سَافَرَ الشيخُ (﵀) من بلادِه لسبعٍ مَضَيْنَ من جُمَادَى الآخرةِ، من سنةِ سبعٍ وستين وثلاثِمائةٍ وألفٍ، قاصدًا الحجَّ عن طريقِ البرِّ على نيةِ العودةِ بعدَ ذلك إلى البلادِ، وقد كانت تلك السَّفْرَةُ حافلةً بالفوائدِ والمباحثاتِ العلميةِ القَيِّمَةِ التي تُبَرْهِنُ على رسوخِ الشيخِ في العلمِ، وطولِ بَاعِهِ فيه، يُسلِّمُ بذلك كُلُّ مَنْ قَرَأَ ما دَوَّنَهُ في تلك الرحلةِ بعنوانِ: "الرِّحْلَةُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ".
وبعدَ فراغِ الشيخِ من مناسكِ الحجِّ تَوَجَّهَ صوبَ المدينةِ النبويةِ، ثم عزمَ على البقاءِ والاستقرارِ فيها، وكان (﵀) يقول: "لَيْسَ مِنْ عَمَلٍ أعظمَ من تفسيرِ كتابِ اللَّهِ في مسجدِ رسولِ اللِّهِ - ﷺ - ".
وقد كان لاستقرارِه في هذه البلادِ أثرٌ ظاهرٌ في زيادةِ اطِّلَاعِهِ، وتوسيعِ دائرةِ عِلْمِهِ؛ ذلك أن الدراسةَ في بلادِه كانت مُنْصَبَّةً على الفقهِ في مذهبِ الإمامِ مالكٍ خاصةً دونَ غَيْرِهِ من المذاهبِ، إضافةً إلى علومِ العربيةِ، والأصولِ، والسيرةِ، والتفسيرِ، والمنطقِ، ولم تَكُنْ دِرَاسَةُ الحديثِ تَحْظَى بما يَحْظَى به غيرُها، لاقتصارِ الناسِ على مذهبِ مَالِكٍ (﵀).
[ المقدمة / ٢٧ ]
فلما بدأ الشيخُ (﵀) يزاولُ التدريسَ في المسجدِ النبويِّ، وخالطَ العامةَ والخاصةَ، أَلْفَى مَنْ يُمَثِّلُ المذاهبَ الأربعةَ، وَمَنْ يُنَاقِشُ فيها، ويبحثُ عن الدليلِ ويتطلبُه، كما وجدَ الدراسةَ في المسجدِ النبويِّ لا تَقْتَصِرُ على مذهبٍ مُعَيَّنٍ، فكان من الْمُتَعَيَّنِ على مَنْ تَصَدَّرَ للتدريسِ في مثلِ هذه البيئةِ الاطلاعُ على سائرِ المذاهبِ الْمُعْتَبَرَةِ، والوقوفُ على أقوالِ العلماءِ في المسألةِ، مع التضلعِ بعلومِ الكتابِ والسنةِ، فَدَأَبَ الشيخُ (﵀) في تحصيلِ ذلك، وقد سَاعَدَهُ على هذا التوسعِ تَمَكُّنُهُ من علومِ الآلةِ.
وإن هذا الأثرَ المشارَ إليه تَجِدُهُ بارزًا في كتابِه "أَضْوَاءُ الْبَيَانِ" عندما يتعرضُ للمسائلِ الفقهيةِ.