التحقيق الذي عليه الجمهور أن المراد بهذا الفتح صلح الحديبية؛ لأنه فتح عظيم.
وإيضاح ذلك: أن الصلح المذكور هو السبب الذي تهيأ به للمسلمين أن يجتمعوا بالكفار فيدعوهم إلى الإِسلام ويبينوا لهم محاسنه، فدخل كثير من قبائل العرب بسبب ذلك في الإِسلام.
ومما يوضح ذلك: أن الذين شهدوا صدح الحديبية مع النبي - ﷺ - في ذي القعدة عام ست كانوا ألفًا وأربعمائة، ولما أراد النبي - ﷺ - غزو مكة حين نقض الكفار العهد، كان خروجه إلى مكة في رمضان عام ثمان، وكان معه عشرة آلاف مقاتل.
وذلك يوضح أن الصلح المذكور من أعظم الفتوح؛ لكونه سببًا لقوة المسلمين وكثرة عددهم.
وليس المراد بالفتح المذكور فتح مكة، وإن قال بذلك جماعة من أهل العلم.
وإنما قلنا ذلك؛ لأن أكثر أهل العلم على ما قلنا؛ ولأن ظاهر
[ ٧ / ٦٣٩ ]
القرآن يدل عليه؛ لأن سورة الفتح هذه نزلت بعد صلح الحديبية في طريقه - ﷺ - راجعًا إلى المدينة.
ولفظ الماضي في قوله: ﴿إنَّا فتَحْنَا﴾ يدل على أن ذلك الفتح قد مضى، فدعوى أنه فتح مكة ولم يقع إلا بعد ذلك بقرب سنتين، خلاف الظاهر.
والآية التي في فتح مكة دلت على الاستقبال لا على المضي، وهي قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتحُ﴾ الآية.
وقد أوضحنا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب معنى اللام في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ الآية.