ذكرت الروَاة أَنه ولد بِالْكُوفَةِ فِي كِنْدَة سنة ثَلَاث وثلاثمائة وَأَن أَبَاهُ سَافر إِلَى بِلَاد الشَّام فَلم يزل يَنْقُلهُ من باديتها إِلَى حضرها وَمن مدرها إِلَى وبرها ويسلمه فِي الْمكَاتب ويردده فِي الْقَبَائِل ومخايله نواطق الْحسنى عَنهُ
وضوامن النجح فِيهِ حَتَّى توفّي أَبوهُ وَقد ترعرع أَبُو الطّيب وَشعر وبرع وَبلغ من كبر نَفسه وَبعد همته أَن دَعَا إِلَى بيعَته قوما من رائشي نبله على الحداثة من سنه والغضاضة من عوده
وَحين كَاد يتم لَهُ أَمر دَعوته تأدى خَبره إِلَى وَالِي الْبَلدة وَرفع إِلَيْهِ مَا هم بِهِ من الْخُرُوج فَأمر بحبسه وتقييده وَهُوَ الْقَائِل فِي الْحَبْس قصيدته الَّتِي أَولهَا
(أيا خدد الله ورد الخدود وَقد قدود الحسان القدود) // من المتقارب //
وَمِنْهَا استعطافه ذَلِك الْأَمِير والتنصل مِمَّا قذف بِهِ
(أمالك رقي وَمن شَأْنه هبات اللجين وَعتق العبيد)
(دعوتك عِنْد انْقِطَاع الرَّجَاء وَالْمَوْت مني كحبل الوريد)
(دعوتك لما براني البلى وأوهن رجْلي ثقل الْحَدِيد)
وَمِنْهَا
(وَقد كَانَ مشيهما فِي النِّعَال فقد صَار مشيهما فِي الْقُيُود)
(وَكنت من النَّاس فِي محفل فها أَنا فِي محفل من قرود)
(تعجل فِي وجوب الْحُدُود وحدي قبل وجوب السُّجُود)
[ ١ / ١٤١ ]
أَي إِنَّمَا تجب الْحُدُود على الْبَالِغ وَأَنا صبي لم تجب عَليّ الصَّلَاة بعد وَيجوز أَن يكون قد صغر سنه وَأمر نَفسه عِنْد الْوَالِي لِأَن من كَانَ صَبيا لم يظنّ بِهِ اجْتِمَاع النَّاس إِلَيْهِ للشقاق وَالْخلاف
وَمن شعره فِي الْحَبْس مَا كتب بِهِ إِلَى صديق لَهُ قد كَانَ أنفذ إِلَيْهِ مبرة
(أَهْون بطول الثواء والتلف والسجن والقيد يَا أَبَا دلف)
(غير اخْتِيَار قبلت برك بِي والجوع يُرْضِي الْأسود بالجيف) // من المنسرح //
يشبه قَول أبي عُيَيْنَة
(مَا أَنْت إِلَّا كلحم ميت دَعَا لي إِلَى أكله اضطرار) // من مخلع الْبَسِيط //
رَجَعَ
(كن أَيهَا السجْن كَيفَ شِئْت فقد وطنت للْمَوْت نفس معترف)
(لَو كَانَ سكناي فِيك منقصة لم يكن الدّرّ سَاكن الصدف)
ويحكى أَنه تنبأ فِي صباه وَفتن شرذمة بِقُوَّة أدبه وَحسن كَلَامه وَحكى أَبُو الْفَتْح عُثْمَان بن جني قَالَ سَمِعت أَبَا الطّيب يَقُول إِنَّمَا لقبت بالمتنبي لقولي
(أَنا ترب الندى وَرب القوافي وسمام العدا وغيظ الحسود)
(أَنا فِي أمة تداركها الله غَرِيب كصالح فِي ثَمُود) // من الْخَفِيف //
وَفِي هَذِه القصيدة يَقُول
(مَا مقَامي بِأَرْض نَخْلَة إِلَّا كمقام الْمَسِيح بَين الْيَهُود)
وَمَا زَالَ فِي برد صباه إِلَى أَن أخلق برد شبابه وتضاعفت عُقُود عمره يَدُور حب الْولَايَة والرياسة فِي رَأسه وَيظْهر مَا يضمر من كامن وسواسه فِي الْخُرُوج
[ ١ / ١٤٢ ]
على السُّلْطَان والاستظهار بالشجعان والاستيلاء على بعض الْأَطْرَاف ويستكثر من التَّصْرِيح بذلك فِي مثل قَوْله
(لقد تصبرت حَتَّى لات مصطبر فَالْآن أقحم حَتَّى لات مقتحم)
(لأتركن وُجُوه الْخَيل ساهمة وَالْحَرب أقوم من سَاق على قدم)
(والطعن يحرقها والزجر يقلقها حَتَّى كَأَن بهَا ضربا من اللمم)
(قد كلمتها العوالي فَهِيَ كالحة كَأَنَّمَا الصاب مذرور على اللجم)
(بِكُل منصلت مَا زَالَ منتظري حَتَّى أدلت لَهُ من دولة الخدم)
(شيخ يرى الصَّلَوَات الْخمس نَافِلَة ويستحل دم الْحجَّاج فِي الْحرم) // من الْبَسِيط //
وَقَوله
(سأطلب حَقي بالقنا ومشايخ كَأَنَّهُمْ من طول مَا التثموا مرد)
(ثقال إِذا لاقوا خفاف إِذا دعوا كثير إِذا شدوا قَلِيل إِذا عدوا)
(وَطعن كَأَن الطعْن لَا طعن بعده وَضرب كَأَن النَّار من حره برد)
(إِذا شِئْت حفت بِي على كل سابح رجال كَأَن الْمَوْت فِي فمها شهد) // من الطَّوِيل //
وَقَوله
(وَلَا تحسبن الْمجد زقا وقينة فَمَا الْمجد إِلَّا السَّيْف والفتكة الْبكر)
(وتضريب أَعْنَاق الْمُلُوك وَأَن ترى لَك الهبوات السود والعسكر المجر)
[ ١ / ١٤٣ ]
(وتركك فِي الدُّنْيَا دويا كَأَنَّمَا تداول سمع الْمَرْء أنمله الْعشْر) // من الطَّوِيل //
وَقَوله
(وَإِن عمرت جعلت الْحَرْب وَالِدَة والسمهري أَخا والمشرفي أَبَا)
(بِكُل أَشْعَث يلقى الْمَوْت مُبْتَسِمًا حَتَّى كَأَن لَهُ فِي قَتله أربا)
(قح يكَاد صَهِيل الْخَيل يقذفه من سَرْجه مرحا للعز أَو طَربا)
(الْمَوْت أعذر لي وَالصَّبْر أجمل بِي وَالْبر أوسع وَالدُّنْيَا لمن غلبا) // من الْبَسِيط //
وَكَانَ كثيرا مَا يتجشم أسفارا بعيدَة أبعد من آماله وَيَمْشي فِي مناكب الأَرْض ويطوي المناهل والمراحل وَلَا زَاد إِلَّا من ضرب الحراب على صفحة الْمِحْرَاب
وَلَا مَطِيَّة إِلَّا الْخُف أَو النَّعْل كَمَا قَالَ
(لَا نَاقَتي تقبل الرديف وَلَا بِالسَّوْطِ يَوْم الرِّهَان أجهدها)
(شراكها كورها ومشفرها زمامها والشسوع مقودها) // من المنسرح //
وَإِنَّمَا ألم فِي هَذَا الْمَعْنى بِأبي نواس فِي قَوْله
(إِلَيْك أَبَا الْعَبَّاس من بَين من مَشى عَلَيْهَا امتطينا الْحَضْرَمِيّ الملسنا)
(قَلَائِص لم تعرف حنينا على طلا وَلم تدر مَا قرع الفنيق وَلَا الهنا) // من الطَّوِيل //
[ ١ / ١٤٤ ]
وكما قَالَ فِي شكوى الدَّهْر وَوصف الْخُف
(أظمتني الدُّنْيَا فَلَمَّا جِئْتهَا مستسقيا مطرَت عَليّ مصائبا)
(وحبيت من خوص الركاب بأسود من دارش فَغَدَوْت أَمْشِي رَاكِبًا) // من الْكَامِل //
وكما قَالَ فِي الِاعْتِدَاد بالرحلة وَالْقُدْرَة على الرجلة
(ومهمه جبته على قدمي تعجز عَنهُ العرامس الذلل)
(بصارمي مُرْتَد بمخبرتي مجتزئ بالظلام معتمل)
(إِذا صديق نكرت جَانِبه لم تعيني فِي فِرَاقه الْحِيَل)
(فِي سَعَة الْخَافِقين مُضْطَرب وَفِي بِلَاد من أُخْتهَا بدل) // من المنسرح //
وشتان مَا بَين حَاله هَذِه وَالْحَال الَّتِي قَالَ فِيهَا
(وعرفاهم بِأَنِّي من مكارمه أقلب الطّرف بَين الْخَيل والخول) // من الْبَسِيط //
وَكَانَ قبل اتِّصَاله بِسيف الدولة يمدح الْقَرِيب والغريب ويصطاد مَا بَين الكركي والعندليب
ويحكى أَن عَليّ بن مَنْصُور الْحَاجِب لم يُعْطه على قصيدته فِيهِ الَّتِي أَولهَا
(بِأبي الشموس الجانحات غواربا اللابسات من الْحَرِير جلاببا) // من الْكَامِل //
[ ١ / ١٤٥ ]
وَمِنْهَا
(حَال مَتى علم ابْن مَنْصُور بهَا جَاءَ الزَّمَان إِلَيّ مِنْهَا تَائِبًا)
إِلَّا دِينَارا وَاحِدًا فسميت الدينارية
وَلما انخرط فِي سلك سيف الدولة وَدرت لَهُ أخلاف الدُّنْيَا على يَده كَانَ من قَوْله فِيهِ
(تركت السرى خَلْفي لمن قل مَاله وأنعلت أفراسي بنعماك عسجدا)
(وقيدت نَفسِي فِي هَوَاك محبَّة وَمن وجد الْإِحْسَان قيدا تقيدا) // من الطَّوِيل //
وَهَذَا الْبَيْت من قلائده وَإِنَّمَا ألم فِيهِ بقول أبي تَمام
(هممي معلقَة عَلَيْك رقابها مغلولة إِن الْوَفَاء إسار) // من الْكَامِل //
وَلكنه أَخذ عباءة وردهَا ديباجا وأرسلها مثلا سائرا وَكرر هَذَا الْمَعْنى فَزَاد فِيهِ حَتَّى كَاد يفْسد فِي قَوْله
(يَا من يقتل من أَرَادَ بِسَيْفِهِ أَصبَحت من قتلاك بِالْإِحْسَانِ) // من الْكَامِل //