الوصية السادسة
قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ (الأنعام: من الآية١٥٢) .
المناسبة:
إن الله ﷿ رب العالمين، فهو سبحانه مربي كل مخلوق وراعيه، بكل ما تعنيه كلمة التربية والرعاية، وإذا كانت رعايته شاملة لجميع مخلوقاته، فإنها في حق بني آدم آكد وأشد، لأنه تعالى اصطفي آدم وذريته، وفضلهم على كثير من المخلوقات، لذلك جاءت عناية الرب ﷿ باليتيم الصغير الضعيف الذي لا إدراك له، ولا فهم ولا نضوج، تامة وافية بجميع مقاييس الحفظ والرعاية، نعم جاءت عناية الله في الوقت الذي فقد فيه هذا الصغير من يحوطه من البشر ويرعاه، ويدفع عنه نوائب الدهر وقسوة الحياة، فقررت قاعدة اجتماعية عظيمة، طالما حرمها اليتيم في المجتمعات الجاهلية، قاعدة التكافل الاجتماعي، التي ألقت بالمسئولية على كواهل المسلمين الفرد والجماعة في ذلك سواء. هذا من نظام الإسلام الذي تميز بحفظ الحقوق والواجبات لجميع أفراد الجنس البشري، فكم من يتيم ضاع في المجتمع الجاهلي، لا يجد الساعد الذي يحميه، ولا البيت الذي يؤويه، تنهب أمواله، وتنتهك حرماته، لذلك قيل: "أضيع من الأيتام على مأدبة اللئام، لهذه الأسباب ولغيرها من المصالح العظيمة أوصى الله ﷿ بالأيتام، وجعل الأمة الإسلامية ذات مسئوليات محددة تقوم بالحقوق والواجبات على مستوى الفرد والجماعة، وأرسى قواعد التكافل الاجتماعي، ونوه بحماية اليتيم في غير ما آية من كتابه العزيز١.
[ 71 - 72 / ١١ ]
البحث اللغوي:
أ- المفردات:
قوله: "ولا تقربوا"
من قربت الشيء أقربه إذا دنوت منه قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ (البقرة: من الآية٣٥) وقال١ منها: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ (البقرة: من الآية٢٢٠) . وقوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ (النساء: من الآية٢) . وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ (النساء: من الآية١٠) .
[ 71 - 72 / ١١ ]
عزوجل: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى﴾ (الاسراء: من الآية٣٢) وتقدم قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ﴾ (الأنعام: من الآية١٥١) كل ما ذكر من هذا الباب. والمراد النهي عن الأسباب الموصلة إلى ما ذكر بغير حق١.
اليتيم: أصله الانفراد؛ يقال درة يتيمة، إشارة إلى انقطاع مادتها التي خرجت منها، ويقال: بيت يتيم تشبيهًا بالدرة اليتيمة.
فاليتم في الناس فقدان الأب، والحيوان فقدان الأم. ويجمع على أيتام، كشريف وأشراف، وعلى يتامى، كأسارى. وبه نطق الكتاب الحكيم، وعلى يتمة، من قولهم: يتم فهو ياتم وهو غير مسموع من العرب٢.
(أشده):
قال الفراء: "واحدها شَدة في القياس، ولم أسمع لها بواحد"، وقال أبو الهيثم: "واحدة الأنعم نعمة، وواحدة الأشد شدة، والشدة؛ القوة والجلادة. وبلوغ الأشد، مبلغ الرجل الحنكة والمعرفة"، وقيل: "بلغ الرجل الأشد إذا اكتهل، وذكر أنه من نحو سبع عشرة إلى الأربعين، أو ما بين الثلاثين والأربعين"٣.
وقد تعددت آراء المفسرين في المراد بالأشد على أقوال٤:
١- أنه بلوغ ثلاث وثلاثين سنة، رواه ابن جبير عن ابن عباس.
٢- أنة السن ما بين ثماني عشرة إلى ثلاثين سنة، قاله أبو صالح عن ابن عباس.
٣- أنه أربعون سنة، روي عن عائشة ﵂.
٤- أنه ثماني عشرة سنة، قاله سعيد بن جبير ومقاتل.
٥- أنه خمس وعشرون سنة، قاله عكرمة.
٦- أنه أربع وثلاثون سنة، قاله سفيان الثوري.
٧- أنه ثلاثون سنة، قاله السدي.
٨- أنه بلوغ الحلم، قاله زيد بن أسلم والشعبي ويحيى بن يعمر وربيعة ومالك بن أنس.
_________________
(١) ١ ولتمام الفائدة انظر: اللسان ١/٦٦٣. ٢ ولمزيد العلم انظر: المفردات ٥٥٠ واللسان ١٢/٦٤٥ مع ملاحظة أن اليتم في الناس مقيد بمن لم يبلغ الحلم. ٣ انظر: اللسان ٣/٢٣٥. ٤ الزاد ٣/١٤٩.
[ 71 - 72 / ١٢ ]
وذكر الشيخ محمد الأمين ﵀: "أن الأشد يتناول البلوغ ويتناول ما ذكر آنفًا وغيره ومن إطلاقه على الخمسين قول الشاعر:
أخو خمسين مجتمع أشدي ونجذنى١ مداورة٢ الشئون
وقال الألوسي ﵀: "وأيًا ما كان فهو من الشدة أي القوة أو الارتفاع من شد النهار إذا ارتفع، ومنه قول عنترة:
عهدي به شد النهاركأنما خضب الليان ورأسه بالعظلم٣
وقول الآخر:
تطيف به شد النهار ضعينة٤ طويلة أنقاء اليدين سحوق٥
والذي يظهر لي والله أعلم أن المراد بالأشد في شأن اليتيم بلوغ الحلم مع حسن التصرف وهو المبين في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ٦.وبلوغ الحلم هو بلوغ النكاح، لكنه مشروط بإيناس الرشد. فكم من كبير غير رشيد ولا يحسن التصرف وهذا ما رجحه الشوكاني ﵀ قال: "والأولى في تحقيق بلوغ الأشد، أنه البلوغ إلى سن التكليف مع إيناس الرشد، وهو أن يكون في تصرفاته بماله سالكًا مسلك العقلاء، لا مسلك أهل السفه والتبذير"٧.واستدل ﵀ بالآية السابقة.
[ 71 - 72 / ١٣ ]