لما أنْشد سيف الدولة قصيدته الَّتِي أَولهَا
(أجَاب دمعي وَمَا الدَّاعِي سوى طلل دَعَا فلباه قبل الركب وَالْإِبِل) // من الْبَسِيط //
وناوله نسختها وَخرج فَنظر فِيهَا سيف الدولة فَلَمَّا انْتهى إِلَى قَوْله
(يَا أَيهَا المحسن المشكور من جهتي وَالشُّكْر من جِهَة الْإِحْسَان لَا قبلي)
[ ١ / ١٤٦ ]
(مَا كَانَ نومي إِلَّا فَوق معرفتي بِأَن رَأْيك لَا يُؤْتى من الزلل)
(أقل أنل أقطع احْمِلْ عل سل أعد زد هش بش تفضل أدن سر صل)
وَقع تَحت أقل قد أقلناك وَتَحْت أنل يحمل إِلَيْهِ من الدَّرَاهِم كَذَا وَتَحْت أقطع قد أقطعناك الضَّيْعَة الْفُلَانِيَّة ضَيْعَة بِبِلَاد حلب وَتَحْت احْمِلْ يُقَاد إِلَيْهِ الْفرس الْفُلَانِيّ وَتَحْت عل قد فعلنَا وَتَحْت سل قد فعلنَا فاسل وَتَحْت أعد أعدناك إِلَى حالك من حسن رَأينَا وَتَحْت زد يُزَاد كَذَا وَتَحْت تفضل قد فعلنَا وَتَحْت أدن قد أدنيناك وَتَحْت سر قد سررناك وَتَحْت صل قد فعلنَا
قَالَ ابْن جني فبلغني عَن المتنبي أَنه قَالَ إِنَّمَا أردْت سر من السّريَّة فَأمر لَهُ بِجَارِيَة
قَالَ وَحكى لي بعض إِخْوَاننَا أَن المعقلي وَهُوَ شيخ كَانَ بِحَضْرَتِهِ ظريف قَالَ لَهُ وحسد المتنبي على مَا أَمر بِهِ يَا مولَايَ قد فعلت بِهِ كل شَيْء سألكه فَهَلا قلت لَهُ لما قَالَ لَك هش بش هه هه هه يَحْكِي الضحك فَضَحِك سيف الدولة فَقَالَ لَهُ وَلَك أَيْضا مَا تحب وَأمر لَهُ بصلَة
وَذكر القَاضِي أَبُو الْحسن عَليّ بن عبد الْعَزِيز فِي كتاب الوساطة أَن أَبَا الطّيب نسج على منوال ديك الْجِنّ فَقَالَ
(احل وامرر وضر وانفع وَلنْ واخشن ورش وابر وانتدب للمعالي) // من الْخَفِيف //
وَحكى ابْن جني قَالَ حَدثنِي أَبُو عَليّ الْحُسَيْن بن أَحْمد الصنوبري قَالَ خرجت من حلب أُرِيد سيف الدولة فَلَمَّا برزت من السُّور إِذا أَنا بِفَارِس متلثم قد أَهْوى نحوي بِرُمْح طَوِيل وسدده إِلَى صَدْرِي فكدت أطرح نَفسِي عَن
[ ١ / ١٤٧ ]
الدَّابَّة فرقا فَلَمَّا قرب مني ثنى السنان وحسر لثامه فَإِذا المتنبي وأنشدني
(نثرنا رُءُوسًا بالأحيدب مِنْهُم كَمَا نثرت فَوق الْعَرُوس الدَّرَاهِم) // من الطَّوِيل //
ثمَّ قَالَ كَيفَ ترى هَذَا القَوْل أحسن هُوَ فَقلت لَهُ وَيحك قد قتلتني يَا رجل قَالَ ابْن جني فحكيت أَنا هَذِه الْحِكَايَة بِمَدِينَة السَّلَام لأبي الطّيب فعرفها وَضحك لَهَا وَذكر أَبَا عَليّ من التقريظ وَالثنَاء بِمَا يُقَال فِي مثله
قَالَ وأنشدت أَبَا عَليّ لَيْلًا قصيدة أبي الطّيب الَّتِي أَولهَا
(واحر قلباه مِمَّن قلبه شبم ) // من الْبَسِيط //
فَلَمَّا وصلت إِلَى قَوْله فِيهَا
(وَشر مَا قنصته راحتي قنص شهب البزاة سَوَاء فِيهِ والرخم)
أعجب جدا بِهِ وَلم يزل يستعيده حَتَّى حفظه وَمَعْنَاهُ إِذا تساويت وَمن لَا قدر لَهُ فِي أَخذ عطاياك فَأَي فضل لي عَلَيْهِ وَمَا كَانَ من الْفَائِدَة كَذَا لم أفرح بِهِ وَإِنَّمَا أفرح بِأخذ مَا تخْتَص بِهِ الأفاضل
قَالَ وحَدثني المتنبي قَالَ حَدثنِي فلَان الْهَاشِمِي من أهل حران بِمصْر قَالَ أحَدثك بطريفة كتبت إِلَى امْرَأَتي وَهِي بحران كتابا تمثلت فِيهِ ببيتك
(بِمَ التعلل لَا أهل وَلَا وَطن وَلَا نديم وَلَا كأس وَلَا سكن) // من الْبَسِيط //
[ ١ / ١٤٨ ]
فأجابتني عَن الْكتاب وَقَالَت مَا أَنْت وَالله كَمَا ذكرته فِي هَذَا الْبَيْت بل أَنْت كَمَا قَالَ الشَّاعِر فِي هَذِه القصيدة
(سهرت بعد رحيلي وَحْشَة لكم ثمَّ اسْتمرّ مريري وارعوى الوسن)
قَالَ وَلما سمع سيف الدولة الْبَيْت الَّذِي يتلوه وَهُوَ قَوْله
(وَإِن بليت بود مثل ودكم فإنني بِفِرَاق مثله قمن)
قَالَ سَار وَحقّ أبي
قَالَ وَلما سمع قَوْله لفنا خسرو
(وَقد رَأَيْت الْمُلُوك قاطبة وسرت حَتَّى رَأَيْت مَوْلَاهَا) // من المنسرح //
قَالَ ترى هَل نَحن فِي الْجُمْلَة
سَمِعت أَبَا بكر الْخَوَارِزْمِيّ يَقُول كَانَ أَبُو الطّيب المتنبي قَاعِدا تَحت قَول الشَّاعِر
(وَإِن أَحَق النَّاس باللوم شَاعِر يلوم على الْبُخْل الرِّجَال وَيبْخَل) // من الطَّوِيل //
وَإِنَّمَا أعرب عَن عَادَته وطريقته فِي قَوْله
(بليت بلَى الأطلال إِن لم أَقف بهَا وقُوف شحيح ضَاعَ فِي الترب خَاتمه) // من الطَّوِيل //
فَحَضَرت عِنْده يَوْمًا بحلب وَقد أحضر مَالا من صلات سيف الدولة فصب بَين يَدَيْهِ على حَصِير قد افترشه وَوزن وأعيد فِي كيس وَإِذا بِقِطْعَة كأصغر مَا يكون من ذَلِك المَال قد تخللت خلل الْحَصِير فأكب عَلَيْهَا بمجامعه ينقرها ويعالج استنقاذها مِنْهُ ويشتغل بذلك عَن جُلَسَائِهِ حَتَّى توصل إِلَى إِظْهَار
[ ١ / ١٤٩ ]
بَعْضهَا فتمثل بِبَيْت قيس بن الخطيم
(تبدت لنا كَالشَّمْسِ بَين غمامة بدا حَاجِب مِنْهَا وضنت بحاجب) // من الطَّوِيل //
ثمَّ استخرجها وَأمر بإعادتها إِلَى مَكَانهَا من الْكيس وَقَالَ إِنَّهَا تحضر الْمَائِدَة
وسمعته يَقُول لما أنْشد المتنبي عضد الدولة قصيدته فِيهِ الَّتِي أَولهَا
(مغاني الشّعب طيبا فِي المغاني ) // من الوافر //
وانْتهى إِلَى قَوْله فِيهَا
(وَألقى الشرق مِنْهَا فِي ثِيَابِي دنانيرا تَفِر من البنان)
قَالَ لَهُ عضد الدولة لأقرنها فِي يَديك ثمَّ فعل
قَالَ وَلما قدم أَبُو الطّيب من مصر بَغْدَاد وترفع عَن مدح المهلبي الْوَزير ذَهَابًا بِنَفسِهِ عَن مدح غير الْمُلُوك شقّ ذَلِك على المهلبي فأغرى بِهِ شعراء بَغْدَاد حَتَّى نالوا من عرضه وتباروا فِي هجائه وَفِيهِمْ ابْن الْحجَّاج وَابْن سكرة مُحَمَّد بن عبد الله الزَّاهِد الْهَاشِمِي والحاتمي وأسمعوه مَا يكره وتماجنوا بِهِ وتنادروا عَلَيْهِ فَلم يجبهم وَلم يفكر فيهم وَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ إِنِّي فرغت من إجابتهم بِقَوْلِي لمن هم أرفع طبقَة مِنْهُم فِي الشُّعَرَاء
(أرى المتشاعرين غروا بذمي وَمن ذَا يحمل الدَّاء العضالا)
(وَمن يَك ذَا فَم مر مَرِيض يجد مرا بِهِ المَاء الزلالا) // من الوافر //
[ ١ / ١٥٠ ]
وَقَوْلِي
(أَفِي كل يَوْم تَحت ضبني شويعر ضَعِيف يقاويني قصير يطاول)
(لساني بنطقي صَامت عَنهُ عَادل وقلبي بصمتي ضَاحِك مِنْهُ هازل)
(وأتعب من ناداك من لَا تجيبه وأغيظ من عاداك من لَا تشاكل)
(وَمَا التيه طبي فيهم غير أنني بغيض إِلَيّ الْجَاهِل المتعاقل) // من الطَّوِيل //
وَقَوْلِي
(وَإِذا أتتك مذمتي من نَاقص فَهِيَ الشَّهَادَة لي بِأَنِّي فَاضل) // من الْكَامِل //
قَالَ وَبلغ أَبَا الْحُسَيْن بن لنكك بِالْبَصْرَةِ مَا جرى على المتنبي من وقيعة شعراء بَغْدَاد فِيهِ واستحقارهم لَهُ وَكَانَ حَاسِدًا لَهُ طاعنا عَلَيْهِ هاجيا إِيَّاه زاعما أَن أَبَاهُ كَانَ سقاء بِالْكُوفَةِ فشمت بِهِ وَقَالَ
(قولا لأهل زمَان لَا خلاق لَهُم ضلوا عَن الرشد من جهل بهم وعموا)
(أعطيتم المتنبي فَوق منيته فَزَوجُوهُ برغم أُمَّهَاتكُم)
(لَكِن بَغْدَاد جاد الْغَيْث ساكنها نعَالهمْ فِي قفا السقاء تزدحم) // من الْبَسِيط //
قَالَ وَمن قَوْله فِيهِ
(متنبيكم ابْن سقاء كوفان ويوحى من الكنيف إِلَيْهِ)
(كَانَ من فِيهِ يسلح الشّعْر حَتَّى سلحت فقحة الزَّمَان عَلَيْهِ) // من الْخَفِيف //
وَمن قَوْله أَيْضا فِيهِ
(مَا أوقح المتنبي فِيمَا حكى وادعاه)
[ ١ / ١٥١ ]
(أُبِيح مَالا عَظِيما حَتَّى أَبَاحَ قَفاهُ)
(يَا سائلي عَن غناهُ من ذَاك كَانَ غناهُ)
(إِن كَانَ ذَاك نَبيا فالجاثليق إِلَه) // من المجتث //
ثمَّ إِن أَبَا الطّيب المتنبي اتخذ اللَّيْل جملا وَفَارق بَغْدَاد مُتَوَجها إِلَى حَضْرَة أبي الْفضل بن العميد مراغما للمهلبي الْوَزير فورد أرجان وَأحمد مورده فيحكى أَن الصاحب أَبَا الْقَاسِم طمع فِي زِيَارَة المتنبي إِيَّاه بأصبهان وإجرائه مجْرى مقصوديه من رُؤَسَاء الزَّمَان وَهُوَ إِذْ ذَاك شَاب وحاله حويلة وَلم يكن استوزر بعد وَكتب إِلَيْهِ يلاطفه فِي استدعائه وتضمن لَهُ مشاطرته جَمِيع مَاله فَلم يقم لَهُ المتنبي وزنا وَلم يجبهُ عَن كِتَابه وَلَا إِلَى مُرَاده وَقصد حَضْرَة عضد الدولة بشيراز فأسفرت سفرته عَن بُلُوغ الأمنية وورود مشرع الْمنية واتخذه الصاحب غَرضا يرشقه بسهام الوقيعة ويتتبع عَلَيْهِ سقطاته فِي شعره وهفواته وينعي عَلَيْهِ سيئاته وَهُوَ أعرف النَّاس بحسناته وأحفظهم لَهَا وَأَكْثَرهم اسْتِعْمَالا إِيَّاهَا وتمثلا بهَا فِي محاضراته ومكاتباته وَكَانَ مثله مَعَه كَمَا قَالَ الشَّاعِر
(شتمت من يَشْتمنِي مغالطا لأصرف العاذل عَن لجاجته)
فَقَالَ لما وَقع الْبَزَّاز فِي الثَّوْب علمنَا أَنه من حَاجته) // من الرجز
وكما قَالَ الآخر
(وذموا لنا الدُّنْيَا وهم يرضعونها وَلم أر كالدنيا تذم وتحلب) // من الطَّوِيل //
وكما قَالَ الآخر
[ ١ / ١٥٢ ]
(نبئت أَنِّي إِذا مَا غبت تَشْتمنِي قل مَا بدا لَك فالمحبوب مسبوب) // من الْبَسِيط //