لقد كان للإمام الطحاوي عناية كبيرة بالأحكام الفقهية في تفسيره، ومنهجه في ذلك أنه يذكر الأقوال في الحكم الذي دلت عليه الآية، كما يذكر القائلين بها وأدلتهم، مع بيان القول الراجح وعلة ترجيحه. ومن الأمثلة على ذلك ما يلي:-
١ - ما ذكره عند قوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة:١٩٨].
[ ٧٦ ]
حيث قال: قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى أن الوقوف بالمزدلفة فرض، لا يجوز إلا بإصابته. واحتجوا في ذلك بقول الله ﷿: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨]. وقالوا ذكر الله ﷿ في كتابه المشعر الحرام، كما ذكر عرفات، وذكر ذلك رسول الله - ﷺ - في سنته، فحكمها واحد، لا يجزئ الحج إلا بإصابتها.
وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: أما الوقوف بعرفة، فهو من صلب الحج الذي لا يجزئ الحج إلا بإصابته، وأما الوقوف بمزدلفة، فليس كذلك.
وكان من الحجة لهم في ذلك أن قول الله ﷿: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨]. ليس فيه دليل على أن ذلك على الوجوب لأن الله ﷿ إنما ذكر الذكر، ولم يذكر (الوقوف)، وكل قد أجمع أنه لووقف بمزدلفة، ولم يذكر الله ﷿ أن حجه تام.
فإذا كان (الذكر) المذكور في الكتاب، ليس من صلب الحج، فالموطن الذي يكون ذلك (الذكر) فيه، الذي لم يذكر في الكتاب، أحرى أن لا يكون فرضًا.
وقد ذكر الله تعالى أشياء في كتابه من الحج، ولم يرد بذكرها إيجابها، حتى لا يجزئ الحج إلا بإصابتها في قول أحد من المسلمين.
من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨]. وكل قد أجمع أنه لو حج ولم يطف بين الصفاء والمروة، أن حجه قد تم، وعليه دم مكان ما نزل من ذلك.
فكذلك ذكر الله ﷿ المشعر الحرام في كتابه ليس في ذلك دليل على إيجابه حتى لا يجزئ، للحج إلا باصابته. (شرح معاني الآثار -٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩).
[ ٧٧ ]
٢ - ما ذكره عند قوله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ [النساء: ٩٢] حيث قال: قال أصحابنا، وعثمان البتي، والحسن بن حيّ: دية الكافر مثل دية المسلم، واليهودي، والنصراني والمجوسي والمعاهد والذمي سواء.
وقال مالك: دية أهل الكتاب على النصف من دية المسلم، ودية المجوسي ثمانمائة درهم، وديات نسائهم على النصف من ذلك.
وقال الشافعي: دية اليهودي والنصراني ثلث الدية، ودية المجوسي ثمانمائة، والمرأة على النصف
قال أبو جعفر: ومن وجهة النظر أن الله تعالى قال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ [النساء: ٩٢]. كما قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ [النساء:٩٢] فذكر الدية في كل واحد منهما والكفارة.
[ ٧٨ ]
واتفقوا على أن الكفارة فيهما واحدة، كذلك الدية، فتأول مالك على أن المقتولين في هذه الآية (مؤمنون)، لأنه قال في أول هذه الآية: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾] النساء:٩٢] ثم قال: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾] النساء:٩٢] أي: إن كان ذلك المؤمن من قوم بينكم وبينهم ميثاق.
والحجة عليه: أن الله تعالى قد قال في هذه الآية: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ النساء:٩٢] فدل ذلك على أنه تعالى لم يعطفه على ما تقدم من قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾] النساء:٩٢]؛ لأنه لو كان معطوفًا عليه، لأغنى ذلك عن وصفه بالإيمان.
وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾] النساء:٩٢] غير مضمر فيه (المؤمن) الذي تقدم ذكره؛ لأن قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾] النساء:٩٢] هو الذي يلي قوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾] النساء:٩٢] فإذ لم يكن ما يليه معطوفًا عليه، فما بعده أولى بذلك، فثبت أن دية المسلم والكافر سواء.
(مختصر اختلاف العلماء - ٥/ ١٥٥ - ١٥٧)
[ ٧٩ ]