بيان المشكل عند الحسين
لقد تضمنت تفسيراته لبعض الآيات حلَّ المشكل في عبارة تفسيرية محددة، وذلك في خمسة مواضع كما:
أ- في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾ [المائدة: ٥].
قال ابن عباس: ومن يكفر بالله، قال الحسين بن الفضل (إن صحت هذه الرواية كان معناه (بربِّ الإيمان). ويحمد للحسين تعليقه النتيجة على صحة الرواية.
ب - في قوله تعالى ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١].
[ ٢٥ ]
قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩].
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩].
دعا عبد الله بن طاهر، والي خراسان الحسين بن الفضل، فقال له: أشكلت عليَّ ثلاث آيات دعوتك لتكشفها لي قال: وما هنَّ أيُّها الأمير، قال: قوله تعالى في وصف ابني آدم.
﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾ وصحَّ الخبر بأن الندم توبة.
وقوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، وصحَّ الخبر بأن القلم قد جفَّ وجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة.
وقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ فما بال الأضعاف، فقال الحسين بن الفضل: يجوز أن لا يكون ندمُ قابيل توبةً له، ويكون ندم هذه الأمة توبةً لها لأنَّ
الله تعالى خصَّ هذه الأمة بخصائص لم يشركهم فيها غيرهم من الأمم. وفيه قول آخر، وهو أن ندم قابيل لم يكن على قتل هابيل وإنما كان ندمه على حمله.
وأما قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ يعني من طريق العدل، ومجاز الآية: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ عدلًا وَلي أن أجزيه بواحدة ألفًا، وأما قوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ فإنها شؤون يعيدها لا شؤون يبتديها، ومجاز الآية: سوق المقادير إلى المواقيت، فقام عبد الله بن طاهر، وقبَّل رأسه وسوَّغ خراجه.
هـ - في قوله تعالى ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: ٢٤]
[ ٢٦ ]
قال الحسين بن الفضل: (سألني عبد الله بن طاهر وهو الوالي، عن قوله سبحانه (فخَرَّ رَاكِعًا) هل يقال للراكع خرَّ؟
قلت: لا، قال: فما معنى الآية؟ قلت: معناها فخرّ بعد أن كان راكعًا أي سجد).
وفي هذا دلالة أكيدة على علو شأن الحسين بن الفضل في التفسير حتى أنهم دعوه ليكشف عنهم ما أشكل عليهم في معنى بعض الآيات.