قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ﴾ .
إن المتأمل لهذا النهي يجد أنه وقع بين نهين:
النهي الأول: قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ﴾ .
والنهي الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾ وهو نهي عن القتل مطلقًا. وقد حاول بعض المفسرين أن يجد علة لذلك، لأننا إذا اعتبرنا المراد بالفواحش الزنا، فإنها بهذا المعنى جناية عظيمة وهي جناية على النسل، وقتل جميع الحقوق المرتبة عليه، فكأن ذلك في حكم قتل الأولاد، وأولاد الزنا في حكم الأموات لاسيما في الحقوق المتعلقة بالنسل، وإذا كان قول النبي ﷺ في العزل: "ذلك الوأد الخفي" منفرًا عن هذه الصفة فلا ريب أن عقوبة الزاني ربما تكون مضاعفة بهذا الاعتبار والله أعلم. وهذا المعنى تلمسه بعض المفسرين٥.
أما إذا اعتبرنا العموم وهو ما نراه في هذا الموضوع فلا تظهر علة للتوسط المذكور وإنما هي محرمات أوصى الله عباده باجتنابها، وإذا كانت الفواحش ما عظم قبحه من الأقوال والأعمال. ولاشك أن تجاوز ما حرم الله من الفواحش وأعظمها الشرك بالله. والخطر كامن في تجاوز الحدود وانتهاك الحرمات أعاذنا الله من ذلك. ولعل التحذير من الاقتراب من الفواحش مبالغة في الزجر عنها لقوة الدواعي إليها، ومعلوم أن الاقتراب من الشهوة المحرمة يدعوا إلى اقترافها ومباشرة ما نهى الله عنه، وكم من إنسان ضعفت نفسه أمام شهوته، وحام حول الحمى فوقع فيه.
_________________
(١) ١ الماوردي ١/٥٧٦. ٢ الآية (٢٣) من الأعراف. ٣ الآية (١٢٠) من الأنعام. ٤ وممن ذهب إلى القول بالعموم الطبري ٨/ ٦١ والرازي ١٣/٢٣٣. ٥ انظر (الإرشاد ٣/ ١٩٩) .
[ 69 - 70 / ٤٨ ]
ومعنى الآية الكريمة: أن ما وصى الله به عباده عدم الاقتراب من الأعمال المؤدية إلى ما حرم الله والابتعاد عن الخصال السيئة التي منها الزنا، واللواط، وقذف المحصنات، ونكاح أزواج الآباء، وكل ما سماه الله ﷿ فاحشة، وجب الابتعاد عنه، فهو مما ثبتت شدة قبحه شرعًا وعقلًا، وقد كان الجاهليون يستقبحون الزنا، ويعدونه أكبر العار، ولاسيما إذا وقع من الحراير١، وكان وقوعه منهن نادرا، وإذا كان الأمر كذلك، فمن شرفهم الله ﷿ بالشرع المحمدي أولى بالعفة والنزاهة، بيد أن ذلك لم يحدث في الجاهلية علنًا إلا في الإماء والجواري، فقد كانت المجاهرة منهن، في حوانيت ومواخير تمتاز بأعلام حمر، فيختلف إليَها الأرذلون منهم، أما الأشراف فلا يعلنون ذلك وقد يتخذون الأخدان سرًا، قال الإمام الطبري ﵀: حدثني المثنى٢ قال: ثنا عبد الله بن صالح٣، ثنى معاوية٤، عن على بن أبي طلحة٥، عن ابن عباسِ قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ قال: "كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأسًاَ في السر، ويستقبحونه في العلانية، فحرم الله الزنا في السر والعلانية"٦. قوله تعالى: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ يفهم من هذا القول الكريم أن العبد لابد أن يراقب الله ﷿ ويحذر المحرمات في جميع أحواله وهذا معنى التقوى في قول رسول الله ﷺ لابن عباس: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك" الحديث٧ وأصرح من هذا ما أخرجه الدارمي حيث قال: حدثنا أبو نعيم٨، ثنا سفيان٩، عن حبيب بن أبي ثابت١٠، عن ميمون بن أبي شبيب١١، عن أبي ذر قال: قال رسول الله
_________________
(١) ١ ولذلك أنكرت هند بنت عتبة أن تزني في الحرة حين طلب منها المبايعة على غرار ما جاء في آية الأحزاب (ابن كثير٤/٣٥٤) . ٢ المثنى بن إبراهيم الآملي. صرح باسمه كاملًا في الأثر رقم ٥٩٤ (١/٤٣٧ النسخة المحققة) ولم أقف عليه مترجما. ٣ كاتب الليث، صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين. ٤ الحضرمي، قاضي الأندلس، صدوق له أوهام، مات سنة ثمان وخمسين ومائة. ٥ مولى بن العباس. أرسل عن ابن عباس ولم يره، صدوق يخطئ، وهو من رجال مسلم. مات في سنة ثلاث وأربعين ومائة وانظر (ابن معين ص هـ ٨) والمصادر التي أحيل عليها. ٦ الطبري ٨/ ٦١ وأخرجه بسنده موقوفًا على الضحاك، ومن طريق أخرى موقوفًا على قتادة. ٧ أخرجه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح ٤/٦٦٧، وفي السند ابن لهيعة وليس بقادح لأنه مقرون بالليث بن سعد، وروى عنهما عبد الله بن المبارك. وأخرجه أحمد من طريق ليث وحده (المسند ١/٢٩٣) . ٨ الفضل بن دكين، من كبار شيوخ البخاري، ثقة ثبت. ٩ الثوري، الحجة، الفقيه، قال البخاري: ما أقل تدليسه. انظر (التبيين ص ٢٧) . ١٠ ثقة، فقيه جليل، وصف بكثرة التدليل والإرسال. (المصدر السابق) . ١١ الربعي، صدوق، كثير الإرسال، مات سنة ثلاث وثمانين.
[ 69 - 70 / ٤٩ ]
ﷺ: "اتق الله حيث ما كنت، واتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن" ١. وهذه الأحاديث وما في معناها مع الآية الكريمة تؤكد ارتباط النفس بمراقبة الله ﷿ واستصحاب التقوى في السر والعلانية وهي الصفة المنجية كما أخبر بذلك أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "ثلاث منجيات خشية الله في السر والعلانية" الحديث٢. ويكمن الخطر في حالة انفصال المراقبة عن النفس في وقت ما، فمثلًا إذا احترز الإنسان عن المعصية في الظاهر، ولم يحترز عنها في الباطن، علم أن الاحتراز في الظاهر ليس لأجل الله ﷿، فليست فيه طاعة ولا عبودية لله، وإنما كان الاحتراز خوفًا من مذمّة الناس وذلك باطل، لأن من كانت مذمة الناس عنده أعظم وقعًا على نفسه من عقاب الله ﷿ فإنه يخشى عليه من الكفر، وأي حظر أعظم من أن يعرض الإنسان نفسه لهذا الذنب العظيم، وأي نقمة أشد من سخط الله، نعوذ بالله من التهلكة ونعوذ بالله من سخطه ونقمته.
أما من ترك المعصية ظاهرًا وباطنًا، فذلك دليل على أنه إنما تركها تعظيمًا لحدود الله أن ينتهكها، وتنفيذًا لأمر الله ﷿ بالاجتناب في كل حال، وتحقيقًا لعبوديته لله ﷿. وخوفًا من عقابه٣. ولئن كان كتاب الله ﷿ حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن فكذلك سنة رسول الله ﷺ فقد أخرج الإمام البخاري بسنده عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ما من أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش" الحديث٤. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة ويكفي ورود هذا الحديث عن رسول الله ﷺ وفي أصحِ الكتب بعد كتاب الله. فحق على كل مسلم بالغ عاقل رشيد أن يجتنب ما حرم الله ظاهرًا وباطنًا، ويعلم أنه سيقف بين يدي الله ﷿ ويسأل عن هذه الوصية.
_________________
(١) ١ الدارمي ٢/٢٣١ وانظر المصادر التي أحيل عليها في التعليق. ٢ ذكره الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير ٣/٦٤. ٣ انظر الرازي ١٣/٢٣٣ ٤ الصحيح مع الفتح ١٣/٣٨٣، وانظر (صحيح مسلم ٤/٢١١٣) .
[ 69 - 70 / ٥٠ ]