اعلم أولًا أن المجمل في اللغة: هو المجموع، وجملة الشيء مجموعه، وأما في الاصطلاح فقد اختلفت فيه عبارات أهل الأصول. والتحقيق: أنه هو ما احتمل معنيين أو أكثر من غير ترجح لواحد منهما أو منها على غيره. وعرفه في مراقي السعود بقوله:
وذو وضوح محكم، والمجمل هو الذي المراد منه يجهل
واعلم أن المبهم أعم من المجمل عمومًا مطلقًا، فكل مجمل مبهم، وليس كل مبهم مجملًا، فمثل قولك لعبدك: تصدق بهذا الدرهم على رجل، فيه إبهام وليس مجملًا، لأن معناه لا إشكال فيه، لأن كل رجل تصدق عليه به حصل به المقصود.
والدليل على أن المجمل هو ما ذكرنا أن اللفظ لا يخلو من أحد أمرين:
إما أن يدل على معنى واحد لا يحتمل غيره فهو النص نحو: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾. وإما أن يحتمل غيره، وهذا له حالتان:
الأولى: أن يكون أحد المحتملين أظهر.
والثانية: أن يتساويا بأن لا يكون أحدهما أظهر من الآخر، فإن كان أحد المعنيين أظهر فهو الظاهر، ومقابله محتمل، وإن
[ ١ / ٣٩ ]
استويا فهو المجمل كما ذكرناه. وحكم النص أنه لا يعدل عنه إلا بنسخ، وحكم الظاهر أنه لا يعدل عنه إلا بدليل أقوى منه يدل على صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى المحتمل المرجوح، وحكم المجمل أن يتوقف فيه حتى يدل دليل مبين للمقصود من المحتمل، وصرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى المحتمل المرجوح هو المعروف في اصطلاح أهل الأصول بالتأويل، وسيأتي إيضاح أنواع التأويل كلها إن شاء الله تعالى في آل عمران.
واعلم أن اللفظ قد يكون واضح الدلالة من وجه مجملًا من وجه آخر كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ فإنه واضح في إيتاء الحق، مجمل في مقداره؛ لاحتماله النصف أو أقل أو أكثر، وإلى هذا أشار في مراقي السعود بقوله:
وقد يجيء الإجمال من وجه ومن وجه يراه ذا بيان من فطن
وأما البيان فهو لغة: اسم مصدر بمعنى التبيين، وهو الإيضاح والإظهار كالسلام بمعنى التسليم، والكلام بمعنى التكليم، والطلاق بمعنى التطليق، وقد يطلق على المبين بالكسر والفتح، ومن أهل الأصول من يطلق البيان على كل إيضاح سواء تقدمه خفاء أم لا، وكثير من الأصوليين لا يطلقون البيان باصطلاح الأصولي إلا على إظهار ما كان فيه خفاء، وعليه درج في مراقي السعود بقوله معرفًا للبيان في الاصطلاح:
تصيير مشكل من الجلى وهو واجب على النبي
إذا أريد فهمه وهو بما من الدليل مطلقًا يجلو العمى
[ ١ / ٤٠ ]
فكل ما يزيل الإشكال يسمى بيانًا في الاصطلاح بمعنى المبين بالكسر، وسترى إن شاء الله في هذا الكتاب المبارك من أنواع البيان، وأنواع ما به البيان ما فيه كفاية.
واعلم أن التحقيق جواز بيان المتواتر من كتاب أو سنة بأخبار الآحاد، وكذلك يجوز بيان المنطوق بالمفهوم كما قدمنا خلافًا لقوم منعوا ذلك زاعمين أن المنطوق أظهر من المفهوم، والأظهر لا يبين بالأخفى، وحكاه الباجي عن أكثر المالكية.
وأجيب بأنه ما كل منطوق يقدم على المفهوم، بل بعض المفاهيم أقوى دلالة على الأمر من دلالة المنطوق عليه، ألا ترى أن دلالة مفهوم حديث "في الغنم السائمة زكاة" عند من لا يرى الزكاة في المعلوفة أظهر في عدم الزكاة في المعلوفة، من دخولها في عموم منطوق حديث "في أربعين شاة شاة"، لأن المفهوم أخص بها وأقوى دلالة فيها من عموم المنطوق، وإلى هذا أشار في مراقي السعود بقوله:
وبين القاصر من حيث السند أو الدلالة على ما يعتمد
فالبيان بالقاصر سندًا كبيان المتواتر بالآحاد، والبيان بالقاصر دلالة كبيان المنطوق بالمفهوم كما قدمنا، والمراد بقصوره في الدلالة أغلبية ذلك، لا لزومه في كل حال كما أشرنا إليه آنفًا.
وحكى القاضي الباقلاني عن جماعة من العراقيين أن المبين بالفتح إن كان وجوبه يعم جميع المكلفين كالصلاة فلا يبين إلا بمتواتر، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:
[ ١ / ٤١ ]
وأوجبن عند بعض علمًا إذا وجوب ذي الخفاء عما
ولا يخفى سقوط هذا القول وأنه لا وجه لرد حديث صحيح دال على بيان نص من غير معارض بدعوى أنه لم يتواتر، ومنع بيان المتواتر مطلقًا بالآحاد أشد سقوطًا.
واعلم أن الأصوليين اختلفوا في البيان بالقول هل هو أقوى من البيان بالفعل أو لا؟
قال مقيده عفا الله عنه: الظاهر أن التحقيق في ذلك هو ما حققه أبو إسحاق الشاطبي -﵀- وهو أن كل واحد منهما أقوى من صاحبه من جهة، فالفعل يبلغ من بيان الكيفيات المعينة المخصوصة ما لا يبلغه القول، والقول يبلغ من بيان الخصوص والعموم في الأحوال والأشخاص ما لا يبلغه الفعل.
مسائل تتعلق بالبيان
المسألة الأولى: إذا ورد بعد المجمل قول وفعل، فلا يخلو الأمر من واحدة من ثلاث حالات:
الأولى: أن يتفق القول والفعل.
الثانية: أن يزيد الفعل على القول.
الثالثة: أن يزيد القول على الفعل.
فإن اتفق القول والفعل معًا، فالمتقدم منهما هو المبين والثاني تأكيد له كما قالوا بعد نزول آية القطع في السرقة: القطع من الكوع، وقطع بالفعل من الكوع.
[ ١ / ٤٢ ]
وإن جهل المتقدم فالبيان بأحدهما لا بعينه، وقال الآمدي: يتعين المرجوح إن كان أحدهما أرجح، لأن المرجوح لا يكون مؤكدًا للراجح.
قال القرافي: وهو غير متجه، لأن الأضعف يزيد في رتبة الظن الحاصلة قبله كزيادة شاهد على أربعة.
وإن زاد الفعل على القول، كبيانه - ﷺ - أن كيفية الصوم هي صوم كل يوم بانفراده من غيره وصال بين يومين، مع أنه - ﷺ - ربما واصل، فإن البيان يكون بالقول، والفعل يدل على مطلق الطلب في حقه - ﷺ - خاصة بندب أو إيجاب تقدم للقول أو تأخر.
وقال أبو الحسين البصري: المتقدم منهما هو البيان وألزم نسخ الفعل المتقدم مع إمكان الجمع.
قال المحَلِّي: ولو نقصَ الفعل عن مقتضى القول كما لو طاف بعد نزول آية الحج طوافًا واحدًا، وأمر باثنين فقياس الأول أن القول هو البيان، ونقصُ الفعل تخفيف عنه - ﷺ -، تأخر الفعل أو تقدم، وقياس ما لأبي الحسين أن البيان هو المتقدم، وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله:
والقول والفعل إذا توافقا فانم البيان للذي قد سبقا
وإن يزد فعل فللقول انتسب والفعل يقتضي بلا قيد طلب
والقول في العكس هو المبين وفعله التخفيف فيه بين
المسألة الثانية: اعلم أنه لا يجوز تأخير البيان لمجمل أو
[ ١ / ٤٣ ]
ظاهر لم يرد ظاهره عن وقت الحاجة إلى العمل به، وقال القوم: يجوز عقلًا لكنه لم يقع بالفعل.
وأجراه كثير منهم على الخلاف في مسألة التكليف بما لا يطاق، وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله:
تأخر البيان عن وقت العمل وقوعه عند المجيز ما حصل
وذكر بعض المتأخرين عن ابن العربي المالكي أنه قال في كتابه المحصول: لحظت ذلك مدة، ثم ظهر لي جوازه، ولا يكون من تكليف ما لا يطاق، بل رفعًا للحكم، وإسقاطًا له في حق المكلف.
قال مقيده عفا الله عنه: وبناء على أن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الفعل صرحوا بأن التخصيص بعد العمل بالعام نسخ في البعض، وكذلك التقييد بعد العمل بالمطلق، لأن كلا من التخصيص والتقييد بيان، وهو لا يتأخر عن وقت الفعل، فإذا تأخر تعين النسخ، وإليه أشار في المراقي في التخصيص بقوله:
وإن أتى ما خص بعد العمل نسخ والغير مخصصا جلى
وفي التقييد بقوله:
وإن يكن تأخر المقيد عن عمل فالنسخ فيه يعهد
تنبيه:
فإن قيل: قد وقع تأخير البيان عن وقت الحاجة، كما وقع في صبح ليلة الإسراء، فإن جبريل -﵇- لم يبين للنبي - ﷺ - كيفيتها، ولا وقتها حتى ضاعت، فالجواب من وجهين، أشار لهما
[ ١ / ٤٤ ]
العبادي في الآيات البينات.
أحدهما: أن وجوبها كان مشروطًا بالبيان قبل فوات وقتها ولم يبين له - ﷺ -، ولذا لم يفعلها أداء ولا قضاء. قال: ومن هنا يعلم أن الكلام في غير الوجوب المعلق على البيان، أما هو فلا يتصور فيه تأخير البيان عن وقت الفعل.
الثاني: أن الصلوات الخمس فرضت ليلة الإسراء على أن ابتداء الوجوب من ظهر ذلك اليوم فما بعده، دون ما قبله.
المسألة الثالثة: أما تأخير البيان إلى وقت الحاجة إلى العمل به فالتحقيق أنه جائز وواقع، وهو مذهب الجمهور، ومقابلة ثلاثة أقوال أخر:
الأول: أنه لا يجوز مطلقًا.
الثاني: أنه يجوز في المجمل، دون ما له ظاهر غير مراد، كالعام والمطلق.
الثالث: عكس هذا وهو جوازه فيما له ظاهر غير مراد، دون المجمل وهو أبعدها، وإلى هذه الأقوال أشار في المراقي بقوله:
تأخيره للاحتياج واقع وبعضنا هو لذاك مانع
وقيل بالمنع بما كالمطلق ثم بعكسه لدى البعض انطق
أما تأخير أصل التبليغ إلى وقت الحاجة، فقال بعض العلماء بجوازه أيضًا، وخالف فيه بعضهم، وقال الفخر الرازي وابن الحاجب والآمدي: لا يجوز تأخير تبليغ القرآن قولًا واحدًا، لأنه
[ ١ / ٤٥ ]
متعبد بتلاوته، ولم يؤخر - ﷺ - تبليغه بخلاف غيره، قال بعض أهل الأصول: قد يمنع تعجيل التبليغ، ويجب تأخيره إلى وقت الحاجة إن كان يخشى من تعجيله مفسدة، قالوا: فلو أمر - ﷺ - بقتال أهل مكة بعد سنة من الهجرة، وجب تأخير تبليغ ذلك للناس، لئلا يستعد العدو إذا علم ويعظم الفساد، ولذلك لما أراد ﵊ قتالهم قطع الأخبار عنهم حتى دهمهم، وكان ذلك أيسر لغلبتهم وقهرهم، وإلى هذا أشار في المراقي بقوله:
وجائز تأخير تبليغ له ودرء ما يخشى أبى تعجيله
والضمير في قوله: له عائد إلى الاحتياج في البيت المذكور قبله، أي: جائز تأخير التبليغ إلى وقت الاحتياج له.
المسألة الرابعة: لا يشترط في البيان أن يعلمه جميع المكلفين الموجودين في وقته، بل يجوز أن يكون بعضهم جاهلًا به ودليله الوقوع، فقد جاءت فاطمة الزهراء والعباس -﵄- أبا بكر - ﵁ - يطلبان ميراثهما من النبي - ﷺ - متمسكين بعموم ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية، وعموم ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ولم يعلما أنه - ﷺ - بين أن هذا العموم لا يتناول الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه بقوله: [إنا معاشر الأنبياء لا نورث] الحديث - وإلى هذه المسألة أشار في المراقي بقوله:
ونسبة الجهل لذى وجود بما يخصص من الموجود
وسميته: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، وهذا أوان الشروع في المقصود.
[ ١ / ٤٦ ]