تَصَدَّى الشيخُ (﵀) للتدريسِ وَالْفُتْيَا، كما اشْتُهِرَ بالقضاءِ، وكانت طريقتُه فيه أن يَسْتَكْتِبَ الْمُتَقَاضِيَيْنِ رَغْبَتَهُمَا في التقاضِي إليه، وقبولهما ما يَقْضِي به، ثم يستكتبُ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ، ويكتبُ جوابَ الْمُدَّعَى عليه أسفلَ كتابةِ الدَّعْوَى، ثم يكتبُ الحكمَ مع الدعوى والإجابةَ، ثم يُحِيلُهُمَا إلى مَنْ شَاءَا من المشايخِ أو الحكامِ للتصديقِ عليها وتنفيذِها.
وكان يقضي في كُلِّ شيءٍ إلا في الدماءِ والحدودِ، إِذْ كان للدماءِ قضاءٌ خاصٌّ، وكان الحاكمُ الفرنسيُّ في البلادِ يقضي بالقصاصِ في القتلِ بعدَ محاكمةٍ وَمُرَافَعَةٍ، وبعدَ تمحيصِ القضيةِ وإنهاءِ المرافعةِ، وصدورِ الحكمِ، يُعْرَضُ على عَالِمَيْنِ من علماءِ البلادِ للمصادقةِ عليه، ويطلقُ على الْعَالِمَيْنِ: لجنةُ الدماءِ، وكان (﵀) أحدَ عُضْوَيْ هذه
[ المقدمة / ٢٦ ]
اللجنةِ.
ولم يَخْرُجِ الشيخُ (﵀) من بلادِه حتى عَلَا قَدْرُهُ، وذاعَ صِيتُهُ، وَعَظُمَتْ مَنْزِلَتُهُ بين الخاصِّ والعامِّ والقاصِي والدَّانِي، وصارَ عَلَمًا من أعلامِ البلادِ، وموضعًا لثقةِ الجميعِ.