قال الخطابي (^٤): "وجاء في الأثر أنَّهما اسمان رقيقان، أحدهما أرقُّ من الآخر، وهذا مُشكل لأنَّ الرِّقَّة لا مدخل لها في شيءٍ من صفات الله سبحانه، ومعنى الرقيق هاهنا اللطيف يقول: أحدهما ألطف من الآخر، ومعنى اللُّطف في هذا: الغموض، دون الصِّغَرِ الذي هو نعت في الأجسام " (^٥).
وقال ابن حجر: "وأَوردَ (^٦) عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "الرَّحمن الرَّحيم" اسمان رقيقان أحدُهما أرقُّ من الآخر، وعن مقاتل (^٧) أنه نقل عن جماعة من التابعين مثله، وقال، قلتُ: والحديث المذكور عن ابن عباس لا يثبت لأنه من رواية الكلبي (^٨) عن أبى صالح (^٩) عنه، والكلبي متروك الحديث، وكذلك مقاتل، ونقل البيهقي عن الحسين بن الفضل البجلي أنه نسب رواية الحديث عن ابن عباس إلى التَّصحيف، وقال (إنما هو الرفيق بالفاء وقواه البيهقي بالحديث الذي أخرجه مسلم (^١٠) عن عائشة مرفوعًا: (إنَّ الله رفيقٌ يحبُّ الرِّفق، ويعطي عليه مالا يُعطي على العنف) (^١١).
_________________
(١) أخرجه البيهقي عن ابن عباس في الأسماء والصفات ١/ ١٣٩ وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره نحوه عن خالد بن صفوان التميمي ١/ ٢٨ وأورده البغوي في التفسير ١/ ٢ وابن كثير في تفسيره ١/ ٢٠، والعيني في عمدة القارئ ١٨/ ٧٩ والزبيدي في تاج العروس (رحم) وابن منظور في لسان العرب (رحم)
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب (البر والصلة) ح: ٦٦٠١، ص: ١١٣٣:، وهو مخرج عند غيره.
(٣) وافقه البيهقي في الأسماء والصفات ١/ ١٤٠.
(٤) حَمْدُ بن إبراهيم بن الخطاب، من ولد زيد بن الخطاب، أبو سليمان البستي، كان محدثًا، فقيهًا أديبًا، وشاعرًا لغويًا، له كتاب غريب الحديث، وكتاب العزلة، توفي سنة (٣٨٨ هـ) ينظر: معجم الأدباء (١٠/ ٢٦٨) والرسالة المستطرفة ص: ١٢١.
(٥) شأن الدعاء (٣٩).
(٦) الضمير يعود للخطابي.
(٧) مقاتل بن سليمان بن بشير الأزدي الخرساني، أبو الحسن البلخي، صاحب التفسير، وهو مطبوع، توفي سنة (١٥٠ هـ)، ينظر: تهذيب الكمال (٧/ ٢٠٩) التقريب (٦٨٦٨).
(٨) محمد بن السائب بن بشر الكلبي، أبو النضر الكوفي، النسابة المفسر، متهم بالكذب ورمي بالرفض وهو متروك الحديث ت ١٤٦ هـ. ينظر: تهذيب الكمال (٦/ ٣١٨)، التقريب (٥٩٠١).
(٩) باذان ويقال باذان أبو صالح مولى أم هانئ بنت أبي طالب ضعيف يرسل قال أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به، ينظر: تهذيب الكمال (١/ ٣٢٦)، التقريب (٦٣٤).
(١٠) مسلم بن الحجاج القشيري أبو الحسين النيسابوري صاحب الصحيح ثقة حافظ إمام مصنف عالم بالفقه توفي سنة (٢٦١ هـ). ينظر: تهذيب الكمال (٧/ ٩٥)، التقريب (٦٦٢٣).
(١١) فتح الباري لابن حجر ١٣/ ٤٤٤.
[ ٤٣ ]
وأرى أنها لو ثبتت هذه الرِّواية، فلا إشكال فيها، فالرِّقَّة بالنِّسبة لله - تعالى - ليست كالرِّقَّة عند المخلوقين، فهي هنا رحمتُه ولطفُه وإحسانه بعباده ولو حُملت عبارة - ابن عباس - إن صحَّت على باب الإخبار، فله وجهٌ - والله أعلم - لأنَّ
(ما يدخل في باب الإخبار عنه سبحانه أوسع مما يدخل في باب الأسماء والصفات) (^١) أما ما ذهب إليه الحسين من وصف الله سبحانه بالرفق، فإن ذلك قد جاءت به السنة في قوله -ﷺ- إن الله رفيق يحب الرفق (^٢) ".