَة مَا عرفتها شَدِيد على الْإِنْسَان مَا لم يعود)
(فَقلت أما وَالله مَا قَالَ قَائِل شهِدت لَهُ فِي الْخَيل ألأم مشْهد)
(وَلَكِن سألقاها فإمَّا منية هِيَ الظَّن أَو بُنيان عز مؤيد)
(وَلم أدر أَن الدَّهْر من عدد العدا وَأَن المنايا السود يرمين عَن يَد) // من الطَّوِيل //
[ ١ / ٨٧ ]
وَكتب إِلَى والدته وَقد ثقل من الْجراح الَّتِي بِهِ
(مصابي جليل والعزاء جميل وظني بِأَن الله سَوف يديل)
(جراح تحاماها الأساة مَخَافَة وسقمان باد مِنْهُمَا ودخيل)
(وَأسر أقاسيه وليل نجومه أرى كل شَيْء غَيْرهنَّ يَزُول)
(تطول بِي السَّاعَات وَهِي قَصِيرَة وَفِي كل دهر لَا يَسُرك طول)
(تناساني الْأَصْحَاب إِلَّا عِصَابَة ستلحق بِالْأُخْرَى غَدا وتحول)
(وَإِن الَّذِي يبْقى على الْعَهْد مِنْهُم وَإِن كثرت دَعوَاهُم لقَلِيل)
(أقلب طرفِي لَا أرى غير صَاحب يمِيل مَعَ النعماء حَيْثُ تميل)
(وصرنا نرى أَن المتارك محسن وَأَن خَلِيلًا لَا يضر وُصُول) // من الطَّوِيل //
كَأَنَّهُ مَأْخُوذ من قَول المتنبي
(إِنَّا لفي زمن ترك الْقَبِيح بِهِ من أَكثر النَّاس إنعام وإفضال) // من الْبَسِيط //
رَجَعَ
(تصفحت أَحْوَال الزَّمَان فَلم يكن إِلَى غير شَاك للزمان وُصُول)
(أكل خَلِيل أنكد غير منصف وكل زمَان بالكرام بخيل)
(نعم دعت الدُّنْيَا إِلَى الْغدر دَعْوَة أجَاب إِلَيْهَا عَالم وجهول)
(وَفَارق عَمْرو بن الزبير شقيقه وخلى أَمِير الْمُؤمنِينَ عقيل)
(فيا حسرتي من لي بخل مُوَافق أَقُول بشجوي مرّة وَيَقُول)
(وَإِن وَرَاء السّتْر أما بكاؤها عَليّ وَإِن طَال الزَّمَان طَوِيل)
(فيا أمتا لَا تعدمي الصَّبْر إِنَّه إِلَى الْخَيْر والنجح الْقَرِيب رَسُول)
(فيا أمتا لَا تحبطي الْأجر إِنَّه على قدر الصَّبْر الْجَمِيل جزيل)
[ ١ / ٨٨ ]
(تأسي كَفاك الله مَا تجدينه فقد غال هَذَا النَّاس قبلك غول)
(لقِيت نُجُوم الْأُفق وَهِي صوارم وخضت سَواد اللَّيْل وَهُوَ خُيُول)
(وَلم أرع للنَّفس الْكَرِيمَة خلة عَشِيَّة لم يعْطف عَليّ خَلِيل)
(وَلَكِن لقِيت الْمَوْت حَتَّى تركته وَفِيه وَفِي حد الحسام فلول)
(وَمن لم يُوقَ الله فَهُوَ ممزق وَمن لم يعز الله فَهُوَ ذليل)
(وَمن لم يردهُ الله فِي الْأَمر كُله فَلَيْسَ لمخلوق إِلَيْهِ سَبِيل)
وَكتب إِلَى سيف الدولة
(هَل تعطفان على العليل لَا بالأسير وَلَا الْقَتِيل)
(باتت تقلبه الأكف سَحَابَة اللَّيْل الطَّوِيل)
(فقد الضيوف مَكَانَهُ وبكاه أَبنَاء السَّبِيل)
(وتعطلت سمر الرماح وأغمدت بيض النصول)
(يَا فارج الكرب الْعَظِيم وَكَاشف الْخطب الْجَلِيل)
(كن يَا قوي لذا الضَّعِيف وَيَا عَزِيز لذا الذَّلِيل)
(قربه من سيف الْهدى فِي ظلّ دولته الظليل)
(لم أرو مِنْهُ وَلَا شفيت بطول خدمته غليلي)
(وَلَئِن حننت إِلَى ذراه لقد حننت إِلَى وُصُول)
(لَا بالقطوب وَلَا الغضوب وَلَا الكذوب وَلَا الملول)
(يَا عدتي فِي النائبات وظلتي عِنْد المقيل)
(أَيْن الْمحبَّة والذمام وَمَا وعدت من الْجَمِيل)
(احْمِلْ على النَّفس الْكَرِيمَة فِي وَالْقلب الحمول) // من الْكَامِل //
[ ١ / ٨٩ ]
وَكتب إِلَى والدته
(لَوْلَا الْعَجُوز بمنبج مَا خفت أَسبَاب المنيه)
(ولكان لي عَمَّا سَأَلت من الفدى نفس أَبِيه)
(لَكِن أردْت مرادها وَلَو انجذبت إِلَى الدنيه)
(أمست بمنبج حرَّة بالحزن من بعدِي حريه)
(فِيهَا التقى وَالدّين مجموعان فِي نفس زكيه)
(لَا زَالَ يطْرق منبجا فِي كل غادية تحيه)
(يَا أمتا لَا تحزني وثقي بِفضل الله فِيهِ)
(يَا أمتا لَا تيأسي لله ألطاف خفيه)
(أوصيك بِالصبرِ الْجَمِيل فَإِنَّهُ خير الوصيه) // من الْكَامِل //
وَكتب إِلَى غلامين لَهُ
(هَل تحسان لي رَفِيقًا رَفِيقًا يحفظ الود أَو صديقا صَدُوقًا)
(لَا رعى الله يَا خليلي دهرا فرقتنا صروفه تفريقا)
(كنت مولاكما وَمَا كنت إِلَّا والدا محسنا وَعَما شفيقا)
(فاذكراني وَكَيف لَا تذكراني كلما استخون الصّديق صديقا)
(بت أبكيكما وَإِن عجيبا أَن يبيت الْأَسير يبكي الطليقا) // من الْخَفِيف //
وَكتب إِلَى غُلَامه مَنْصُور
(مغرم مؤلم جريح أَسِير إِن قلبا يُطيق ذَا لصبور)
(وَكثير من الرِّجَال حَدِيد وَكثير من الْقُلُوب صخور)
(قل لمن حل بالشآم طليقا بِأبي قَلْبك الطليق الْأَسير)
[ ١ / ٩٠ ]
(أَنا أَصبَحت لَا أُطِيق حراكا كَيفَ أَصبَحت أَنْت يَا مَنْصُور) // من الْخَفِيف //
وَكتب إِلَيْهِ
(ارث لصب بك قد زِدْته على بلايا أسره أسرا)
(قد عدم الدُّنْيَا ولذاتها لكنه مَا عدم الصبرا)
(فَهُوَ أَسِير الْجِسْم فِي بَلْدَة وَهُوَ أَسِير الْقلب فِي أُخْرَى) // من السَّرِيع //
وَكتب إِلَيْهِ أَيْضا
(يَا ليل مَا أغفل عَمَّا بِي حبائبي فِيك وأحبابي)
(يَا ليل نَام النَّاس عَن موجع ناء على مضجعه نابي)
(هبت لَهُ ريح شآمية متت إِلَى الْقلب بِأَسْبَاب)
(أدَّت رسالات حبيب بهَا فهمتها من بَين أَصْحَابِي) // من السَّرِيع //
بَلغنِي أَن الصاحب كَانَ يستظرف هذَيْن الْبَيْتَيْنِ ويستملحهما وَيكثر الْإِعْجَاب بهما
وَكتب إِلَيْهِمَا
(لأيكم أذكر وَفِي أَيّكُم أفكر)
(وَكم لي على بلدتي بكاء ومستعبر)
(فَفِي حلب عدتي وعزي والمفخر)
(وَفِي منبج من رِضَاهُ أنفس مَا أذخر)
(وَمن حبها زلفة بهَا يكرم الْمَحْشَر)
(وأصبيه كالفراخ أكبرهم أَصْغَر)
[ ١ / ٩١ ]
(يخيل لي أَمرهم كَأَنَّهُمْ حضر)
(وَقوم ألفناهم وغصن الصِّبَا أَخْضَر)
(فحزني مَا يَنْقَضِي ودمعي مَا يفتر)
(أيا غفلتا كَيفَ لَا أَرْجَى كَمَا أحذر)
(وماذا الْقنُوط الَّذِي أرَاهُ وأستشعر)
(بلَى إِن لي سيدا مواهبه أَكثر)
(بذنبي أوردتني وَمن فضلك الْمصدر) // من المتقارب //
وَقَالَ وَقد حَضَره الْعِيد
(يَا عيد مَا عدت بمحبوب على معنى الْقلب مكروب)
(يَا عيد قد عدت إِلَى نَاظر عَن كل حسن فِيك مَحْجُوب)
(يَا وَحْشَة الدَّار الَّتِي رَبهَا أصبح فِي أَثوَاب مربوب)
(قد طلع الْعِيد على أَهلهَا بِوَجْه لَا حسن وَلَا طيب)
(مَا لي وللدهر وأحداثه لقد رماني بالأعاجيب) // من السَّرِيع //
وَقَالَ وَقد سمع حمامة تنوح بِقُرْبِهِ على شَجَرَة عالية
(أَقُول وَقد ناحت بقربي حمامة أيا جارتي هَل تشعرين بحالي)
(معَاذ الْهوى مَا ذقت طارقة الْهوى وَلَا خطرت مِنْك الهموم ببال)
(أتحمل محزون الْفُؤَاد قوادم على غُصْن نائي الْمسَافَة عالي)
[ ١ / ٩٢ ]
(أيا جارتا مَا أنصف الدَّهْر بَيْننَا تعالي أقاسمك الهموم تعالي)
(تعالي تري روحا لدي ضَعِيفَة تردد فِي جسم يعذب بالي)
(أيضحك مأسور وتبكي طليقة ويسكت محزون وَينْدب سالي)
(لقد كنت أولى مِنْك بالدمع مقلة وَلَكِن دمعي فِي الْحَوَادِث غالي) // من الطَّوِيل //
وَكتب إِلَى سيف الدولة
(أما لجميل عندكن ثَوَاب وَلَا لمسيء عندكن متاب)
(إِذا الْخلّ لم يهجرك إِلَّا ملالة فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا الْفِرَاق عتاب)
(إِذا لم أجد من خلة مَا أريده فعندي لأخرى عَزمَة وركاب)
(وَلَيْسَ فِرَاق مَا اسْتَطَعْت فَإِن يكن فِرَاق على حَال فَلَيْسَ إياب) // من الطَّوِيل //
أَخذه من قَول الْقَائِل وَهُوَ أَوْس بن حجر
(إِذا انصرفت نَفسِي عَن الشَّيْء لم تكد إِلَيْهِ بِوَجْه آخر الدَّهْر تقبل) // من الطَّوِيل //
رَجَعَ
(صبور وَلَو لم يبْق مني بَقِيَّة قؤول وَلَو أَن السيوف جَوَاب)
(وقور وأحداث الزَّمَان تنوشني وللموت حَولي جيئة وَذَهَاب)
(بِمن يَثِق الْإِنْسَان فِيمَا ينوبه وَمن أَيْن للْحرّ الْكَرِيم صِحَاب)
(وَقد صَار هَذَا النَّاس إِلَّا أقلهم ذئاب على أجسادهن ثِيَاب)
(تغابيت عَن قوم فظنوا غباوة بمفرق أغبانا حَصى وتراب)
[ ١ / ٩٣ ]
(وَلَو عرفوني بعض معرفتي بهم إِذا علمُوا أَنِّي شهِدت وغابوا)
(إِلَى الله أَشْكُو أننا بمنازل تحكم فِي آسادهن كلاب)
(تمر اللَّيَالِي لَيْسَ للنفع مَوضِع لدي وَلَا للمعتفين جناب)
(وَلَا شدّ لي سرج على متن سابح وَلَا ضربت لي بالعراء قباب)
(وَلَا برقتْ لي فِي اللِّقَاء قواطع وَلَا لمعت لي فِي الحروب حراب)
(ستذكر أيامي نمير وعامر وَكَعب على علاتها وكلاب)
(أَنا الْجَار لَا زادي بطيء عَلَيْهِم وَلَا دون مَا لي فِي الْحَوَادِث بَاب)
(وَلَا أطلب العوراء مِنْهَا أصيبها وَلَا عورتي للطالبين تصاب)
(بني عمنَا مَا يفعل السَّيْف فِي الوغى إِذا قل مِنْهُ مضرب وذباب)
(بني عمنَا نَحن السواعد والظبا ويوشك يَوْمًا أَن يكون ضراب)
(وَمَا أَدعِي مَا يعلم الله غَيره رحاب عَليّ للعفاة رحاب)
(وأفعاله للراغبين كَرِيمَة وأمواله للطالبين نهاب)
(وَلَكِن بِنَا مِنْهُ بكفي صارم وأظلم فِي عَيْني مِنْهُ شهَاب)
ألم فِيهِ بقول البحتري
(سَحَاب عداني جوده وَهُوَ ريق وبحر خطاني فيضه وَهُوَ مفعم)
(وَبدر أَضَاء الأَرْض شرقا ومغربا وَمَوْضِع رحلي مِنْهُ أسود مظلم) // من الطَّوِيل //
رَجَعَ
وَأَبْطَأ عني والمنايا سريعة وللموت ظفر قد أطل وناب)
(فَإِن لم يكن ود قريب تعده وَلَا نسب بَين الرِّجَال قرَاب)
(فأحوط لِلْإِسْلَامِ أَن لَا يضيعني ولي عَنهُ فِيهِ حوطة ومناب)
[ ١ / ٩٤ ]
(ولكنني رَاض على كل حَالَة لنعلم أَي الخلتين سراب)
(وَمَا زلت أرْضى بِالْقَلِيلِ محبَّة لَدَيْهِ وَمَا دون الْكثير حجاب)
(وأطلب إبْقَاء على الود أرضه وذكرى منى فِي غَيرهَا وطلاب)
(كَذَاك الوداد الْمَحْض لَا يرتجى لَهُ ثَوَاب وَلَا يخْشَى عَلَيْهِ عِقَاب)
وَمثله للمتنبي
(وَمَا أَنا بالباغي على الْحبّ رشوة ضَعِيف هوى يبغى عَلَيْهِ ثَوَاب) // من الطَّوِيل //
رَجَعَ
(وَقد كنت أخْشَى الهجر والشمل جَامع وَفِي كل يَوْم لقية وخطاب)
(فَكيف وَفِيمَا بَيْننَا ملك قَيْصر وللبحر حَولي زخرة وعباب)
(أَمن بعد بذل النَّفس فِيمَا تريده أثاب بمر العتب حِين أثاب)
(فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترْضى والأنام غضاب)
(وليت الَّذِي بيني وَبَيْنك عَامر وبيني وَبَين الْعَالمين خراب)
(إِذا صَحَّ مِنْك الود فَالْكل هَين وكل الَّذِي فَوق التُّرَاب تُرَاب)
وَكتب إِلَيْهِ
(بالكره مني واختيارك أَن لَا أكون حَلِيف دَارك)
(يَا تاركي إِنِّي لشكرك مَا حييت لغير تَارِك)
(كن كَيفَ شِئْت فإنني ذَاك المواسي والمشارك) // من الْكَامِل //
وَكتب إِلَيْهِ
(أَبى غرب هَذَا الدمع إِلَّا تسرعا ومكنون هَذَا الْحبّ إِلَّا تضوعا)
[ ١ / ٩٥ ]
(وَكنت أرى أَنِّي مَعَ الصَّبْر وَاجِد وَإِذا شِئْت لي ممضى وَإِن شِئْت مرجعا)
(فَلَمَّا اسْتمرّ الْحبّ فِي غلوائه رعيت مَعَ المضياعة الغر مَا رعى)
(فحزني حزن الهائمين مبرحا وسري سر العاشقين مضيعا)
(وهبت شَبَابِي والشباب مضنة لأبلج من أَبنَاء عمي أروعا)
(أَبيت معنى من مَخَافَة عَتبه وَأصْبح مَحْزُونا وأمسي مروعا)
(فَلَمَّا مضى عصر الشبيبة كُله وفارقني شرخ الشَّبَاب فودعا)
(تطلبت بَين العتب والهجر فُرْجَة فحاولت أمرا لَا يرام ممنعا)
(وصرت إِذا مَا رمت فِي الْخَيْر لَذَّة تتبعتها بَين الهموم تتبعا)
(وَهَا أَنا قد حلى الزَّمَان مفارقي وتوجني بالشيب تاجا مرصعا)
(فَلَو أنني مكنت مِمَّا أريده من الْعَيْش يَوْمًا لم أجد فِي موضعا)
(أما لَيْلَة تمْضِي وَلَا بعض لَيْلَة أسر بهَا هَذَا الْفُؤَاد المفجعا)
(أما صَاحب فَرد يَدُوم وفاؤه فيصفى لمن يصفى ويرعى لمن رعى)
(أَفِي كل دَار لي صديق أوده إِذا مَا تفرقنا حفظت وضيعا)
(إِذا خفت من أخوالي الرّوم خطة تخوفت من أعمامي الْعَرَب أَرْبعا)
(وَإِن أوجعتني من أعادي شِيمَة لقِيت من الأحباب أدهى وأوجعا)
(وَلَو قد رَجَوْت الله لَا شَيْء غَيره رجعت إِلَى آلي وأملت أوسعا)
(لقد قنعوا بعدِي من الْقطر بالندى وَمن لم يجد إِلَّا القنوع تقنعا)
(وَمَا مر إِنْسَان فأخلف مثله وَلَكِن يُرْجَى النَّاس أمرا مرقعا)
[ ١ / ٩٦ ]
(تنكر سيف الدّين لما عتبته وَعرض بِي تَحت الْكَلَام وقرعا)
(فقولا لَهُ من صَادِق الود إِنَّنِي جعلتك مِمَّا رَابَنِي مِنْك مفزعا)
(وَلَو أنني أكننته فِي جوانحي لأورق مَا بَين الضلوع وفرعا)
(فَلَا تغترر بِالنَّاسِ مَا كل من ترى أَخُوك إِذا أَوضعت فِي الْأَمر أوضعا)
(فَللَّه إِحْسَان عَليّ ونعمة وَللَّه صنع قد كفاني التصنعا)
(أَرَانِي طرق المكرمات كَمَا رأى عَليّ وأسعى لي عليا كَمَا سعى)
(فَإِن يَك بطء مرّة فلطالما تعجل بِي نَحْو الْجَمِيل فأسرعا)
(وَإِن يجِف فِي بعض الْأُمُور فإنني لأشكره النعمى الَّتِي كَانَ أودعا)
(وَإِن يستجد النَّاس بعدِي فَلم يزل بِذَاكَ البديل المستجد ممتعا) // من الطَّوِيل //
وَكتب إِلَيْهِ أَبُو فراس مفاداتي إِن تَعَذَّرَتْ عَلَيْك فَأذن لي فِي مُكَاتبَة أهل خُرَاسَان ومراسلتهم ليفادوني وينوبوا عَنْك فِي أَمْرِي فَأَجَابَهُ سيف الدولة بِكَلَام حسن وَقَالَ لَهُ وَمن يعرفك بخراسان فَكتب إِلَيْهِ أَبُو فراس
(أسيف الْهدى وقريع الْعَرَب إلام الْجفَاء وفيم الْغَضَب)
(وَمَا بَال كتبك قد أَصبَحت تنكبني مَعَ هذي النكب)
(وَأَنت الْكَرِيم وَأَنت الْحَلِيم وَأَنت العطوف وَأَنت الحدب)
(وَمَا زلت تسعفني بالجميل وتنزلني بِالْمَكَانِ الخصب)
(وَإنَّك للجبل المشمخر لي بل لقَوْمك بل للْعَرَب)
(علا يُسْتَفَاد وعاف يفاد وَعز يشاد ونعمى ترب)
(وَمَا غض مني هَذَا الإسار وَلَكِن خلصت خلوص الذَّهَب)
[ ١ / ٩٧ ]
(فَفِيمَ يقرعني بالخمول مولى بِهِ نلْت أَعلَى الرتب)
(وَكَانَ عتيدا لدي الْجَواب وَلَكِن لهيبته لم أجب)
(أتنكر أَنِّي شَكَوْت الزَّمَان وَأَنِّي عتبتك فِيمَن عتب)
(فألا رجعت فأعتبتني وصيرت لي ولقومي الغلب)
(فَلَا تنسبن إِلَيّ الخمول عَلَيْك أَقمت فَلم أغترب)
(وأصبحت مِنْك فَإِن كَانَ فضل وَإِن كَانَ نقص فَأَنت السَّبَب)
(وَإِن خُرَاسَان إِن أنْكرت علاي فقد عرفتها حلب)
(وَمن أَيْن ينكرني الأبعدون أَمن نقص جد أَمن نقص أَب)
(أَلَسْت وَإِيَّاك من أسرة وبيني وَبَيْنك عرق النّسَب)
(وداد تناسب فِيهِ الْكِرَام وتربية وَمحل أشب)
(وَنَفس تكبر إِلَّا عَلَيْك وترغب إلاك عَمَّن رغب)
(فَلَا تعدلن فدَاك ابْن عمك لَا بل غلامك عَمَّا يجب)
(وأنصف فتاك فإنصافه من الْفضل وَالنّسب المكتسب)
(فَكنت الحبيب وَكنت الْقَرِيب ليَالِي أَدْعُوك من عَن كثب)
(فَلَمَّا بَعدت بَدَت جفوة ولاح من الْأَمر مَا لَا أحب)
(فَلَو لم أكن بك ذَا خبْرَة لَقلت صديقك من لم يغب) // من المتقارب //
وَكتب إِلَيْهِ أَيْضا
(زماني كُله غضب وعتب وَأَنت عَليّ وَالْأَيَّام ألب)
(وعيش الْعين لديك سهل وعيشي وَحده بفناك صَعب)
(فَكيف وَأَنت دَافع كل خطب مَعَ الْخطب الملم عَليّ خطب)
[ ١ / ٩٨ ]
(فَلَا تحمل على قلب جريح بِهِ لحوادث الْأَيَّام ندب)
(أمثلي تقبل الْأَقْوَال فِيهِ وَمثلك يسْتَمر عَلَيْهِ كذب)
(جناني مَا علمت ولي لِسَان يقد الدرْع وَالْإِنْسَان عضب)
(وزندي وَهُوَ زندك لَيْسَ يكبو وناري وَهِي نارك لَيْسَ تخبو)
(وفرعي فرعك السَّامِي المعلي وأصلي أصلك الزاكي وَحسب)
(وفضلي تعجز الْفُضَلَاء عَنهُ لِأَنَّك أَصله وَالْمجد ترب)
(فدت نَفسِي الْأَمِير وَكَانَ حظي وقربي عِنْده مَا دَامَ قرب)
(فَلَمَّا حَالَتْ الْأَعْدَاء دوني وَأصْبح بَيْننَا بَحر ودرب)
(ظللت تبدل الْأَقْوَال بعدِي ويبلغني اغتيابك مَا يغب)
(فَقل مَا شِئْت فِي فلي لِسَان مَلِيء بالثناء عَلَيْك رطب)
(وقابلني بإنصاف وظلم تجدني فِي الْجَمِيع كَمَا تحب) // من الوافر //
وَبلغ أَبَا فراس أَن والدته قصدت حَضْرَة سيف الدولة من منبج تكَلمه فِي المفاداة وتتضرع إِلَيْهِ فَلم يكن عِنْده مَا رجت من حسن الْإِيجَاب وَوَافَقَ ذَلِك عنفا من الدمستق بِأبي فراس وَمن مَعَه من الأسرى وَزِيَادَة فِي إرهاقهم فَكتب إِلَى سيف الدولة
(يَا حسرة مَا أكاد أحملها آخرهَا مزعج وأولها)
(عليلة بالشآم مُفْردَة بَات بأيدي العدى معللها)
[ ١ / ٩٩ ]
(إِذا اطمأنت وَأَيْنَ أَو هدأت عنت لَهَا ذكرة تقلقلها)
(تسْأَل عَنَّا الركْبَان جاهدة بأدمع مَا تكَاد تمهلها)
(يَا من رأى لي بحصن خرشنة أَسد شرى فِي الْقُيُود أرجلها)
(يَا من رأى فِي الدروب شامخة دون لِقَاء الحبيب أطولها)
(يَا أَيهَا الراكبان هَل لَكمَا فِي حمل نجوى يخف محملها)
(يَا أمتا هَذِه مَنَازلنَا نتركها تَارَة وننزلها) // من المنسرح //
وَمِنْهَا
(يَا سيدا مَا تعد مكرمَة إِلَّا وَفِي راحتيك أكملها)
(لَيست تنَال الْقُيُود من قدمي وَفِي اتباعي رضاك أحملها)
(لَا تتيمم وَالْمَاء تُدْرِكهُ غَيْرك يرضى الصُّغْرَى ويقبلها)
(أَنْت سَمَاء وَنحن أنجمها أَنْت بِلَاد وَنحن أجبلها)
(أَنْت سَحَاب وَنحن وابله أَنْت يَمِين وَنحن أشملها)
(بِأَيّ عذر رددت والهة عَلَيْك دون الورى معولها)
(جاءتك تمتاح رد وَاحِدهَا ينْتَظر النَّاس كَيفَ تقفلها)
(تِلْكَ الْعُقُود الَّتِي عقدت لنا كَيفَ وَقد أحكمت تحللها)
(أرحامنا مِنْك لم تقطعها وَلم تزل دائبا توصلها)
(سمحت مني بمهجة كرمت أَنْت على يأسها مؤملها)
(إِن كنت لم تبذل الْفِدَاء لَهَا فَلم أزل فِي هَوَاك أبذلها)
(تِلْكَ المودات كَيفَ تهملها تِلْكَ المواعيد كَيفَ تغفلها)
[ ١ / ١٠٠ ]
(أَيْن الْمَعَالِي الَّتِي عرفت بهَا تَقُولهَا دائبا وتفعلها)
(يَا وَاسع الدَّار كَيفَ توسعها وَنحن فِي صَخْرَة نزلزلها)
(يَا ناعم الثَّوْب كَيفَ تبدله ثيابنا الصُّوف مَا نبدلها)
(يَا رَاكب الْخَيل لَو بصرت بِنَا نحمل أقيادنا وننقلها)
(رَأَيْت فِي الضّر أوجها كرمت فَارق فِيك الْجمال أجملها)
(قد أثر الدَّهْر فِي محاسنها تعرفها تَارَة وتجهلها)
(لَا يفتح النَّاس بَاب مكرمَة صَاحبهَا المستغاث يقفلها)
(أينبري دُونك الْكِرَام لَهَا وَأَنت قمقامها وأجملها)
(وَأَنت إِن عز حَادث جلل قَلبهَا المرتجى وحولها)
(مِنْك تردى بِالْفَضْلِ أفضلهَا مِنْك أَفَادَ النوال أنولها)
(فَإِن سَأَلنَا سواك عارفة فَبعد قطع الرَّجَاء نسألها)
(لم يبْق فِي النَّاس أمة عرفت إِلَّا وَفضل الْأَمِير يشملها)
(نَحن أَحَق الورى برأفته فَأَيْنَ عَنَّا وَكَيف معدلها)
(يَا منفق المَال لَا يُرِيد بِهِ إِلَّا الْمَعَالِي الَّتِي يؤثلها)
(أَصبَحت تشري مكارما فضلا فداؤنا مَا علمت أفضلهَا)
(لَا يقبل الله قبل فرضك ذَا نَافِلَة عِنْده تنفلها)
وَكتب إِلَى أبي الْمَعَالِي وَأبي المكارم ابْني سيف الدولة
(يَا سَيِّدي أراكما لَا تذكران أخاكما)
[ ١ / ١٠١ ]
(أوجدتما بَدَلا بِهِ يَبْنِي سَمَاء علاكما)
(أوجدتما بَدَلا بِهِ يفري نحور عداكما)
(من ذَا يعاب بِمَا لقِيت من الورى إلاكما)
(لَا تقعدا بِي بعْدهَا وسلا الْأَمِير أَبَاكُمَا)
(وخذا فداي جعلت من ريب الْمنون فداكما) // من الْكَامِل //
وَقَالَ لما طَال أسره يسب الشامتين ويتشوق مَحَله بمنبج
(قف فِي رسوم المستجاب وناد أكناف الْمصلى)
(تِلْكَ الْمنَازل والملاعب لَا أَرَاهَا الله محلا)
(أوطنتها زمن الصِّبَا وَجعلت منبج لي محلا)
(حَيْثُ الْتفت رَأَيْت مَاء سائحا وسكنت ظلا)
(وَالْمَاء يفصل بَين زهر الرَّوْض فِي الشطين فصلا)
(كبساط وشي جردت أَيدي القيون عَلَيْهِ نصلا)
(من كَانَ سر بِمَا عراني فليمت ضرا وهزلا)
(مَا غض مني حَادث وَالْقَرْمُ قرم حَيْثُ حلا)
(أَنِّي حللت فَإِنَّمَا يدعونني السَّيْف الْمحلى)
(وَلَئِن خلصت فإنني شَرق العدا طفْلا وكهلا)
(مَا كنت إِلَّا السَّيْف زَاد على صروف الدَّهْر صقلا)
[ ١ / ١٠٢ ]
(وَلَئِن قتلت فَإِنَّمَا موت الْكِرَام الصَّيْد قَتْلَى)
(يغتر بالدنيا الجهول وَلَيْسَ بالدنيا مملى) // من الْكَامِل //
وَقَالَ من قصيدة
(أَرَاك عصي الدمع شيمتك الصَّبْر أما للهوى نهي عَلَيْك وَلَا أَمر)
(بلَى أَنا مشتاق وَعِنْدِي لوعة وَلَكِن مثلي لَا يذاع لَهُ سر)
(إِذا اللَّيْل أضوى بِي بسطت يَد الرجا وأذللت دمعا من خلائقه الْكبر)
(تكَاد تضيء النَّار بَين جوانحي إِذا هِيَ أذكتها الصبابة والفكر) // من الطَّوِيل //
وَمِنْهَا
(وَإِنِّي لجرار لكل كَتِيبَة معودة أَن لَا يخل بهَا النَّصْر)
(وأصدأ حَتَّى ترتوي الْبيض والقنا وأسغب حَتَّى يشْبع الذِّئْب والنسر)
وَمِنْهَا
(أسرت وَمَا صحبي بعزل لَدَى الوغى وَلَا فرسي مهر وَلَا ربه غمر)
(وَلَكِن إِذا حم الْقَضَاء على امْرِئ فَلَيْسَ لَهُ بر يَقِيه وَلَا بَحر)
(وَقَالَ أصيحابي الْفِرَار أَو الردى فَقلت هما أَمْرَانِ أحلاهما مر)
(ولكنني أمضي لما لَا يعيبني وحسبك من أَمريْن خيرهما الْأسر)
(وَلَا خير فِي دفع الردى بمذلة كَمَا ردهَا يَوْمًا بسوأته عَمْرو)
[ ١ / ١٠٣ ]
وَكتب إِلَى سيف الدولة قصيدة مِنْهَا
(مَا لي جزعت من الخطوب وَإِنَّمَا أَخذ الْإِلَه لبَعض مَا أَعْطَانِي)
(إِن لم تكن طَالَتْ سني فَإِن لي رَأْي الكهول ونجدة الشبَّان)
(قمن بِمَا سر الأعادي موقفي والدهر برز لي مَعَ الأقران)
(يَا دهر خُنْت مَعَ الأصادق خلتي وغدرت بِي فِي جملَة الإخوان)
(لَكِن سيف الدولة الْمولى الَّذِي لم أنسه وَأرَاهُ لَا ينساني)
(أيضيعني من لم يزل لي حَافِظًا كرما ويخفضني الَّذِي أعلاني)
(إِنِّي أغار على مَكَاني أَن أرى فِيهِ رجَالًا لَا تسد مَكَاني) // من الْكَامِل //
وَقَالَ من قصيدة
(يعز على الْأَحِبَّة بالشآم حبيب بَات مَمْنُوع الْمَنَام)
(وَإِنِّي للصبور على الرزايا وَلَكِن الْكَلَام على الْكَلَام)
(جروح مَا يزلن يردن مني على جرح قريب الْعَهْد دَامَ)
(تأملني الدمستق إِذْ رَآنِي فأبصر صِيغَة اللَّيْث الْهمام)
(أتنكرني كَأَنَّك لست تَدْرِي بِأَنِّي ذَلِك البطل المحامي)
(فَلَا هنئتها نعمى بأخذي وَلَا وصلت سعودك بالتمام)
(أما من أعجب الْأَشْيَاء علج يعرفنِي الْحَلَال من الْحَرَام)
(وتكنفه بطارقة تيوس تباري بالعثانين الضخام)
[ ١ / ١٠٤ ]
(لَهُم خلق الْحمير فلست تلقى فَتى مِنْهُم يسير بِلَا حزَام)
(يريغون الْعُيُوب وأعجزتهم وَأي الْعَيْب يُوجد فِي الحسام)
(ثَنَاء طيب لَا خلف فِيهِ وآثار كآثار الْغَمَام)
(ألاز على التَّعَرُّض للمنايا ولي سمع أَصمّ عَن الملام)
(بَنو الدُّنْيَا إِذا مَاتُوا سَوَاء وَلَو عمر المعمر ألف عَام)
(أَلا يَا صَاحِبي تذكراني إِذا مَا شمتما الْبَرْق الشآمي)
(إِذا مَا لَاحَ لي لمعان برق بعثت إِلَى الْأَحِبَّة بِالسَّلَامِ) // من الوافر //
وَكتب إِلَيْهِ ابْن الأسمر يوصيه بِالصبرِ فَأَجَابَهُ
(ندبت لحسن الصَّبْر قلب نجيب وناديت بِالتَّسْلِيمِ خير مُجيب)
(وَلم يبْق مني غير قلب مشيع وعود على نَاب الزَّمَان صَلِيب)
(وَقد علمت أُمِّي بِأَن منيتي بِحَدّ حسام أَو بِحَدّ قضيب)
(كَمَا علمت من قبل أَن يغرق ابْنهَا بمهلكه فِي المَاء أم شبيب) // من الطَّوِيل //
كَانَت أم شبيب رَأَتْ فِي منامها وَهِي حُبْلَى كَأَن نَار أخرجت من بَطنهَا فاشتعلت الْآفَاق ثمَّ وَقعت فِي المَاء فانطفأت فَلَمَّا كَانَ من أمره مَا كَانَ ونعى إِلَيْهَا لم تصدق حَتَّى قيل إِنَّه قد غرق فِي المَاء فأقامت المناحة
(تجشمت خوف الْعَار أعظم خطة وأملت نصرا كَانَ غير قريب)
(وللعار خلى رب غَسَّان ملكه وَفَارق دين الله غير مُصِيب)
[ ١ / ١٠٥ ]
(وَلم يرتغب فِي الْعَيْش عِيسَى بن مُصعب وَلَا خف خوف بالحزون خبيب)
وأحفظ أَبُو فراس الدمستق فِي مناظرة جرت بَينهمَا فَقَالَ لَهُ الدمستق إِنَّمَا أَنْتُم كتاب وَلَا تعرفُون الْحَرْب فَقَالَ لَهُ أَبُو فراس نَحن نَطَأ أَرْضك مُنْذُ سِتِّينَ سنة بِالسُّيُوفِ أم بالأقلام ثمَّ قَالَ
(أتزعم يَا ضخم اللغاديد أننا وَنحن أسود الْحَرْب لَا نَعْرِف الحربا)
(فويلك من للحرب إِن لم نَكُنْ لَهَا وَمن ذَا الَّذِي يُضحي ويمسي لَهَا تربا)
(وَمن ذَا يكف الْجَيْش من جنباته وَمن ذَا يَقُود الْعين أَو يصدم القلبا)
(وويلك من أردى أَخَاك بمرعش وجلل ضربا وَجه والدك العضبا)
(وويلك من خلى ابْن أختك موثقًا وخلاك باللقان تبتدر الشعبا)
(أتوعدنا بِالْحَرْبِ حَتَّى كأننا وَإِيَّاك لم يعصب بهَا قلبنا عصبا)
(لقد جمعتنَا الْحَرْب من قبل هَذِه فَكُنَّا بهَا أسدا وَكنت بهَا كَلْبا)
(وسل برد سل عَنَّا أَبَاك وصهره وسل أهل برداليس أعظمهم خطبا)
(وسل قرقاشا والشمقمق صهره وسل سبطه البطريق أثبتهم قلبا)
(وسل صيدكم آل الملابين إننا نهبنا ببيض الْهِنْد عرضهمْ نهبا)
(وسل أهل بيرام وَأهل بلنطس وسل آل شنوان الخناجرة الغلبا)
(وسل بالبطرصيس العساكر كلهَا وسل بالمسيطر ناطس الرّوم والعربا)
[ ١ / ١٠٦ ]
(ألم تكفهم قتلا ونهبا سُيُوفنَا وَأسد الشرى الملأى وَإِن جمدت رعْبًا)
(بأقلامنا أجحرت أم بسيوفنا وَأسد الشرى قدنا إِلَيْك أم الكتبا)
(تفاخرنا بِالضَّرْبِ والطعن والقنا لقد أوسعتك النَّفس يَا ابْن استها كذبا)
(رعى الله أوفانا إِذا قَالَ ذمَّة وأنفذنا طَعنا وأثبتنا ضربا) // من الطَّوِيل //
وَقَالَ من قصيدة
(خليلي مَا أعددتما لمتيم أَسِير لَدَى الْأَعْدَاء جافى المراقد)
(فريد عَن الأحباب لَكِن دُمُوعه مثان على الْخَدين غير فرائد)
(جمعت سيوف الْهِنْد من كل وجهة وأعددت للأعداء كل مجَالد)
(إِذا كَانَ غير الله للمرء عدَّة أَتَتْهُ الرزايا من وُجُوه الْفَوَائِد)
(فقد جرت الحنفاء حتف حُذَيْفَة وَكَانَ يَرَاهَا عدَّة للشدائد)
(وَجَرت منايا مَالك بن نُوَيْرَة عقيلته الْحَسْنَاء أَيَّام خَالِد)
(وأردى ذؤابا فِي بيُوت عتيبة بنوه وأهلوه بشدو القصائد) // من الطَّوِيل //
وَلما خفف عَن أبي فراس ورفه ونوظر فِي أَمر الْهُدْنَة وَالْأسَارَى وَأجِيب إِلَى ملتمسه بعد أَن أكْرم وبجل قَالَ
(وَللَّه عِنْدِي فِي الإسار وَغَيره مواهب لم يخصص بهَا أحد قبلي)
(حللت عقودا أعجز النَّاس حلهَا وَمَا زلت لَا عقدي يذم وَلَا حلي)
[ ١ / ١٠٧ ]
(إِذا عاينتني الرّوم قد ذل صيدها كَأَنَّهُمْ أسرى يَدي بِلَا كبل)
(وأوسع أَيَّامًا حللت كَرَامَة كَأَنِّي من أَهلِي نقلت إِلَى أَهلِي)
(فأبلغ بني عمي وأبلغ بني أبي بِأَنِّي فِي نعماء يشكرها مثلي)
(وَمَا شَاءَ رَبِّي غير نشر محاسني وَأَن يعرفوا مَا قد عَرَفْتُمْ من الْفضل) // من الطَّوِيل //