اختلف المفسرون في مرد الضمير على أقوال عدة منها:
١ - رده على الصلاة خاصة
٢ - رده عليهما ولكنه كنى عن الأغلب وهو" الصلاة. "
٣ - لما كان الصبر داخلًا في الصلاة أعاد عليها.
٤ - رده على المصدر " الاستعانة "، من واستعينوا. (^٣)
٥ - معناه واستعينوا بالصبر، وإنه لكبير، وبالصلاة وإنها لكبيرة، فحذف أحدهما اختصارًا (^٤).
٦ - رد الضمير على الوصية وهي ما يدل عليه الكلام. (^٥)
٧ - وقيل على إجابة محمد -ﷺ-، لأنَّ الصبر والصلاة مما كان يدعو إليهما. (^٦)
٨ - وقيل على الكعبة لأن الأمر بالصلاة إنما هو إليها. (^٧)
_________________
(١) وافقه الواحدي في الوجيز ٢/ ٨٢٩ والبغوي في تفسيره ١/ ٤٤ وأبو حيان في البحر المحيط ١/ ٣٤١ ..
(٢) ت: خالد العنزي، ج: أم القرى.
(٣) ينظرفي هذه الأقوال: تفسير البغوي إلا في الأول (١/ ٤٤) والمحرر الوجيز لابن عطية إلا في القول الثاني ١/ ١٣٧ وتفسير القرطبي ١/ ٤١٦، ٤١٧ وفتح القدير ١/ ١٠٢.
(٤) ذكره البغوي في تفسيره ١/ ٤٤ وذكر نحوه الحلبي في الدر المصون ١/ ٢١٢.
(٥) ذكره ابن كثير في تفسيره ١/ ٨٧.
(٦) ينظر: تفسير المحرر الوجيز لابن عطية ١/ ١٣٧ وتفسير القرطبي ١/ ٤١٧.
(٧) ينظر: المصدرين السابقين ومشكل إعراب القرآن لمكي ١/ ٩٢ وزاد المسير لابن الجوزي ١/ ٧٦ والتبيان في إعراب القرآن للعكبري ١/ ٥٩، وذكر هذا القول الضحاك عن ابن عباس وبه قال مقاتل ينظر: زاد المسير ١/ ٧٦ ..
[ ٧٢ ]
والجمهور على القول الأول، قاله ابن عباس (^١) والحسن (^٢) ومجاهد (^٣) واختاره ابن جرير (^٤) وأبو عبيدة (^٥) والزجاج (^٦) وأبو حيان (^٧) والآلوسي (^٨) والسعدي (^٩) وغيرهم.
ولا يخفى على متأمل ما يحمل هذا القول من قوة تؤيده القاعدة التفسيرية (التي ترد الضمير عند ذكر شيئين على أحدهما والغالب كونه الثاني (^١٠)، والعرب تقتصر على أحد الاسمين وأكثره الثاني (^١١)، وقد نزل القرآن بلغتهم.
قال أبو حيان: الضمير عائد على الصلاة هذا ظاهر الكلام، وهو القاعدة في علم العربية أن الضمير الغائب لا يعود على غير الأقرب إلا بدليل" (^١٢)
وأما عن اختيار الحسين فله وجهته كذلك؛ لأنَّ الهاء والألف تعود على مؤنث، فإذا لم يكن على الصلاة فعلى الاستعانة مصدر (استعينوا) فعل الأمر الذي صدرت به الآية، فيكون معنى الآية (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنَّ الاستعانة بهما لكبيرة إلا على الخاشعين)، وفي رد الضمير على الاستعانة إشراك الصبر مع الصلاة في كونهما ثقيلتين وكبيرتين على النفس إلا أنفس الخاشعين.
وهذا صحيح، فالصبر له ثقله ومشقته والصلاة كذلك مثله - والله تعالى أعلم ـ.
وأما عن القولين الآخرين فتطرق الضعف إليهما بيِّن واضح. حيث إن الضمير إذا رُد إلى إجابة النبي -ﷺ- تُرك الظاهر المفهوم من الكلام إلى باطن لا دليل على صحته، فلم يجر بلفظ الإجابة ذكر (^١٣)، ولا دليل له من الآية (^١٤) وأضعف من هذا (^١٥): رده إلى الكعبة بعلة كونها قبلة للصلاة.
_________________
(١) ينظر: تنوير المقباس من تفسير ابن عباس ١/ ٨ وزاد المسير لابن الجوزي ١/ ٧٦.
(٢) ينظر: زاد المسير لابن الجوزي ١/ ٧٦.
(٣) ينظر: تفسير ابن كثير ١/ ٨٧.
(٤) ينظر: تفسير الطبري ١/ ٢٩٩.
(٥) ينظر: مجاز القرآن ١/ ٣٩.
(٦) ينظر: معاني القرآن وإعرابه ١/ ١٢٥.
(٧) ينظر: البحر المحيط ١/ ٣٤١ ..
(٨) ينظر: روح المعاني ١/ ٢٤٩.
(٩) تفسير السعدي ص: ٥١.
(١٠) ينظر: إلى القاعدة: في البرهان للزركشي ٤/ ٣٠ والإتقان ٢/ ٢٨٣.
(١١) ينظر: مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ٣٩.
(١٢) البحر المحيط ١/ ٣٤١ وأبو حيان هو محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان، أثير الدين أبو حيان الأندلسي الغرناطي، اللغوي المفسر المقرئ الأديب، له عدة مؤلفات، منها: البحر المحيط، إتحاف الأريب وغيرهما)، توفي سنة (٧٤٥ هـ). ينظر: الدرر الكامنة (٦/ ٥٨)، بغية الوعاة (١/ ٢٨٠) ..
(١٣) ينظر: تفسير الطبري ١/ ٢٩٩.
(١٤) ينظر: المحرر الوجيز لابن عطية ١/ ١٣٧.
(١٥) نفس المصدر السابق.
[ ٧٣ ]
والذي ورد في السياق لفظه هو الصلاة، وساق هذا القول العكبري ثم علَّل له وقال (وكان التحول إلى الكعبة شديدًا على اليهود) (^١) وهذا الكلام صحيح في ذاته ولكن جعله تعليلًا لرد الضمير على ما لم يجر له ذكر في الآية، فيه نظر والله أعلم.
وقد تجلت هنا قاعدة (^٢) مشهورة تقول (إن إعادة الضمير إلى مذكور أولى من إعادته إلى مقدر، لأن الإعادة إلى مقدر مع إمكان الإعادة إلى المذكور فيه إخراج للآية عن نظمها دون موجب)
وقد رجح كثير من العلماء بعض الأقوال على ضوء هذه القاعدة ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية (^٣)
ولهذا وذاك سَلِم القول الذي رد الضمير إلى مذكور، وضَعُف الذي رده إلى مقدَّر - والله تعالى أعلم ـ.