كالنسخ والمكي والمدني والمبهمات والعموم، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ﴾ [التوبة: ٥].
قال الحسين بن الفضل: (نُسخت بهذه الآية كلُّ آية في القرآن فيها الإعراض والصَّبر على أذى الأعداء).
وقوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا ..﴾ [المدثر: ٣١].
قال الحسين بن الفضل: (هذه السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق ألبتة، فالمرض في هذه الآية الخلاف لا النفاق).
وقوله تعالى ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣].
[ ٢٨ ]
قال الضحاك: بلسانها.
وقال الحسين بن الفضل: (وهذا أولى الأقاويل لأن المراد كان من إحياء القتيل كلامُه واللسان آلته).
وقوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧].
قال الحسين بن الفضل: (وَفَّى بشأن الأضياف حتى سُمِّى أبا الأضياف) (^١).
• وأما عن طريقته في الاستدلال فله ستة أمثلة تبين ذلك كما:
أ- في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]
قال الحسين بن الفضل وغيره: (لأنَّها نزلت مرَّتين، كل مرة معها سبعون ألف ملك مرة بمكة من أوائل ما نزل من القرآن ومرة بالمدينة، والسبب فيه أن سبع قوافل وافت من بصرى وأذرعات ليهود بني قريظة والنضير في يوم واحد، وفيها أنواع من البز وأوعية الطيب والجواهر وأمتعة البحر، فقال المسلمون: لو كانت هذه الأموال لنا، لتقوَّينا بها، ولأنفقناها في سبيل الله، فأنزل الله تعالى هذه السورة وقال: ولقد أعطيناكم سبع آيات هي خير لكم من هذه القوافل، ودليل هذا التأويل، قوله ﷿ في عقبها (﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [الحجر: ٨٨]).
عندما ذكر الحسين هنا سبب نزول هذه الآية، فسَّر قوله ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ على ضوء هذا السبب، ثم دلَّل على صحة قوله بالآية بعدها، وهي قوله تعالى ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ فإن الله أغناكم بما هو أعظم من الأموال والمتع الزائلة.
ب - في قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ لْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
(وقيل: هم نجباء الرسل المذكورون في سورة الأنعام، وهم ثمانية عشر وهو اختيار الحسين بن الفضل، قال: لقوله في عقبه ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]).
_________________
(١) وينظر في أمثلة العموم: الطلاق: (٢، ٣)، الفجر (٣)، التكاثر (٨).
[ ٢٩ ]
لا يخفى كيف استدل الحسين لاختياره (من هم أولو العزم من الرسل) في قوله في آخر آية الأنعام بعد ذكر هؤلاء الرسل ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فقد شهد الله لهم بالهداية وأمر خيرة أنبيائه بالاقتداء بهم، فأمره هنا في الأحقاف بالصبر كما صبروا؛ لأنه لا ينال تلك المكانة إلا من صبر بعزم.
ج - في قوله تعالى ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]
قال الحسين بن الفضل: (كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته).
واستدل بهذه الآية بأن الله تعالى عند ما لم يوفقهم في الدنيا إلى الهداية وحجبهم عن توحيده وإخلاص العبادة له، استحقوا بذلك العقوبة، فلم يكونوا من عباده المؤمنين الذين يجزيهم الله بالنظر إلى وجهه الكريم، ولذلك حجبهم عن رؤيته.