كَانَ كل مِنْهُمَا يتَمَنَّى لِقَاء صَاحبه ويكاتبه ويراسله فاتفق أَن أَبَا الْفرج قدم مرّة بَغْدَاد وَأَبُو إِسْحَاق معتقل مُنْذُ مُدَّة بعيدَة فَلم يصبر عَنهُ فزاره فِي محبسه ثمَّ انْصَرف عَنهُ وَلم يعاوده فَكتب إِلَيْهِ أَبُو إِسْحَاق
(أَبَا الْفرج اسْلَمْ وابق وانعم وَلَا تزل يزيدك صرف الدَّهْر حظا إِذا نقص)
(مضى زمن تستام وَصلي غاليا فأرخصته وَالْبيع غال ومرتخص)
(وآنستني فِي محبسي بزيارة شفت كمدا من صَاحب لَك قد خلص)
(وَلكنهَا كَانَت كحسوة طَائِر فواقا كَمَا يستفرص السَّارِق الفرص)
(وأحسبك استوحشت من ضيق محبسي وأوجست خوفًا من تذكرك القفص)
(كَذَا الكرز اللماح ينجو بِنَفسِهِ إِذا عاين الأشراك تنصب للقنص)
[ ١ / ٣٠٩ ]
(فحوشيت يَا قس الطُّيُور فصاحة إِذا أنْشد المنظوم أَو درس الْقَصَص)
(من المنسر الأشغى وَمن حزة المدى وَمن بندق الرَّامِي وَمن قصَّة المقص)
(وَمن صعدة فِيهَا من الدبق لهذم لفرسانكم عِنْد الطعان بهَا قعص)
(فهذي دواهي الطير وقيت شَرها إِذا الدَّهْر من أحداثه جرع الْغصَص) // من الطَّوِيل //
فَأَجَابَهُ أَبُو الْفرج فِي الْحَال مَعَ رَسُوله
(أيا ماجدا مذ يمم الْمجد مَا نكص وَبدر تَمام مذ تَكَامل مَا نقص)
(ستخلص من هَذَا السرَار وَأَيّمَا هِلَال توارى بالسرار فَمَا خلص)
(برأفة تَاج الْملَّة الْملك الَّذِي لسؤدده فِي خطة المُشْتَرِي خصص)
(تقنصت بالألطاف شكري وَلم أكن علمت بِأَن الْحر بِالْبرِّ يقتنص)
(وصادفت أدنى فرْصَة فانتهزتها بلقياك إِذْ بالحزم تنتهز الفرص)
(أَتَتْنِي القوافي الباهرات تحمل الْبَدَائِع من مستحسن الْجد والرخص)
(فقابلت زهر الرَّوْض مِنْهَا وَلم أرع وأحرزت در الْبَحْر مِنْهَا وَلم أغص)
(فَإِن كنت بالببغاء قدما ملقبا فكم لقب بالجور لَا الْعدْل مخترص)
(وَبعد فَمَا أخْشَى تقنص جارح وقلبك لي وكر ورأيك لي قفص)
فَانْتهى الِابْتِدَاء وَالْجَوَاب إِلَى عضد الدولة فأعجب بهما واستظرفهما وَكَانَ ذَلِك أحد أَسبَاب إِطْلَاق أبي إِسْحَاق من اعتقاله ثمَّ اتَّصَلت بَينهمَا الْمُكَاتبَة والمودة
[ ١ / ٣١٠ ]
وَكتب أَبُو إِسْحَاق إِلَى أبي الْفرج أبياتا فِي صفة القبج والخطاطيف ثمَّ كتب إِلَيْهِ هَذِه الأرجوزة فِي صفة الببغاء
(أنعتها صَبِيحَة مليحة ناطقة باللغة الفصيحة)
(غَدَتْ من الأطيار وَاللِّسَان يوهمني بِأَنَّهَا إِنْسَان)
(تنهي إِلَى صَاحبهَا الأخبارا وَتكشف الْأَسْرَار والأستارا)
(سكاء إِلَّا أَنَّهَا سميعه تعيد مَا تسمعه طبيعه)
(وَرُبمَا لقنت العضيهه فتغتدي بذيئة سفيهه)
(زارتك من بلادها البعيده واستوطنت عنْدك كالقعيده)
(ضيف قراه الْجَوْز والأرز والضيف فِي أَبْيَاتنَا يعز)
(ترَاهُ فِي منقارها الخلوقي كلؤلؤ يلقط بالعقيق)
(تنظر من عينين كالفصين فِي النُّور والظلمة بصاصين)
(تميس فِي حلتها الخضراء مثل الفتاة الغادة الْعَذْرَاء)
(خريدة خدورها الأقفاص لَيْسَ لَهَا من حَبسهَا خلاص)
(تحبسها وَمَا لَهَا من ذَنْب وَإِنَّمَا تحبسها للحب)
(تِلْكَ الَّتِي قلبِي بهَا مشغوف كنيت عَنْهَا وَاسْمهَا مَعْرُوف)
(نشْرك فِيهَا شَاعِر الزَّمَان وَالْكَاتِب الْمَعْرُوف بِالْبَيَانِ)
(وَذَاكَ عبد الْوَاحِد بن نصر تقيه نَفسِي عاديات الدَّهْر)
فَأَجَابَهُ أَبُو الْفرج بِهَذِهِ الأرجوزة
(من منصفي من حكم الْكتاب شمس الْعُلُوم قمر الْآدَاب)
[ ١ / ٣١١ ]
(أضحى لأوصاف الْكَلَام محرزا وسام أَن يلْحق لما برزا)
(وَهل يجاري السَّابِق المقصر أم هَل يُسَاوِي الْمدْرك المعذر)
(مَا زَالَ بِي عَن غَرَض معرضًا ولي بِمَا يصدره مستنهضا)
(فَتَارَة يعْتَمد الخطافا ببدع تستغرق الأوصافا)
(وَتارَة يَعْنِي بنعت القبج من منطق لفضله مُحْتَج)
(يحوم حول غَرَض مَعْلُوم ومقصد فِي شعره مَفْهُوم)
(حَتَّى تجلت رغوة الصَّرِيح وَسلم التَّلْوِيح للتصريح)
(وَصَحَّ أَن الببغاء مقْصده بِكُل مَا كَانَ قَدِيما يُورِدهُ)
(فَلم يدع لقَائِل مقَالا فِيهَا وَلَا لخاطر مجالا)
(أهْدى لَهَا من كل نعت أحْسنه وصاغ من حلي الْمعَانِي أزينه)
(أحَال بالريش الأشيب الْأَخْضَر وباحمرار طوقها والمنسر)
(على اخْتِلَاط الرَّوْض بالشقيق وأخضر الميناء بالعقيق)
(تزهى بدواج من الزمرد ومقلة كسبج فِي عسجد)
(وَحسن منقار أَشمّ قاني كَأَنَّمَا صِيغ من المرجان)
(صيرها انفرادها فِي الْحَبْس بنطقها من فصحاء الْإِنْس)
(تميزت فِي الطير بِالْبَيَانِ عَن كل مَخْلُوق سوى الْإِنْسَان)
(تحكي الَّذِي تسمعه بِلَا كذب من غير تَغْيِير لجد أَو لعب)
(غذاؤها أزكى طَعَام رغدا لَا تشرب المَاء وَلَا تخشى الصدا)
(ذَات شغى تحسبه ياقوتا لَا تَرْتَضِي غير الْأرز قوتا)
[ ١ / ٣١٢ ]
(كَأَنَّمَا الْحبَّة فِي منقارها حبابة تطفو على عقارها)
(إقدامها ببأسها الشَّديد أسكنها فِي قفص الْحَدِيد)
(فَهِيَ كخود فِي لِبَاس أَخْضَر تأوي إِلَى خركاهة لم تستر)
(ووصفها المعجز مَا لَا يدْرك وَمثله فِي غَيرهَا لَا يملك)
(لَو لم تكن لي لقبا لم أختصر لَكِن خشيت أَن يُقَال منتصر)
(وَإِنَّمَا تنْعَت بِاسْتِحْقَاق لوصفها حذق أبي إِسْحَاق)
(شرفها وَزَاد فِي تشريفها بِحكم أبدع فِي تفويفها)
(فَكيف أجزي بالثناء الْمُنْتَخب من صرف الْمَدْح إِلَى اسْمِي واللقب)
وَكتب إِلَيْهِ أَبُو إِسْحَاق بِأَحْسَن مَا قيل فِي مدح الألثغ
(أَبَا الْفرج استحققت نعتا لأَجله تسميت من بَين الْخَلَائق ببغا)
(بَيَانا منيرا كاللجين مضمنا نضارا من الْمَعْنى أديبا وأفرغا)
(فَلَو لامرئ الْقَيْس انتدبت مجاريا كبا أَو لقس فِي فَصَاحَته صغا)
(مَتى مَا يرم ذَا الِاسْم غَيْرك رائم ليبلغ من غايات فضلك مبلغا)
(فَإِنِّي أُسَمِّيهِ بِهِ ثمَّ أنثني فأسلبه بَاء من الِاسْم إِذْ بغى)
(إِذا أَنا سلمت البلاغة طَائِعا إِلَيْك فَأَي النَّاس خالفني طَغى)
(كفتك على رغم الحسود شهادتي بِأَن كنت مِنْهُ ثمَّ مني أبلغا)
(وَمَا هجنت مِنْك المحاسن لثغة وَلَيْسَ سوى الْإِنْسَان تَلقاهُ ألثغا)
[ ١ / ٣١٣ ]
(أتعرفها فِيمَا تقدم خَالِيا لعير إِذا مَا صَاح أَو جمل رغا)
(فيا لَك حرفا زِدْت فضلا بنقصه فَأَصْبَحت مِنْهُ بالكمال مسوغا)
(بقيت وَلَا تعدم بَقَاء مرفها وعشت وَلَا تعدم معاشا مرفغا) // من الطَّوِيل //
وَلما نقل عز الدولة بِاخْتِيَار ابْنَته الْمُزَوجَة بعدة الدولة أبي تغلب إِلَيْهِ بالموصل كتب عَنهُ أَبُو إِسْحَاق فِي مَعْنَاهَا فصلا من كتاب استحسنه النَّاس وتحفظوه وَأقر لَهُ بالبراعة والبلاغة كل بليغ وَهُوَ
قد توجه أَبُو النَّجْم بدر الحرمي وَهُوَ الْأمين على مَا يلحظه الوفي بِمَا يحفظه نَحْوك يَا سَيِّدي ومولاي أدام الله عزك بالوديعة وَإِنَّمَا نقلت من وَطن إِلَى سكن وَمن مغرس إِلَى معرس وَمن مأوى بر وانعطاف إِلَى مثوى كَرَامَة وإلطاف وَمن منبت درت لَهَا نعماؤه إِلَى منشأ تجود عَلَيْهَا سماؤه وَهِي بضعَة مني انفصلت إِلَيْك وَثَمَرَة من جنى قلبِي حصلت لديك
وَمَا بَان عني من وصلت حبله بحبلك وتخيرت لَهُ بارع فضلك
وبوأته الْمنزل الرحب من جميل خلائقك وأسكنته الكنف الفسيح من كرم شيمك وطرائقك وَلَا ضيَاع على مَا تضمه أمانتك ويشتمل عَلَيْهِ حفظك ورعايتك وَأَرْجُو أَن يقرن الله موردها بالطائر السعيد وَالْأَمر الرشيد والعز الزَّائِد وَالْمجد الصاعد والنماء فِي الائتلاف والعصمة من الْفرْقَة بِالْخِلَافِ حَتَّى تكون عوائد الْبركَة بأحوالها منوطة وَمن عوادي الْأَيَّام وَغَيرهَا محوطة
وَإِنَّمَا ألم أَبُو إِسْحَاق فِي تَسْمِيَته لَهَا بالوديعة بِالْفَصْلِ الَّذِي كتبه جَعْفَر ابْن مُحَمَّد بن ثوابة عَن المعتضد إِلَى ابْن طولون فِي ذكر ابْنَته قطر الندى المنقولة إِلَيْهِ وَهُوَ
وَأما الْوَدِيعَة أعزّك الله فَهِيَ بِمَنْزِلَة مَا انْتقل من شمالك إِلَى يَمِينك
[ ١ / ٣١٤ ]
عناية بهَا وحياطة لَهَا ورعاية لموالاتك فِيهَا
فَلَمَّا عرضه على الْوَزير عبد الله بن سُلَيْمَان ارْتَضَاهُ جدا وَاسْتَحْسنهُ وَقَالَ لَهُ تسميتك إِيَّاه بالوديعة نصف البلاغة وَوَقع لَهُ بِالزِّيَادَةِ فِي إقطاعه ومشاهرته
وَلما قرئَ الْفَصْل من إنْشَاء الصابي بِحَضْرَة أبي تغلب اعْتمد فِي الْجَواب عَنهُ على أبي الْفرج الببغاء وَكتب كتابا يشْتَمل على هَذَا الْفَصْل الَّذِي هُوَ الْجَواب عَن الْفَصْل الْمَذْكُور وَهُوَ وَأما أَبُو النَّجْم بدر الحرمي أيده الله المستوجب للارتضاء والإحماد الموفى بمناصحته على كل مُرَاد فقد أدّى الْأَمَانَة إِلَى متحملها وَسلم الذَّخِيرَة الجليلة إِلَى متقبلها فَحلت من مَحل الْعِزّ فِي وطنها وأوت من حمى السؤدد إِلَى مستقرها وسكنها متنقلة من عطن الْفضل والكمال إِلَى كنف السَّعَادَة والإقبال وصادرة عَن أنبل ولادَة وَنسب إِلَى أشرف اتِّصَال وأنبه سَبَب وَفِي الْيَسِير من لَوَازِم فروضها وواجبات حُقُوقهَا مَا صان رعايتي عَن الوصاة بهَا ونزه وفائي عَن الاستزادة لَهَا وَكَيف يُوصي النَّاظر بنوره أم كَيفَ يحض الْقلب على حفظ سروره وَإِن سَببا قرن بإحماد أَمِير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ الله بَقَاءَهُ ذكراى وَوصل بِحَبل السَّيِّد الْعم ركن الدولة أدام الله تأييده حبلي ومنح عز الدولة أيده الله مَكْنُون ودي واختص الْأُخوة من ولد أَبِيه السعيد ﵁ وأيدهم بوثيق عهدي إِلَى أَن صرت بِفضل الْجَمَاعَة قَائِلا ودونها بِالنِّيَّةِ وَالْفِعْل مناضلا وبمحاسنها الْمَجْمُوعَة إِلَى ناطقا وبمالي عِنْدهَا من المساهمة والمشاركة واثقا لحقيق بالتناهي فِي الإعظام وخليق بالمبالغة فِي الْإِيجَاب وَالْإِكْرَام وَالله يعين على مَا اعتقده من ذَلِك وأخفيه
ويوفقني لما يُوفي على الْمحبَّة والبغية فِيهِ
بمنه وَقدرته وَحَوله وقوته
[ ١ / ٣١٥ ]