حَدثنِي أَبُو الْحسن عَليّ بن مُحَمَّد الْعلوِي الْحُسَيْنِي الْهَمدَانِي الْوَصِيّ قَالَ كنت وَاقِفًا فِي السماطين بَين يَدي سيف الدولة بحلب وَالشعرَاء ينشدونه فَتقدم إِلَيْهِ أَعْرَابِي رث الْهَيْئَة فَاسْتَأْذن الْحجاب فِي الإنشاد فأذنوا لَهُ فَأَنْشد
(أَنْت عَليّ وَهَذِه حلب قد نفذ الزَّاد وانْتهى الطّلب)
(بِهَذِهِ تَفْخَر الْبِلَاد وبالأمير تزهى على الورى الْعَرَب)
(وَعَبْدك الدَّهْر قد أضرّ بِنَا إِلَيْك من جور عَبدك الْهَرَب) // من المنسرح //
فَقَالَ سيف الدولة أَحْسَنت وَللَّه أَنْت وَأمر لَهُ بِمِائَتي دِينَار
وَحكى ابْن لَبِيب غُلَام أبي الْفرج الببغاء أَن سيف الدولة كَانَ قد أَمر بِضَرْب دَنَانِير للصلات فِي كل دِينَار مِنْهَا عشرَة مَثَاقِيل وَعَلِيهِ اسْمه وَصورته فَأمر يَوْمًا لأبي الْفرج مِنْهَا بِعشْرَة دَنَانِير فَقَالَ ارتجالا
(نَحن بجود الْأَمِير فِي حرم نرتع بَين السُّعُود وَالنعَم)
(أبدع من هَذِه الدَّنَانِير لم يجر قَدِيما فِي خاطر الْكَرم)
(فقد غَدَتْ باسمه وَصورته فِي دَهْرنَا عوذة من الْعَدَم) // من المنسرح //
فزاده عشرَة أُخْرَى
وَكَانَ أَبُو فراس يَوْمًا بَين يَدَيْهِ فِي نفر من ندمائه فَقَالَ لَهُم سيف الدولة
[ ١ / ٤٢ ]
أَيّكُم يُجِيز قولي وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا سَيِّدي يَعْنِي أَبَا فراس
(لَك جسمي تعله فدمي لم تحله)
(لَك من قلبِي الْمَكَان فَلم لَا تحله) // من الْخَفِيف //
فارتجل أَبُو فراس وَقَالَ
(أَنا إِن كنت مَالِكًا فلي الْأَمر كُله)
فَاسْتَحْسَنَهُ وَأَعْطَاهُ ضَيْعَة بمنبج تغل ألفي دِينَار
واستنشد سيف الدولة يَوْمًا أَبَا الطّيب المتنبي قصيدته الَّتِي أَولهَا
(على قدر أهل الْعَزْم تَأتي العزائم وَتَأْتِي على قدر الْكِرَام المكارم) // من الطَّوِيل //
وَكَانَ معجبا بهَا كثير الاستعادة لَهَا فَانْدفع أَبُو الطّيب المتنبي ينشدها فَلَمَّا بلغ قَوْله فِيهَا
(وقفت وَمَا فِي الْمَوْت شكّ لواقف كَأَنَّك فِي جفن الردى وَهُوَ نَائِم)
(تمر بك الْأَبْطَال كلمي هزيمَة ووجهك وضاح وثغرك باسم)
قَالَ قد انتقدنا عَلَيْك هذَيْن الْبَيْتَيْنِ كَمَا انتقد على امْرِئ الْقَيْس بيتاه
(كَأَنِّي لم أركب جوادا للذة وَلم أتبطن كاعبا ذَات خلخال)
(وَلم أسبأ الزق الروي وَلم أقل لخيلي كري كرة بعد إجفال) // من الطَّوِيل //
[ ١ / ٤٣ ]
وبيتاك لَا يلتئم شطراهما كَمَا لَيْسَ يلتئم شطرا هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وَكَانَ يَنْبَغِي لامرئ الْقَيْس أَن يَقُول
(كَأَنِّي لم أركب جوادا وَلم أقل لخيلي كري كرة بعد إجفال)
(وَلم أسبأ الزق الروي للذة وَلم أتبطن كاعبا ذَات خلخال)
وَلَك أَن تَقول
(وقفت وَمَا فِي الْمَوْت شكّ لواقف ووجهك وضاح وثغرك باسم)
(تمر بك الْأَبْطَال كلمي هزيمَة كَأَنَّك فِي جفن الردى وَهُوَ نَائِم)
فَقَالَ أيد الله مَوْلَانَا إِن صَحَّ أَن الَّذِي استدرك على امْرِئ الْقَيْس هَذَا كَانَ أعلم بالشعر مِنْهُ فقد أَخطَأ امْرُؤ الْقَيْس وأخطأت أَنا ومولانا يعلم أَن الثَّوْب لَا يعرفهُ الْبَزَّاز معرفَة الحائك لِأَن الْبَزَّاز يعرف جملَته والحائك يعرف جميلته وتفاريقه لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أخرجه من الغزلية إِلَى الثوبية وَإِنَّمَا قرن امْرُؤ الْقَيْس لَذَّة النِّسَاء بلذة الرّكُوب للصَّيْد وَقرن السماحة فِي شِرَاء الْخمر للأضياف بالشجاعة فِي منازلة الْأَعْدَاء وَأَنا لما ذكرت الْمَوْت فِي أول الْبَيْت أتبعته بِذكر الردى وَهُوَ الْمَوْت ليجانسه وَلما كَانَ وَجه الجريح المنهزم لَا يَخْلُو من أَن يكون عبوسا وعينه من أَن تكون باكية قلت (ووجهك وضاح وثغرك باسم ) لأجمع بَين الأضداد فِي الْمَعْنى وَإِن لم يَتَّسِع اللَّفْظ لجميعها
فأعجب سيف الدولة بقوله وَوَصله بِخَمْسِينَ دِينَارا من دَنَانِير الصلات وفيهَا خَمْسمِائَة دِينَار
وَكَانَ أَبُو بكر وَأَبُو عُثْمَان الخالديان من خَواص شعراء سيف الدولة فَبعث إِلَيْهِمَا مرّة وصيفة ووصيفا وَمَعَ كل وَاحِد مِنْهُمَا بدرة وتخت من ثِيَاب مصر فَقَالَ أَحدهمَا من قصيدة طَوِيلَة وَهِي
(لم يغد شكرك فِي الْخَلَائق مُطلقًا إِلَّا وَمَالك فِي النوال حبيس)
[ ١ / ٤٤ ]
(خولتنا شمسا وبدرا أشرقت بهما لدينا الظلمَة الحنديس)
(رشأ أَتَانَا وَهُوَ حسنا يُوسُف وغزالة هِيَ بهجة بلقيس)
(هَذَا وَلم تقنع بِذَاكَ وَهَذِه حَتَّى بعثت المَال وَهُوَ نَفِيس)
(أَتَت الوصيفة وَهِي تحمل بدرة وأتى على ظهر الوصيف الْكيس)
(وبررتنا مِمَّا أجادت حوكه مصر وزادت حسنه تنيس)
(فغدا لنا من جودك الْمَأْكُول والمشروب والمنكوح والملبوس) // من الْكَامِل //
فَقَالَ لَهُ سيف الدولة أَحْسَنت إِلَّا فِي لَفْظَة المنكوح فَلَيْسَتْ مِمَّا يُخَاطب بهَا الْمُلُوك وَهَذَا من عَجِيب نَقده
حكى أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم بن هِلَال الصابي قَالَ طلب مني رَسُول سيف الدولة وَكَانَ قد قدم إِلَى الحضرة شَيْئا من شعري وَذكر أَن صَاحبه رسم لَهُ ذَلِك فدافعته أَيَّامًا ثمَّ ألح عَليّ وَقت الْخُرُوج فأعطيته هَذِه الثَّلَاثَة الأبيات وَهِي
(إِن كنت خنتك فِي الْأَمَانَة سَاعَة فذممت سيف الدولة المحمودا)
(وَزَعَمت أَن لَهُ شَرِيكا فِي الْعلَا وجحدته فِي فَضله التوحيدا)
(قسما لَو أَنِّي حَالف بغموسها لغريم دين مَا أَرَادَ مزيدا) // من الْكَامِل //
وَقَالَ فَلَمَّا عَاد الرَّسُول إِلَى الحضرة وَدخلت عَلَيْهِ مُسلما أخرج لي كيسا بِخَتْم سيف الدولة مَكْتُوبًا عَلَيْهِ اسْمِي وَفِيه ثَلَاثمِائَة دِينَار
[ ١ / ٤٥ ]