الإيضاح
يقول تعالى في هذه الوصية: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ (الأنعام: من الآية١٥٢) إن مما حرم الله عزوجل على عباده مقاربة مال اليتيم، والدنو منه باتخاذ الأسباب الموصولة إليه بمعنى أنه لا يجوز لمسلم أن يدنو من سبب يؤدي به التصرف في مال اليتيم ومقارفته والمنع موجه لكل من ولي أمر يتيم
_________________
(١) ١ رجل منجذّ: مجرب أحكمته الأمور. والبيت لسحيم بن وثيل. وفي أضواء البيان: أثيل (الصحاح ٢/٥٤٢) (أضواء البيان: ٢/٢٧٩) . ٢ كالمعالجة: أي معالجة الأمور وتصريفها، أكسبني ذلك حكمة ونباهة. (انظر الصحاح ١/٤٢٣) . ٣ بكسر العين واللام، وسكون الظاء المعجمة؛ صبغ أحمر، وقيل: هو الوسمة، شجر له ورق يختضب به. ٤ أي مضعونة وهي الناقة. ومعنى سحوق: طويلة. (الصحاح ١/٥٧١) (وانظر الروح ٨/٤٩) . ٥ أي مضعونة وهي الناقة. ومعنى سحوق: طويلة. (الصحاح ١/٥٧١) (وانظر الروح ٨/٤٩) . ٦ الآية (٦) من النساء. ٧ فتح القدير ٢/٧٩.
[ 71 - 72 / ١٣ ]
مباشرة، أو بواسطة وليه أو وصيه القائم على شئونه. وهذا نهي عن جميع التصرفات التي لا تعود بنفع ولا تدفع ضررا.
﴿إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن﴾ (الأنعام: من الآية١٥٢):
إلا بالصفة الحسنة وهي العمل الذي يقوم به صلاح ماله وتنميته وحفظه من الضياع، فإن الله ﷿ أباح لكل من يقوم على أمر يتيم أن يتصرف بهذا الشرط في أمواله فيصرفه فيما يعود عليه بالنفع يجتهد في رجحان مصلحته من استثماره، والإنفاق منه على تربيته وتعليمه، وما يصلح به معاشه ومعاده، وهذا باب عظيم من أَبواب الشريعة الإسلامية. ألا ترى أن الرب ﷿ من بالغ حكمته ولطفه بعباده الكافل والمكفول. نهى عن قرب مال اليتيم، لأن النهي عن قرب الشيء أبلغ من النهي عنه؛ لأنه يتضمن النهي عن الأسباب والوسائل المؤدية إليه، والتصرفات التي توقع فيه، والنهي عن قرب الشيء يتضمن أيضًا النهي عن الشبهات التي تحتمل التأويل فيه، فيجد المسلم المتقي إذ يعدها هضمًا لحق اليتيم، ولا يقع فيها إلا طامع يرى أنها بالتأويل مما يحل، وهذا باب من الشر يغلق بفهم النهي عن قرب الشيء. فليحذر المسلم مواطن الانزلاق فإن فيها مكامن خطر لا ينجو منها إلا من حفظه الله. والأخذ بالأحوط من أسباب الحفظ والسلامة.
﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (الأنعام: من الآية١٥٢):
هذا القيد غاية لإباحة التصرف في مال اليتيم بما يصلحه، ومن إصلاحه منع اليتيم نفسه منه حتى يكون راشدًا في تصريف ماله كغيره من العقلاء. فإن الولي أو الوصي ممكّن شرعًا من منع اليتيم من تبديد ماله وإضاعته، أو الإسراف فيه. فالقيد المذكور غاية لما يفهم من الاستثناء، لا للنهي كأنه قيل: "احفظوا مال اليتيم حتى يبلغ، فإذا بلغ فادفعوا إليه ماله"، كما في قوله ﷿: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (النساء: من الآية٦) وإن مما يجدر التنبيه إليه أن النهي عن قرب مال اليتيم عام فلا يجوز التصرف في ماله بما يفسده من قبل أي أحد ومن وقع في شيء من ذلك فإنه مؤاخذ مهما بعد وإذا كان النهي يتناول الولي والوصي بالدرجة الأولى فهو لغيرهما من باب الأولى، ثم إن على المسلم أن يحذر هذا الأمر أشد الحذر وأن يتعامل مع المسلمين وفق ما شرع الله لاسيما في هذا الزمان الذي عبدت فيه المادة وكثر أتباع الدرهم والدينار ومن تأمل هذه الوصية وما جاء في أمر اليتيم من الآيات يعلم علم اليقين ما في نظام الإسلام من سعادة وحماية لكل فرد؛ إن حماية الأموال تقوم على أساسين هامين في حياة كل فرد:
[ 71 - 72 / ١٤ ]
١- القوة المادية؛ قوة اليد.
٢- القوة الفكرية؛ قوة الرشد والعقل، وتدبير الأمور.
ومن ألقى نظرة على ما كان عليه المجتمع الجاهلي يجد أن أصحاب الأفكار المادية لا يحترمون إلا القوة ولا يخضعون إلا للأقوياء. ومن هنا نعلم الشرع حينما بالغ في الوصية باليتيم إنما يعطيه الحصانة والحفظ من أي اعتداء. وإذا كانت معاناة اليتيم في ذلك المجتمع بالغة الصعوبة فإنه في هذا العصر عصر الماديات، والأساليب الماكرة الخادعة أحوج ما يكون إلى أن يعيش في ظل الإسلام الذي وفر له الحماية الكافية. لأن اليتيم في غير المجتمع الإسلامي لا يقدر على حماية نفسه وماله إلا إذا بلغ قوة الساعد وحصافة العقل، وكان رشيدا في عقله وأخلاقه وتجاربه ولن يحصل مع هذا على الحماية الكافية لكثرة الغش وأساليب الحيل الماكرة. أما الإسلام فإنه يوفر له الحماية الكاملة من خلال نظامه العام. طالما هو في حاجة إليها، ولا غنى لأحد عنها لكنه عند إيناس الرشد، وبلوغ الحلم، جاز له أن يستقل بنفسه والنظر لها، لمعرفته بما يصلح شأنه، وبصره بوجوه الأخذ والعطاء، لأنه في هذه الحال يزول عنه اسم اليتم ومعناه، من الحجر وغيره، أما إذا بلغ الحلم وهو مستمر في غرارته وسفهه، متماد في جهالته فإنه في هذه الحال يزول عنه اسم اليتم حقيقة، ويبقى عليه حكم الحجر، لقصور فكره عن إدارة شئونه. وعلى أي حال فكم للإسلام من ميزة في هذا الباب وغيره، إن الجاهليين كانوا لا يتحرجون من التصرف في أموال اليتامى، بحق وباطل، فيأخذون أموال اليتامى، ويبدلونها بأموالهم، فيقول الرجل منهم: مائة بمائة، فنهى الله عباده عن ذلك فقال: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ ١. وكانوا يتسلطون على أموال اليتامى؛ بالأكل والانتفاع فنهى الله عباده عن ذلك فقال: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ ٢أي لا تضموا أموالهم إلى أموالكم لتنتفعوا بها في الأكل وغيره. وقد توعد الله ﷿ أكلة أموال اليتامى، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ ٣ وقد خرج النهي عن الأكل مخرج الغالب؛ وإلا فالإحراق والإغراق وكل إتلاف له محرم شرعًا ولا يدخل في هذا ما أباح الله للولي الفقير أن يأكل بالمعروف٤؛ لأن الإباحة مشروطة بأن يكون فقيرًا، وأن يأكل بالمعروف.
_________________
(١) ١ الآية ٢ من النساء. ٢ الآية ٢ من النساء. ٣ الآية ١٠ من النساء. ٤ لمزيد العلم انظر: الروح ٨/٤٥، المنار ٨/١٩٠، الأحكام ٣٠٨.
[ 71 - 72 / ١٥ ]
وقد نوهت السنة النبوية بشأن كافل اليتيم على النهج الذي رسمه الشارع الحكيم فقد جاء في أصح الكتب بعد كتاب الله ﷿ من حديث سهل بن سعد ﵁، عن النبي ﷺ قال: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا " وقال بأصيعيه السبابة والوسطى١. فأي تكريم أعظم من هذا، وأي ثواب أجزل، وحق لكافل اليتيم أن يبالغ في الحفظ والرعاية، فإنه يحوط من لا يعقل أمر دينه ولا دنياه، فيرشده إلى الخير، ويعلمه أسباب الصلاح والنجاح، ويحسن معاملته وتربيته ويرعى مصالحه، ويدير شئونه بمنتهى الأمانة والإخلاص، فظهرت مناسبة عقد ذلك القرب من رسول الله ﷺ.
[ 71 - 72 / ١٦ ]
الأحكام
١- تحريم الاعتداء على مال اليتيم، وجاء التعبير بالنهي عن القرب مبالغة في الزجر ليشمل كل سبب يجر إلى اعتداء عليه، أو إتلاف له.
٢- يستظهر من الوصية أن النهي عام يشمل الأولياء والأوصياء وكافة الناس، وإلا لما تحققت الحماية التي هي مقصود الشارع.
٣- إباحة التصرف في مال اليتيم بما يصلحه وينميه، مع الأخذ بالأحوط وعدم المجازفة.
٤- وجوب دفع مال اليتيم كاملًا غير منقوص عند بلوغه الحلم وإيناس الرشد منه، وتمكنه من حفظه والتصرف فيه تصرفًا معقولا.
[ 71 - 72 / ١٦ ]
الوصية السابعة
قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (الأنعام: من الآية١٥٢)
المناسبة:
جاءت الوصايا السابقة مؤكدة أن المجتمع السليم لا يقوم إلا على تلك الأسس العظيمة؛ بناء العقيدة النقية، صيانة المجتمع في النفس، والعرض والمال، وهنا تتحدث الوصية عن أمر لا يقل أهمية عما سبق إذ أن أفراد أي مجتمع لابد لهم من تبادل المنافع والسلع
_________________
(١) ١ الصحيح مع الفتح ١٠/٤٣٦.
[ 71 - 72 / ١٦ ]
ولا ريب أن إشاعة الثقة بين أفراد المجتمع ونشر بنود العدل على ربوعه لا تتجلى في أسمى معانيها إلا إذا نبعت من عقيدة صحيحة وتجسدت في تعامل نظيف بين أفراده، لذلك جاءت هذه الوصية تؤكد هذا الجانب الهام من جوانب بناء المجتمع السليم، ولقوة الصلة بين العقيدة والمعاملات، اعتنت هذه الوصايا بقضية العقيدة والعبادة وربط المعاملات بها، نقضًا لما كان عليه المجتمع الجاهلي من الفصل بين العقيدة والعبادات، وبين الشرائع والمعاملات، وهذا المبدأ الذي رفضه الإسلام وأماته، يسعى اليوم دعاة الشر والجاهلية إلى إعادته وإحيائه، وهو ما يسمونه بفصل الدين عن الدولة، وذلك مبدأ هدام، وفكرة خطيرة، ونجاحها في المجتمع الإسلامي كفيل بتقويضه وإحياء الجاهلية الأولى على أنقاضه، وليس عندي أدنى شك في أن محاربة تلك الأفكار وبيان فسادها من الجهاد في سبيل الله.
[ 71 - 72 / ١٧ ]
البحث اللغوي:
المفردات:
(أوفوا): أي أتموا ولا تنقصوه. والوافي الذي بلغ التمام ولم يعتريه نقص١.
(الكيل): المراد: المكيل أي الشيء الذي يكال، وهذا من إطلاق الصفة على الموصوف، والمكيال: أداة الكيل، كالمد والصاع٢.
(الميزان): المراد: الموزون من إطلاق اسم المحل على الحال. فالميزان آلة الوزن مثل (الكيلو) و(الجرام) وبهذه المناسبة يحسن أن نذكر حديثًا أخرجه أبو داود ﵀ قال: "حدثنا عثمان بن أبي شيبة٣، حدثنا ابن دكين٤، حدثنا سفيان٥، عن حنظلة٦، عن طاووس٧، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة" ثم٨ هذا الحديث تنوعت أقوال العلماء فيه فذهب بعض العلماء في فكره مذهبًا بعيدا إذ فسر هذا الحديث بأن رسول الله ﷺ أراد بهذا القول أن يضع قاعدة عامة
_________________
(١) ١ لمزيد الفائدة انظر: المفردات ٥٢٨ واللسان ١٥/٣٩٩. ٢ للفائدة انظر اللسان ١١/٦٠٤. ٣ عثمان بن محمد نسب إلى جده الأبعد، ثقة حافظ له أوهام. ٤ الفضل بن دكين عمرو بن حماد، ثقة ثبت. ٥ ابن سعيد الثوري، ثقة، إمام، حجة، ربما دلس. ٦ ابن أبي سفيان، الجمحي، ثقة، حجة. ٧ ابن كيسان، اليماني، ثقة، فقيه، فاضل. ٨ السنن لأبي داود ٣/٦٣٣.
[ 71 - 72 / ١٧ ]
يضبط الناس بها معاملاتهم وزنًا وكيلا، فجعل ميزان أهل مكة ومكيال أهل المدينة أساسًا لمقادير الأوزان العالمية المتنوعة في البلدان بحسب تنوع الأعراف فيها، ولاريب أن تنوع الأعراف غالبًا ما يكون سببًا في الاختلاف لاسيما في المعاملات، ففهم صاحب هذا الرأي أن الحديث الشريف جاء حاسمًا لأي اختلاف قد يطرأ مرشدًا إلى ما يحدد المقدار مما يكال ويوزن وذلك بالرجوع إلى ميزان أهل مكة، ومكيال أهل المدينة فتخضع جميع مقادير الموازين العالمية عند الاختلاف لمقدار ميزان أهل مكة، فتخضع جميع مقادير المكاييل العالمية لمقدار مكيال المدينة. والحق أن من ذهب إلى هذا الفهم وأول الحديث الشريف عليه قد أبعد النجعة ولم يحالفه الصواب. إذ أن ما عليه أكثر الفقهاء وعلماء الأمصار خلاف هذا الفهم، ولأن الشريعة الإسلامية لم تغفل العرف وجعلت له دورًا في حل كثير من القضايا وبيان ذلك لو أن رجلًا أقَر لرجل بموزون أو مكيل لكن وقع بينهما خلاف في المقدار، فإن الشرع في هذه الحال يعطي العرف دوره في حل هذا الاختلاف وذلك بأن يحكم في تحديد المقدار بما تعارف عليه أهل البلد الذي تم فيه التعامل وهو حكم لا غبار عليه. والأمر الهام الذي جاء الحديث الشريف ليعطي فيه قاعدة شرعية هو نوع واحد من الموزون ذلك النوع هو الذهب والفضة لأن هذا النوع يتعلق به حكم شرعي، هو وجوب الزكاة، أو عدمه. بخلاف غيره مما يتعلق بمعاش الناس، وما يتعاملون به في البيع والشراء، ولما كان المضروب من الذهب والفضة. يختلف باختلاف الأمصار١ ويتعلق به الحكم الشرعي تدخلت السنة المطهرة لتضع قاعدة تحدد مقدارًا ترجع إليه الأمة في تحديد ما يجب شرعا، فجعلت ميزان أهل مكة مرجعًا يحسم اختلاف الناس في الذهب والفضة خاصة، وكذلك قوله ﷺ: "والمكيال مكيال أهل المدينة" أراد به نوعًا خاصًا وهو الصاع الذي يتعلق به حكم شرعي فبه تقدر زكاة الحبوب، وصدقة الفطر، وتقدر النفقات، وحكم الأمة في هذه الأمور واحد وإن تعددت البلدان ونأت بهم الديار، وتنوع المكاييل بحسب تنوع الأعراف، فلكل بلد
_________________
(١) ١ منها: البغلي. وهو ثمانية دوانيق. ومنها: الطبري: وهو أربعة دوانيق. ومنها: الخوارزمي نسبة إلى خوارزم. ومنها: الدرهم الوزان، وهو من دراهم الإسلام الجائز بين الناس في عامة البلدان. وهو ستة دوانيق، وهو نقد أهل مكة، ووزنهم الجائز بينهم. ومما تجدر الإشارة إليه أن أهل المدينة كانوا يتعاملون بالدراهم عدًا وقت مقدم رسول الله ﷺ ويؤيد هذا أن عائشة ﵂ قالت لبريرة في شأن ثمنها: "إن شاء أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة فعلت". فأرشد النبي ﷺ الناس إلى الوزن في الدراهم والدنانير، وجعل العيار وزن أهل مكة، دون ما يتفاوت وزنه منها في سائر البلدان. لمزيد العلم انظر: معالم السنن مع سنن أبي داود ٣/٦٣٣-٦٣٦.
[ 71 - 72 / ١٨ ]
عرفه في ما يكال١ ويوزن، لكنه مقيد بنوع خاص يرجع فيه إلى ميزان مكة وهو الذهب والفضة. وإلى مكيال المدينة وهو الصاع للوفاء بالحكم الشرعي٢.
القسط: المراد به هنا العدل؛ وهو بكسر القاف تقول: أقسط الرجل فهو مقسط؛ ومنه قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ ٣. وقوله ﷿: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْط﴾ ٤، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ٥.
ومن معانيه المكيال، وقدره نصف صاع. والحصة والنصيب تقول: تقسطنا الشيء بيننا.
والقسط بفتح القاف؛ المراد به الجور والعدول عن الحق، وإذا أخذ حق غيره وظلم وجار، سمي قاسطا؛ من قسط يقسط بكسر السين قسوطًا قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ ٦.
الوسع: المراد به هنا القدرة والطاقة في تحري العدل والوفاء٧.
_________________
(١) ١ قال الخطابي ﵀: "وللناس صيعان مختلفة، فصاع أهل الحجاز خمسة أرطال وثلث بالعراقي (٣/١ ٥) وصاع أهل البيت - فيما يذكره زعماء الشيعة - تسعة أرطال وثلث (٣/١ ٩) وصاع أهل العراق ثمانية أرطال؛ وهو صاع الحجاج الذي سعر به على أهل الأسواق، ولما ولي خالد بن عبد الله القسري العراق ضاعف الصاع فبلغ به ستة عشر رطلا. فإذا جاء باب المعاملات حملنا - كل صاع على عرف بلده - وإذا جاءت الشريعة وأحكامها فهو صاع المدينة" معالم السنن ٣/ ٦٣٦. ٢ هذا ملخص ما ذكر الخطابي ﵀ المصدر السابق ٣/٦٣٣. ٣ الآية ٤ من سورة يونس. ٤ الآية ٩ من سورة الرحمن. ٥ الآية ٤٢ من سورة المائدة. ٦ الآية ١٥ من سورة الجن. ولمزيد العلم انظر: المفردات ص ٤٠٣ والصحاح ٢/٣٠٦. ٧ للتوسع في المعنى انظر: الصحاح ٢/٦٨٨ واللسان ٨/ ٣٩٢ والمفردات ص ٤٠٣ والرازي ١٣/٢٣٤.
[ 71 - 72 / ١٩ ]
الإيضاح
هذا المبدأ الاجتماعي الهام قرره رب العزة والجلال في أكثر من موضع في كتابه العزيز ومنها ما نحن بصدد بيانه قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾ ٨. فكأن نبي الهدى والرحمة المبلغ عن الله ﷿ يقول: "ومما أتلوا عليكم أيها المسلمون من وصايا ربكم أن أوفوا الكيل إذا كلتم للناس، أو اكتلتم عليهم لأنفسكم وأوفوا الميزان إذا وزنتم لأنفسكم
_________________
(١) ٨ الآية ١٥٢ من سورة الأنعام.
[ 71 - 72 / ١٩ ]
فيما تبتاعون، أو لغيركم فيما تبيعون، فليكن كل ذلك وافيًا تامًا بالعدل لكم أو عليكم، ولا تكونوا من المطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون. ينقصون الكيل ويبخسون الوزن وهم الذين توعدهم الله ﷿ بالويل والهلاك"١. وهذا النهي مفهوم من الأمر بالإيفاء فهو مقابل له ولازم له لأن الإيفاء يستلزم عدم النقص بأي حال من الأحوال والنقص يستلزم عدم الإيفاء. وقد تقدمت الإشارة إلى ما قرره رب العزة والجلال من النهي عن التطفيف في سورة المطففين.
وقوله ﷿: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ (الرحمن: من الآية٩) فيه لفتة هامة إلى أن الإيفاء لا يكفي أن يكون من طرف واحد بل لابد أن يكون من الجانبين في حالة الأخذ والإعطاء. أي أوفوا مقسطين أو ملابسين للقسط متحرين له، فدل على أنه يجب على الإنسان أن يرضى لغيره ما يرضى لنفسه وهذا ما قررته السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم إذ ثبت عنه أنه قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"٢. وقد تواتر الأمر بإيفاء الكيل والميزان وكل كلام الله ﷿ متواتر فقال: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ ٤. ومن يتأمل كتاب الله ﷿ يجد أن الله ﷿ قد قص على هذه الأمة فيما قص من أنباء الأمم لتحصل لنا العبرة ويكمل الوعظ بما حدث لتلك الأمم ومن ذلك أنه ﷿ أهلك قوم شعيب ودمر مساكنهم وأبادهم بما كان من ظلمهم وفسادهم، وكان أمره ﷿ جزاء وفاقا لتكبرهم وعنادهم، طففوا الكيل وعموا وصموا عن سماع الحق فكان عاقبة ذلك الخسران المبين ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم، بلى إنهم موقوفون وعلى أعمالهم محاسبون ومجزيون الجزاء الأوفى. وحينما يتأمل الناظر في هذه الآيات قد يظهر له أن إيفاء الكيل والميزان هو القسط عينه فيتساءل عن فائدة هذا التكرار. والجواب عن ذلك أن في هذا التعبير لفتة ظريفة وهي أن يعلم المعطي أن الواجب عليه أن يؤدي الحق لصاحبه كاملًا غير منقوص، فلا يطمع في استبقاء شيء منه وإن قل، وليعلم الآخذ أن له أن يأخذ حقه كاملًا من غير طمع في الزيادة وإن قلت وهذا عين القسط وتمام الإيفاء٥.
_________________
(١) ١ انظر سورة المطففين. ٢ أخرجه الإمام البخاري انظر (الصحيح مع الفتح ١/٥٧) . ٣ الآية ٣٥ الإسراء. ٤ الآية ٩ من سورة الرحمن. ٥ الرازي ١٣/٢٣٤.
[ 71 - 72 / ٢٠ ]
قوله تعالى: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ١.
هذه الجملة الكريمة مستأنفه كشف الله بها غمة عظيمة، وهون ما قد يجيش في نفس المسلم الورع فقد يتوهم أن الإيفاء واجب على التحقيق لاسيما وقد أردف بقوله: ﴿بِالْقِسْط﴾ (الرحمن: من الآية٩) فيظن أن المراد كمال الإيفاء المطلق بحيث لا يزيد على ما يستحقه صاحب الحق أدنى زيادة، ولا ينقص منه أقل القليل، ولا ريب أن تحقيق هذا صعب جدًا ولا يمكن الوفاء على هذا النحو، لتحقيق الوفاء بالقسط أمر دقيق جدًا ولا يتحقق في كل مكيل وموزون إلا بآلات بالغة في الحساسية ودقة الوزن والكيل إلا أن يكون ذلك بموازين الذهب التي تضبط الوزن بأقل ما يمكن وزنه أو بأجهزة (الكمبيوتر) البالغة الدقة وهذا فيه عنت وحرج على الأمة الإسلامية ولا يمكن أن تتوفر هذه الموازين لكل فرد من المسلمين وإن وجدت في عصر ما خلت منها عصور، فكانت رحمة العليم الخبير بشئون عباده تجلّل عباده توسعة عليهم ورفعًا للحرج، وليزيل ما قد يرد على صدور الأتقياء منهم من هواجس فقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ٢ وهنا يفهم المسلم أن الله ﷿ لا يكلف عبدا إلا ما يسعه فعله، بأن يؤدي ما كلف من غير عسر ولا حرج، فهولا يكلف من يشتري أو يبيع أنواع الحبوب والفواكه وغيرها من الأقوات أن يكون كيله ووزنه على ما تقدم من الوصف في الدقة والكمال بحيث لا يزيد حبة ولا ينقص مثقالا، بل هو مكلف أن يكون كيله ووزنه منضبطا في بيعه وشرائه على حد سواء وعلى القدر الذي تعارف الناس ويكون معتقدًا أنه أوفى الناس حقوقهم ولم يتطرق الظلم إلى معاملاته بزيادة أو نقص يعتد به عرفا، ويبرز هذا المنهج جليا للناظر، أنه قاعدة في اليسر عظيمة، وأساس في رفع الحرج عن هذه الأمة، فحصر التكليف بما في وسع المكلف غاية في التيسير، والبعد عن المؤاخذة فيما يقابل ذلك، وهذا من أعظم مقاصد الدين الإسلامي الذي جاء به محمدصلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، فهلا نبذ المسلمون حاكمون ومحكومون القوانين الوضعية، واستناروا بسرج الحق والهداية لتستقيم أمور معاملاتهم، وتسود الثقة والأمانة فيما بينهم، وليكونوا قدوة لغيرهم من الأمم في الخير، وحجة على المطففين والمفسدين، وما فسدت أمور المسلمين في عصر من العصور، وقلت ثقتهم بأنفسهم، واحتلت ثقتهم بالأجانب مكانًا رفيعًا من أنفسهم إلا بسبب البعد عن منهج الله، والخضوع للقوانين المستوردة فأعرضوا عما أوصاهم به العليم الخبير وحثهم على التمسك به البشير النذير.
_________________
(١) ١ الآية ١٥٢ من سورة الأنعام. ٢ الآية ٢٨٦ من سورة البقرة.
[ 71 - 72 / ٢١ ]
الأحكام
١- وجوب بذل الجهد في إيفاء الحقوق على أتم ما يمكن.
٢- يفهم من الأمر بالإيفاء تحريم النقص ويتأيد هذا الفهم بقوله تعالى: ﴿ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ﴾ ١.
٣- أن من تحرى الحق واجتهد في الوصول إليه ولم يصبه فلا لوم عليه ولا عقاب ويتأيد هذا الفهم بقول رسول الله ﷺ: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر"٢.
٤- جواز الاجتهاد في الأحكام والآية الكريمة أصل في ذلك وحديث معاذ ﵁ يؤيد هذا الفهم٣.
_________________
(١) ١ الآية ٨٥ من سورة الأعراف. ٢ أخرجه الإمام البخاري الصحيح مع الفتح ١٣/٣١٨. ٣ أخرجه أبو داود (السنن ٤/ ١٨) وفيه كلام.
[ 71 - 72 / ٢٢ ]
الوصية الثامنة
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ (الأنعام: من الآية١٥٢) .
المناسبة:
إن المتأمل في الوصية السابقة وهي الأمر بالإيفاء وتحري الكمال في أداء الحقوق وأخذها، قد يرى مناسبة للربط بين الوصيتين؛ وهي أن إيفاء الحقوق لا يقوم إلا على ركيزة أساسية في المجتمع المسلم، وهي مبدأ العدالة في الحقوق والواجبات، المتعلقة بسائر المعاملات التجارية وغيرها، لكنه خص المعاملات التجارية في الوصية السابقة، ثم أردف بالأمر بالعدل والتزام الإنصاف في المعاملات القولية، الشاملة للشهادات والأمور القضائية، وغيرها مما يتعلق بإظهار الحق وإشهاره بين أفراد المجتمع المسلم، مع قطع النظر عن أي مؤثر آخر يخرج عن التزام المنهج السوي في الجهر بالحق وإيصاله إلى ذويه، حتى ولو كان من المؤثرات رابطة النسب أو وشائج القربى فليس لها وزن في مقابل الإنصاف والتخلق بهذه الخلة العالية الرفيعة. وفي نظري أن الوصيتين هنا من باب عطف العام على الخاص.
[ 71 - 72 / ٢٢ ]
البحث اللغوي:
العدل: ما قام في النفس أنه مستقيم. وهو ضد الجور. وفي أسماء الله ﷿ العدل؛ وهو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم، وهو في الأصل مصدر سمي به، فوضع موضع العادل، وهو أبلغ منه، لأنه جعل المسمى نفسه عدلا. والعدل: الحكم بالحق، يقال: هو يقضي بالحق ويعدل، وهو حكم عادل، ذو معدلة في حكمه١.
القربى: القرابة والقربى: الدنو في النسب، والقربى في الرحم، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ ٢ وأقارب الرجل، وأقربوه؛ عشيرته الأدنون. وفي التنزيل العزيز: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ ٣ وجاء في التفسير أنه لما نزلت٤ هذه الآية صعد الصفا، ونادى الأقرب فالأقرب، فخذًا فخذًا٥.
_________________
(١) ١ اللسان ١١/ ٤٣٠. ٢ الآية ٣٦ من سورة النساء. ٣ الآية ٢١٤ من سورة الشعراء. ٤ ابن كثير ٣/١٤٩. ٥ اللسان ١/٦٦٧، وانظر صحيح مسلم ١/١٩٢ رقم ٣٥٠.
[ 71 - 72 / ٢٣ ]
الإيضاح
لما قرر ﷿ أهمية الإيفاء وخصه بوصية تنويهًا بشأنه العظيم في إصلاح المجتمع فهذا النوع من التعامل الاجتماعي من أبرز ما يحصل به الاحتكاك بين أفراد المجتمع في حياتهم اليومية نوه سبحانه بالأساس الذي يقوم عليه أمر إيفاء الحقوق وهو العدل في كل شأن من شئون الحياة، ولعل ذكر القول هنا دون غيره إشارة إلى أن القول والتخاطب هو العامل الرئيسي في المعاملات، فأراد رب العزة والجلال أن يقرر أن وسيلة التعامل هذه يجب أن تكون مبنية على الأساس الذي يحفظ الحقوق وهو العدل فكما أن العدل واجب في الأفعال كالأوزان والمكاييل، فهو كذلك واجب في الأقوال التي تبنى عليها المعاملات بين أفراد المجتمع، لأن العدل أساس عظيم تصلح به شئون البشرية جمعاء، فالعدل أساس المدنيات، وركن تقوم عليه حضارة الأمة، وبه يشمخ البناء، وتعلو صروح الفضيلة في المجتمع، وهو أساس دوام الملك، والمحور الذي يرتكز عليه النظام الإنساني في كل ما يتعلق بحياة هذا المخلوق، فيقرر الرب ﷾ أنه لا يجوز لمؤمن أَن ينتهك حمى العدل
[ 71 - 72 / ٢٣ ]
محاباة لقرابة، فضلًا عن المصالح الدنيوية التي تعادي منهج العدل وتنابذه، ونجد نبي الهدى ﷺ يؤكد أن من الصفات المنجية تحقق العدل لدى المسلم على كل حال فيقول ﷺ: "ثلاث منجيات؛ خشية الله تعالى في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى " الحديث١. وقد فصل الله ﷿ هذا الأمر الموجز في آيتين مدنيتين فقال وهو أصدق القائلين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ ٢ والثانية قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٣. وهذه الآية الكريمة نصت على معنى الحديث الآنف الذكر ولو رغبنا في التعرض لنفحات الخير والحصول على الأدب الرفيع الذي أمر به الرب الكريم في هاتين الآيتين لطالت بنا الوقفة غير أني أذكر تحليلًا لطيفا للشيخ محمد رشيد رضا ﵀ قال: القوام هو المبالغ في القيام بالشيء، وهو الإتيان به مقوما تامًا لا نقص فيه ولا عوج، وقد حذف هنا ما أمرنا بالمبالغة في القيام به فكان عامًا شاملا لجميع ما أخذ علينا الميثاق به من التكاليف حتى المباحات، أي كونوا من أصحاب الهمم العالية، وأهل الإتقان، والإخلاص لله تعالى في كل عمل تعملونه، من أمر دينكم أو أمر دنياكم.
ومعنى الإخلاص لله في أعمال الدنيا: أن تكون بنية صالحة، بأن يريد العامل بعمله خيرا، والتزام الحق من غير شائبة اعتداء على حق أحد، أو إيقاع ضرر به. ومنطلق هذا القول قوله ﷺ: "الأعمال بالنية"٤. والشهادة بالقسط معروفة، وهي أن تكون بالعدل بدون محاباة مشهود له، ولا مشهود عليه، لا لقرابته وولائه، ولا لماله وجاهه، ولا لفقره ومسكنته، فالشهادة هنا عبارة عن إظهار الحق للحاكم ليحكم به، أو إظهاره بالحكم به، أو الإقرار لصاحبه.- وهذا عين العدل في القول -.
والقسط: هو ميزان الحقوق، متى وقعت فيه المحاباة والجور- لأي سبب أو علة من العلل- زالت الثقة من الناس، وانتشرت المفاسد وضروب العدوان بينهم، وتقطعت الروابط الإجتماعية، وصار بأسهم بينهم شديد٥. والشيخ رشيد رضا ﵀ سبقه الإمام
_________________
(١) ١ حققه محدث هذا الزمان الشيخ الألباني وحكم له بالحسن صحيح الجامع الصغير ٣/ ٦٥. ٢ الآية ١٣٥ من سورة النساء. ٣ الآية ٨ من المائدة. ٤ أخرجه البخاري وغيره الصحيح مع الفتح ١/١٣٥، ٥/١٦٠. ٥ تفسير المنار ٥/٢٧٣.
[ 71 - 72 / ٢٤ ]
الرازي ﵀ إلى الحديث عن هذه الشمولية فقال: "واعلم أنه يدخل تحت قوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ (الأنعام: من الآية١٥٢) وكل ما يتصل بالقول، فيدخل فيه ما يقول المرء في الدعوة إلى الدين، وتقرير الدلائل عليه، بأن يذكر الدليل ملخصًا عن الحشو والزيادة، بألفاظ مفهومة معتادة، قريبة من الأفهام، ويدخل فيه أن يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واقعًا على وجه العدل، من غير زيادة في الإيذاء والإيحاش، ومن غير نقصان عن القدر الواجب، ويدخل في الحكايات التي يذكرها الرجل حتى لا يزيد فيها ولا ينقص منها، ومن جملتها تبليغ الرسالات عن الناس، فإنه يجب أن يؤديها من غير زيادة ولا نقصان١ فما أجملها من شمولية في القول، وما أوضحها من شمولية في الفهم، وما أسعد من تخلق بها.
_________________
(١) ١ الرازي ٣/ ٢٣٥.
[ 71 - 72 / ٢٥ ]
الأحكام
١- وجوب تحري العدل وصدق القول في كل شأن ومن ذلك القول في المعاملات، والشهادات، والأحكام، والأخبار، وغير ذلك ففي الحديث: "إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا" ٢.
٢- تحريم المحاباة وأنها من الأعمال الرخيصة والمنافية لما أمر الله به. وتقدم بيان ذلك في الوصية وما في معناها من الكتاب والسنة.
_________________
(١) ٢ الصحيح مع الفتح ١٠/٥٠٧.
[ 71 - 72 / ٢٥ ]
الوصية التاسعة
قوله تعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الأنعام: من الآية١٥٢) .
المناسبة:
من خلال التدبر لما تقدم من الوصايا نجدها فصلت ما يجب للمسلم من الحقوق، وما عليه من الواجبات، فأرست بذلك قواعد ثابتة لبناء الأمة بناء يناسب ما أوجدها الله ﷿ من أجله؛ وهو إقامة العدل في الأرض، يإشاعة المساواة بين بني الإنسان، وقد جاءت هذه الوصية بعد ذلك البيان واضعة خاتم العقد بين العبد وربه ﷿ على ما تقدم
[ 71 - 72 / ٢٥ ]
تقريره، فيكون ذلك ميثاقًا موثقًا بعهد الله ﷾، الذي عهد إلى عباده العمل بتلك الوصايا، وأخذ عليهم الميثاق الذي يسألون عنه في يوم يندم فيه من فرط، وجاءت هذه الوصية خاصة بالأمر بالوفاء بالعهد، لأن عهد الله شامل لكل ما تقدم وهو بمثابة الخاتم الذي توثق به العقود.
[ 71 - 72 / ٢٦ ]
البحث اللغوي:
العهد: كل ما عوهد الله عليه، وكل ما بين العباد من المواثيق فهو عهد.- والمراد به هنا - كل ما أمر الله به في هذه الآيات ونهى عنه- فقد عهد إلى عباده فعل المأمور وترك المحذور-.
أوفوا: وفي بعهده، يفي وفاء، وأوفى، إذا أتم ولم ينقص. وهو ضد الغدر١. ووفي وأوفى بمعنى وقد جمعها طفيل الغنوي في بيت واحد في قوله:
أما ابن طوق فقد أوفى بذمته كما وفى بقلاص النجم حاديها٢
وصى: من الوصية، وهي من الله ﷿: ما عهد إلى العباد أن يعملوه، من فعل خير، أو ترك شر، فهي بمعنى فرض (ذلكم وصاكم به) أي أمركم به وفرضه عليكم٣.
تذكرون: الذكر والذكرى والتذكر؛ خلاف النسيان. وفهمي لهذا أن قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الأنعام: من الآية١٥٢) أي أوصيتكم بذلك وفصلته لكم لتستمر ذكراه في أذهانكم، فلا تقعوا فيما يخالفه ويناقضه، ففي اللفظ تحذير من الغفلة التي كثيرًا ما يقع فيها الإنسان.
والتذكر: تذكر ما أنسيته، وذكرت الشيء بعد النسيان، وذكرته بلساني، وبقلبي، وتذكرته، وأذكرته غيري، وذكرته بمعنى٤ وفيها معنى الاتعاظ والاعتبار فإذا حصل هذا للعبد فهو عين التذكر، والله أعلم.
_________________
(١) ١ اللسان ٣/ ٣١١، ١٥/٣٩٨. ٢ اللسان ٣/ ٣١١، ١٥/٣٩٨. ٣ لمزيد المعرفة انظر: اللسان ١٥/ ٣٩٤ والمنار ٨/ ١٨٨، ١٨٩. ٤ اللسان ١٥/ ٣٠٩.
[ 71 - 72 / ٢٦ ]
القراءات:
قال الرازي ﵀: قرأ حمزة، والكسائي، وحفص، عن عاصم (تذكرون) مخففة، من
[ 71 - 72 / ٢٦ ]
الذكر، والباقون: بتشديد الذال، في كل القرآن، وهما بمعنى واحد١.
وقال الشيخ محمد رشيد رضا ﵀: " وليس هما بمعنى واحد كما قيل، فإن الصيغ من المادة الواحدة تعطى معاني خاصة، ويتجوز في بعضها ما لا يصح في بعض، فالذكر في الأصل يطلق على إخطار معنى الشيء، أو خطوره في الذهن، ويسمى ذكر القلب، وعلى النطق باللفظ الدال عليه، ويسمى ذكر اللسان، ويستعمل مجازا بمعنى الصيت والشرف، ويفسر به قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِك﴾ ٢. ويطلق بمعنى العلم وبه يسمى القرآن، دون غيره من الكتب الإلهية (ذكرا) ومنه قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣.
وأما التذكر: فمعناه تكلف ذكر الشيء في القلب، أو التدرج فيه بفعله المرة بعد المرة ويطلق على الاتعاظ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ﴾ ٤ وقوله: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ ٥ والشواهد عليه في الذكر كثيرة. ومثله الإدكار؛ قال تعالى: ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ٦ وهو افتعال من الذكر، الافتعال يقرب من التفعل
وحكمة القراءتين؛ إفادة المعاني التي تدلان عليها، من باب الإيجاز البليغ٧.
_________________
(١) ١ الرازي ١٣/ ٢٣٥. ٢ الآية ٤٤ من سورة الزخرف. ٣ الآية ٧ من سورة الأنبياء. ٤ الآية ١٣ من سورة غافر. ٥ الآية ١٠ من سورة الأعلى. ٦ الآية ١٥ من سورة القمر. ٧ المنار ٨/ ١٩٣.
[ 71 - 72 / ٢٧ ]
الإيضاح
مما تقدم بيانه يتضح لنا أن تلك الأوامر والنواهي، وتلك الأسس الاجتماعية، ما هي إلا أجزاء بنود عقد أقامه الرب ﷾ بينه وبين عباده، ويتمثل ذلك العقد في القيام بتلك الأوامر والنواهي فعلا وتركا، والعهد شامل لكل ما عهده الله إلى الناس كافة على ألسنة الرسل، فطلب من هذه الأمة الوفاء بما عهد إليها فقال: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ (الأنعام: من الآية١٥٢) فالوفاء بما تقدم وبكل عهد بين العبد وربه مطلوب شرعًا، وهذا معلوم لكل من استخدم ما آتاه الله من عقل، وفطرة سليمة، والوفاء بالعهد يشمل أيضًا ما يعاهد الناس عليه بعضهم
[ 71 - 72 / ٢٧ ]
بعضًا، مما ليس فيه مخالفة لشرع الله ﷿، ومما يدل على شمولية العهد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾ ١ وقال: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ ٢ وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُم﴾ ٣ وقال: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ﴾ ٤ وقال في صفات المؤمنين: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ ٥ فكل ما عهد به الله ﷿ إلى عباده، وكل ما شرعه للناس، فهو من عهده ﷿ إليهم، وكل من آمن برسول من رسل الله، فقد عاهد الله على الإيمان به والاتباع له، ويتجلى ذلك في السمع والطاعة، وامتثال الأمر بالفعل، والنهي بالترك.
ولا ريب أن ما يلتزمه الإنسان من عمل البر بنذر، أو يمين يعقدها، فإن ذلك عهد عاهد ربه عليه، يجب الوفاء به وعدم الوفاء ليس من خلق المسلم، لذلك وصف الله به المنافقين فقال: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ٦ومما تجدر الإشارة إليه، أن كل من عاهد إمامًا٧على السمع والطاعة فيما هو معروف، أو عاهد غيره على القيام بعمل يتفق مع الشرع، أنه يجب الوفاء به، وبه تطالب شريعة الله ﷿، وكذلك ما يرم من اتفاقات ومعاهدات بين الدول يجب الوفاء بها وعدم الإخلال بشيء منها ما لم تكن مخالفة لشرع الله ﷿. وللاهتمام بهذا المبدأ الشامل العظيم جاء تقديم معمول الفعل (أوفوا) عليه، وهو أسلوب عربي يظهر عند إرادة لفت النظر إلى أهمية الأمر المتكلم عنه، وللدلالة على إرادة حصر الوفاء بالعهد في كل عهد يرضي الله ﷿ ويوافق شرعه، ويخرج ما لا يرضيه سبحانه من العهود؛ كنذر الحرام، والحلف على إتيانه، وما يقع بين الدول من عهود لا ترضي الله ﷿ ولا تتفق مع شرعه، وغير ذلك مما فيه إضرار بمصالح المسلمين. وقد عظّمت سنة رسول الله ﷺ هذا الأمر، وجعلت الإخلال به من صفات المنافقين؛ من ذلك ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو، أن النبي ﷺ قال: "أربع من كن فيه
_________________
(١) ١ الآية ١١٣من سورة طه. ٢ الآية ٦٠ من سورة يس. ٣ الآية ٩١ من سورة النحل. ٤ الآية ١٠٠ من سورة البقرة. ٥ الآية ١٧٧ من سورة البقرة. ٦ الآية ٧٣ من سورة التوبة. ٧ أردت بالإمام رأس الدولة الحاكم الشرعي وهو التعبير الإسلامي.
[ 71 - 72 / ٢٨ ]
كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر"١. وهذا غيض من فيض.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الأنعام: من الآية١٥٢) .
الإشارة إلى ما تقدم من الوصايا، وما فيها من الأمر والنهي، وتلك الوصايا لا ريب أن من تدبرها وتذكرها أدرك ما فيها من عظيم النفع في الدنيا والآخرة، فجاء هذا القول الكريم مشيرًا إليها ليتم الأمر بتذكرها وتدبر معانيها فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الأنعام: من الآية١٥٢) أي لتتذكروا ما فيها من الأوامر فتبادروا إلى عملها، وتعلموا ما فيها من النواهي فتسارعوا إلى تركها واجتنابها وبذلك تشاع الفضيلة في المجتمع المسلم ويبادر الناس زرافات ووحدانا إلى التواصي بالحق والتواصي بالصبر وإذا حصل التذكر بالقلب، حصل التذكير باللسان والتواصي بالخير، ويحصل بذلك الاتعاظ لمن أدركته الغفلة، أو ألهته شواغل الحياة.
وتجدر الإشارة إلى أن الرازي ﵀ سجل جواب سؤال محتمل الورود فقال: "فإن قيل: فما السبب في جعل خاتمة الآية الأولى بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (الأنعام: من الآية١٥١) وخاتمة هذه الآية بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون﴾ (الأنعام: من الآية١٥٢)؟ " قلنا: لأن التكاليف الخمسة في الآية الأولى ظاهرة جلية، فوجب تعقلها وتفهمها، وأما التكاليف الأربعة المذكورة في الآية فأمور خفية غامضة، لابد من الاجتهاد والفكر، حتى يقف على موضع الاعتدال، فلهذا السبب قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٢. وللألوسي ﵀ رأي قال فيه: "ويمكن أن يقال: إن أكثر التكاليف الأول أدي بصيغة النهي، وهو في معنى المنع، والمرء حريص على ما منع، فناسب أن يعلل الإيصاء بذلك؛ بما فيه إيماء إلى معنى المنع والحبس، وهذا بخلاف التكاليف الأخر، فإن أكثرها قد أدي بصيغة الأمر، وليس المنع فيه ظاهرا، كما في النهي، فيكون تأكيدا، والمبالغة فيه ليستمر عليه، ويتذكر إذا نسي٣.
_________________
(١) ١ الصحيح مع الفتح ١/٨٩. ٢ الرازي ١٣/٢٣٥. ٣ الألوسي ٨/٤٩.
[ 71 - 72 / ٢٩ ]
الأحكام
١- وجوب الوفاء بجميع العهود والمواثيق الشرعية وما يوافقها.
[ 71 - 72 / ٢٩ ]
٢- أن وجوب الوفاء ينحصر فيما يتفق مع الشرع ويحرم الوفاء بما فيه معصية ومخالفة للشرع.
٣- يفهم من الأمر بالوفاء تحريم نقيضه وأنه ليس من صفات المؤمنين. والله أعلم.
[ 71 - 72 / ٣٠ ]
الوصية العاشرة
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام:١٥٣) .
المناسبة:
بعد سياق ما تقدم وتوجيه المسلم إلى العمل بما جاء من الأوامر، وترك ما نهى الله ﷿ عنه، وحصل بذلك البيان الشافي، والإرشاد الكافي، من خلال تلك الوصايا، واتضح طريق الحق، ناسب ختم ذلك بالإشارة إلى أن تلك المجموعة من الأوامر، والنواهي، تلك الوصايا العظيمة تمثل صراط الله المستقيم، الذي يوصل سالكه إلى جنة الله ورضوانه، وأن من فرط في شيء منها فعلًا أو تركًا، فقد تنكب صراط الله، وابتعد عنه، واتجه نحو هوة سحيقة تهوي به في نار جهنم، فليتق الله كل مسلم، ولينظر في الأمر، فما بعد الحق إلا الضلال.
[ 71 - 72 / ٣٠ ]
البحث اللغوي:
أ- في النحو: (مستقيمًا) نصب على الحال١.
(فتفرق بكم) نصب بإضمار (إن) بعد الفاء في جواب النهي٢. والأصل (فتتفرق) فحذفت إحدى التاءين، والباء للتعدية، أي فتفرقكم حسب تفرقها- وهذا أبلغ من تفرقكم، كما قيل: من أن ذهب به لما فيه من الدلالة على الاستصحاب أبلغ من أذهبه٣.
_________________
(١) ١ الفتوحات ٢/ ١١٠. ٢ الفتوحات ٢/ ١١٠. ٣ الإرشاد ٣/ ٢٠٠.
[ 71 - 72 / ٣٠ ]
ب- المفرد ات:
مستقيمًا: أي مستويًا قويمًا لا عوج فيه.
الصراط: الطريق المستقيم.
ومنه قول الشاعر:
أكر على الحروريين مهري وأحملهم على وضح الطريق١
ويقال: سراط: الطريق المستسهل، وأصله من سرطت الطعام، وزردته، ابتلعته فقيل: سراط تصورًا أنه يبتلع سالكه، وقد قيل: قتل أرضًا عالمها، وقتلت أرض جاهلها. وعلى النظرين قال أبو تمام:
دعته الفيافي بعد ما كان حقبة دعاها إذا ما لمزن ينهل ساكبه٢
السبل: مفردها سبيل، وهي الطريق وما وضح منه٣، ويستعمل (السبيل) لكل ما يتوصل به إلى شيء خيرًا كان أو شرا٤. قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ ٥، وقال ﷿: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ٦. وله معان أخر٧.
التقوى: عرفها بعض العلماء، بأنها جعل النفس في وقاية مما يخاف وأنها في تعارف الشرع: حفظ النفس مما يؤثم، وذلك بترك المحظور، ويتم ذلك بترك المباحات - لما ورد- الحلال بين، والحرام بين٨
_________________
(١) ١ اللسان ٧/ ٣٤٠. ٢ المفردات ١٨٠، ٢٣٠. ٣ اللسان ١١/٣١٩. ٤ المفردات ص ٥٣٠، ٥٣١. ٥ الآية ١٢٥ النحل. ٦ الآية ٥٥ الأنعام. ٧ اللسان ١١/٣١٩. ٨ الحديث في البخاري ومسلم، وانظر: لفظ البخاري الصحيح مع الفتح ١/١٢٦.
[ 71 - 72 / ٣١ ]
القراءات:
قال الرازي: "قرأ ابن عامر ﴿وأنْ هذا﴾ بفتح الألف وسكون النون. وقرأ حمزة والكسائي (وإِنَّ) بكسر الألف وتشديد النون".
[ 71 - 72 / ٣١ ]
أما قراءة ابن عامر: فأصلها ﴿وَأَنَّه هَذَا صِرَاطِي﴾ (الأنعام: من الآية١٥٣) والهاء ضمير الشأن والحديث، وعلى هذا الشرط تخفف.
قال الأعشى:
في فتية كسيوف الهند قد علموا أن هالك كل من يحفى وينتعل
أي: قد علموا أنه.
وأما كسر (إِن) وتشديد النون. فالتقدير: أتل ما حرم. وأتل ﴿وَإنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ (الأنعام: من الآية١٥٣) بمعنى أقول. وقال الفراء: "تكسر (إن) إذا نويت الاستئناف".
وأما فتح (أن) فقال الفراء: " وتفتحها من وقوع (أتل) عليها- يعني وأتل عليكم ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ (الأنعام: من الآية١٥٣)، وإن شئت جعلها خفضًا تريد (ذلكم وصاكم به) بـ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ ".
قال أبو علي: "من فتح (أن) فقياس قول سيبويه، أنه حملها على (فاتبعوه) والتقدير: لأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، كقوله: ﴿أنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ١ قال سيبويه: لأن هذه أمتكم. وقال في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ ٢ ولأن المساجد لله".
واعلم أن القراء أجمعوا على سكون (الياء) من ﴿صراطي﴾ غير ابن عامر فإنه فتحها.
وقرأ ابن كثير، وابن عامر ﴿سراطي﴾ بالسين، وحمزة- قرأ- بين الصاد والزاي، - وقرأ- الباقون بالصاد صافية، وكلها لغات٣.
قال الزمخشري: "قرأ الأعمش ﴿وهذا صراطي﴾ وفي مصحف عبد الله ﴿وهذا صراط ربكم﴾ وفي مصحف أبي ﴿وهذا صراط ربك﴾ ٤.
_________________
(١) ١ الآية ٥٢ المؤمنون. ٢ الآية ١٨ الجن. ٣ الرازي ١٤/٢. وانظر أقوال الفراء (معاني القرآن ١/٣٦٤) . ٤ الزمخشري ٣/ ٨٠.
[ 71 - 72 / ٣٢ ]
الإيضاح
لما أوضح ﵎ فيما مضى من الآيات ما وصى به عباده ذكر ﷾ في نهاية هذه الوصايا قولا أجمل فيه ما تقدم تفصيله، فقوله جل ذكره: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ (الأنعام: من الآية١٥٣) يدخل فيه كل ما أمر الله به ونهى عنه، فالشريعة جملة وتفصيلا هي صراط الله المستقيم، ومن المعلوم أن ما تقدم من الوصايا جملة من الأوامر والنواهي تدخل تحت هذا العموم؛ الذي يتناول كل ما بينه رسول الله ﷺ، من الدعوة إلى الحق، وبيان دين الإسلام، فهو بدون شك المنهج القويم، وصراط الله المستقيم، الذي كلف رسول الله ﷺ بدعوة الإنس والجن إلى اتباعه، والعمل به جملة وتفصيلا، ونهاهم عن العدول عنه، فمن عدل عنه وقع في الضلالات، وأحاطت به المهلكات، ومما تجدر الإشارة إليه هنا التنبيه على الإضافة في قوله: صراطي هل الصراط مضافا إلى الله ﷿، أو إلى رسول الله ﷺ؟. نقول جوابا عن هذا التساؤل:
يجوز الأمران فإن كانت الإضافة إلى الرب ﷿ فباعتباره الشارع ﷾ فهو الآمر الكريم، والناهي الحكيم.
وإن كانت الإضافة إلى النبي ﷺ فباعتباره سالك المنهج القويم، الداعي إلى النعيم المقيم وهذا ما قرره العلماء وقالوا: "قد يضاف إلى الدعاة إليه والسالكين له من النبيين١ وغيرهم كما في قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ٢. وعلى هذا فيكون المعنى ومما أتلو عليكم من وصايا رب العزة والجلال أن تعلموا أن القرآن الذي أدعوكم إلى العمل به والدعوة إليه وأن ما تضمن من أوامر ونواهي هو الطريق القويم الذي يصل سالكه إلى مرضاة الله وأن ذلك المنهج الذي أسير عليه، فهو الشرع النقي، والمورد العذب، والمشرب السائغ، ومما أتلو عليكم أن تعلموا أن ما أوصاكم الله به في هذه السورة العظيمة ما هو إلا جملة من الأوامر والنواهي التي ضمها كتاب الله العظيم الواجب عليكم العمل بما فيه جملة وتفصيلا، إن هذا القرآن الذي آمركم به وأدعوكم إليه فيه حياتكم، وبه رقيكم، وهو سفينة نجاتكم، فمن أحل حلاله، وحرم حرامه، وعمل بمحكمه، وآمن بمتشابهه فقد سلك صراط الله المستقيم المنتهي بسالكه إلى مرضاة الله ﷿، إنه سبيل ظاهر الاستقامة، لا
_________________
(١) ١ الألوسي ٥/٥٠. ٢ الآية ٧ من الفاتحة.
[ 71 - 72 / ٣٣ ]
يضل سالكه، ولا يهتدي تاركه، فاتبعوه وحده، ولا تتبعوا الطرق التي تخالفه، فتذهب بكم فتصبحوا فرقًا ضالة تنتهي إلى الهلكة والضياع، فما بعد الحق إلا الضلال، ومن ترك النور عاش في الظلمات، لأن ما بعث الله به رسله من نوح أول الرسل إلى خاتمهم محمد ﷺ هو الحق، وهو لا يتعدد، فالطريق الموصل إلى الله ﷿ واحد ما بعث به رسله وأنزل به كتبه، لا يصل إلى الله أحد إلا من هذه الطريق، ولو أتى الناس من كل طريق واستفتحوا من كل باب، فالطريق عليهم مسدودة، والأبواب عليهم مغلقة إلا من هذا الطريق الواحد، فإنه متصل بالله، موصل إلى الله١. وتأكيدًا لما سبق بيانه جاءت السنة النبوية تزيد الأمر شرحًا وتجليه بالرسم البياني بعد بيان القول يقول ابن ماجه ﵀:
حدثنا أبو سعيد، عبد الله بن سعيد٢، ثنا أبو خالد الأحمر٣ قال: سمعت مجالدًا٤ يذكر عن الشعبي ٥، عن جابر بن عبد الله قال:
"كنا عند النبي ﷺ فخط خطًا، وخط خطين عن يمينه، وخطين عن يساره٦، ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال: هذا سبيل الله ٧، ثم تلا هذه الآية ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ٨". فالسبل التي حذر الله ﷿ منها ونبه إليها رسول الله ﷺ بهذه الوسيلة الإيضاحية زيادة في تحذير الأمة من الزيغ واتباع الهوى، وتلك السبل تعم اليهودية، والنصرانية، والمجوسية، وسائر أهل الملل، وجميع أصحاب البدع والضلالات، من أهل الأهواء، والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل، والخوض في الكلام٩. هذه كلها عرضة للزلل، ومظنة لسوء
_________________
(١) ١ التفسير القيم ص ١٤. ١٥. ٢ الأشج، ثقة، مات سنة سبع وخمسين ومائتين. ٣ سليمان بن حيان، الأزدي، صدوق يخطىء، مات سنة تسعين ومائة. ٤ ابن سعيد بن عمير، ليس بالقوي مات سنة أربع وأربعين ومائة. وقد وقع خطأ في السند في تفسير ابن كثير ٢/ ١٩٠ فذكر بدله (مجاهد) والصواب (مجالد) . ٥ عامر بن شراحيل. ٦ لعل، صورته هكذا. ٧ أخرجه ابن ماجه ١/٦ وبسنده أخرجه الإمام أحمد، وكذلك من طريق أخرى عن ابن مسعود (المسند ٣/٣٩٧، ١/٤٦٥) وبه أخرجه الحاكم (المستدرك٢/٣١٨) وابن حبان (١/ ١٦٧) . ٨ الآية ١٥٣ من الأنعام. ٩ انظر (القرطبي٧/٢٣٨) .
[ 71 - 72 / ٣٤ ]
المعتقد١. وهذا ما فهمه أصحاب رسول الله ﷺ، ورضي الله عنهم أجمعين قال الطبري ﵀: حدثني محمد بن عبد الأعلى٢ قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن أبان٣، أن رجلًا قال لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال: "تركنا محمد ﷺ في أدناه، وطرفه في الجنة، وعن يمينه جوادّ، وعن يساره جوادّ، وثم رجال يدعون من مر بهم، فمن أخذ في تلك الجوادّ انتهت به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة"٤ ثم قرأ ابن مسعود ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيما﴾ (الأنعام: من الآية١٥٣) . ويزيد حرص ابن مسعود ﵁ على دعوة الأمة المحمدية إلى الخير وتحذيرها من الشر، ويوضح ﵁ أنه لا تتم السلامة لأحد إلا بنور العلم وضياء الكتاب والسنة وهو الإِسلام الذي فسر به الصراط المستقيم في حديث النواس بن سمعان الآتي:
قال الدارمي ﵀: أخبرنا أبو المغيرة٥، حدثنا الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير٦، عن أبي قلابة٧ قال: قال عبد الله بن مسعود:
"تعلموا العلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يذهب أهله، ألا وإياكم والتنطع٨، والتعمق٩، والبدع١٠، وعليكم بالعتيق١١"١٢ والرواية عن أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم أجمعين كثيرة في هذا الباب وإنما أردنا الدلالة عليها بما ذكرنا. وتبعهم من بعدهم من حملة الخير والهدى التابعون فهذا الدارمي ﵀ يقول:
_________________
(١) ١ انظر (ابن عطية ٦/ ١٨٥) . ٢ الصنعاني، ثقة، مات سنة خمس وأربعين ومائتين. ٣ ابن عثمان بن عفان، ثقة، مات سنة خمس ومائة. ٤ الطبري ٨/ ٦٥. ٥ عبد القدوس بن الحجاج الخولاني، ثقة، مات سنة ثنتي عشرة ومائتين. ٦ ثقة، ثبت، مدلس، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة. ٧ عبد الله بن زيد الجرمي، ثقة، كثير الإرسال. ٨ هما كلمتان مترادفتان ومعناهما هنا. التشدد والغلو في الكلام ولمزيد الفائدة انظر (اللسان ٨/٣٥٧، ١٠/ ٢٧١) . ٩ هما كلمتان مترادفتان ومعناهما هنا. التشدد والغلو في الكلام ولمزيد الفائدة انظر (اللسان ٨/٣٥٧، ١٠/ ٢٧١) . ١٠ جمع بدعة وهي كل ما خالف أصول الشريعة من الأقوال والأعمال. وانظر (اللسان ٨/ ٦) . ١١ القديم، أي الأمر الأول النهاية ٣/ ١٧٩. ١٢ أخرجه الدارمي السنن ١/ ٥٠.
[ 71 - 72 / ٣٥ ]
أخبرنا مخلد بن خالد بن مالك١، أخبرنا النضر بن شميل٢، عن ابن عون٣، عن ابن سيرين٤ قال:
"كانوا٥يرون أنه على الطريق ما كان على الأثر"٦. ولا ريب أن الأثر المذكور هو شرع الله ﷿ الذي جاء به نبي الهدى والرحمة وهو صراط الله المستقيم الذي سار عليه معلمو الإنسانية بعد رسول الله ﷺ. وتجدر بنا الإشارة – ونحن نختم هذه الجولة من معايشة آيات من كتاب الله - أن نذكر القارئ الكريم بأن الآية فيها من الأمور التي تظهر للمتأمل ما يلي:
١- إن الله ﷿ قد جمع في هذه الوصية بين الأمر باتباع سبيل الحق، والنهي عن سبيل الضلال المقابلة له.
٢- أنه عزوجل كرر لفظ الوصية في هذه الآية فقال: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ (الأنعام: من الآية١٥١) لمزيد التوكيد والاهتمام بها، فيا لها من وصية عظم الله شأنها، وقوى برهانها، وجعلها نورا لمن عمل بها، وحجة على من لم يستظل بظلها.
٣- في الآية الكريمة التنبيه على أن كل ما كان حقًا فهو واحد، ولا يلزم منه أن يقال: إن كل ما كان واحدا فهو حق، فإذا كان الحق واحدًا، كان كل ما سواه باطلا، وما سوى الحق أشياء كثيرة، فيجب الحكم بأن كل كثير باطل، ولكن لا يلزم أن يكون كل باطل كثير٧.
٤- الأمر بلزوم جماعة المسلمين لأن اتباع صراط الله المستقيم يستلزم ذلك.
٥- النهي عن الفرقة والإختلاف، فقوله: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ (الأنعام: من الآية١٥٣) دال على ذلك ويؤيده قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِه﴾
_________________
(١) ١ هكذا في النسختين ولم أقف عليه ولعل الصواب مخلد بن مالك الجمال، فهو شيخ الدارمي، وتلميذ النضر، ثقة مات سنة إحدى وأربعين ومائتين. ٢ ثقة، ثبت، مات سنة أربع ومائتين. ٣ عبد الله بن عون بن أرطبان، ثقة، ثبت، مات سنة خمسين ومائة. ٤ محمد بن سيرين، ثقة، ثبت، عابد، مات سنة عشر ومائة. ٥ أي أصحاب رسول الله ﷺ. (يرون أنه) يعني المسلم يكون على طريق الحق ما دام يلتزم بالأثر. ٦ أخرجه الدارمي السنن ١/٥٠. ٧ الرازي ٣/١٤. وانظر تعليق أحمد شاكر ﵀ عمدة التفسير ٥/٢٢.
[ 71 - 72 / ٣٦ ]
(الشورى: من الآية١٣) .
﴿إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ١. وهذا نهي عن التفرق فغنما هلك من هلك بسبب الفرقة وكثرة الجدل، والخصومات في دين الله عز وجل٢.
ولا ريب أن من يتابع أحوال المسلمين اليوم وما هم فيه من الفرقة والخلاف يعتريه قلق شديد علىمصير مئات الملايين من أبناء الأمة الإسلامية إذا لم يعتصموا بحبل الله المتين الكتاب والسنة. والأخطار محدقة بهم، ودعاة الهدم والضلال يزدادون يوما بعد يوم. وصدق رسول الله ﷺ إذ يصور الأمور لأمته أبدع تصوير ويجليها بضرب الأمثال، ويدلل عليها بإقامة المثال، قال عبد الله بن الإمام أحمد: حدثني أبي، ثنا الحسن بن سوار أبو العلاء٣، ثنا ليث يعني ابن سعد٤، عن معاوية بن صالح٥، أن عبد الرحمن بن جبير٦ حدثه، عن أبيه٧، عن النواس بن سمعان٨ الأنصاري، عن رسول الله ﷺ قال:
"ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا (ولا تتفرقوا) ٩ وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد أن يفتح شيئا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه، فإنك إن تفتحه تلجه، والصراط الإسلام، والسوران حدود الله تعالى، والأبواب المفتحة محارم الله تعالى، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله ﷿، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم"١٠. فلو تأمل المسلمون كتاب ربهم ودرسوا سنة نبيهم ﷺ لما كثر دعاة الضلال، ولما قويت دعوات الطوائف أعداء الأمة المحمدية الذين لا يفتئون يفتون في عضد الوحدة الإسلامية، ولما تفتحت أبواب البدع، والخرافات، وتنوعت أشكال الشعارات المزيفة، التي أصبح لها الأثر البالغ في غواية الشباب، وشحن الأفكار باتباع الأهواء، والإنزلاق في الشهوات بجميع أصنافها دون أدنى
_________________
(١) ١ الآية ١٣ من الشورى. ٢ انظر كلام ابن كثير ٢/١٩٠. ٣ صدوق، مات سنة ست عشرة ومائتين. ٤ المصري، أبو الحارث، ثقة، ثبت، فقيه، مات سنة خمس وسبعين ومائة. ٥ قاضي الأندلس، صدوق له أوهامروى له مسلم، مات سنة ثمان خمسين ومائة. ٦ ابن نفير، ثقة، مات سنة ثمان عشرة ومائة. ٧ جبير بن نفير، ثقة، جليل، ولأبيه صحبة، مات سنة ثمانين. ٨ صحابي، قيل وفد على النبي ﷺ. انظر (أسد الغابة ٥/٤٥) . ٩ في المسند (تتفرجو) وصوابه ما أثبتناه. ١٠ المسند ٤/١٨٢.
[ 71 - 72 / ٣٧ ]
نظرة لما يحل وما يحرم، فلسان حال الكثيرين اليوم يقول: إن الغاية تبرر الوسيلة، وإذا كنا نتحدث عما حل بالمسلمين اليوم وقلوبنا تنزف أسى وحسرة، لا نملك إلا أن نصرخ بالصوت العالي الجهور، ونقول: أيها المسلمون عودوا إلى كتاب ربكم لتعود عزتكم فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين١، عودوا إلى سنة نبيكم تعود لكم استقامتكم وتتحقق سلامتكم قال أبوداود ﵀: حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا الوليد بن مسلم٢، حدثنا ثور بن يزيد قال: حدثني خالد بن معدان قال: حدثني عبد الرحمن بن عمرو السلمي٣، وحجر بن حجر٤ قالا: أتينا العرباض بن سارية وهو ممن نزل فيه ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ ٥ فسلمنا وقلنا: أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين، فقال العرباض: "صلى بنا رسوله الله ﷺ ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله؛ كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال:
"أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبدًا حبشيًا٦، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء٧ المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ٨، وإياكم ومحدثات٩ الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" ١٠. فكما أرشدنا المصطفى ﷺ إلى التمسك بسنته أمرنا الله ﷿ بأخذ كل ما أمر به ﷺ، وترك كل ما نهى عنه قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ١١ وحذر جل شأنه من مخالفة نبيه ﷺ فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِه
_________________
(١) ١ إقرأ الآية ٨ من (سورة المنافقين) . ٢ ثقة، كثير التدليس، ولا يضر هنا لأنه صرح بالتحديث. ٣ مقبول مات سنة عشر ومائة. ٤ مقبول أيضًا. ٥ الآية ١٩٢ التوبة. ٦ أي وإن ولي عليكم عبد حبشي. ففيه الأمر بطاعة ولي الأمر ما أقام الدين وحكم بالشريعة. ٧ هم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃ أجمعين وعن كافة أصحاب رسوله الكريم. ٨ النواجذ أقصى الأضراس، أو هي الأنياب، أو التي تلي الأنياب، أو هي الأضراس كلها. (ترتيب القاموس ٤/٣٢٧) . ٩ جمع محدثة- بالفتح- وهي ما لم يكن معروفًا في كتاب ولا سنة ولا إجماع. (النهاية ١/ ٣٥١) . ١٠ سنن أبى داود ٥/١٣ وأخرجه الترمذي من طريق أخرى عن خالد وقال: هذا حديث حسن صحيح (الجامع ٥/ ٤٤) . ١١ الآية ٧ الحشر.
[ 71 - 72 / ٣٨ ]
أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١ فالهرب الهرب من مخالفة رسول الله ﷺ، والنجاة النجاة، بالتمسك بهدية والسير على طريقه وصحابته ففي ذلك التجارة الرابحة، ويلحظ النابه أن محور دعوته ﷺ بعد توحيد الله تحذير الأمة من الأهواء والبدع وإرشادهم إلى الأخذ بالأمر المستقيم فكان يوصي بلزوم السنة إلى أن فارق الدنيا ففي رواية ابن ماجه لحديث العرباض أنه ﷺ قال: "تركتكم على البيضاء٢، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين " -وقال في آخره: "فإنما المؤمن كالجمل الأنف٣، حيثما قيد انقاد" ٤، هذا ما أوصى به نبي الهدى أمته وتواصى بالتمسك به أصحابه من بعده، قال الدارمي ﵀: أخبرنا الحكم بن المبارك٥، أنا عمر بن يحيى٦ قال سمعت أبي٧، يحدث عن أبيه٨ قال: "كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن؟ قلنا: لا. فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه٩ جميعًا، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد آنفًا أمرا أنكرته١٠، ولم أر والحمد لله إلا
_________________
(١) ١ الآية ٦٣ النور. ٢ شبه منهجه ﷺ بالجادة الواضحة؛ الطريق الأبلج الذي لا يضل سالكه. ٣ شبه انقياد المؤمن للحق عند سماعه بالجمل الذي يخزم أنفه فينقاد لصاحبه، فالجمل الأنف هو الذي يشتكي أنفه من الوجع (الصحاح١/ ٥٤) . ٤ ابن ماجة ١/١٦ وتقدم أنه عند أبي داود والترمذي. ٥ الخاشتي، صدوق ربما وهم، مات سنة عشر ومائتين. ٦ هكذا عند الدارمي. والصواب عمرو بن يحيى بن عمرو بن سلمة بن الحارث، الكوفي، ذكره الحافظ في (اللسان٤/٣٧٨) وقال: قال ابن معين: "حديثه ليس بشيء، قد رأيته". ولم أقف عليه في تاريخ ابن معين، وسبق الحافظ إلى نقل هذه العبارة الحافظ الذهبي (الميزان ٣/ ٢٩٣) . ٧ يحيى بن عمرو بن سلمة، لم يذكره أبو حاتم بجرح ولا تعديل (الجرح والتعديل ٩/١٧٦) . ٨ عمرو بن سلمة بن الحارث، الهمداني، لم يذكره البخاري بجرح ولا تعديل (التاريخ ٦/٣٣٧) ومثله ابن أبي حاتم (الجرح والتعديل ٦/ ٢٣٥) . وذكره ابن حبان في (الثقات ٥/ ١٧٢) وذكره الحافظ وقال: قال ابن أبي حاتم عن أبيه: "أخطأ في عمرو بن سلمة حيث جمع بينهما، ذاك جرمي، وهذا همداني". ثم قال: "وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل الكوفة "الخ (التهذيب ٨/٤٢) ولي على هذا ملاحظتان: الأولى: ما خطىء فيه البخاري ليس واردًا فقد أفرد كل منهما بترجمة (التاريخ ٦/٣١٣، ٣٣٧) والثانية: أن المذكور في طبقات ابن سعد غير هذا (الطبقات ٦/ ١٧١) ومن هنا والله أعلم وقع الخطأ في التقريب حيث قال: ثقة (التقريب ٢٦٠) . ٩ إن صحت هذه الرواية فالقيام هنا ليس من باب التعظيم الذي ثبت النهي عنه. إنما هو من باب الاستعداد للمشي إلى الصلاة. ١٠ هذه المقولة تدل على عدم ثبوت الرواية والله أعلم، لأنه ليس من المعقول أن يذهب أبو موسى إلى المسجد للصلاة ثم خرج منه وهو يعرف فضل المبادرة إلى المسجد والسبق إلى الصلاة. ثم ليس من المعقول أن يرى منكرًا ثم يقول ما رأيت إلا خيرا، ثم لا ينكر ذلك ويذهب ليأخذ رأي ابن مسعود أينكر أم لا؟. وقد كان أصحاب رسول الله أكثر الناس التزامًا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذا رأي عنّ لي في المسألة. وانظر ما في تعليق (٣، ٦) وتعليق (٢) الآتي.
[ 71 - 72 / ٣٩ ]
خيرا، قال: فما هو؟ قال: إن عشت فستراه، قال: "رأيت في المسجد قومًا حلقا١جلوسًا ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة". قال: "فماذا قلت لهم؟ " قال: "ما قات لهم شيئا انتظار رأيك وانتظار أمرك"٢، قال: "أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم"، ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم فقال: "ما هذا الذي أراكم تصنعون؟ " قالوا: "يا أبا عبد الرحمن حصى٣ نعد به التكبير والتهليل والتسبيح". قال: "فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن لكم أن لا يضيع من حسناتكم شيء ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم٤؛ هؤلاء صحابة نبيكم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل٥، وأوانيه لم تكسر٦، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة٧ محمد؟! أو مفتتحو باب ضلالة؟ ". قالوا: "والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير". قال: "وكم من مريد للخير لن يصيبه٨، إن رسول الله ﷺ حدثنا أن قومًا يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم٩، وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم"، ثم تولى عنهم. فقال عمرو بن سلمة: "رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج"١٠. فهذه المقولة عن ابن مسعود إن لم يصح سندها فمعناها صحيح ولها من سنة رسول الله ﷺ وأقوال الصحابة، وكلام التابعين الشواهد التي لا تحصر، وما رفعه ابن مسعود ﵁ إلى رسول الله ﷺ أمر ثابت في الصحيحين من حديث أبي سعيد وغيره، انظر (الصحيح مع الفتح ١٣/٤١٥) وكذلك (صحيح مسلم ٢/٧٤٠)، وإنما المقدمة هي التي في النفس
_________________
(١) ١ بكسر الحاء، وفتح اللام، جمع الحلقة، مثل قصعة، وقصع، وهي الجماعة من الناس مستديرون كحلقة الباب (النهاية ١/٤٢٦) . ٢ على فرض صحة هذه الرواية فتوقف أبي موسى عن المبادرة فى الإنكار إنما كان تعقلًا لا سيما وأن العمل مشروع لكن بغير هذه الصورة. ٣ جمع حصاة، وهي الأحجار الصغيرة. انظر (النهاية ١/٣٩٨) . ٤ باقتراف البدع، واتباع الأهواء، يؤيد هذا حديث «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك» . ٥ كناية عن قرب موته ﷺ، وأنه لم يطل عليهم العهد، بل هم حديثوا عهد بهدى. ٦ كناية عن قرب موته ﷺ، وأنه لم يطل عليهم العهد، بل هم حديثوا عهد بهدى. ٧ هذه جملة توبيخ وإنكار، لأن من يزعم أنه جاء بأهدى من ذلك فهو كافر، فأراد ابن مسعود ﵁ أن يوبخهم على ذلك ويحقر ما فعلوا. ٨ إذا كان داعية هواه أو اجتهاده المحض، لكن من أراد الخير مستنيرا بالكتاب والسنة فإنه لا يعدم ذلك. ٩ يريد به حديث. ١٠ الدارمي ١/ ٦١.
[ 71 - 72 / ٤٠ ]
عليك بدين الأعراب والغلام في الكتاب١، وأله عما سوى ذلك. قال الدارمي ﵀:
حدثنا الربيع بن سليمان المؤذن٢ قال: حدثنا أسد بن موسى٣ قال: حدثنا حماد ابن دليل٤ قال: سمعت سفيان الثوري٥ يحدثنا عن النضر. ورواه أبو داود أيضا بالسند العالي قال: حدثنا محمد بن كثير٦ قال: حدثنا سفيان قال: "كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القَدَر، فكتب٧؛ أوصيك بتقوى الله والاقتصاد٨ في أمره، واتباع سنة نبيه ﷺ، وترك ما أحدث المحدثون، بعد ما جرت به سنته، وكفوا مئونته، فعليك بلزوم السنة فإنها لك - بإذن الله - عصمة، ثم اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها٩، أو عبرة فيها، فإن السنة إنما سنها من قد علم١٠ ما في خلافها من الخطأ، والزلل والحمق والتعمق، فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كَفّوا١١، وهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أولى، فإن كان الهدى ما أنتم عليه١٢ لقد سبقتموهم إليه، ولئن قلتم: - إنما حدث بعدهم - (فـ) ما أحدثه إلا من اتبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم، فإنهم هم السابقون، فقد تكلموا فيه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم من مَقْصِر١٣، وما فوقهم من مجسر١٤، وقد قصر قوم دونهم فجفوا، وطمح١٥ عنهم أقوام فعلوا، وإنهم بين
_________________
(١) ١ يريد به من كانوا على الفطرة تقبل قلتم الحق وفي ذلك حديث رسول الله ﷺ: "كل مولود يولد على الفطرة ". ٢ صاحب الشافعي، ثقة، مات سنة سبعين ومائتين. ٣ صدوق يغرب، وفيه نصب، مات سنة اثنتين عشرة ومائتين. ٤ صدوق، نقموا عليه الرأي. ٥ الإمام، الحجة. ٦ العبدي، ثقة، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين. ٧ عمر بن عبد العزيز ﵀ وهو الخليفة العادل حتى قيل: إنه خامس الخلفاء الراشدين. ٨ المراد أن يكون المرء بين ذلك قواما، فلا يقصر في حق الله ﷿ ولا يغلو فيكون مجانبًا للإفراط والتفريط. ٩ أي على أنها محدثة وليست من الهدي المحمدي. ١٠لم يقل محمد بن كثير في روايته: (من قد علم) . ١١ أي امتنعوا عما يخالف السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. ١٢ من البدع والأهواء. ١٣ بفتح الميم، وسكون القاف، وكسر الصاد، أي لا يرضى المسلم بأقل مما وصلوا إليه من الفضل تقول: رضي بمقصر مما كان يحاول، دون ما طلب. (انظر اللسان ٥/٩٨) . وفي نظري أن الدعاس أخطأ في تعليقه على هذه اللفظة. ١٤ الذي في السنن «محسر» وفي نظري أنه خطأ صوابه ما أثبت أعلاه، من الجسارة أي لا يتطاول عليهم ويطلب المزيد على ما جاؤا به فإنهم أكرم الناس بعد رسول الله وأكمل الناس بعده ﷺ. (انظر اللسان ٤/١٣٦) . ١٥ أي أبعدوا في طلب المزيد على ما جاء عن الصحابة فوقعوا في الغلو انظر (الصحاح٢/٤٨) .
[ 71 - 72 / ٤٢ ]
ذلك١ لعلى هدى مستقيم الخ"٢. ونقل القرطبي ﵀ عن سهل بن عبد الله التستري٣ قوله: "عليكم بالاقتداء بالأثر والسنة، فإني أخاف أنه سيأتي عن قليل زمان إذا ذكر إنسان النبي ﷺ والاقتداء به في جميع أحواله ذموه، ونفروا عنه، وتبرؤا منه، وأذلوه، وأهانوه لا يحدث أحدكم بدعة حتى يحدث له إبليس عبادة، فيتعبد بها ثم يحدث له بدعة، فإذا نطق بالبدعة ودعا الناس إليها نزع منه تلك الخدمة) ٤ وهذا غيض من فيض، فنحذر إخواننا المسلمين من خطر الابتداع ومرافقة المبتدعين وإذا ثبت لنا أن رجلا ما يدعو إلى بدعة أو يحبذها. فعلينا مجانبته، والتحذير من مجالسته، فإنه جليس سوء ونافخ كير إما أن يحرق عقيدتك وإما أن تجد منه قولًا باطلًا لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، إن المروجين للبدع اليوم كثر وهم أئمة في مظاهرهم، وهيئاتهم، ولكنهم مضلون٥ في بواطنهم وأفكارهم، فانصبوا لهم موازين الكتاب والسنة، وانفوا خبث أقوالهم بصوارم الأدلة، تكونوا من الفرقة الناجية التي عضت على الكتاب والسنة بالنواجذ، وإياكم والميل لصاحب بدعة أو مجالسته فإن ذلك يعرضكم للعقوبة فالله ﷿ يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ٦وقد بينت آية النساء وهي مدنية عقوبة من فعل ذلك وخالف ما أمر الله به قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ ٧ فالله ﷿ ألحق من جالس هذه الطوائف بهم في الحكم، والعبرة أيها القارئ الكريم بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وهذا ما فهمه جلة من علماء المسلمين وأئمتهم منهم أحمد بن حنبل والأوزاعي وعبد الله بن المبارك حين حكموا بموجب هذه الآية وما في معناها في مجالسي أهل البدع، وأدبوهم على المعاشرة والمخالطة، وقالوا فيمن شأنه مجالسة أهل البدع: "ينهى عن مجالستهم فإن انتهى وإلا ألحق بهم، وقد نفذ هذا عمليًا الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز ﵀ وحكم بالحد
_________________
(١) ١ بين المقصر والمجسر (بين الإفراط والتفريط) . ٢ أخرجه أبو داود ٥/١٨ واستفاده القرطبي ٧/ ١٣٩. ٣ انظر شيئا من أقواله ﵀ في الحلية١٠/١٨٩. ٤ ذكره القرطبي ١٠/ ١٨٩. ٥ انظر حديثًا في هذا قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح (الجامع ٤/ ٥٠٤) . ٦ الآية ١٦٨ الأنعام. ٧ الآية ١٤٠ النساء.
[ 71 - 72 / ٤٣ ]
على مجالسي شربة الخمر وتلا ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (النساء: من الآية١٤٠) قيل له: فإنه (أي المجلس) يقول: "إني أجالسهم لأباينهم، وأرد عليهم". قال: "ينهى عن مجالستهم فإن لم ينته ألحق بهم"١. ولا ريب أن من طرق هذا الموضوع ورام البيان وقصد الاستيعاب، فإنه يجد ما ذكرناه هنا قطرة من بحر، وإنما قصدنا لفت لنظر وربما كفت الإشارة عن صريح العبارة.
قوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (الأنعام: من الآية١٥٣) .
تقدم في الوصية التاسعة هذا القول الكريم ولم يكن تكراره هنا عبثا فقد جل كلام الله عن العيب والنقص فله الكمال المطلق، لكنه لمزيد من التوكيد أعاد اللفظ تنويها بقدر تلك الوصايا، وتنبيها على عظيم شأنها عند الله ﷿، وحثا لعباده على تدبرها والتمسك بها، فيالها من وصية حوت الخير كله فكانت واضحة الأسلوب، جلية المقصد، أنارت الطريق للسالكين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
هذا ما تيسر بحثه في هذه الآيات ونسأل الله الهدى والتقى، والنية الخالصة فهو حسبنا ونعم الوكيل.
_________________
(١) ١ انظر ما نقله القرطبي ٧/١٣٧-١٤٢.
[ 71 - 72 / ٤٤ ]
خاتمة البحث
أقول: إن الإسلام جاء منقذا للبشرية، فأذاب الفوارق، وركز على الحقوق والواجبات، وبناء المجتمع النقي المترابط، وجعل لذلك البناء نظامًا دقيقًا، ومنهجًا أوضح من الشمس، وأمده بمصدرين الكتاب والسنة، وجعلهما معينين لا ينضبان على مر الدهر وتعاقب الأزمان، فلما تلقاهما الدارسون على يدي نبي الهدى والرحمة برغبة صادقة، وحب مكين نالوا من فهمهما الحظ الوافر، وطبقوا ما فهموا في أعمال مخلصة، كان عصرهم تاريخا مجيدا للمجتمع الإسلامي الصحيح، الذي بنيت أسس حضارته الرفيعة على أنبل القيم، وأثبت المبادئ، فقام على ذلك نظام الحكم المثالي، وتجلت الحياة الإنسانية في أبهى صورها، وقامت الدولة الإسلامية على أمثل الأساليب، وكان المجتمع الإسلامي يصدّر الحضارة الراقية والمثل السامية إلى أمم الجهل والتخلف، وكان الهدف من ذلك التصدير إسعاد البشرية جماعة وفرادى في الدنيا والآخرة، وأصبحت الحضارة الإسلامية بشتى مجالاتها تنادي بما فيه فلاح الإنسانية قاطبة في الحال والمآل.
[ 71 - 72 / ٤٤ ]
اللهم إنا نسألك حسن العمل، وحسن الخاتمة والفوز بالجنة، والنجاة من النار، ونسألك اللهم لذة النظر إلى وجهك الكريم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
حرر في مدينة رسول الله ﷺ وتم ذلك ليلة السابع عشر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعمائة وألف. ١٧/٤/١٤٠٨هـ.
[ 71 - 72 / ٤٥ ]