يتضح مما سبق أن الحسين ﵀ اطلع على الأقوال (^٦) الواردة في تعيين البعض الذي ضرب به القتيل، ثم هو رجح " اللسان " وعلَّل لهذا الترجيح: بتعليل عقلي محض لا مستند له من النقل.
والحال أنَّ القاعدة في المبهمات (^٧) التي لم يفصح القرآن عنها ولم يُفصِّل شيئًا منها في أي موضع، بحث لا طائل من ورائه إلا إضاعة الأوقات وفناء الأعمار، بما لا ينفع ولا يفيد، وإشغال المسلم نفسه بما لا يمكن التوصل إلى معرفته إلا بنص ثابت عن معصوم فلا مجال فيها للاجتهاد أو إعمال الرأي ثم إنه لا يمكن لمسلم أن يستريب في أن القرآن أغفل ما للعباد فيه مصلحة وعاد عليهم بالفائدة والمنفعة.
_________________
(١) التبيان في إعراب القرآن ١/ ٥٩.
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى ١٥/ ٨٨ وكذلك ١٥/ ٤٤٩.
(٣) ينظر: هذه القاعدة، وأقوال العلماء فيها: (قواعد الترجيح عند المفسرين) للدكتور: حسين الحربي ٢/ ٥٩٣/ ٥٩٤.
(٤) وافقه الواحدي في الوجيز في تفسيره ١/ ١١٢ والبغوي في تفسيره ١/ ٦٤.
(٥) ت: خالد العنزي، ج: أم القرى
(٦) هناك أقوال ساقها المفسرون في تعيين البعض الذي ضُرب به القتيل من البقرة: ينظر فيها: معاني القرآن للفراء ١/ ٤٨ وتفسير البغوي ١/ ٦٤ وتفسير القرطبي ١/ ٤٩٤ وتفسير ابن كثير ١/ ١١٢ وفتح القدير للشوكاني ١/ ١٣١.
(٧) صنف فيه أبو القاسم السهيلي كتابه المسمى بـ (التعريف والإعلام) وتلاه تلميذه ابن عساكر في كتابه المسمى بالتكميل والإتمام. البرهان ١/ ١٥٥ وينظر الإتقان للسيوطي ٤/ ٧٩. قال صاحب كشف الظنون: " وجمع بينهما بدر الدين ابن جماعة في كتاب سماه " التبيان " ١/ ٤٢١ - ٤٢٢. وأفرده بالتأليف السيوطي في كتابه " مفحمات الأقران في مبهمات القرآن " والمبهمات في اللغة: أمر مبهم لا مأتى له، وأبهمت الباب أغلقته، واستبهم عليه الكلام استغلق. ينظر: الصحاح مادة (بهم). وفي الاصطلاح: كل ما ورد في القرآن غير مسمى باسمه الذي يعرف به من إنسان أو غيره. تفسير مبهمات القرآن للبلنسي ١/ ٣٥.
[ ٧٤ ]
ولهذا قال ابن جرير: (والصواب من القول عندنا في تأويل قوله ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ أن يقال: أمرهم الله - جل ثناؤه - أن يضربوا القتيل ببعض البقرة ليحيا المضروب.
ولا دلاله في الآية، ولا في خبر تقوم به حجة على أيِّ أبعاضها التي أُمر القوم أن يضربوا القتيل به، وجائز أن يكون الذي أُمروا أن يضربوه به هو الفخذ، وجائز أن يكون ذلك الذَّنب، وغضروف الكتف وغير ذلك، من أبعاضها ولا يضر الجهل بأي ذلك ضربوا القتيل ولا ينفع العلمُ به مع الإقرار بأن القوم قد ضربوا القتيل ببعض البقرة بعد ذبحها فأحياه الله) (^١).
وقال ابن كثير: (هذا البعض أيٌّ شيء كان من أعضاء هذه البقرة، فالمعجزة حاصلة به، وخرق العادة به كائن، وقد كان معينًا في نفس الأمر فلو كان في تعيينه لنا فائدة تعود علينا في أمر الدين أو الدنيا لبيَّنه الله تعالى لنا، ولكنه أبهمه ولم يجئ من طريق صحيح عن معصوم بيان فنحن نبهمه كما أبهمه الله) (^٢)
وقال ابن تيمية: (الاختلاف في التفسير على نوعين .. إلى قوله. ومنه ما لا يمكن معرفة ذلك فيه، وهذا " القسم الثاني من المنقول " وهو مالا طريق لنا إلى الجزم بالصدق منه، عامته مما لا فائدة فيه، فالكلام فيه من فضول الكلام. وأما ما يحتاج المسلمون إلى معرفته؛ فإن الله نصب على الحق فيه دليلًا فمثال مالا يفيد ولا دليل على الصحيح منه اختلافهم في لون كلب أصحاب الكهف، وفي البعض الذي ضرب به موسى من البقرة، وفي مقدار سفينة نوح، وما كان خشبها، وفي اسم الغلام الذي قتله الخضر ونحو ذلك.
فهذه الأمور طريق العلم بها النقل فما كان من هذه منقولًا نقلًا صحيحًا عن النبي -ﷺ- كاسم صاحب موسى أنه الخضر فهذا معلوم، وما لم يكن كذلك بل كان مما يؤخذ عن أهل الكتاب فهذا لا يجوز تكذيبه ولا تصديقه إلا بحجة .. (^٣)
وكذلك الشيخ السعدي ﵀ بيَّن موقفه الحاسم من مثل هذا (^٤).