حدث أَبُو عبد الله الْحُسَيْن بن خالويه قَالَ لما كَانَت الشَّام بيد الإخشيد مُحَمَّد مُحَمَّد بن طغج سَار إِلَيْهَا سيف الدولة فافتتحها وَهزمَ عساكره عَن صفّين فَقَالَ لَهُ المتنبي
(يَا سيف دولة ذِي الْجلَال وَمن لَهُ خير الخلائف والأنام سمي)
(أَو مَا ترى صفّين كَيفَ أتيتها فانجاب عَنْهَا الْعَسْكَر الغربي)
(فَكَأَنَّهُ جَيش ابْن حَرْب رعته حَتَّى كَأَنَّك يَا عَليّ عَليّ) // من الْكَامِل //
وَقَالَ أَبُو فراس من قصيدة طَوِيلَة
(أَتَى الشَّام لما استذأب البهم واغتدت بهَا أذؤب الْبَيْدَاء وَهِي قساور)
(فثقف منآد وَأصْلح فَاسد وذلل جَبَّار وأذعر ذاعر) // من الطَّوِيل //
وَكَانَ ظهر رجل فِي الغرب يعرف بالمبرقع يَدْعُو النَّاس إِلَى نَفسه والتفت عَلَيْهِ الْقَبَائِل وافتتح مَدَائِن من أَطْرَاف الشَّام وَأسر أَبَا وَائِل تغلب بن دَاوُد بن حمدَان وَهُوَ خَليفَة سيف الدولة على حمص وألزمه شِرَاء نَفسه بِعَدَد من الْخَيل وَجُمْلَة من المَال فأسرع سيف الدولة من حلب يغذ السّير حَتَّى لحقه فِي الْيَوْم الثَّالِث بنواحي دمشق فأوقع بِهِ وَقَتله وَوضع السَّيْف فِي أَصْحَابه فَلم ينج إِلَّا من سبق فرسه وَعَاد سيف الدولة إِلَى حلب وَمَعَهُ أَبُو وَائِل وَبَين يَدَيْهِ رَأس
[ ١ / ٤٦ ]
الْخَارِجِي على رمح فَقَالَ أَبُو فراس يذكر ذَلِك
(وأنقذ من مس الْحَدِيد وَثقله أَبَا وَائِل والدهر أجدع صاغر)
(وآب وَرَأس القرمطي أَمَامه لَهُ جَسَد من أكعب الرمْح ضامر) // من الطَّوِيل //
وَهَذَا من أحسن مَا قيل فِي الرَّأْس المصلوب على الرمْح
ولبعضهم فِي مثل ذَلِك
(وَعَاد لكنه رَأس بِلَا جَسَد يسري وَلَكِن على سَاق بِلَا قدم) // من الْبَسِيط //
وَقَالَ أَبُو الطّيب فِي خلاص أبي وَائِل
(وَلَو كنت فِي أسر غير الْهوى ضمنت ضَمَان أبي وَائِل)
(فدى نَفسه بِضَمَان النضار وَأعْطى صُدُور القنا الذابل)
(ومناهم الْخَيل مجنوبة فجئن بِكُل فَتى باسل)
(كَأَن خلاص أبي وَائِل معاودة الْقَمَر الآفل)
(دَعَا فَسمِعت وَكم سَاكِت على الْبعد عنْدك كالقائل)
(فلبيته بك فِي جحفل لَهُ ضَامِن وَبِه كافل)
(وعدت إِلَى حلب ظافرا كعود الْحلِيّ إِلَى العاطل) // من المتقارب //
وَكَانَ سيف الدولة اصْطنع بني كلاب وأدناهم وآمن سربهم فقهروا
[ ١ / ٤٧ ]
الْعَرَب وعلت كلمتهم إِلَى أَن بدرت مِنْهُم جفوة أحفظته فَأسْرى إِلَيْهِم وأوقع بهم وَملك حرمهم وَأَمْوَالهمْ ثمَّ صفح عَنْهُم وكرم وَجمع الْحرم ووكل بِهن الخدم وَأفضل عَلَيْهِنَّ وَأحسن إلَيْهِنَّ فَقَالَ أَبُو الطّيب من قصيدة
(فعدن كَمَا أخذن مكرمات عَلَيْهِنَّ القلائد والملاب)
(يثبنك بِالَّذِي أوليت شكرا وَأَيْنَ من الَّذِي تولي الثَّوَاب)
(وَلَيْسَ مصيرهن إِلَيْك شينا وَلَا فِي صونهن لديك عَابَ)
(وَلَا فِي فقدهن بني كلاب إِذا أبصرن غرتك اغتراب)
(وَكَيف يتم بأسك فِي أنَاس تصيبهم فيؤلمك الْمُصَاب)
(ترفق أَيهَا الْمولى عَلَيْهِم فَإِن الرِّفْق بالجاني عتاب) // من الوافر //
هَذَا كَلَام مَا لحسنه غَايَة
(وَعين المخطئين هم وَلَيْسوا بِأول معشر خطئوا فتابوا)
(وَأَنت حياتهم غضِبت عَلَيْهِم وهجر حياتهم لَهُم عِقَاب)
(وَمَا جهلت أياديك الْبَوَادِي وَلَكِن رُبمَا خَفِي الصَّوَاب)
(وَكم ذَنْب مولده دلال وَكم بعد مولده اقتراب)
(وجرم جَرّه سُفَهَاء قوم وَحل بِغَيْر جارمه الْعَذَاب)
كَأَنَّمَا اقتبسه من قَول الله سُبْحَانَهُ ﴿أتهلكنا بِمَا فعل السُّفَهَاء منا﴾ وَنَحْو من هَذَا قَول زِيَاد فِي خطبَته البتراء وَالله لآخذن المحسن بالمسيء
(وَلَو غير الْأَمِير غزا كلابا ثناه عَن شموسهم ضباب)
[ ١ / ٤٨ ]
وَمَا أحسن مَا كني عَن الْحرم بالشموس وَعَن المحاماة دونهم بالضباب
(وَلَكِن رَبهم أسرى إِلَيْهِم فَمَا نفع الْوُقُوف وَلَا الذّهاب)
(كَذَا فليسر من طلب الْمَعَالِي وَمثل سراك فَلْيَكُن الطلاب)
وَكتب إِلَيْهِ أَبُو فراس فِي تِلْكَ الْحَال يداعبه
(وَمَا أنس لَا أنس يَوْم المغار محجبة لفظتها الْحجب)
(دعَاك ذووها بِسوء الفعال لما لَا تشَاء وَمَا لَا تحب)
(فوافتك تعثر فِي مرْطهَا وَقد رَأَتْ الْمَوْت من عَن كثب)
(وَقد خلط الْخَوْف لما طلعت دلّ الْجمال بذل الرعب)
(تسرع فِي الخطو لَا خفَّة وتهتز فِي الْمَشْي لَا من طرب)
(فَلَمَّا بَدَت لَك دون الْبيُوت بدا لَك مِنْهُنَّ جَيش لجب)
(وَمَا زلت مذ كنت تَأتي الْجَمِيل وتحمي الْحَرِيم وترعى الْحسب)
(وتغضب حَتَّى إِذا مَا ملكت أَطَعْت الرِّضَا وعصيت الْغَضَب)
(فَكنت حماهن إِذْ لَا حمى وَكنت أباهن إِذْ لَيْسَ أَب)
(فولين عَنْك يفدينها ويرفعن من ذيلها مَا انسحب)
(ينادين بَين خلال الْبيُوت لَا يقطع الله نسل الْعَرَب)
(أمرت وَأَنت المطاع الْكَرِيم ببذل الْأمان ورد النهب)
(وَقد رحن من مهجات الْقُلُوب بأوفر غنم وأغلى نشب)
(فَإِن هن يَا بن الْكِرَام السراة رددن الْقُلُوب رددنا السَّلب) // من المتقارب //
[ ١ / ٤٩ ]
وَقَالَ أَيْضا يمدحه وَيذكر نسْوَة بني كلاب
(قد ضج جيشك من طول الْقِتَال بِهِ وَقد شكتك إِلَيْنَا الْخَيل وَالْإِبِل)
(وَقد درى الرّوم مذ جَاوَرت أَرضهم أَن لَيْسَ يعصمهم سهل وَلَا جبل)
(فِي كل يَوْم تزور الثغر لَا ضجر يثنيك عَنهُ وَلَا شغل وَلَا ملل)
(فَالنَّفْس جاهدة وَالْعين ساهرة والجيش منهمك وَالْمَال مبتذل)
(توهمتك كلاب غير قاصدها وَقد تكنفك الْأَعْدَاء والشغل)
(حَتَّى رأوك أَمَام الْجَيْش تقدمه وَقد طلعت عَلَيْهِم دون مَا أملوا)
(فاستقبلوك بفرسان أسنتها سود البراقع والأكوار والكلل)
(فَكنت أكْرم مسئول وأفضله إِذا وهبْنَ فَلَا من وَلَا بخل) // من الْبَسِيط //
وَيُقَال إِن سيف الدولة غزا الرّوم أَرْبَعِينَ غَزْوَة لَهُ وَعَلِيهِ فَمِنْهَا أَنه أغار على زبطرة وعرقة وملطية ونواحيها فَقتل وأحرق وسبى وانثنى قَافِلًا إِلَى درب موزار فَوجدَ عَلَيْهِ قسطنطين بن فردس الدمستق فأوقع بِهِ وَقتل صَنَادِيد رِجَاله وعقب إِلَى للدانه وَقد تراجع من هرب مِنْهَا فأعظم الْقَتْل وَأكْثر الْغَنَائِم وَقد عبر الْفُرَات إِلَى بلد الرّوم وَلم يَفْعَله أحد قبله حَتَّى أغار على بطن هنزيط فَلَمَّا رأى فردس بعد مغزاه وخلو بِلَاد الشَّام مِنْهُ غزا نواحي انطاكية فَأسْرى سيف الدولة يطوي المراحل لَا ينْتَظر مُتَأَخِّرًا وَلَا يلوي على مُتَقَدم حَتَّى عَارضه بمرعش فأوقع بِهِ وهزمه وَقتل رُؤُوس البطارقة وَأسر قسطنطين بن الدمستق وأصابت الدمستق ضَرْبَة فِي وَجهه وَأكْثر الشُّعَرَاء فِي هَذِه الْوَقْعَة فَقَالَ أَبُو الطّيب
(لكل امْرِئ من دهره مَا تعودا وعادات سيف الدولة الطعْن فِي العدا)
[ ١ / ٥٠ ]
(وَأَن يكذب الإرجاف عَنهُ بضده ويمسي بِمَا تنوي أعاديه أسعدا)
(وَرب مُرِيد ضره ضرّ نَفسه وهاد إِلَيْهِ الْجَيْش أهْدى وَمَا هدى) // من الطَّوِيل //
وَمِنْهَا
(سريت إِلَى جيحان من أَرض آمد ثَلَاثًا لقد أدناك ركض وأبعدا)
(فولى وأعطاك ابْنه وجيوشه جَمِيعًا وَلم يُعْط الْجَمِيع لتحمدا)
(وَمَا طلبت زرق الأسنة غَيره وَلَكِن قسطنطين كَانَ لَهُ الفدا)
وَقَالَ أَبُو فراس
(وآب بقسطنطين وَهُوَ مكبل تحف بطاريق بِهِ وزرازر)
(وَولى على الرَّسْم الدمستق هَارِبا وَفِي وَجهه عذر من السَّيْف عاذر)
(فدى نَفسه بِابْن عَلَيْهِ كنفسه وللشدة الصماء تقنى الذَّخَائِر)
(وَقد يقطع الْعُضْو النفيس لغيره وتدفع بِالْأَمر الْكَبِير الْكَبَائِر)
وَسَار سيف الدولة لبِنَاء الْحَدث وَهِي قلعة عَظِيمَة الشَّأْن فَاشْتَدَّ ذَلِك على ملك الرّوم فَجمع عُظَمَاء أهل مَمْلَكَته وجهزهم بالصليب الْأَعْظَم وَعَلَيْهِم فردس الدمستق ثائرا بِابْنِهِ قسطنطين فِي عدد لَا يُحْصى حَتَّى أحاطوا بعسكر سيف الدولة والتهبت الْحَرْب وَاشْتَدَّ الْخطب وَسَاءَتْ ظنون الْمُسلمين ثمَّ أنزل الله نَصره فَحمل سيف الدولة يخرق الصُّفُوف طلبا للدمستق فولى هَارِبا وَأسر صهره وَابْن بنته وَقتل خلق كثير من الرّوم وَأكْثر الشُّعَرَاء فِي هَذِه
[ ١ / ٥١ ]
الْوَقْعَة فَقَالَ أَبُو الطّيب وَذكر الْحَدث
(بناها فأعلى والقنا تقرع القنا وموج المنايا حولهَا متلاطم)
(وَكَانَ بهَا مثل الْجُنُون فَأَصْبَحت وَمن جثث الْقَتْلَى عَلَيْهَا تمائم)
(تفيت اللَّيَالِي كل شَيْء أَخَذته وَهن لما يَأْخُذن مِنْك غوارم) // من الطَّوِيل //
وَذكر ولد الدمستق فَقَالَ
(وَقد فجعته بِابْنِهِ وَابْن صهره وبالصهر حملات الْأَمِير الغواشم)
(مضى يشْكر الْأَصْحَاب فِي فَوته الظبا بِمَا شغلتها هامهم والمعاصم)
(وَيفهم صَوت المشرفية فيهم على أَن أصوات السيوف أعاجم)
(يسر بِمَا أَعْطَاك لَا عَن جَهَالَة وَلَكِن مغنوما نجا مِنْك غَانِم)
وَقَالَ السّري فِي بِنَاء الْحَدث
(رفعت بِالْحَدَثِ الْحصن الَّذِي خفضت مِنْهُ الْحَوَادِث حَتَّى ذل جَانِبه)
(أعدته عدويا فِي مناسبه من بعد مَا كَانَ روميا مناسبه)
(فقد وَفِي عرضه بالبيد واعترضت طولا على منْكب الشعرى مناكبه)
(مصغ إِلَى الجو أَعْلَاهُ فَإِن خَفَقت زهر الْكَوَاكِب خلناها تخاطبه)
(كَأَن أبراجه من كل نَاحيَة أبراجها والدجى وحف غياهبه) // من الْبَسِيط //
[ ١ / ٥٢ ]
وَلأبي فراس فِي ذكرهَا
(رأى الثغر مثغورا فسد بِسَيْفِهِ فَم الدَّهْر عَنهُ وَهُوَ سغبان فاغر) // من الطَّوِيل //