تقدَّم ذكر معنى الاختصار والإضمار عند قوله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠). قال الزجاج: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) ما كانت تتلوه. (^٤)
قال الكوفيون: والمعنى ما كانت تتلو (^٥).
وهذا ما ذهب إليه الحسين من تقدير (كانت) للتنبيه على مُضيِّ الحدث.
وقيل: " تتلو " أي تلت
قال البغوي: (ما تتلو الشياطين) أي: ما تلت، والعرب تضع المستقبل موضع الماضي، والماضي موضع المستقبل ". (^٦)
وقال القرطبي: " يعني " تلت " فهو بمعنى المضي " (^٧) فهو مضارع وقع موقع الماضي. (^٨)
قال أبو البركات ابن الأنباري": أي، فلقد كان. فأقام المستقبل مقام الماضي " (^٩)
_________________
(١) أبو القاسم بن حبيب: الحسن بن محمد بن حبيب النيسابوري، أبو القاسم، المفسر الواعظ، له: عقلاء المجانين، وصنف في القراءات والتفسير والآداب، توفي سنة (٤٠٦ هـ)، ينظر: السير (١٧/ ٢٣٧)، طبقات المفسرين للسيوطي (ص: ٣٥).
(٢) أبو بكر بن عبدوس: محمد بن أحمد بن عبدوس النيسابوري، أبو بكر النحوي الفقيه، توفي سنة (٣٩٦ هـ)، ينظر: السير (١٧/ ٥٧).
(٣) ت: خالد العنزي، ج: أم القرى.
(٤) معاني القرآن وإعرابه ١/ ١٨٣ وينظر: تفسير البغوي ١/ ٨٢.
(٥) ينظر: البحر المحيط ١/ ٤٩٤ والدر المصون ١/ ٣١٩.
(٦) تفسير البغوي ١/ ٨٢.
(٧) تفسير القرطبي ٢/ ٤٢
(٨) ينظر: البحر المحيط ١/ ٤٩٤ والدر المصون ١/ ٣١٨.
(٩) البيان في غريب إعراب القرآن ١/ ١١٣ وأبو البركات هو: عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله الأنباري، نزيل بغداد، النحوي، اللغوي، له عدة مصنفات، منها: الإنصاف في الخلاف، إعراب القرآن، توفي سنة (٥٧٧ هـ) ينظر: السير (٢١/ ١١٣)، بغية الوعاة (٢/ ٨٦).
[ ٧٦ ]
وأما عن معنى تتلو: فقيل (^١): تحدث، وتروي وتتكلم به، وتخبر وتقرأ، والمعنى واحد
وقيل: تتبع.
قال الطبري: " ولقول القائل: " وهو يتلو كذا " في كلام العرب معنيان:
أحدهما: الاتباع.
والآخر: القراءة والدراسة.
وقال: ولم يخبرنا الله -جل ثناؤه-بأي معنى "التلاوة " كانت تلاوة الشياطين الذي تَلوْا تَلوه من السحر على عهد سليمان بخبر يقطع العذر. وقد يجوز أن تكون الشياطين تلت ذلك دراسة ورواية وعملًا، فتكون كانت متبعة بالعمل، ودراسته بالرواية. فاتبعت اليهود منهاجها في ذلك، وعملت به وروته " (^٢).
وما ذكره الحسين ﵀ فهو أحد المعاني الصَّحيحة المحتملة للفظ " تتلو ".