ثم عاد إبراهيم ثالثة فوجد إسماعيل يبري نبلًا تحت دوحة، فاستلمه وقبله كما يصنع الوالد بولده والولد بوالده، ثم قال له: أي بني! إن الله أمرني أن أبني له بيتًا -وأشار إلى أكمة في الأرض- فقال: يا أبت! أطع ربك، قال: أوتعينني؟ وفي هذا أدب حوار وأدب عرض وأدب تربية الأبناء على أن يقبلوا الأمر الشرعي؛ وهذه التربية نجم عنها أن إسماعيل ﵇ لما قال له أبوه: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢] كان جوابه: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢] وهذه ينبغي لمن يفسر القرآن أن ينتبه إليها، قال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢] ولم يقل: يا أبت! افعل ما تريد؛ لأن إسماعيل أراد أن يعبد الله، ولم يرد في أصل الأمر أن يطيع أباه، وفرق بينهما.
وكثير من قادة الجيوش الآن يقتل جنودهم ويذبحون بأمر هؤلاء القادة، فهم يطيعون طاعة عسكرية عمياء كما يقال، لكنها ليست طاعة لله، ولكن إسماعيل ﵇ كان مؤدبًا في
الجواب
﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢] ولو كان الأمر لك كأنت فهذا يقبل الأخذ والعطاء، ولكن لما كان أمرًا إلاهيًا فإنه لا يقبل الأخذ والعطاء.
ونعود إلى الأمر، قال: أطع ربك، فبنيا البيت، فأخذا كما قال الله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة:١٢٧] وتقديم إبراهيم لأنه هو الذي يباشر، ﴿وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة:١٢٧]، أي: يعينه، ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧]، فتم بنيان البيت.
[ ٢ / ٩ ]