المتشابه لغة:
الشِّبه بالكسر والتَّحريك: " المِثْل " (^١).
"شبه: ماله شِبْه وشبَهٌ وشبيه، وفيه شَبَه منه، وقد أشبه أباه وشابهه وشبِّه عليه الأمر: لُبِّس عليه، وإياك والمشبَّهات: الأمور المشْكلات (^٢).
المتشابه اصطلاحًا:
التعريفات في هذا متعددة ومتنوعة، ويرجع منشأ هذا التعدد إلى الوجهين الواردين في قراءة قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]
الوجه الأول: قراءة الوقف على لفظ الجلالة " الله " في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ ثم وَالرَّاسِخُونَفِىأدبي ﴿: الْعِلْمِ﴾ فتكون الواو استئنافية وهي:
١/ قراءة نافع (^٣) والكسائي (^٤) ويعقوب (^٥) وقد وردت آثار عن الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام تتفق مع هذه القراءة منها:
_________________
(١) الكليات ص: ٥٣٨.
(٢) الكليات ص: ٥٣٨.
(٣) أساس البلاغة للزمخشري ١/ ٤٩٣.
(٤) نافع القارئ: نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم القارئ، المدني، مولى بني ليث، أصله من أصبهان، وقد ينسب لجده، صدوق ثبت في القراءة، توفي سنة (١٦٩ هـ). ينظر: معرفة القراء الكبار للذهبي (١/ ١٠٧)، التقريب (٧٠٧٧)
(٥) الكسائي: عليُّ بن حمزة بن عبد الله الأسدي مولاهم الكوفي، أبو الحسن الكسائي، شيخ القراءة والعربية، تلا على ابن أبي ليلى، وعلى حمزة، واختار قراءة اشتهرت وصارت إحدى السبع، توفي سنة (١٨٩ هـ). ينظر: معرفة القراء الكبار (١/ ١٢٠)، السير (٩/ ١٣١)
(٦) ينظر: القطع والائتناف للنحاس ص: ١١٨، ويعقوب هو يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق، مولى الحصرميين، أحد القراء العشرة، سمع من حمزة الزيات وشعبه وغيرهما، برع في الإقراء. توفي سنة (٢٠٥ هـ) ينظر: معرفة القراء الكبار (١/ ١٥٧)، السير (١٠/ ١٦٩).
[ ٥١ ]
١ - كان ابن عباس -﵃- يقول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ ويقول الراسخون (آمنا به) (^١).
٢ - عن مالك (^٢) -﵁- في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، قال: " ثم ابتدأ فقال: (والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا) وليس يعلمون تأويله (^٣).
الوجه الثاني: الوصل، فالواو للعطف و(الرَّاسخون) معطوف على لفظ الجلالة " الله ". فيقرأ بالوصل في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (^٤).
وهي قراءة بقية القراء العشرة (^٥).
وكذلك هناك آثار وردت تتفق مع هذه القراءة منها:
١ - عن ابن عباس -﵃- أنه قال: " أنا ممَّن يعلم تأويله" (^٦).
٢ - وعن مجاهد أنه قال: "وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ " يعلمون تأويله، ويقولون: " آمنا به (^٧) "، وكذا عن الرَّبيع بن أنس (^٨).
واعلم أنَّ كلتا القراءتين متواترتان قرأ بهما الرسول -ﷺ-.
لهذا تحصل من تلكما القراءتين انقسام العلماء في المتشابه إلى فريقين:
ـ الفريق الأول قالوا:
_________________
(١) رواه عنه الصنعاني في تفسيره ١/ ١١٦ ورواه عنه ابن جرير في تفسيره ٣/ ٢١٤، رواه عنه ابن المنذر في تفسيره ص: ١٣١.
(٢) مالك بن أنس: مالك بن أنس بن مالك الأصبحي، أبو عبد الله المدني، الفقيه، إمام دار الهجرة، له كتاب الموطأ، توفي سنة (١٧٩ هـ). ينظر: السير (٨/ ٤٨)، التقريب (٦٤٢٥).
(٣) رواه عنه ابن جرير في تفسيره ٣/ ٢١٥.
(٤) ينظر: القطع والائتناف للنحاس ص: ١١٩.
(٥) وهم ابن كثير وأبو عمرو البصري وعبد الله بن عامر وعاصم وحمزة وأبي جعفر وخلف.
(٦) رواه عنه ابن جرير في تفسيره ٣/ ٢١٥ ورواه ابن المنذر في تفسيره ص: ١٣٢.
(٧) رواه عنه ابن جرير في تفسيره ١/ ١٨٣ ورواه عنه ابن المنذر في تفسيره ص: ١٣٢. ينظر: تفسير مجاهد ١/ ١٢٢
(٨) الربيع بن أنس: الربيع بن أنس البكري أو الحنفي، بصري نزل خراسان، توفي سنة (١٤٠ هـ) وقيل قبلها، ينظر: السير (٦/ ١٦٩)، التقريب (١٨٨٢).
[ ٥٢ ]
إن المتشابه لا يعلمه إلا الله، وعرفوا المتشابه بتعريفات منها:
١ - مالا يتضح معناه أو لا تظهر دلالته لا باعتبار نفسه ولا اعتبار غيره" (^١).
٢ - ما لم يمكن لأحد إلى علمه سبيل ممَّا استأثر الله بعلمه دون خلقه.
قال بعضهم: وذلك مثل: وقت قيام الساعة، والحروف المقطعة في أوائل السور (^٢).
وعدَّ أصحاب هذا القول الحروف المقطعة من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه وقالوا: نؤمن بها ونُمرُّها كما جاءت.
ويحكى هذا عن الخلفاء الأربعة ﵃ وأرضاهم - وجماعة من أهل الحديث كالشعبي (^٣) والثوري (^٤) وصححه القرطبي (^٥) واختاره أبو حيان (^٦)
والشوكاني (^٧) والآلوسي (^٨) وأيده السيوطي ونسبه إلى أكثر الصحابة والتابعين (^٩) وكما ترى هذا ما ذهب إليه الحسين بن الفضل البجلي.
ـ والفريق الثاني قالوا:
إنَّ المتشابه يعلمه العلماء والراسخون في العلم.
وعلى هذا القول يُعرف المتشابه بتعريفات، منها:
١ - قيل المتشابه: ما لا يستقل بنفسه إلا بردِّه إلى غيره، وقال النحاس عن هذا القول: هو أجمع هذه الأقوال (^١٠).
_________________
(١) فتح القدير ١/ ٣٩٨.
(٢) ينظر: تفسير القرطبي ٤/ ١٣، وقال: هذا أحسن ما قيل في المتشابه.
(٣) الشعبي: عامر بن شراحيل الشعبي، أبو عمرو، حافظ فقيه فاضل، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، توفي بعد (١٠٠ هـ)، ينظر: السير (٤/ ٢٩٤)، التقريب (٣٠٩٢).
(٤) الثوري: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي، حافظ فقيه عابد، إمام حجة، له: التفسير، الفرائض، وغيرهما، توفي سنة (١٦١ هـ). ينظر: التقريب (٢٤٤٥).
(٥) ينظر: المصدر السابق ١/ ٢٠٠.
(٦) أبو حيان: محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان، أثير الدين أبو حيان الأندلسي الغرناطي، اللغوي المفسر المقرئ الأديب، له عدة مؤلفات، منها: البحر المحيط، التذييل والتكميل في شرح التسهيل وغيرهما، توفي سنة (٧٤٥ هـ). ينظر الدرر الكامنة (٦/ ٥٨)، بغية الوعاة (١/ ٢٨٠).
(٧) ينظر: فتح القدير ١/ ٤٠١.
(٨) ينظر روح المعاني ١/ ١٠٠ والألوسي هو محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي، شهاب الدين أبو الفضل البغدادي، مفسر محدث أديب، له عدة مؤلفات، منها: روح المعاني، الأجوبة العراقية، توفي سنة (١٢٧٠ هـ). ينظر: الأعلام (٧/ ١٧٦).
(٩) ينظر: الإتقان ٣/ ٤.
(١٠) ينظر: معاني القرآن للنحاس ١/ ٣٤٦، والنحاس هو أحمد بن محمد بن إسماعيل المصري، أبو جعفر النحوي، صاحب التصانيف، منها: معاني القرآن، إعراب القرآن، الناسخ والمنسوخ، توفي سنة (٣٣٨ هـ). ينظر: السير (١٥/ ٤٠١)، بغية الوعاة (١/ ٣٦٢).
[ ٥٣ ]
٢ - وقيل المتشابه هو: القصص والأمثال (^١).
٣ - وقيل المتشابه: "المنسوخ. " روي عن ابن مسعود وقتادة والربيع والضحاك (^٢).
وذهب أصحاب هذا القسم إلى القول بتفسير الحروف المقطعة والتماس الفوائد من تحتها. ثم اختلفوا في معناها على أقوالٍ كثيرة، ساق معظمها الطبري (^٣)
وابن عطية (^٤) والسيوطي (^٥) وابن عاشور (^٦) وغيرهم (^٧).
ولتتم الفائدة نذكر بعضًا من هذه الأقوال:
١ - قيل: إنها حروف مقطعة من أسماء وأفعال، كلُّ حرف من ذلك لمعنى غير معنى الحرف الآخر.
رواه ابن جرير (^٨) عن ابن عباس (^٩) وابن مسعود (^١٠)، واختاره الزجاج (^١١).
٢ - قيل: هي حروف يشتمل كل حرف منها على معانٍ شتى مختلفة رواه ابن جرير عن الربيع بن أنس (^١٢).
_________________
(١) الإتقان ٤/ ٣.
(٢) فتح القدير ١/ ٣٩٧.
(٣) أوصلها في تفسيره إلى اثنى عشر قولًا ١/ ١١٨ - ١٢١.
(٤) ينظر: المحرر الوجيز ١/ ٨٢ وابن عطية هو عبد الحق بن غالب بن عبد الملك بن تمام ابن عطية الأندلسي، أبو محمد الغرناطي، كان فقيهًا، عارفًا بالأحكام، والحديث والتفسير، بصيرًا بلسان العرب، له التفسير المشهور، توفي سنة (٥٤١ هـ). ينظر: طبقات المفسرين للسيوطي (ص: ٥٠) وطبقات المفسرين للأدنه وي (ص: ١٧٥).
(٥) أوصلها السيوطي في الإتقان إلى عشرين قولًا ٣/ ٢٧ وكذلك الرازي في تفسيره أوصلها إلى أكثر من عشرين قولًا ٢/ ٣ - ٩.
(٦) ينظر: التحرير والتنوير ١/ ٢٠٥ - ٢١٣ وابن عاشور: محمد الطاهر بن عاشور التونسي، من العلماء المعاصرين، رئيس المفتين المالكيين في تونس وشيخ جامع الزيتونة وفروعه، له عدة مؤلفات، منها: التحرير والتنوير، مقاصد الشريعة الإسلامية، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، توفي سنة (١٣٩٣ هـ)، ينظر: الأعلام (٦/ ١٧٤).
(٧) أورد بعضها كثير من المفسرين منهم ابن قتيبة ينظر تأويل مشكل القرآن ص: ١٨٢، وابن كثير في تفسيره ١/ ٣٦
(٨) ينظر: تفسير الطبري ١/ ١٠٢.
(٩) ينظر: الدر المنثور للسيوطي ١/ ٥٦.
(١٠) المرجع السابق.
(١١) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ١/ ٦٢، والزجاج هو إبراهيم بن محمد بن السري البغدادي، أبو إسحاق الزجاج، النحوي، له عد مؤلفات، منها: معاني القرآن، الاشتقاق، خلق الانسان، توفي سنة (٣١١ هـ). ينظر السير (١٤/ ٣٦٠)، بغية الوعاة (١/ ٤١١).
(١٢) ينظر: تفسير الطبري ١/ ١٠٢ وروى ابن أبى حاتم في تفسيره عن أبي العالية من طريق الربيع بن أنس نحوه، ١/ ٢٨، ت: أحمد الزهراني وينظر: الدر المنثور ١/ ٥٧.
[ ٥٤ ]
ويشترك القولان في أن كل حرف من هذه الأحرف هو بعض كلمة اسُتغنيَ بدلالته عن ذكر الكلمة مع اختلاف تقديراتهم، فمنهم من قال:
" آلم "، ألف: أنا، اللام: الله، الميم: أعلم.
ومنهم من قال: الألف: آلاء الله، اللام: لطفه، الميم: مجده.
يقول الشاعر:
قُلْنا لَها: قِفِي، قَالَتْ: قافْ لَا تَحْسَبِي أنَّا نَسِيَنا الإيجَاف (^١) (^٢)
يعني بقوله: " قالت: قاف " قالت: قد وقفتُ (^٣).
٣ - قيل: إنها اسم الله الأعظم.
رواه ابن جرير عن ابن عباس (^٤) وابن مسعود (^٥)
٤ - هو قسم أقسم الله به .. وهو من أسمائه.
رواه ابن جرير عن ابن عباس (^٦)
٥ - اسم السورة.
رواه ابن جرير عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (^٧) وبه قال سيبويه (^٨) ويعتضد هذا القول بما ورد في الصحيحين من حديث أبى هريرة -﵁- قال: (كان النبي -ﷺ- يقرأ في الفجر في يوم الجمعة:
﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ [الَسَّجدة] ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (^٩) (^١٠) [الإنسان: ١].
_________________
(١) الوجف: سرعة السير، وجَفَت تَجفُ وجيفًا، وأوجفها راكبها. ويقال: راكب البعير يُوضِع، وراكب الفرس يُوجِف. العين ٤/ ٣٤٩
(٢) البيت للوليد بن عقبة وهو في تأويل مشكل القرآن ص: ١٨٩، وتفسير الطبري ١/ ١٠٥، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج ١/ ٦٢، والمحرر الوجيز ١/ ٨٢، والتحرير والتنوير، ١/ ٢٠٧، ولسان العرب: (وقف) وغيرها.
(٣) تفسير الطبري ١/ ١٠٥.
(٤) تفسير الطبري ١/ ١٠١.
(٥) تفسير الطبري ١/ ١٠١ وينظر: الدر المنثور ١/ ٥٧.
(٦) تفسير الطبري ١/ ١٠١، ورواه ابن أبى حاتم عن عكرمة ١/ ٣٠ ت: أحمد الزهراني وينظر: الدر المنثور ١/ ٥٦/ ٥٧.
(٧) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي مولاهم، توفي سنة (١٨٢ هـ)، ينظر: السير (٨/ ٣٤٩)، التقريب (٣٨٦٥).
(٨) ينظر: الكتاب ٨/ ٣٥١، وسيبويه هو عمرو بن عثمان بن قنبر الفارسي، سيبويه أبو البشر البصري، إمام النحو، وصاحب (الكتاب)، ينظر: السير (٨/ ٣٥١)، بغية الوعاة (٢/ ٢٢٩).
(٩) رواه البخاري في صحيحه، (كتاب الجمعة) باب ما يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة ح: ٨٩١، ص: ١٤٣ واللفظ له، ورواه مسلم (كتاب الجمعة) ح: ٢٠٣٥، ص: ٣٥٢.
(١٠) ينظر: تفسير ابن كثير ١/ ٣٦.
[ ٥٥ ]
٦ - هي فواتح يفتتح الله بها بعض سور القرآن:
رواه ابن جرير عن مجاهد (^١) وقال أبوعبيدة: " معنى (آلم) افتتاح، مبتدأ الكلام، شعار للسورة " (^٢).
٧ - وقيل: الحروف التي هي فواتح السورة حروف يستفتح الله بها كلامه (^٣)، وقيل غير ذلك.
وبعد إيراد بعض هذه الأقوال في معانيها وقبل ترجيح ما هو مناسب، أود أن أبيِّن أن هذه المسألة من المسائل الكبار، التي وقع فيها الخلاف، وتباينت فيها الأقوال، واختلفت فيها المشارب، وبما أنه لم يرد نص صحيح ثابت عن الصادق المصدوق في بيان معنى هذه الأحرف، ولم تجُمْع الأمة على قول فيها، غاية ما هنالك أن بعض العلماء تلمَّسوا معناها على حسب ما ظهر لهم من النصوص ثم إنَّه لم يذكر واحد منهم قولًا في معناها على سبيل القطع والجزم، أذكرُ ما يلي:
١ - إن كان مراد الحسين ﵀ بالمتشابه المتشابه الكليَّ الذي لا يعلمه إلا الله، فهذا يُعترض عليه بأن السلف قد تكلمَّوا فيها، ولو كانت من المتشابه الكليِّ لما تكلموا فيه، كما نصَّ على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية.
٢ - وإن كان مراده به المتشابه النِّسبيّ، وهو أن تكون من المتشابه بالنسبة له فهذا جائز، لكنه ليس متشابهًا عند غيره.
٣ - والأحرف المقطعة فيها وجهتان:
الأولى: تطلُّب معنى لهذه الأحرف.
الثاني: الحكمة من هذه الأحرف.
أما الوجهة الأولى: فيقال إنَّ من تطلّب لها معنى محدَّدًا، فقد خالف المعروف من لغة العرب في أن الحرف عندهم لا معنى له بمفرده، وإنما يتركب المعنى من عدد من الحروف عند ضمِّ بعضها إلى بعض فالفاء لا معنى لها، واللام لا معنى لها، والحاء لا معنى لها، فإذا تركَّب منها كلام كقولي: " فلح " كان لهذه الأحرف مجتمعةً معنى، لكن ليس على أنها حرف بل على أنها كلمة.
وعلى هذا يُحمل ما ورد عن ابن عباس وغيره، من أنَّ "الألف (الله) واللام (جبريل) والميم (محمد) " أي أنه يتركب من هذه الأحرف كلام، لا إنَّ معنى كلِّ حرف منها هذا الكلام دون غيره.
وكذا من ذهب إلى أنها استفتاح، أو تنبيه، أو اسمٌ للسُّورة، أو اسم للقرآن، فإنه لا يخرج عن هذا المذهب؛ لأنه لا يقول إنَّ لها معنىً محددًا هو كذا.
_________________
(١) تفسير الطبري ١/ ١٠٠ ورواه عنه ابن أبي حاتم ١/ ٢٩ ت: أحمد الزهراني وينظر: الدر المنثور ١/ ٥٧.
(٢) مجاز القرآن ١/ ٢٨.
(٣) ينظر فيما سبق من الأقوال السبعة: تفسير الطبري ١/ ١٠٠ - ١٠٤.
[ ٥٦ ]
أمَّا من جعلها بمعنى القسم أو غيره، فإنَّه إمَّا أن يكون أخذه من طريق اللُّغة، وإما أن يكون من مصدر آخر، فإن كان من طريق اللُّغة، فإنه إما أن يكون واردًا في المنقول من اللُّغة عن اللُّغويين، وأما أن يكون غير منقول، فإن لم يكن منقولًا ففيه إشكالٌ من جهة قبوله لغرابته.
وإن كان مصدر التفسير غير اللغة، فإنه يُنظر في المصدر، وهذا ممَّا يَعسُر الاطِّلاع عليه عند من قال بالقسم وغيره.
وهناك قوم زعموا أنَّ لها معنىً خَفِيًَّا علينا، وهو مما استأثر الله بعلمه، وهذا مخالف للاعتقاد، فإنَّ الله لم ينزل في كتابه ما لا يُفهم معناه، وإلا كان بمثابة الكلام الأعجميِّ الذي لا يفهمه العربيُّ، ولو كان لها معنى استأثر الله به لسأل عنه الكفارُ أو
الصحابة، ولماَّ لم يسألوا ظهر أنَّهم فهموا أنَّ هذه أحرفٌ لا معنى لها كبقية الأحرف عندهم. ولا يقال: إنَّ في القرآن ما لا يُفهم.
فإنَّ الجواب: إنَّ مالا يدرك لا يرتبط بالمعنى، بل يرتبط بما هو خارج المعنى كوقت حدوث الحوادث (متى الساعة؟) وككيفية بعض المغيبات التي استأثر الله بعلمها، ولم يبين شيئًا من وصفها إلا الاسم (كالدَّابَّة التي تخرج آخر الزمان) فهذان القسمان خارجان عن المعنى، فالسَّاعة والدابة من جهة اللغة معروفتان، ولكن وقتهما وصفتهما لا يُعرفان من جهة المعنى بل من جهة الإخبار عنهما من الله سبحانه.
وبناءً على هذا فالصفات الإلهية من جهة المعنى معروفةٌ، لكن من جهة الكيف مجهولة كما هو مقرر في معتقد أهل السنة، ومن جعلها من المتشابه مطلقًا فقد أخطأ في ذلك، وهم أهل التأويل من علماء الكلام.
وكذا القول في الأحرف المقطعة، فيقال: إنَّ هذه أحرف لا معنى لها من جهة اللغة، فلا يُتطلَّب لها معنى بذاتها، ومن تطلَّب لها معنى فإنه سيقف على جهله بالمعنى ثم سيكلُ الأمر لله. ثم يجعلها من المتشابه الكلِّيِّ، وهي ليست كذلك.
ثم إنَّ في الأحرف أمرًا آخر وهو أن يُقال: لم جُعلت الأحرف في هذه السور دون غيرها؟ لم جُعلت بعضُ الأحرف على حرف، وبعضها على حرفين وبعضها على خمسة؟ فيقال في هذا " الله أعلم" وهذا الجزء من المتشابه الكلِّيِّ، لكن لا يؤثر على إدراك المعنى لو كان لها معنى، فكيف وهي لا معنى لها؟ (^١).
وأما الوجهة الثانية: فهي المغزى والحكمة (^٢) من هذه الأحرف وهي - والله أعلم - أنها ذكرت بيانًا لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها حكاه القرطبي عن الفراء (^٣)
_________________
(١) ينظر: مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط والتدبر والمفسر لـ د/ مساعد الطيار ١٤٨ - ١٥٣.
(٢) ذكر ابن كثير في تفسيره قولين في الحكمة، غير الذي سنذكره أولهما: ليعرف بها أوائل السور ثانيهما: لتَفْتح لاستماعها أسماع المشركين إذا تواصوا بالإعراض عن القرآن حتى إذا استمعوا له تلا عليهم المؤلَّف منه. ووصفهما بالضعف ونقضهما ١/ ٣٧.
(٣) ينظر: تفسير القرطبي ١/ ٢٠٠.
[ ٥٧ ]
وقطرب (^١) وحُكى عن المبرد (^٢)، وانتصر له الزمخشري (^٣)، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (^٤)، وتلميذاه ابن القيم وابن كثير (^٥)، وابن عاشور (^٦)، وغيرهم.
وهذا خارجٌ عن حد المعنى، ولا علاقة له به، وكثير من الباحثين يخلط بين المعنى والمغزى من هذه الأحرف.
وهناك كلام مفيد ذكره العلماء في بيان أنَّ كل نصوص القرآن مفهومة لدى المخاطبين منها ما قاله ابن جرير ﵀ عند كلامه على مراتب البيان، وأن أفضل البيان والكلام كلامُ الله ﷾: " وكان غير مبين منا عن نفسه مَنْ خاطب غيره بما لا يفهمه عنه المخاطب، كان معلومًا أنه غير جائز أن يخاطب جل ذكره أحدًا من خلقه إلا بما يفهمه المخاطب، ولا يرسل إلى أحد منهم رسولًا برسالة إلا " بلسان وبيان يفهمه المرسَلُ إليه. لأن المخاطب والمرسل إليه، إن لم يفهم ما خوطب به وأرسل به إليه، فحاله قبل الخطاب وقبل مجيء الرسالة إليه وبعده، سواء إذ لم يفده الخطاب والرسالة شيئًا، كان به قبل ذلك جاهلًا، والله - جَل ذكره - يتعالى عن أن يخاطب خطابًا أو يرسل رسالة لا توجب فائدة لمن خُوطب أو أرسلت إليه، لأن ذلك فينا من فعل أهل النقص والعبث، والله تعالى
عن ذلك متعال. ولذلك قال جل ثناؤه في محكم تنزيله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)﴾ [إبراهيم: ٤] وقال لنبيه محمد -ﷺ- ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾ [النحل ٦٤].
_________________
(١) ينظر: المصدر السابق ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج ١/ ٦٢ والمحرر الوجيز ١/ ٨٢، وقطرب هو محمد بن المستنير بن أحمد، أبو علي، المعروف بقطرب، كان أحد العلماء باللغة والنحو، أخذ النحو عن سيبويه وهو الذي سماه بقطرب، له من التصانيف معاني القرآن، النوادر، توفي سنة (٢٠٦ هـ) ينظر: نزهة الألباء (ص: ٩٢)، مرآة الجنان (٢/ ٢٤).
(٢) ينظر: تفسير الرازي ٢/ ٧ وتفسير ابن كثير ١/ ٣٨، ينظر فيما سبق التحرير والتنوير ١/ ٢١٠، والمبرد هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي، أبو العباس، المعروف بالمبرد، البصري، صاحب الكامل والمقتضب، كان علامة مفوهًا إمامًا في النحو واللغة، توفي سنة (٢٨٩ هـ). ينظر: نزهة الألباء (ص: ٢١٧)، مرآة الجنان (٢/ ١٥٦).
(٣) ينظر: الكشاف ١/ ٢٨.
(٤) ينظر: تفسير ابن كثير ١/ ٣٨.
(٥) المصدر السابق.
(٦) ينظر: التحرير والتنوير ١/ ٢١٣.
[ ٥٨ ]
فغير جائز أن يكون به مهتديًا، من كان بما يهدي إليه جاهلًا " (^١).
هذا وقد بسط القول في المسألة شيخ الإسلام ابن تيمية بسطًا أفحم به المخالفين المتحذلقين (^٢).
حيث قال: " والمقصود هنا: أنه لا يجوز أن يكون الله أنزل كلامًا لا معنى له. ولا يجوز أن يكون الرسول -ﷺ- وجميع الأمة لا يعلمون معناه، كما يقول ذلك من يقوله من المتأخرين، وهذا القول يجب القطع بأنه خطأ، سواء كان من هذا تأويل القرآن لا يعلمه الراسخون، أو كان للتأويل معنيان: يعلمون أحدهما، ولا يعلمون الآخر، وإذا دار الأمر بين أن القول بأن الرسول -ﷺ- كان لا يعلم معنى المتشابه من القرآن وبين أن يقال: الراسخون في العلم يعلمون كان هذا الإثبات خيرًا من ذلك النفي. فإن معنى الدلائل الكثيرة من الكتاب والسنة وأقوال السلف على أن جميع القرآن مما يمكن علمه وفهمه وتدبره، وهذا مما يجب القطع به، وليس معناه قاطعًا على أن الراسخين في العلم لا يعلمون تفسير المتشابه، فإن السلف قد قال كثير منهم أنهم يعلمون تأويله، منهم مجاهد - مع جلالة قدره - والربيع بن أنس، ومحمد بن جعفر بن الزبير (٣).
ونقلوا ذلك عن ابن عباس، وأنه قال: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله
وقالوا: والدليل على ما قلناه إجماع السلف، فأنهم فسروا جميع القرآن، وقال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله عنها.
وكلام أهل التفسير من الصحابة والتابعين شامل لجميع القرآن، إلا ما قد يشكل على بعضهم فيقف فيه، لا لأن أحدًا من الناس لا يعلمه، لكن لأنه هو لم يعلمه ..
وقد قال الحسن: ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم فيماذا أنزلت، وماذا عني بها.
وأيضًا فإذا كانت الأمور العلمية التي أخبر الله بها في القرآن لا يعرفها الرسول -ﷺ-، كان هذا من أعظم قدح الملاحدة فيه، وكان حجة لما يقولونه من أنه كان لا يعرف الأمور العلمية، أو انه كان يعرفها ولم يبينها، بل هذا القول يقتضي أنه لم يكن يعلمها، فإنَّ مالا يعلمه إلا الله لا يعلمه النبي ولا غيره ..
وبالجملة: فالدلائل الكثيرة توجب القطع ببطلان قول من يقول إن في القرآن آيات لا يعلم معناها الرسول ولا غيره (^٣).
_________________
(١) ينظر: تفسير الطبري ١/ ١١.
(٢) ينظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٧/ ٣٩٠ - ٤٤٨.
(٣) محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام الأسدي، المدني، توفي سنة بضع عشرة ومائة. ينظر: التقريب (٥٧٨٢).
(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٧/ ٣٩٠/ ٣٩٩.
[ ٥٩ ]
وإذا تقرر هذا فهل بقي للمفوِّضة بقية حتى يدعي مستعجم اللسان أن السلف قد آمنوا بصفات الله وفوضوا معناها إلى الله فسَلِموا فأُنتجت مقالة: (السلف أسلم والخلف أحكم) والحق أنه كان ومازال منهج السلف هو الأعلم والأحكم والأسلم.