فصل لَهُ من رِسَالَة فِي وصف قلعة افتتحها عضد الدولة
وَأما قلعة كَذَا فقد كَانَت بَقِيَّة الدَّهْر المديد والأمد الْبعيد تعطس بأنف شامخ من المنعة وتنبو بعطف جَامع على الْخطْبَة وَترى أَن الْأَيَّام قد صالحتها على الإعفاء من القوارع وعاهدتها على التَّسْلِيم من الْحَوَادِث فَلَمَّا أتاح الله للدنيا ابْن بجدتها وَأَبا بأسها ونجدتها جهلوا بون مَا بَين البحور والأنهار وظنوا الأقدار تأتيهم على مِقْدَار فَمَا لَبِثُوا أَن رَأَوْا معقلهم الْحصين ومثواهم الْقَدِيم نهزة الْحَوَادِث وفرصة البوائق ومجر العوالي ومجرى السوابق
وَإِنَّمَا ألم بِأَلْفَاظ بَيْتَيْنِ لأبي الطّيب أَحدهمَا
(حَتَّى أَتَى الدُّنْيَا ابْن بجدتها فَشَكا إِلَيْهِ السهل والجبل) // من الْكَامِل //
وَالْآخر
(تذكرت مَا بَين العذيب وبارق مجر عوالينا ومجرى السوابق) // من الطَّوِيل //
وَفصل لَهُ لَئِن كَانَ الْفَتْح جليل الْخطر عَظِيم الْأَثر فَإِن سَعَادَة مَوْلَانَا لتبشر بشوافع لَهُ يعلم مَعهَا أَن لله أسرارا فِي علاهُ لَا يزَال يبديها ويصل أوائلها بتواليها
[ ١ / ١٥٣ ]
وَهُوَ من قَول أبي الطّيب
(وَللَّه سر فِي علاك وَإِنَّمَا كَلَام العدى ضرب من الهذيان) // من الطَّوِيل //
فصل وَلَو كَانَ مَا أحْسنه شظية فِي قلم كَاتب لما غيرت خطه أَو قذى فِي عين نَائِم لما انتبه جفْنه
وَهُوَ من قَول أبي الطّيب
(وَلَو قلم ألقيت فِي شقّ رَأسه من السقم مَا غيرت من خطّ كَاتب) // من الطَّوِيل //
وَقَول نصر
(ضنيت حَتَّى صرت لَو زج بِي فِي نَاظر النَّائِم لم ينتبه) // من السَّرِيع //
وَمِنْه أَخذ ابْن العميد قَوْله
(فَلَو أَن مَا أبقيت فِي جَسَدِي قذى فِي الْعين لم يمْنَع من الإغفاء) // من الْكَامِل //
فصل للصاحب فِي التَّعْزِيَة إِذا كَانَ الشَّيْخ الْقدْوَة فِي الْعلم وَمَا يَقْتَضِيهِ والأسوة فِي الدّين وَمَا يجب فِيهِ لزم أَن يتأدب فِي حالات الصَّبْر وَالشُّكْر بأدبه وَيُؤْخَذ فِي ثَارَاتِ الأسى والأسى بمذهبه فَكيف لنا بتعزيته عِنْد حَادث رزيته إِلَّا إِذا روينَا لَهُ بعض مَا أخذناه عَنهُ وأعدنا إِلَيْهِ طَائِفَة مِمَّا استفدناه مِنْهُ
وَإِنَّمَا هُوَ حل من قَول أبي الطّيب
(أَنْت يَا فَوق أَن يعزى عَن الأحباب فَوق الَّذِي يعزيك عقلا)
(وبألفاظك اهْتَدَى فَإِذا عزاك قَالَ الَّذِي لَهُ قلت قبلا) // من الْخَفِيف //
وَفصل لَهُ وَقد أثنى عَلَيْهِ ثَنَاء لِسَان الزهر على رَاحَة الْمَطَر
[ ١ / ١٥٤ ]
وَهُوَ من قَول أبي الطّيب
(وذكي رَائِحَة الرياض كَلَامهَا تبغي الثَّنَاء على الحيا فيفوح) // من الْكَامِل //
وَالْأَصْل فِيهِ قَول ابْن الرُّومِي
(شكرت نعْمَة الْوَلِيّ على الوسمي ثمَّ العهاد بعد العهاد)
(فَهِيَ تثني على السَّمَاء ثَنَاء طيب النشر شَائِعا فِي الْبِلَاد)
(من نسيم كَأَن مسراه فِي الآرواح مسرى الْأَرْوَاح فِي الأجساد) // من الْخَفِيف //
وَمِمَّا أوردهُ من أَبْيَات أبي الطّيب كَمَا هِيَ قَوْله فِي كتاب أجَاب بِهِ ابْن العميد عَن كِتَابه الصَّادِر إِلَيْهِ عَن شاطئ الْبَحْر فِي وصف مراكبه وعجائبه
وَقد علمت أَن سيدنَا كتب وَمَا أخطر بفكره سَعَة صَدره وَلَو فعل ذَلِك لرَأى الْبَحْر وشلا لَا يفضل عَن التبرض وثمدا لَا يكثر عَن الترشف
(وَكم من جبال جبت تشهد أنني الْجبَال وبحر شَاهد أنني الْبَحْر) // من الطَّوِيل //
وَله من رِسَالَة فِي التهنئة ببنت أَولهَا أَهلا بعقيلة النِّسَاء وكريمة الْآبَاء وَأم الْأَبْنَاء وجالبة الأصهار وَالْأَوْلَاد الْأَطْهَار ثمَّ يَقُول فِيهَا
(وَلَو كَانَ النِّسَاء كَمثل هذي لفضلت النِّسَاء على الرِّجَال)
[ ١ / ١٥٥ ]
(وَمَا التَّأْنِيث لاسم الشَّمْس عيب وَلَا التَّذْكِير فَخر للهلال) // من الوافر //
وهما لأبي الطّيب من قصيدة فِي مرثية وَالِدَة سيف الدولة إِلَّا أَنه يَقُول
(وَلَو كَانَ النِّسَاء كمن فَقدنَا )
وللصاحب من كتاب تَعْزِيَة وَقُلْنَا قد أَخذ الزَّمَان من أَخذ وَترك من ترك فَهُوَ لَا شكّ يعْفُو عَن الْقَمَر وَقد أسلم الشَّمْس للطفل وَلَا يصل الصروف بالصروف وَلَا يجمع الْكُسُوف إِلَى الخسوف فأبي حكم الملوين وَقد غبنك إِذْ قاسمك الْأَخَوَيْنِ إِلَّا أَن يعود فَيلْحق الْبَاقِي بالفاني والغابر بالماضي
(وَعَاد فِي طلب الْمَتْرُوك تَاركه إِنَّا لنفعل وَالْأَيَّام فِي الطّلب)
(مَا كَانَ أقصر وقتا كَانَ بَينهمَا كَأَنَّهُ الْوَقْت بَين الْورْد والقرب) // من الْبَسِيط //
أَقُول هَذَا كعادة المصدور فِي النفث وشكوى الْحزن والبث وَإِلَّا فَمَا يعجب السّفر من تقدم بعض وكل بَين الرَّاحِلَة والرحل لَا يتْرك الْمَوْت ساعيا على وَجه الأَرْض حَتَّى يَنْقُلهُ إِلَى بطن الترب
(نَحن بَنو الْمَوْتَى فَمَا بالنا نعاف مَا لَا بُد من شربه)
(تبخل أَيْدِينَا بأرواحنا على زمَان هن من كَسبه)
(فَهَذِهِ الْأَرْوَاح من جوه وَهَذِه الْأَجْسَام من تربه) // من السَّرِيع //
وَهَذَا غيض من فيض مَا اغترفه الصاحب من بَحر المتنبي وتمثل بِهِ من شعره
وَلَو ذكرت نَظَائِره لامتد نفس هَذَا الْبَاب
وَلَيْسَ هُوَ بأوحد فِي الاقتباس من كَلَامه هَذَا أَبُو إِسْحَاق الصابي رسيله فِي
[ ١ / ١٥٦ ]
ذَلِك وزميله وَقد قَرَأت لَهُ غير فصل فِيمَا أَشرت إِلَيْهِ ونبهت عَلَيْهِ فَمِنْهُ مَا كتب فِي تقريظ شَاب مقتبل الشبيبة مكتهل الْفَضِيلَة وَلَقَد آتَاهُ الله فِي اقتبال الْعُمر جَوَامِع الْفضل وسوغه فِي عنفوان الشَّبَاب محامد الاستكمال فَلَا تَجِد الكهولة خلة تتلافاها بتطاول الْمدَّة وثلمة تسدها بمزايا الحنكة
وَإِنَّمَا هُوَ حل نظم أبي الطّيب وَإِن كَانَ فِي معنى آخر
(لَا تَجِد الْخمر فِي مكارمه إِذا انتشى خلة تلافاها) // من المنسرح //
وَأخذ من قَول البحتري
(تكرمت من قبل الكؤوس عَلَيْهِم فَمَا اسطعن أَن يحدثن فِيك تكرما) // من الطَّوِيل //
وَمِنْه مَا كتب إِلَى ابْن مَعْرُوف تهنئة بِقَضَاء الْقُضَاة منزلَة قَاضِي الْقُضَاة تجل عَن التهنئة لِأَن مَا تكتسبه الْوُلَاة بهَا من الصيت وَالذكر ويدرعونه فِيهَا من الْجمال وَالْفَخْر سَابق لَهَا عِنْده وَحَاصِل قبلهَا لَهُ وَإِذا مد أحدهم إِلَيْهَا يدا تجذبها إِلَى سفال جذبتها يَده إِلَى الْمحل العالي فَكَأَن أَبَا الطّيب المتنبي عناه أَو حَكَاهُ بقوله
(فَوق السَّمَاء وَفَوق مَا طلبُوا فَإِذا أَرَادوا غَايَة نزلُوا) // من الْكَامِل //
وَمِنْه مَا كتب وَعَاد مَوْلَانَا إِلَى مُسْتَقر عزه عود الْحلِيّ إِلَى العاطل والغيث إِلَى الرَّوْض الماحل
وَإِنَّمَا من قَول أبي الطّيب
(وعدت إِلَى حلب ظافرا كعود الْحلِيّ إِلَى العاطل) // من المتقارب //
[ ١ / ١٥٧ ]
وَإِذا كَانَ هَذَانِ الصدران المقدمان على بلغاء الزَّمَان يقتبسان من أبي الطّيب فِي رسائلهما فَمَا الظَّن بِغَيْرِهِمَا وَمَا أحسن قَول الشَّاعِر
(أَلا إِن حل الشّعْر زِينَة كَاتب وَلَكِن مِنْهُم من يحل فيعقد) // من الطَّوِيل //
وَمِمَّنْ يحذو حذوهما الْأُسْتَاذ أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن إِبْرَاهِيم الضَّبِّيّ وَمَا أظرف مَا قَرَأت لَهُ فِي كِتَابه إِلَى أبي سعيد الشبيبي
وَقد أَتَانِي كتاب شيخ الدولتين فَكَانَ فِي الْحسن رَوْضَة حزن بل جنَّة عدن وَفِي شرح النَّفس وَبسط الْأنس برد الأكباد والقلوب وقميص يُوسُف فِي أجفان يَعْقُوب
وَهُوَ من بَيت أبي الطّيب
(كَأَن كل سُؤال فِي مسامعه قَمِيص يُوسُف فِي أجفان يَعْقُوب) // من الْبَسِيط //
وَفصل لأبي بكر الْخَوَارِزْمِيّ وَكَيف أمدح الْأَمِير بِخلق ضن بِهِ الْهَوَاء وامتلأت من ذكره الأَرْض وَالسَّمَاء وأبصره الْأَعْمَى بِلَا عين وسَمعه الْأَصَم بِلَا أذن
وَهُوَ حل نظم أبي الطّيب
(تنشد أثوابنا مدائحه بألسن مَا لَهُنَّ أَفْوَاه)
(إِذا مَرَرْنَا على الْأَصَم بهَا أغنته عَن مسمعيه عَيناهُ) // من المنسرح //
وَلأبي بكر من رِسَالَة وَلَقَد تَسَاوَت الألسن حَتَّى حسد الأبكم وأفسد الشّعْر حَتَّى أَحْمد الصمم
[ ١ / ١٥٨ ]
وَهُوَ قَول أبي الطّيب
(وَلَا تبال بِشعر بعد شاعره قد أفسد القَوْل حَتَّى أَحْمد الصمم) // من الْبَسِيط //
وَهَذَا ميدان عريض وشوط بطين وَفِيمَا ذكرته كِفَايَة
ولاستراقات الشُّعَرَاء من أبي الطّيب بَاب هَذَا مَكَانَهُ