وَحقه الْحسن والعذوبة لفظا والبارعة والجودة معنى لِأَنَّهُ أول مَا يقرع الْأذن ويصافح الذِّهْن فَإِذا كَانَت حَاله على الضِّدّ مجه السّمع وزجه الْقلب وَنبت عَنهُ النَّفس وَجرى أَوله على مَا تَقوله الْعَامَّة أول الدن دردى
وَلأبي الطّيب ابتداءات لَيست لعمري من أَحْرَار الْكَلَام وغرره بل هِيَ كَمَا نعاها عَلَيْهِ العائبون مستشنعة لَا يرفع السّمع لَهَا حجابه وَلَا يفتح الْقلب لَهَا بَابه كَقَوْلِه
(هذي برزت لنا فهجت رسيسا ثمَّ انصرفت وَمَا شفيت نسيسا) // من الْكَامِل //
فَإِنَّهُ لم يرض بِحَذْف عَلامَة النداء من هذي وَهُوَ غير جَائِز عِنْد النَّحْوِيين حَتَّى ذكر الرسيس والنسيس فَأخذ بطرفي الثّقل وَالْبرد
[ ١ / ١٨١ ]
وَكَقَوْلِه
(أوه بديل من قولتي واها ) // من المنسرح //
وَهُوَ برقية الْعَقْرَب أشبه مِنْهُ بافتتاح كَلَام فِي مُخَاطبَة ملك
وَكَقَوْلِه وَهُوَ مِمَّا تكلّف لَهُ اللَّفْظ المتعقد وَالتَّرْتِيب المتعسف لغير معنى بديع يَفِي شرفه وغرابته بالتعب فِي استخراجه وَلَا تقوم فَائِدَة الِانْتِفَاع بِهِ بِإِزَاءِ التأذي باستماعه
(وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه بِأَن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه) // من الطَّوِيل //
وَكَقَوْلِه فِي استفتاح قصيدة فِي مدح ملك يُرِيد أَن يلقاه بهَا أول لقية
(كفى بك دَاء أَن ترى الْمَوْت شافيا وَحسب المنايا أَن يكن أمانيا) // من الطَّوِيل //
وَفِي الِابْتِدَاء بِذكر الدَّاء وَالْمَوْت والمنايا مَا فِيهِ من الطَّيرَة الَّتِي تنفر مِنْهَا السوقة فضلا عَن الْمُلُوك
حكى الصاحب قَالَ ذكر الْأُسْتَاذ الرئيس يَوْمًا الشّعْر فَقَالَ وَإِن أول مَا يحْتَاج فِيهِ إِلَيْهِ حسن المطلع فَإِن ابْن أبي الشَّبَاب أَنْشدني فِي يَوْم نيروز قصيدة ابْتِدَاؤُهَا
(أقبر وَمَا طلت ثراك يَد الطل ) // من الطَّوِيل //
فتطيرت من افتتاحه بالقبر وتنغصت بِالْيَوْمِ وَالشعر فَقلت كَذَاك كَانَت حَال
[ ١ / ١٨٢ ]
ابْن مقَاتل لما مدح الدَّاعِي بقوله
(لَا تقل بشرى وَلَكِن بشريان غرَّة الدَّاعِي وَيَوْم المهرجان) // من الرمل //
فَإِنَّهُ نفر من قَوْله لَا تقل بشرى أَشد نفار وَقَالَ أعمى وتبتدئ بِهَذَا فِي يَوْم مهرجان
قَالَ الصاحب وَمن عنوان قصائده الَّتِي تحير الأفهام وتفوت الأوهام وَتجمع من الْحساب مَا لَا يدْرك بالأرتيماطيقي وبالأعداد الْمَوْضُوعَة للموسيقى
(أحاد أم سداس فِي أحاد لييلتنا المنوطة بالتنادي) // من الوافر
وَهَذَا كَلَام الحكل ورطانة الزط وَمَا ظَنك بممدوح قد تشمر للسماع من مادحه فصك سَمعه بِهَذِهِ الْأَلْفَاظ الملفوظة والمعاني المنبوذة فَأَي هزة تبقى هُنَاكَ وَأي أريحية تثبت هُنَا
وَقد خطأه فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى كثير من أهل اللُّغَة وَأَصْحَاب الْمعَانِي حَتَّى احْتِيجَ فِي الِاعْتِذَار لَهُ والنضح عَنهُ إِلَى كَلَام لَا يستأهله هَذَا الْبَيْت وَلَا يَتَّسِع لَهُ هَذَا الْبَاب
وَمن ابتداءاته البشعة الَّتِي تنكرهَا بديهة السماع قَوْله
(ملث الْقطر أعطشها ربوعا وَإِلَّا فاسقها السم النجيعا) // من الوافر //
وَقَوله
(أثلث فَإنَّا أَيهَا الطلل نبكي وترزم تحتنا الْإِبِل) // من الْكَامِل //
[ ١ / ١٨٣ ]
وَقَوله
(بقائي شَاءَ لَيْسَ هم ارتحالا وَحسن الصَّبْر زموا لَا الرحالا) // من الوافر //
قَالَ الصاحب وَمن افتتاحاته العجيبة قَوْله لسيف الدولة فِي التسلية عِنْد الْمُصِيبَة
(لَا يحزن الله الْأَمِير فإنني لآخذ من حالاته بِنَصِيب) // من الطَّوِيل //
قَالَ الصاحب لَا أَدْرِي لم لَا يحزن سيف الدولة إِذا أَخذ المتنبي بِنَصِيب من القلق