هُوَ أَبُو الْفرج عبد الْوَاحِد بن نصر المَخْزُومِي من أهل نَصِيبين
نجم الْآفَاق وشمامة الشَّام وَالْعراق وظرف الظّرْف وينبوع اللطف وَاحِد أَفْرَاد الدَّهْر فِي النّظم والنثر لَهُ كَلَام بل مدام بل نظام من الْيَاقُوت بل حب الْغَمَام فنثره مستوف أَقسَام العذوبة وشروط الْحَلَاوَة والسهولة ونظمه كَأَنَّهُ رَوْضَة منورة تجمع طيبا ومنظرا حسنا
وَقد أخرجت من شعره
مَا يشْهد بِالَّذِي أجريت من ذكره وَإِنَّمَا لقب بالببغاء للثغة فِيهِ سيجري وصفهَا فِي ذكر مَا دَار بَينه وَبَين أبي إِسْحَاق الصابي من طرف المكاتبات وملح المجاوبات وَكَانَ فِي عنفوان أمره وريعان شبابه مُتَّصِلا بِسيف الدولة مُقيما فِي جملَته ثمَّ تنقلت بِهِ بعد وَفَاة صَاحبه الْأَحْوَال فِي وُرُوده الْموصل وبغداد ومنادمته بهما الْمُلُوك والرؤساء وإخفاقه مرّة وإنجاحه أُخْرَى وَآخر مَا بَلغنِي من خَبره مَا سَمِعت الْأَمِير أَبَا الْفضل عبد الله بن أَحْمد الميكالي يُورِدهُ من ذكر التقائه مَعَه عِنْد صَدره من الْحَج وحصوله بِبَغْدَاد فِي سنة تسعين وثلاثمائة ورؤيته بهَا شَيخا عالي السن متطاول الأمد نظيف اللبسة بهي الرّكْبَة مليح اللثغة ظريف الْجُمْلَة قد أخذت الْأَيَّام من جِسْمه وقوته وَلم تَأْخُذ من طرفه وأدبه وَأَنه مدح أَبَاهُ الْأَمِير أَبَا نصر بقصيدة فريدة أجزل عَلَيْهَا صلته ثمَّ السلَامِي وَغَيره من شعراء الْعرَاق ثمَّ عرض على القَاضِي أَبُو بشر الْفضل بن مُحَمَّد بجرجان سنة إِحْدَى وَتِسْعين كتاب
[ ١ / ٢٩٣ ]
أبي الْفرج الْوَارِد عَلَيْهِ من بَغْدَاد مُشْتَمِلًا من النّظم والنثر على مَا أثرت فِيهِ حَال من بلغ سَاحل الْحَيَاة ووقف إِلَى ثنية الْوَدَاع وَلست أَدْرِي مَا فعل الدَّهْر بِهِ وأغلب ظَنِّي أَنه إِلَى الْآن قد لحق باللطيف الْخَبِير وَأَنا أبدأ بسياق قصَّة لَهُ من عِبَارَته وحكايته لم أسمع أظرف مِنْهَا فِي فنها وَلَا ألطف وَلَا أعذب وَلَا أخف وَإِن كَانَ فِيهَا بعض الطول والبديع غير مملول
قَالَ أَبُو الْفرج تَأَخَّرت بِدِمَشْق عَن سيف الدولة ﵀ مكْرها وَقد سَار عَنْهَا فِي بعض وقائعه وَكَانَ الْخطر شَدِيدا على من أَرَادَ اللحاق بِهِ من أَصْحَابه حَتَّى إِن ذَلِك كَانَ مُؤديا إِلَى النهب وَطول الاعتقال واضطررت إِلَى إِعْمَال الْحِيلَة فِي التَّخَلُّص والسلامة بِخِدْمَة من بهَا من رُؤَسَاء الدولة الإخشيدية وَكَانَ سني فِي ذَلِك الْوَقْت عشْرين سنة وَكَانَ انقطاعي مِنْهُم إِلَى أبي بكر عَليّ بن صَالح الروزباري لتقدمه فِي الرياسة ومكانه من الْفَصْل والصناعة فَأحْسن تقبلي وَبَالغ فِي الْإِحْسَان بِي وحصلت تَحت الضَّرُورَة فِي الْمقَام فتوفرت على قصد الْبِقَاع الْحَسَنَة والمتنزهات المطرفة تسليا وتعللا فَلَمَّا كَانَ فِي بعض الْأَيَّام عملت على قصد دير مران وَهَذَا الدَّيْر مَشْهُور الْموقع فِي الْجَلالَة وَحسن المنظر فاستصحبت بعض من كنت آنس بِهِ
وَتَقَدَّمت لحمل مَا يُصْلِحنَا وتوجهنا نَحوه فَلَمَّا نزلنَا أَخذنَا فِي شَأْننَا وَقد كنت اخْتَرْت من رهبانه لعشرتنا من توسمت فِيهِ رقة الطَّبْع وسجاحة الْخلق حَسْبَمَا جرى بِهِ الرَّسْم فِي غشيان الْأَعْمَار وطروق الديرة وَمن التطرف بِعشْرَة أَهلهَا والأنسة بسكانها وَلم تزل الأقداح دَائِرَة بَين مطرب الْغناء وزاهر المذاكرة إِلَى أَن فض اللَّهْو ختامه ولوح السكر لصحبي أَعْلَامه وحانت مني نظرة إِلَى بعض الرهبان فَوَجَدته إِلَى خطابي متوثبا ولنظري إِلَيْهِ مترقبا فَلَمَّا أَخَذته عَيْني أكب يزعجني بخفي الغمز ووحي الْإِيمَاء فاستوحشت لذَلِك وأنكرته ونهضت عجلَان واستحضرته فَأخْرج إِلَيّ رقْعَة مختومة وَقَالَ لي قد لزمم فرض الْأَمَانَة فِيمَا تضمنته هَذِه الرقعة وونى وَسقط
[ ١ / ٢٩٤ ]
ذمام كاتبها فِي سترهَا بك عني ففضضتها فَإِذا فِيهَا بِأَحْسَن خطّ وأملحه وأقرئه وأوضحه
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
لم أزل فِيمَا تُؤَدِّيه هَذِه المخاطبة يَا مولَايَ بَين حزم يحث على الانقباض عَنْك وَحسن ظن يحض على التسامح بنفيس الْحَظ مِنْك إِلَى أَن استنزلتني الرَّغْبَة فِيك على حكم الثِّقَة بك من غير خبْرَة وَرفعت بيني وَبَيْنك سجف الحشمة فأطعت بالانبساط أوَامِر الأنسة وانتهزت فِي التَّوَصُّل إِلَى مودتك فَائت الفرصة والمستماح مِنْك جعلني الله فدَاك زورة أرتجع بهَا اغتصبتنيه الْأَيَّام من المسرة مهنأة بالانفراد إِلَّا من غلامك الَّذِي هُوَ مَادَّة مسرتك
وَمَا ذَاك عَن خلق يضيق بطارق وَلَكِن لأخذي بِالِاحْتِيَاطِ على حَالي فَإِن صَادف مَا خطبَته مِنْك أيدك الله قبولا ولديك نفَاقًا فمنية غفل الدَّهْر عَنْهَا أَو فَارق مذْهبه فِيمَا أهداه إِلَيّ مِنْهَا وَإِن جرى على رسمه فِي المضايقة فِيمَا أوثره وأهواه وأترقبه من قربك وأتمناه فذمام الْمُرُوءَة يلزمك رد هَذِه الْوَقْعَة وسترها وتناسيها واطراح ذكرهَا
وَإِذا بِأَبْيَات تتلو الْخطاب وَهِي
(يَا عَامر الْعُمر بالفتوة والقصف وحث الكؤوس والطرب)
(هَل لَك فِي صَاحب تناسب فِي الغربة أخلاقه وبالأدب)
(أوحشه الدَّهْر فاستراح إِلَى قربك مستنصرا على النوب)
(فَإِن تقبلت مَا أَتَاك بِهِ لم تَشِنْ الظَّن فِيهِ بِالْكَذِبِ)
(وَإِن أَتَى الزّهْد دون رغبتنا فَكُن كمن لم يقل وَلم يجب) // من المنسرح //
[ ١ / ٢٩٥ ]
قَالَ أَبُو الْفرج فورد عَليّ مَا حيرني واسترد مَا كَانَ الشَّرَاب حازه من تميزي وَحصل لي فِي الْجُمْلَة أَن أغلب الْأَوْصَاف على صَاحبهَا الْكِتَابَة خطا وترسلا ونظما فشاهدته بالفراسة من أَلْفَاظه وحمدت أخلاقه قبل الاختبار من رقعته وَقلت للراهب وَيحك من هَذَا وَكَيف السَّبِيل إِلَى لِقَائِه فَقَالَ أما ذكر حَاله فإليه إِذا اجْتَمَعنَا وَأما السَّبِيل إِلَى لِقَائِه فمتسهل إِن شِئْت قلت دلَّنِي قَالَ تظهر فتورا وتنصب عذرا تفارق بِهِ أَصْحَابك منصرفا وَإِذا حصلت بِبَاب الدَّيْر عدلت بك إِلَى بَاب خَفِي تدخل مِنْهُ فَرددت الرقعة عَلَيْهِ وَقلت ارفعها إِلَيْهِ ليتأكد أنسه بِي وسكونه إِلَيّ وعرفه أَن التوفر على إِعْمَال الْحِيلَة فِي الْمُبَادرَة إِلَى حَضرته على مَا آثره من التفرد أولى من التشاغل بإصدار جَوَاب وَقطع وَقت بمكاتبته وَمضى الراهب وعدت إِلَى أَصْحَابِي بِغَيْر النشاط الَّذِي نهضت بِهِ فأنكروا ذَلِك فاعتذرت إِلَيْهِم بِشَيْء عرض لي واستدعيت مَا أركبه وَتَقَدَّمت إِلَى من كَانَ معي مِمَّن يخْدم بالتوفر على خدمتهم وَقد كُنَّا عَملنَا على الْمبيت فَأَجْمعُوا على تعجل السكر والانصراف وَخرجت من بَاب الدَّيْر وَمَعِي صبي كنت آنس بِهِ وبخدمته وَتَقَدَّمت إِلَى الشاكري برد الدَّابَّة وَستر خبري ومباكرتي وتلقاني الراهب وَعدل بِي إِلَى طَرِيق فِي مضيق وأدخلني إِلَى الدَّيْر من بَاب غامض وَصَارَ بِي إِلَى بَاب قلاية متميز عَمَّا يجاوره من الْأَبْوَاب نظافة وحسنا فقرعه بحركات مُخْتَلفَة كالعلامة فابتدرنا مِنْهُ غُلَام كَأَن الْبَدْر ركب على أزراره مهفهف الكشح مخطفه معتدل القوام أهيفه تخال الشَّمْس برقعت غرته وَاللَّيْل ناسب أصداغه وطرته فِي غلالة تنم على مَا تستره وتجفو مَعَ رقتها عَمَّا تظهره وعَلى رَأسه مجلسية مصمت فبهر عَقْلِي واستوقف نَظَرِي ثمَّ أجفل كالظبي المذعور وتلوته والراهب إِلَى صحن القلاية فَإِذا أَنا بِبَيْت فضي
[ ١ / ٢٩٦ ]
الْحِيطَان رخامي الْأَركان يضم طارقة خيش مفروشة بحصير مُسْتَعْمل فَوَثَبَ إِلَيْنَا مِنْهُ مقتبل الشبيبة حسن الصُّورَة ظَاهر النبل والهيئة متزي من اللبَاس بزِي غُلَامه فلقيني حافيا يعثر بسراويله واعتنقني ثمَّ قَالَ إِنَّمَا استخدمت هَذَا الْغُلَام فِي تلقيك يَا سَيِّدي لأجعل مَا لَعَلَّك استحسنته من وَجهه مصانعا عَمَّا ترد عَلَيْهِ من مشاهدتي فاستحسنت اختصاره الطَّرِيق إِلَى بسطي وارتجاله النادرة على نَفسه حرصا فِي تأنيسي وأفاض فِي شكري على المسارعة إِلَى أمره وَأَنا أواصل فِي خلال سكناته الْمُبَالغَة فِي الِاعْتِدَاد بِهِ ثمَّ قَالَ يَا سَيِّدي أَنْت مكدود بِمن كَانَ مَعَك والاستمتاع بمحادثتك لَا يتم إِلَّا بالتوصل إِلَى راحتك وَقد كَانَ الْأَمر على مَا ذكر فاستلقيت يَسِيرا ثمَّ نهضت فخدمت فِي حالتي النّوم واليقظة الْخدمَة الَّتِي ألفتها فِي دور أكَابِر الْمُلُوك وأجلة الرؤساء
وأحضرنا خَادِم لَهُ لم أر أحسن مِنْهُ وَجها وَلَا سوادا طبقًا يضم مَا يتَّخذ للعشاء مِمَّا خف ولطف فَقَالَ الْأكل مني يَا سَيِّدي للْحَاجة ومنك للممالحة والمساعدة فنلنا شَيْئا وَأَقْبل اللَّيْل فطلع الْقَمَر ففتحت مناظر ذَلِك الْبَيْت إِلَى فضاء أدّى إِلَيْنَا محَاسِن الغوطة وحبانا بذخائر رياضها من المنظر الجناني والنسيم العطري وجاءنا الراهب من الْأَشْرِبَة بِمَا وَقع اتفاقنا على الْمُخْتَار مِنْهُ ثمَّ اقتعدنا غارب اللَّذَّة وجرينا فِي ميدان الْمُفَاوضَة فَلم يزل يناهبني نَوَادِر الْأَخْبَار وملح الْأَشْعَار ونخلط ذَلِك من المزح بأظرفه وَمن التودد بألطفه إِلَى أَن توسطنا الشَّرَاب فَالْتَفت إِلَى غُلَامه وَقَالَ لَهُ يَا مترف إِن مَوْلَاك مَا ادخر عَنَّا السرُور بِحُضُورِهِ وَمَا يجب أَن ندخر مُمكنا فِي مسرته فامتقع وَجه الْغُلَام حَيَاء وخفرا فأقسم عَلَيْهِ بحياته وَأَنا لَا أعلم مَا يُرِيد وَمضى فَعَاد يحمل طنبورا وَجلسَ فَقَالَ لي يَا سَيِّدي تَأذن لي فِي خدمتك فهممت بتقبيل يَده لما تداخلني من عظم المسرة بذلك فَأصْلح الْغُلَام الطنبور وَضرب وغنى
(يَا مالكي وَهُوَ ملكي وسالبي ثوب نسكي)
[ ١ / ٢٩٧ ]
(نزه يَقِين الْهوى فِيك عَن تعرض شكّ)
(لولاك مَا كنت أبْكِي إِلَى الصَّباح وأبكي) // من المجتث //
فَنظر إِلَى الْغُلَام وَتَبَسم فَعلمت أَن الشّعْر لَهُ فكدت وَالله أطير طَربا وفرحا بملاحة خلقه وجودة ضربه وعذوبة أَلْفَاظه وتكامل حسنه فاستدعيت كيزانا فأحضرنا الْخَادِم عدَّة قطع من فاخر البلور وجيد الْمُحكم فَشَرِبت سُرُورًا بِوَجْهِهِ وَشرب بِمثل مَا شربت ثمَّ قَالَ لي أَنا وَالله يَا سَيِّدي أحب ترفيهك وَأَن لَا أقطعك عَمَّا أَنْت متوفر عَلَيْهِ وَلَكِن إِذا عرفت الِاسْم وَالنّسب والصناعة واللقب فَلَا بُد أَن تشي ليلتنا بِشَيْء يكون لَهَا طرازا ولذكرها معلما فجذبت الدواة وكتبت ارتجالا وَقد أَخذ الشَّرَاب مني
(وَلَيْلَة أوسعتني حسنا ولهوا وأنسا)
(مَا زلت ألثم بَدْرًا بهَا وأشرب شمسا)
(إِذا أطلع الدَّيْر سَعْدا لم يبْق مذ بَان نحسا)
(فَصَارَ للروح مني روحا وللنفس نفسا) // من المجتث //
فطرب على قولي ألثم بَدْرًا وأشرب شمسا وجذب غُلَامه فَقبله وَقَالَ مَا جهلت مَا يجب لَك يَا سَيِّدي من التوقير وَإِنَّمَا اعتمدت تصديقك فِيمَا ذكرته فبحياتي إِلَّا فعلت مثل ذَلِك بغلامك فاتبعت آثاره خوفًا من احتشامه وَأخذ الأبيات وَجعل يُرَدِّدهَا ثمَّ أَخذ الدواة وَكتب إجَازَة لَهَا
(وَلم أكن لغريمي وَالله أبذل فلسًا)
(لَو ارتضى لي خصمي بدير مران حبسا) // من المجتث //
فَقلت إِذا وَالله مَا كَانَ أحد يُؤَدِّي حَقًا وَلَا بَاطِلا وداعبته فِي هَذَا الْمَعْنى بِمَا حضر وَعرفت فِي الْجُمْلَة أَنه مستتر من دين قد رَكبه وَقَالَ لي قد خرج لَك أَكثر الحَدِيث فَإِن عذرت وَإِلَّا ذكرت لَك الْحَال لتعرفها على صورتهَا فتبينت مَا يؤثره من كتمان أمره فَقلت لَهُ يَا سَيِّدي كل مَا لَا يتعرف بك نكرَة
وَقد
[ ١ / ٢٩٨ ]
أغنت الْمُشَاهدَة عَن الِاعْتِذَار ونابت الْخِبْرَة عَن الاستخبار وَجعل يشرب وينخب عَليّ من غير إِكْرَاه وَلَا حث وَلَا استبطاء إِلَى أَن رَأَيْت الشَّرَاب قد دب فِيهِ وأكب على مجاذبة غُلَامه والفطنة تثنيه فِي الْوَقْت بعد الْوَقْت فأظهرت السكر وحاولت النّوم وَجَاء الْغُلَام ببرذعة ففرشها لي بِإِزَاءِ برذعته فَنَهَضت إِلَيْهَا وَقَامَ يتفقد أَمْرِي بِنَفسِهِ فَقلت لَهُ إِن لي مذهبا فِي تقريب غلامي مني واعتمدت بذلك تسهيل مَا يختاره من هَذِه الْحَال فِي غُلَامه فَتَبَسَّمَ وَقَالَ لي بسكره جمع الله لَك شَمل المسرة كَمَا جمعه لي بك وأظهرت النّوم وَعَاد يجاذب غُلَامه بأعذب لفظ وَأحلى معاتبة ويخلط ذَلِك بمواعيد تدل على سَعَة وانبساط يَد وَغُلَامه تَارَة يقبل يَده وَتارَة فَمه وغلبتني عَيْنَايَ إِلَى أَن أيقظنى هَوَاء السحر فانتبهت وهما متعانقان بِمَا كَانَ عَلَيْهِمَا من اللبَاس فَأَرَدْت توديعه وحاذرت إنباهه وإزعاجه فَخرجت ولقيني الْخَادِم يُرِيد إيقاظه وتعريفه انصرافي فأقسمت عَلَيْهِ أَن لَا يفعل وَوجدت غلامي قد بكر بِمَا أركبه كَمَا كنت أَمرته فركبت منصرفا وعاملا على الْعود إِلَيْهِ والتوفر على مواصلته وَأخذ الْحَظ من معاشرته ومتوهما أَن مَا كنت فِيهِ مَنَام لطيبه وَقرب أَوله من آخِره واعترضتني أَسبَاب أدَّت إِلَى اللحاق بِسيف الدولة فسرت على أتم حسرة لما فَاتَنِي من معاودة لِقَائِه وَقلت فِي ذَلِك
(وَيَوْم كَأَن الدَّهْر سامحني بِهِ فَصَارَ اسْمه مَا بَيْننَا هبة الدَّهْر)
(جرت فِيهِ أَفْرَاس الصِّبَا بارتياحنا إِلَى دير مران الْمُعظم والعمر)
(بِحَيْثُ هَوَاء الغوطتين معطر النسيم بِأَنْفَاسِ الرياحين والزهر)
(فَمن رَوْضَة بالْحسنِ ترفد رَوْضَة وَمن نهر بالفيض يجْرِي إِلَى نهر)
(وَفِي الهيكل الْمَعْمُور مِنْهُ افترعتها وصحبي حَلَالا بعد تَوْفِيَة الْمهْر)
(ونزهت عَن غير الدَّنَانِير قدرهَا فَمَا زلت مِنْهَا أشْرب التبر بالتبر)
[ ١ / ٢٩٩ ]
(وَحل لنا مَا كَانَ مِنْهَا محرما وَهل يحظر الْمَحْظُور فِي بلد الْكفْر)
(فَأَهْدَتْ لي الْأَيَّام فِيهِ مَوَدَّة دعتني فِي ستر فلبيت فِي ستر)
(أَتَى من شرِيف الطَّبْع أصدق رَغْبَة تخاطبني عَن مَعْدن النّظم والنثر)
(وَكَانَ جوابي طَاعَة لَا مقَالَة وَمن ذَا الَّذِي لَا يستجيب إِلَى الْيُسْر)
(فلاقيت ملْء الْعين نبْلًا وهمة محلى السجايا بالطلاقة والبشر)
(وأحشمني بِالْبرِّ حَتَّى ظننته يُرِيد اختداعي عَن جناني وَلَا أَدْرِي)
(ونزه عَن غير الصفاء اجتماعنا فَكنت وإياه كقلبين فِي صدر)
(وَشاء السرُور أَن يلينا بثالث فلاطفنا بالبدر أَو بأخي الْبَدْر)
(بمعطي عُيُون مَا اشتهت من جماله ومضني قُلُوب بالتجنب والهجر)
(جَنِينا جني الْورْد فِي غير وقته وزهر الرِّبَا من روض خديه والثغر)
(وقابلنا من وَجهه وَشَرَابه بشمسين فِي جنحي دجى اللَّيْل وَالشعر)
(وغنى فَصَارَ السّمع كالطرف آخِذا بأوفر حَظّ من محاسنه الزهر)
(وأمتعنا من وجنيته بِمثل مَا تمزج كَفاهُ من المَاء وَالْخمر)
(سرُور شكرنا منَّة الصحو إِذا دَعَا إِلَيْهِ وَلم نشكر بِهِ منَّة السكر)
(كَأَن اللَّيَالِي نمن عَنهُ فعندما تنبهن نكبن الْوَفَاء إِلَى الْغدر)
(مضى وَكَأَنِّي كنت فِيهِ مهوما يحدث عَن طيف الخيال الَّذِي يسري)
(وَهل يحصل الْإِنْسَان من كل مَا بِهِ تسامحه الْأَيَّام إِلَّا على الذّكر) // من الطَّوِيل //
وَلم أزل على أتم قلق وَأعظم حسرة وَأَشد تأسف على مَا سلبته من فِرَاق الْفَتى لَا سِيمَا وَلم أحصل مِنْهُ على حَقِيقَة علم وَلَا يَقِين خبر يؤديانني إِلَى الطمع
[ ١ / ٣٠٠ ]
فِي لِقَائِه إِلَى أَن عَاد سيف الدولة إِلَى دمشق وَأَنا فِي جملَته فَمَا بدأت بِشَيْء قبل الْمصير إِلَى الراهب وَقد كنت حفظت اسْمه فَخرج إِلَيّ مَرْعُوبًا وَهُوَ لَا يعرف السَّبَب فَلَمَّا رَآنِي استطار فَرحا وَأقسم أَلا يخاطبني إِلَّا بعد النُّزُول وَالْمقَام عِنْده يومي ذَلِك فَفعلت فَلَمَّا جلسنا للمحادثة قَالَ مَا لي لَا أَرَاك تسْأَل عَن صديقك قلت وَالله مَا لي فكر ينْصَرف عَنهُ وَلَا أَسف يتَجَاوَز مَا حرمته مِنْهُ وَلَا سررت بعودي إِلَى هَذِه الْبَلدة إِلَّا من أَجله وَلذَلِك بدأت بقصدك فاذكر لي خَبره فَقَالَ لي أما الْآن فَنعم هَذَا فَتى من المادرانيين جليل الْقدر عَظِيم النِّعْمَة كَانَ ضمن من سُلْطَانه بِمصْر ضيَاعًا بِمَال كثير فخاس بِهِ ضَمَانه لقعود السّعر وأشرف على الْخُرُوج من نعْمَته فاستتر وَلما اشْتَدَّ الْبَحْث عَنهُ خرج متخفيا إِلَى أَن ورد دمشق بزِي تَاجر فَكَانَ استتاره عِنْد بعض إخوانه مِمَّن أخدمه فَإِنِّي عِنْده يَوْمًا إِذْ ظهر لي وَقَالَ لصديقه إِنِّي أُرِيد الِانْتِقَال إِلَى هَذَا الراهب إِن كَانَ عَليّ مَأْمُونا فَذكر لَهُ صديقه مذهبي وأظهرت السرُور بِمَا رغب فِيهِ من الْأنس بِي وَأَنا لَا أعرفهُ غير أَن صديقي قد أَمرنِي بخدمته وَحصل فِي قلايتي فواصل الصَّوْم فَلَمَّا كَانَ بعد أَيَّام جَاءَنَا الرَّسُول من عِنْد صديقنا وَمَعَهُ الْغُلَام وَالْخَادِم وَقد لَحقا بِهِ ومعهما سفاتج وَعَلَيْهِمَا ثِيَاب رثَّة
فَلَمَّا نظر إِلَى الْغُلَام قَالَ يَا رَاهِب قد حل الْفطر وَجَاء الْعِيد ووثب إِلَيْهِ فاعتنقه وَجعل يقبل عَيْنَيْهِ ويبكي ووقف على السفاتج فأنفذها مَعَ درج رقْعَة مِنْهُ إِلَى صديقه فَلَمَّا كَانَ بعد يَوْمَيْنِ حمل إِلَيْهِ ألفي دِينَار وَقَالَ لَهُ ابتع لنا مَا نستخدمه فِي هَذِه الضَّيْعَة فَابْتَاعَ آلَة وفرشا وَلم يزل مكبا على مَا رَأَيْت إِلَى أَن ورد عَلَيْهِ بالبغال والآلات الْحَسَنَة وَكتب أَهله باجتماعهم إِلَى صَاحب مصر وتعريفهم إِيَّاه الْحَال فِي بعده عَن وَطنه لضيق ذَات يَده عَمَّا يُطَالب بِهِ والتوقيع
[ ١ / ٣٠١ ]
بحطيطة المَال عَنهُ مقترنا بالكتب فَلَمَّا عمل على الْمسير قَالَ لغلامه سلم جَمِيع مَا بَقِي مَعَك من نفقتنا إِلَى الراهب ليصرفه فِي مصَالح الدَّيْر إِلَى أَن نواصل تفقده من مستقرنا وَسَار وَمَا لَهُ حسرة غَيْرك وَلَا أَسف إِلَّا عَلَيْك يقطع الْأَوْقَات بذكرك وَلَا يشرب إِلَّا على مَا يُغْنِيه الْغُلَام من شعرك وَهُوَ الْآن بِمصْر على أفضل الْأَحْوَال وأجلها مَا يبخل بتفقدي وَلَا يغب بري فتعجلت بعض السلوة بِمَا عرفت من حَقِيقَة خَبره وَأَتْمَمْت يومي عِنْد الراهب وَكَانَ آخر الْعَهْد بِهِ انْتهى كَلَامه