ما ذهب إليه الحسين في هذا المقطع من التفسير يرجع إلى ما يُعرفُ بعلم الوجوه والنظائر، حيث جعل الهدى على وجهين، وذكر في كل وجه النظائر من الآيات التي جاءت على معنى الوجه.
فالوجه الأول عنده أنَّ الهداية بمعنى الدعاء والبيان، وقد ذكر فيه ثلاثة نظائر وهذا المعنى الذي ذكره، وهو البيان هو أصل معنى اللفظ (^٢) فالهداية بمعنى الإرشاد والبيان، تقول: هديته الطريق؛ أي: بينْت له الطريق وأرشدته إليه. أما الدعاء فقد جعله أصحاب الوجوه والنظائر وجهًا من وجوه معاني لفظ الهدى، واستدلُّوا له بقوله تعالى ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]، وهذا المعنى لا يخرج عن معنى البيان؛ لأنَّ الداعي هو الذي يبين لقومه ما ينفعهم (^٣).
وإنما شأن أصحاب الوجوه والنظائر تكثير الوجوه، نظرًا للسياق الذي وردت فيه اللفظة فيفسرونها بالمعنى المناسب لها سياقيًا، ولهذا ذكروا لمعنى الهدى في القرآن أكثر من عشرة أوجه (^٤).
والوجه الثاني الذي ذكره الحسين بن الفضل أن الهداية تأتي بمعنى هداية التوفيق والتسديد، ويظهر من الآيات التي ذكرها أنه يذهب إلى أن هذا النوع من الهداية مختصٌّ بالله.
_________________
(١) ت: خالد العنزي، ج: أم القرى
(٢) قال ابن قتيبة: " أصل الهدى: الرشد؛ كقوله: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي﴾ [القصص: ٢٢] " تأويل مشكل القرآن ص: ٢٤٨.
(٣) ينظر على سبيل المثال: الأشباه والنظائر لمقاتل ص: ٩١، ونزهة الأعين النواظر لابن الجوزي ص: ٦٢٧
(٤) ينظر على سبيل المثال: الأشباه والنظائر لمقاتل ص: ٨٩ - ٩٥، ونزهة الأعين النواظر لابن الجوزي ص: ٦٢٥ - ٦٣٠.
[ ٤٨ ]
وهذا النوع من الهداية بيان خاصُّ؛ لأنه بيان مستلزم للهداية الخاصَّة، وهو بيان تقارنه العناية والتوفيق (^١) لذا عبَّر عنه الحسين بأنه هداية التوفيق والتسديد.
وقد نفى الله هداية التوفيق عن نبيه -ﷺ- في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، وأثبتها لنفسه. وأثبت لنبيه -ﷺ- الهداية في قوله ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] والمثبت له من الهداية غير المنفيِّ، فالمثبت هو البيان والإرشاد، وهذا النوع من الهداية يشمل جميع من يدعو إلى الله.