قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران:٧]
قال أبو جعفر الطحاوي: قول الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧] فأعلمنا ﷿ أن من كتابه آيات محكمات بالتأويل، وهي المتفق على تأويلها والمعقول المراد بها.
وأن منه آيات متشابهات يلتمس تأويلها من الآيات المحكمات اللاتي هن أم الكتاب، وهي الآيات المختلفة في تأويلها.
[ ٢٧٦ ]
ثم قال ﷿: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران:٧] والزيغ: الجور عن الاستقامة، وعن العدل، وترك الإنصاف لأهلها، فيتبعون ما تشابه منه. يطلبون بذلك مثل الذي كان من الأمم الخالية فيما جاءتهم به رسلهم صلوات الله عليهم. ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران:٧] وهي: فساد ذات البين، حتى يكون عنها القتل وما سواه مما يجلبه من البغضاء والشحناء، والتفرق الذي تجري معه الأمور بخلاف ما أمر الله ﷿ به فيها بقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] ومن كان كذلك، خرج من الإسلام، وصار من غيره، واستحق النار ثم أخبر ﷿ في هذه الآية بعجز الخلق عن تأويل المتشابه الذي ذكره فيها بقوله ﷿: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]، ثم أخبر ﷿ بما يقوله الراسخون في العلم في ذلك ليمتثلوه ويتمسكوا ويقتدوا بهم فيه وهو قوله ﷿: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] فهكذا يكون أهل الحق في المتشابه من القرآن يردونه إلى عالمه وهو الله ﷿، ثم يلتمسون تأويله من المحكمات اللاتي هن أم الكتاب، فإن وجدوه فيها، عملوا به كما يعملون بالمحكمات، وإن لم يجدوه فيها لتقصير علومهم عنه، لم يتجاوزوا في ذلك الإيمان به، ورد حقيقته إلى الله ﷿، ولم يستعملوا في ذلك الظنون التي حرم الله عليهم استعمالها في غيره، وإذا كان استعمالها في غيره حرامًا، كان استعمالها فيه أحرم.
(شرح مشكل الآثار -٦/ ٣٣٧ - ٣٤٠)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي المراد بهذه الآية من خلال المسائل التالية:-
١ - بين أن الآيات المحكمات هي: الآيات المتفق على معرفة المراد بها.
وأن الآيات المتشابهات هي: الآيات المختلف على معرفة المراد بها.
[ ٢٧٧ ]
٢ - بين أن الآيات المتشابهات: لا يعلم المراد بها إلا الله جل وعلا.
وأن موقف أهل العلم من الآيات المتشابهات: هو الاجتهاد في معرفة المراد بها، عن طريق عرضها على الآيات المحكمات، فإن بأن المراد بها عملوا بها. وإن تعذر معرفة المراد بها، توقفوا عن القول فيها بغير علم، وآمنوا بها، وردوا معرفة المراد بها إلى منزلها جل وعلا.
٣ - بين أن المراد بـ (الزيغ) في الآية هو: الجور عن الاستقامة وعن العدل.
٤ - بين أن المراد بـ (ابتغاء الفتنة) في الآية هو: إفساد ذات البين.
وإليك بيان كل مسألة من المسائل المتقدمة:-
المسألة الأولى: الأقوال في المراد بالآيات المحكمات - والآيات المتشابهات:
القول الأول: أن الآيات المحكمات هي:
أ- الآيات الثلاث التي في آخر سورة الأنعام: من قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ.﴾ [الأنعام:١٥ - ١٥٣]
ب- والآيات التي في سورة الإسراء. من قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]. إلى قوله جل ذكره: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء:٣٨]
والآيات المتشابهة هي: ما تشابه عليهم نحو: حروف التهجي التي في أوائل السور.
- وهذا قول: ابن عباس ﵁. (^١)
القول الثاني: أن الآيات المحكمات هي: التي لم تتكرر ألفاظها.
والآيات المتشابهة هي: التي تكررت ألفاظها.
- وهذا قول: ابن زيد. (^٢)
القول الثالث: أن الآيات المحكمات هي: ناسخة وحلاله وحرامه، وحدوده وفرائضه، وما يؤمن به ويعمل به.
والآيات المتشابهات هي: منسوخه، ومقدمه ومؤخره، وأمثاله وأقسامه، وما يؤمن به ولا يعمل به.
وهذا قول: ابن عباس - وقتادة - والربيع - والضحاك.
_________________
(١) معاني القرآن للنحاس (١/ ٣٤٤).
(٢) تفسير الطبري (٣/ ١٧٤).
[ ٢٧٨ ]
القول الرابع: أن الآيات المحكمات هي: ما أوقف الله تعالى الخلق على معناها.
والآيات المتشابهات هي: ما لا يُعقل معناها، ولا يعلمها إلا الله جل وعلا. كقيام الساعة، وطلوع الشمس من مغربها، وما شابه ذلك.
- وهذا قول: جابر بن عبد الله الأنصاري.
القول الخامس: أن الآيات المحكمات هي: ما يستقل بنفسه في المعنى، ولم يحتج إلى استدلال.
والآيات المشابهات هي: ما لا يستقل بنفسه في المعنى إلا بنوع استدلال، أو برد إلى غيره.
- وهذا قول: مجاهد - وعكرمة - ومحمد بن جعفر بن الزبير - والشافعي - وأحمد بن حنبل - وابن الأنباري - وأبي جعفر النحاس. (^١)
الترجيح: إن كل قول من الأقوال المتقدمة قد خص كل واحد من القسمين بنوع معين من الصفات دون غيرها، والأمر أوسع مما قالوه جميعًا. (^٢)
وأظهر هذه الأقوال وأرجحها: القول الخامس: فالمحكم هو: ما كان واضح الدلالة، ظاهر المعنى، لا تلتبس فيه الآراء.
والمتشابه هو: ما كان غامض الدلالة، خفي المعنى، تلتبس فيه الآراء، وتختلف فيه الأهواء.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
المسألة الثانية: هل الراسخون في العلم يعلمون المراد بالآيات المتشابهات؟:-
- القول الأول: أن الراسخين في العلم لا يعلمون المراد بالآيات المتشابهات.
ولا يعلم المراد بها إلا الله جل وعلا.
وعلى هذا القول يكون الوقف على لفظ الجلالة: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧]
- وهذا قول: ابن عباس - وعائشة - وأبي بن كعب - والحسن - ومالك - وأكثر التابعين.
وبه قال: الكسائي - والفراء - والأخفش - وأبو عبيد - وأبو حاتم السجستاني - والطبري.
وهو قول: جمهور أهل العلم.
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٣/ ١٧٢) - وتفسير السمعاني (١/ ٢٩٤). وتفسير ابن الجوزي (١/ ٣٠٠).
(٢) تفسير الشوكاني - (١/ ٤٦٩).
[ ٢٧٩ ]
ومعنى الآية على هذا القول: وما يعلم تأويل المتشابهة إلا الله وحده منفردًا بعلمه.
وأما الراسخون في العلم فإنهم يقولون آمنا بالمتشابهة والمحكم، وأن جميع ذلك من عند الله، على وجه التسليم والانقياد والاعتراف بالعجز عن معرفته. (^١)
ومن قال بهذا القول: جعل (الواو) في قوله (والراسخون):
للاستقبال، ولابتداء خطاب جديد غير متعلق بالأول. (^٢)
- ومن أدلة هذا القول:
١ - أن ابن مسعود ﵁ كان يقرأ هذه الآية فيقول: ﴿إن تأويله إلا عند اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾.
وكان ابن عباس ﵁ يقرأها - فيقول: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ وهذه القراءة وإن لم تكن من القراءات السبع المتواترة فإنها مبينة للمراد بالآية.
٢ - أن الله جل وعلا مدح الراسخين في العلم بأنهم قالوا: (آمنا به) ولو كانوا عالمين بتأويل المتشابه على التفصيل لما كان في الإيمان به مدح، لأن من علم شيئًا على التفصيل لابد وأن يؤمن به. فكان المدح حاصلًا لهم على تفويض تعيين المراد إلى الله جل وعلا، ولم يحملهم عدم معرفة المراد على ترك الإيمان به.
٣ - أنه لو كان (الراسخون) معطوف على لفظ الجلالة (الله) للزم أن يكون (يقولون) خبرًا لمبتدأ محذوف تقديره (هم) أو (هؤلاء) فيلزم الإضمار، وفي الإضمار ترك للظاهر، وترك الظاهر خلاف للأصل.
٤ - أن قوله تعالى: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] يفيد ويقتضي أنهم آمنوا بما عرفوا بتفصيله، وبما لم يعرفوه بتفصيله، ولو كانوا عالمين بالتفصيل في الكل، لخلا هذا القول عن الفائدة. (^٣)
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٣/ ١٨٣) - وتفسير السمعاني (١/ ٢٩٦).
(٢) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٤).
(٣) تفسير أبي حيان (٣/ ٢٨).
[ ٢٨٠ ]
٥ - أنه لو أراد عطف الراسخين وبيان أنهم يعلمون المتشابه لجاء (بالواو) - فقال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾.
٦ - أن الله جل وعلا ذم مبتغي تأويل المتشابه في أول الآية. ولو كان ذلك للراسخين في العلم معلومًا، لكان مبتغيه ممدوحًا لا مذموما.
٧ - أن لفظة (أما) لتفصيل الجمل، فذكره لها في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران:٧] مع وصفه إياهم باتباع المتشابه. وابتغاء تأويله، يدل على أن هناك قسم آخر، يخالفهم في هذه الصفة وهم الذين ذكرهم في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] ولو كانوا يعلمون تأويل المتشابه لم يخالفوا القسم الأول. (^١)
٨ - أنه لا يجوز أن ينفي الله شيئًا عن الخلق ويثبته لنفسه، ثم يكون له في ذلك شريك، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥] وكقوله جل ذكره: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف:١٨٧] فكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] (^٢).
- القول الثاني: أن الراسخين في العلم يعلمون المراد بالآيات المتشابهات.
وعلى هذا القول يجوز وصل الآية، ولا يلزم الوقف على لفظ الجلالة.
- وهذا قول: ابن عباس - ومجاهد - والربيع - ومحمد بن جعفر بن الزبير - والقاسم بن محمد وغيرهم.
- ومعنى الآية على هذا القول: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، وهم مع علمهم بذلك ورسوخهم في العلم يقولون: آمنا به كل من عند ربنا.
ومن قال بهذا القول: جعل (الواو) في قوله: (والراسخون): للعطف والجمع. (^٣) ٠)
- ومن أدلة هذا القول:
_________________
(١) روضة الناظر لابن قدامة (١/ ٢٨٠).
(٢) تفسير القرطبي (٤/ ٢٠).
(٣) تفسير ابن عطية (٣/ ٢١).
[ ٢٨١ ]
١ - أن (الواو) لما كان حقيقتها: الجمع والعطف، فالواجب حملها على حقيقتها ومقتضاها.
ولا يجوز حملها على الابتداء، إلا بدليل، ولا دليل على ذلك. (^١) ١)
٢ - أن الله جل وعلا مدح الراسخين بثباتهم في العلم، فدل ذلك على أنهم يعلمون تأويل المتشابه. (^٢) ٢)
٣ - أن الله جل وعلا قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء:٨٢] وهذا يعم الآيات المحكمات والآيات المتشابهات. فدل ذلك على أن الآيات المتشابهات لها معنى يُعقل ويُتدبر. (^٣) ٣)
الترجيح: وكلا القولين صواب، لأمرين:
أ- أن التأويل في القرآن يطلق على معنيين:
١ - التأويل بمعنى: حقيقة الشيء، وما يؤول إليه معنى الكلام.
ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:١٠٠].
فإن أريد بالتأويل في الآية هذا: فالوقف على لفظ الجلالة (الله)، لأن حقائق الأمور كلها لا يعلمها على الحقيقة إلا الله جل وعلا.
٢ - التأويل بمعنى: التفسير والبيان والإيضاح للشيء.
ومثال ذلك: قوله تعالى: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف:٣٦].
فإن أريد بالتأويل في الآية هذا: فالوقف يكون على: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧]. لأن الراسخين في العلم يعلمون تفسير الكتاب ويفهمونه. (^٤) ٤)
ب - أن المتشابه في القرآن يطلق على نوعين:-
١ - متشابه انفرد الله جل وعلا بعلمه، كالعلم بأمر الروح، وسائر المغيبات.
_________________
(١) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٥).
(٢) تفسير القرطبي (٤/ ٢٠).
(٣) تفسير القاسمي (٢/ ١١).
(٤) انظر: تفسير ابن كثير (١/ ٣٥٥) - ومباحث في علوم القرآن لمناع القطان (٢١٨).
[ ٢٨٢ ]
٢ - متشابه يمكن وصول الخلق إلى معرفته، ومثال ذلك قوله جل وعلا في عيسى ﵇: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [النساء:١٧١].
ولا يسمى أحد راسخًا في العلم إلا بأن يعلم من هذا النوع أكثره بحسب قدرته.
فمن قال إن الراسخين في العلم لا يعلمون المراد بالآيات المتشابهات: فإنما أراد النوع الأول من المتشابه الذي تفرد الله بعلمه. والذي فيه علم للمتشابه على الكمال. (^١) ٥)
وبناء على ما تقدم فإنه يجوز الوقف على لفظ الجلالة: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] ويجوز وصله بقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧].
- ومما يدل على صحة التقسيم المتقدم:
١ - أن الله جل وعلا قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] فنفى إحاطة علمنا بجميع معاني المتشابه، ولم ينف بذلك أن يعلم الراسخون في العلم بعضها بإقامتهم الأدلة الدالة على المراد بها. كما قال جل ذكره: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]
٢ - أن الله جل وعلا قال: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:٧] والأم: هي التي منها ابتداؤه وإليها مرجعه، فسمى المحكم أمًا، فاقتضى ذلك بناء المتشابه عليه ورده إليه.
_________________
(١) انظر: تفسير ابن عطية (٣/ ٢٢). والبرهان في علوم القرآن (٢/ ٨٥).
[ ٢٨٣ ]
ثم قال جل ذكره: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران:٧] فوصف متبع المتشابه من غير حمل له على معنى المحكم بالزيغ في قلبه. فاستحال بما تقدم أن تدل الآية على وجوب رد المتشابه إلى المحكم، وتدل أيضًا على نفي العلم بالمتشابه. (^١)
وبان بحمد الله جل وعلا أن قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] غير ناف لوقوع العلم ببعض المتشابه عند الراسخين في علم الكتاب.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: الأقوال في المراد بـ (الزيغ) في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران:٧]:-
- القول الأول: أن (الزيغ) هو: الميل عن الحق والهدى.
والمعنى: فأما الذين في قلوبهم ميل عن الحق وانحراف عنه.
ومنه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران:٨] أي لا تملها عن الحق.
- وهذا قول: ابن مسعود - ومجاهد - ومحمد بن جعفر بن الزبير - وجماعة من الصحابة والتابعين.
- القول الثاني: أن (الزيغ) هو: الشك.
- وهذا قول: ابن مسعود - وابن عباس - ومجاهد.
- القول الثالث: أن (الزيغ) هو: اللبس.
- وهذا قول: مجاهد.
- القول الرابع: أن (الزيغ) هو: الشرك.
- وهذا قول: ذكره أبو المظفر السمعاني.
_________________
(١) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٣)
[ ٢٨٤ ]
- القول الخامس: أن (الزيغ) هو: الشبهات التي تتعلق بالقلب.
- وهذا قول: ذكره أبو المظفر السمعاني. (^١) ٧)
الترجيح: وهذه الأقوال المتقدمة متداخلة لا تعارض بينها، وأعمها القول الأول، فإن كل من مال عن الحق وانصرف عنه لأي سبب من الأسباب، عُدَّ زائغًا عن الحق.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: الأقوال في المراد بـ (الفتنة) في قوله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آل عمران:٧]:
- القول الأول: أن المراد (بالفتنة) هو: إفساد ذات البين.
- وهذا قول الزجاج - والطحاوي.
- القول الثاني: أن المراد (بالفتنة) هو: الكفر والضلال.
- وهذا قول: السدي - والربيع - ومقاتل - وابن قتيبة.
- القول الثالث: أن المراد (بالفتنة) هو: اللبس.
- وهذا قول: محمد بن جعفر بن الزبير.
- القول الرابع: أن المراد (بالفتنة) هو: الشرك.
- وهذا قول: السدي - والربيع.
- القول الخامس: أن المراد (بالفتنة) هو: الشبهات.
- وهذا قول: مجاهد. (^٢) ٨)
الترجيح: هذه الأقوال المتقدمة متداخلة لا تعارض بينها، والاختلاف بينها اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، فيصح إرادتها من الآية جميعًا.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو أحد الأقوال الواردة في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران:٤١]
_________________
(١) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٢٩٥) وتفسير الطبري (٣/ ١٧٦) وتفسير ابن عطية (٣/ ١٩).
(٢) انظر: تفسير الطبري (٣/ ١٨٠). وتفسير ابن الجوزي (١/ ٣٠٢).
[ ٢٨٥ ]
قال أبو جعفر الطحاوي: والآيات أيضًا فقد تكون عبادات، ومن ذلك ما ذكره الله تعالى عن عبده ونبيه زكريا ﵇ من قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ [مريم:١٠] ومن قول الله تعالى له: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران:٤١].
(شرح مشكل الآثار - ١/ ٦٤)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن الآية التي تحققت لزكريا ﵇ وهي حبس لسانه عن الكلام مع الناس لمدة ثلاثة أيام، كانت عبادة منه يتقرب بها إلى ربه جل وعلا.
وقد اختلف المفسرون في هذه الآية التي تحققت لزكريا ﵇:
هل كانت عبادة له، أم عقوبة له؟ وذلك على قولين:
القول الأول: أن زكريا ﵇ إنما حبس لسانه عن الكلام تلك المدة: ليخلص فيها لذكر الله، شكرًا له على استجابة دعائه، فلا يشتغل لسانه بغير ذكر الله وشكره، قضاء لحق نعمة الولد. (^١)
فلم يكن ﵇ شاكًا في بشارة الملائكة له بالولد، وإنما سأل علامة على وقت الحمل، ليقبل على شكر المنعم المتفضل. (^٢)
- وهذا قول: الجمهور. (^٣)
القول الثاني: أن زكريا ﵇ إنما حبس لسانه عن الكلام تلك المدة: عقوبة له على الشك.
لأنه ﵇ كان شاكًا في بشارة الملائكة له بالولد، فكان هذا شكًا في قدرة الله تعالى، فعوقب بحبس لسانه عن الكلام ثلاثة أيام.
- وهذا قول: قتادة - والربيع - والسدي - وجماعة من المفسرين. (^٤)
الترجيح: والقول الراجح الصحيح هو قول جمهور المفسرين وهو:
أن زكريا ﵇ إنما سأل ربه آية على وجود الحمل، ليبادر بالشكر وليتعجل السرور.
ويدل عليه قوله جل وعلا في هذه الآية: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران:٤١].
_________________
(١) تفسير ابن جزي (١/ ١٤٤).
(٢) تفسير ابن عطية (٣/ ٧٩).
(٣) تفسير ابن الجوزي (١/ ٣٢٨).
(٤) تفسير أبي حيان (٣/ ١٣٨).
[ ٢٨٦ ]
وأما القول بأنه ﵇ عوقب على طلب الآية بحبس لسانه عن الكلام، فهو قول مرغوب عنه: لأن الله جل وعلا لم يخبرنا أنه ارتكب ذنبًا يوجب العقاب، (^١) كما أنه قول ينزه عنه كل من آمن بالله فكيف بمن اصطفي نبيًا من الله.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران:٤٣]
قال أبو جعفر الطحاوي: والعرب قد .. تذكر الشيئين، وتقدم ذكر أحدهما على ذكر الآخر، والمؤخر منهما في الذكر قد كان مقدمًا في الفعل على المقدم منهما في الذكر، وذلك موجود في كتاب الله تعالى، قال الله ﷿: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٣]. فذكر الركوع مؤخرًا وهو في الصلوات التي يصليها المسلمون، وفي الصلوات التي كان أهل الكتاب يصلونها قبلهم مقدم على السجود.
ومثل ذلك قول الله ﷿ في آي المواريث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢]، و﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢]، فكان ذكر الدين فيها مؤخرًا على ذكر الوصية، وكان المراد فيها أن يكون مقدمًا على الوصية.
(شرح مشكل الآثار - ١٠/ ٣٠٥)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن في هذه الآية تقديمًا وتأخيرًا، فإن الله جل وعلا قدم ذكر السجود على ذكر الركوع، مع أن السجود مقدم على الركوع في جميع الصلوات التي يصليها جميع أهل الأديان.
وهذا التقديم جائز ووارد في لغة العرب.
وفيما قاله الإمام الطحاوي رد على من قال إن هذا التقديم كان لأجل أن السجود كان مقدمًا في الشرائع السابقة.
_________________
(١) تفسير القرطبي (٤/ ٨٧).
[ ٢٨٧ ]
ولقد اختلف المفسرون في المراد بهذه الآية بناء على المعاني التي تأتي لها: (الواو) العاطفة، فإليك بيان هذه المعاني، والمراد بالآية على كل منها:-
- القول الأول: أن (الواو) تفيد معنى الجمع، فاستوى حكم التقديم والتأخير.
كما في قوله جل وعلا: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت:١٥].
وكما في قولك: (رأيت أحمدًا وعليًا) فيجوز أن تقول ذلك، وإن كنت رأيت عليًا قبل أحمد.
وكما في قول الشاعر:
ألا يا نخلة من ذات عرق عليك ورحمة الله السلام. (^١)
أي: عليك السلام ورحمة الله. (^٢)
وعليه فالمراد بالآية أحد الأقوال التالية:
١ - أن معنى قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران:٤٣]، أي: استعملي السجود في وقته اللائق به، والركوع في وقته اللائق به، فكأنه حث لها على فعل الخير.
وليس المراد أن تجمع بين السجود والركوع في ركعة واحدة. ثم تقدم السجود على الركوع. (^٣)
٢ - أن معنى قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران:٤٣]، أي: اخشعي واخضعي شكرًا لله تعالى على ما أنعم به عليك، فالمراد مطلق الخضوع والانقياد والطاعة والعبودية لله تعالى. وليس المراد: السجود والركوع الذي يكون في الصلاة. (^٤)
- القول الثاني: أن (الواو) تفيد عكس الترتيب.
وعليه فإن في الآية تقديم وتأخير.
وهذا يرد كثيرًا في كلام العرب وفي كتاب الله، كما في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥].
فالمعنى: (إني رافعك إلي، ومتوفيك في آخر أمرك بعد نزولك في آخر الزمان). (^٥)
وعليه فإن المراد بقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران:٤٣] أي: واركعي واسجدي.
_________________
(١) البيت للأحوص الأنصاري - وهو في ديوانه (١٩٠).
(٢) تفسير السمعاني (١/ ٣١٨).
(٣) تفسير الرازي (٨/ ٤٤).
(٤) تفسير الطبري (٣/ ٢٦٥).
(٥) تفسير ابن الجوزي (١/ ٣٣٠).
[ ٢٨٨ ]
وإنما قدم السجود لأن غاية قرب العبد من الله جل وعلا أن يكون ساجدًا، قال الرسول - ﷺ -:" أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ". (^١) فلما كان السجود مختصًا بهذا النوع من الرتبة والفضيلة، كان من المناسب تقديمه على سائر الطاعات. (^٢)
- القول الثالث: أن (الواو) تفيد الترتيب.
وعليه فإن المراد بقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران:٤٣] أحد الأقوال التالية:
١ - أن السجود كان قبل الركوع في شريعة أهل الكتاب، ولذا قدم في الآية على الركوع.
وقد رد هذا القول: بأن الركوع قبل السجود في جميع الشرائع. (^٣)
٢ - أن المراد بالسجود: السجود الذي يكون بعد الركعة الأولى.
والمراد بالركوع: الركوع الذي يكون في الركعة الثانية. (^٤)
٣ - أن المراد بقوله: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران:٤٣]، أي: لا تقتصري على السجود، بل أضيفي إلى ذلك الركوع، وذلك لأنه كان في زمانها من يقتصر على القيام والسجود في صلاته ويترك الركوع، فأمرت بأن تركع مع الراكعين، ولا تكون مع غير الراكعين. (^٥)
٤ - أن المراد بقوله ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران:٤٣] أي: وصلي واركعي.
فالصلاة تسمى سجودًا، كما سمي مكان الصلاة مسجدًا: أخذًا من السجود، الذي هو أحد أركان الصلاة. كما أن أشرف أركان الصلاة السجود، فعبر عن الصلاة بأشرف أجزائها. (^٦)
٥ - أن المراد بقوله: ﴿وَاسْجُدِي﴾ [آل عمران:٤٣] أي: وصلي وحدك.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب: الصلاة - باب: ما يقال في الركوع والسجود (ح ١٠٨٣ - ٤/ ٤٢٣). والنسائي في سننه - كتاب: التطبيق - باب: أقرب ما يكون العبد من الله ﷿ (ح ١١٣٦ - ٢/ ٥٧٦).
(٢) تفسير الرازي (٨/ ٤٤).
(٣) تفسير السمعاني (١/ ٣١٨).
(٤) البرهان في علوم القرآن (٣/ ٢٨٧).
(٥) تفسير الزمخشري (١/ ٥٥٧).
(٦) انظر: تفسير الرازي (٨/ ٤٤) - والمفردات للأصفهاني (مادة: سجد - ٢٢٤).
[ ٢٨٩ ]
والمراد بقوله: ﴿وَارْكَعِي﴾ [آل عمران:٤٣] أي: وصلي في جماعة، ولذلك قال: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران:٤٣]. (^١)
٦ - أن المراد بقوله: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران:٤٣] أي: واسجدي مصلية، فالمراد بـ ﴿وَاسْجُدِي﴾ [آل عمران:٤٣]: السجود المعهود.
والمراد بـ ﴿وَارْكَعِي﴾ ﴿آل عمران:٤٣]: الصلاة نفسها. وذلك لأمرين:
أ- أن الركوع في اللغة يطلق على معان منها: الصلاة. يقال: (ركع) أي: صلى.
ب- أن التوراة لم يرد فيها ذكر الركوع في صلاة إبراهيم ولا في صلاة من بعده من الأنبياء ﵈.
ويرد على هذا القول: بأنه يحتمل أن يكون الركوع مما غيره أهل الكتاب من معالم شريعتهم، كما أحدثوا التبديل والتحريف في غيره. (^٢)
الترجيح: القول الراجح أن مريم ﵍ إنما أمرت بفعل ثلاثة أشياء من هيئات الصلاة، وهي تطويل القيام، والركوع والسجود.
وعليه، فإن قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ [آل عمران:٤٣]:
إما أن يكون معناه: (اركعي واسجدي) ففي الآية تقديم لبيان أهمية السجود.
وإما أن يكون معناه: (افعلي السجود في وقته اللائق به، والركوع في وقته اللائق به).
فـ (الواو) هنا إما لعكس الترتيب، وإما للمعية.
قال أبو حيان: فإن سيبويه ذكر أن الواو يكون معها في العطف: المعية، وتقديم السابق، وتقديم اللاحق، يحتمل ذلك احتمالًا سواء، فلا يترجح أحد الاحتمالات على الآخر. أ هـ.
ويرد على من قال إن الترتيب على ظاهره: بأن الركوع مقدم على السجود في جميع الشرائع.
ويرد على باقي الأقوال: بأنه لا ضرورة بنا تخرج اللفظ عن ظاهره، وإن كان واردًا في اللغة. (^٣)
_________________
(١) البرهان في علوم القرآن (٣/ ٢٨٧).
(٢) انظر: تفسير أبي حيان (٣/ ١٤٨) - والقاموس المحيط (مادة: ركع - ٩٣٤).
(٣) انظر: تفسير أبي حيان (٣/ ١٤٨) - وشرح شذور الذهب لابن هشام (٤١٦).
[ ٢٩٠ ]
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢)﴾ [آل عمران:٦٢].
قال أبو جعفر الطحاوي: وتكون (مِنْ) صلة، وهذا جائز في اللغة، ومنه قوله ﷿: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٦٢]. بمعنى: وما إله إلا الله.
(شرح مشكل الآثار - ٤/ ٢٠٢)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن (مِنْ) في قوله جل وعلا: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٦٢]: صلة - أي زائدة - فيصح الكلام بدونها، والتقدير: (وما إله إلا الله).
- وهذا قول: جمهور المفسرين.
أن (مِنْ) صلة - أي زائدة - لكون الكلام يتم بدونها، ولكن المجيء بها يفيد معنى التأكيد.
كما في قولك: (ما جاءني من رجل) فإنه قبل دخول (مِنْ) يحتمل نفي الجنس، ونفي الوحدة، ولهذا يصح أن يقال: (ما جاءني رجل بل رجلان) ويمتنع ذلك بعد دخول (مِنْ) فلا يصح أن يقال: (ما جاءني مِنْ رجل بل رجلان).
وكذا في الآية هنا جيء بـ (من) لتكون توكيدًا ودليلًا على نفي جميع ما دعى إليه المشركون من الآلهة، وإثباتًا لألوهية الله وحده. (^١)
وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) انظر: معاني القرآن للنحاس (١/ ٤١٦) - وتفسير ابن عطية (٣/ ١١٣) - ومغني اللبيب لابن هشام (١/ ٦١٤) - وتفسير ابن الجوزي (١/ ٣٣٩). تنبيه: اشترط في صحة مجيء (مِنْ) صلة - زائدة - ثلاثة شروط:
(٢) أن يتقدمها نفي أو نهي أو استفهام بـ (هل).
(٣) أن يكون مجرورها منكرًا.
(٤) أن يكون مجرورها: فاعلًا، أو مفعولًا به، أو مبتدأ - (مغني اللبيب - ١/ ٦١٤). وجميع هذه الشروط متحققة في هذه الآية: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٦٢]
[ ٢٩١ ]
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [آل عمران: ٧٥] [آل عمران:٧٥].
قال أبو جعفر الطحاوي: قال الله تعالى في أهل الكتاب:: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران:٧٥] أي بالمطالبة لديه، وطلب أخذه منه.
(شرح مشكل الآثار - ١/ ١٩٦)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران:٧٥].أي: إلا ما دمت ثابتًا على المطالبة بحقك الذي لديه حتى يؤديه إليك، فليس المراد حقيقة القيام على رأسه بدون مطالبة، ومقاضاة، وعليه فإن في المراد بالآية قولين:
القول الأول: أن المراد بالقيام: حقيقة القيام وهي الوقوف.
- والمعنى: أن من أهل الكتاب من إذا أودعته مالًا ثم استرجعته منه وأنت قائم على رأسه في نفس المجلس ولم تفارقه، رده إليك، فإن أودعته مالًا ثم فارقته وأخرته، أنكره ولم يؤده إليك.
- وهذا قول: السدي.
- القول الثاني: أن المراد بالقيام: التقاضي والمطالبة.
- والمعنى: إلا ما دمت مستمرًا على التقاضي والمطالبة بحقك.
والأصل في هذا القول: أن المطالب بالشيء يقوم فيه ويتصرف به، والتارك له يقعد عنه.
ومثال ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران:١١٣].
أي: أمة عاملة غير تاركة لما وجب عليها.
[ ٢٩٢ ]
وكقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد:٣٣].
أي: آخذ لها بما كسبت. (^١)
ومن ذلك قولهم: (قام فلان بحقي على فلان حتى استخرجه لي).
أي: عمل في تخليص حقي، وسعى في المطالبة به واسترجاعه، حتى تمكن من ذلك.
- وهذا قول: الجمهور.
الترجيح: والراجح هو قول الجمهور، الدال على أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران:٧٥]. أي: ما دمت عليه قائمًا بالمطالبة والاقتضاء، وذلك لأن الله ﷿ إنما وصف أهل الكتاب باستحلال أموال الأميين، وأن منهم من لا يقضي ما عليه إلا بالاقتضاء الشديد والمطالبة الدائمة، وليس القيام على رأس الذي عليه الحق، بموجب له الانتقال من استحلال الحقوق إلى الوفاء بها. (^٢)
كما أنه قد ورد عن ابن عباس ﵁ في سبب نزولها ما يدل على أن هذا القول هو الصواب في المراد بالآية: فعن ابن عباس ﵁ أنه قال: (أودع رجل عند عبد الله بن سلام ألفًا ومائتي أوقية من ذهب فأداها إليه، وأودع رجل آخر عند فنحاص بن عازوراء فخانه فنزلت الآية). (^٣)
وعليه، فإن معنى الآية: إن من أهل الكتاب فريقًا إن ائتمنته على الأموال الكثيرة، ثم طلبتها منه، فإنه يرجعها إليك كاملة غير منقوصة، ومنهم فريق آخر إن ائتمنته على المال القليل، ثم طلبته منه، فإنه لا يرجعه إليك إلا إذا داومت على مطالبتك به، واستعملت كل الوسائل في سبيل الحصول عليه.
فهذه الآية جاءت للمدح والثناء على من أدى الأمانة، ولذم من لم يؤدي الأمانة، إذ الخيانة مستنكرة في جميع الشرائع.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) انظر: تفسير البغوي (٢/ ٥٦) - وتفسير ابن الجوزي (١/ ٣٤٧).
(٢) تفسير الطبري (٣/ ٣١٥).
(٣) انظر: تفسير الرازي (٨/ ١٠٠) وتفسير البغوي (٣/ ٥٦).
[ ٢٩٣ ]
قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران:٩٧]
قال أبو جعفر الطحاوي: عن جابر، قال: مرَّ رسول الله - ﷺ - بالحِجرْ (^١)، فقال: "لا تسألوا الآيات، فإن قوم صالح سألوا، فكانت ترد من هذا الفج، وتصدر من هذا الفج، يعني الناقة: فعتوا عن أمر ربهم، فعقروها، وكانت تشرب ماءهم يومًا، ويشربون لبنها يومًا، فأخذتهم صاعقة أهمدت من تحت أديم السماء منهم إلا رجلًا واحدًا كان في حرم الله، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه"، قالوا: يا رسول الله من هو؟ قال: "أبو رغال فدفن هاهنا" (^٢)
قال أبو جعفر: فإذا كان الحرم يمنع في الجاهلية من العقوبات التي معها تلف الأنفس، كان في الإسلام ممن مِثلُ ذلك أمنع، وشد ذلك ما روي عن ابن عباس وابن عمر ﵄ فيمن أصاب حدًا في غير الحرم، ثم لجأ إلى الحرم. كما .. عند الحجاج (^٣) قال: حدثني عطاء: أن ابن عمر وابن عباس، قالا في قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾] آل عمران:٩٧]: الرجل يصيب الحد، ثم يدخله، فلا يُبايع، ولا يُجالس ولا يُؤوى، ولا يُكلم حتى يَخرج منه فَيُتبع، فيؤخذ، فيقام عليه الحد.
_________________
(١) قوله: (الحِجْر): بكسر الحاء وسكون الجيم، وهو اسم ديار ثمود، بوادي القرى بين المدينة والشام. (معجم البلدان - ٢/ ٢٢٠).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب: التفسير - باب: تفسير سورة الأعراف - (حـ ٣٢٤٨ - ٢/ ٣٥١) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد: أهـ.، وأخرجه أحمد في مسنده (٣/ ٢٦٩).
(٣) الحجاج هو: أبو أرطاة حَجّاج بن أرطاة بن ثور بن هُبيرة النخعي الكوفي القاضي، قال فيه أبو حاتم وغيره: صدوق، مدلس، وكانت وفاته بخرسان سنة (١٤٥ هـ) (تهذيب الكمال - ٢/ ٥٧).
[ ٢٩٤ ]
قال: وقال لي عطاء: إن قذف فيه أو سرق، أقيم عليه الحد، وإذا صنع ذلك في غيره، ثم لجأ - يعني إليه - لم يقم عليه
فإن قال قائل: فقد خالفهما عبد الله بن الزبير في ذلك، وكان منه.
فذكر عن عطاء قال: (كان سعيد مولى معاوية وأصحاب له في الطائف متحصنين في قلعة، فاستُنْزلوا منها، فانطلق به إلى عبد الله بن الزبير، وهو بمكة، فأرسل إلى عبد الله بن عباس فقال: ما ترى في هؤلاء النفر؟ فقال: أرى أن تخلي سبيلهم، فإنهم قد آمنوا إذ أدخلتهم الحرم، فقال: لا، نخرجهم من الحرم، ثم نقتلهم، قال: فهلا قبل أن تدخلهم، فأخرجهم ابن الزبير، فصلبهم، فقال ابن عباس: لو لقيت قاتل أبي في الحرم ما هجته حتى يخرج منه).
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله ﷿ وعونه: أن ابن الزبير لم يكن منه في ذلك خلاف لابن عباس في أن الحرم قد أجار القوم الذين أُدْخلوه مما كان عليهم من العقوبة، ولكنه لم يمنع أن يُخرجوا منه، فيقام عليهم في غيره، فكان بمذهبه أن لا يقام عليهم وهم فيه موافقًا لابن عباس، وكان في قوله: إنهم يُخرجون منه إلى غيره مخالفًا له في ذلك، وكان ما قال ابن عباس في ذلك أولى عندنا، لأن الآية توجب ذلك، وهي قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧]، وكان أولئك النفر قد دخلوه فأمنوا بدخولهم إياه، وقد يحتمل أن يكون ابن الزبير لم يجعل رجوعهم الحرم أمانًا لهم، لأنهم لم يكن دخولهم إياه باختيارهم لذلك، وإنما كان بفعل غيرهم إياه بهم، لأن دخولهم إياه باختيارهم طلبًا للأمان به مما كانوا يخافونه، وإدخال غيرهم إياهم إياه ليس فيه طلب منهم للأمان به مما كانوا يخافونه، فلم يؤمنهم ذلك الدخول مما كانوا يخافونه فيعود معنى ما كان الخلاف في ذلك إلى ما لا خلاف فيه لما كان من ابن عمر وابن عباس فيه.
فقال قائل: إنما كان قوله ﷿: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧] على الصيد لا على ما سواه).
[ ٢٩٥ ]
فكان جوابنا له في ذلك: أن قوله هذا جهل شديد منه باللغة، لأنه لو كان الأمر في ذلك كما ذكر، لكانت: (وما دخله كان آمنًا)، لأن (من) لا يكون إلا لبني آدم، ويكون لمن سواهم مكانها (ما) كما قال ﷿: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة:٣] في أمثال لهذا في القرآن يطول ذكرها، وكانت (من) مستعملة في بني آدم كقوله ﷿: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ [البقرة:١٢٦]، وكقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان:٦٨]، وكقوله: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الأحزاب:٣٠]، وأشباه لهذا كثيرة، إلا أنه ربما جاء في بني آدم استعمال (ما) مكان (من) من ذلك قوله ﷿: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٢٤]، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد:٣] في معنى: ووالد ومن ولد.
فكانت (ما) قد تستعمل في بني آدم مكان (من) وإن كان ذلك مما يقل استعمالهم إياه، ولم يكونوا يستعملون في غير بني آدم (من) مكان (ما) في حال من الأحوال، فلما كانت (من) لبني آدم دون من سواهم، كان قوله ﷿: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧] على بني آدم دون من سواهم، وكان هذا القول الذي ذكرناه عن ابن عباس وابن عمر قد قال به بعدهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزُفر (^١)
_________________
(١) زفر هو: أبو الهذيل زُفَرُ بن الهذيل بن قيس العنبري البصري الحنفي، صاحب أبي حنيفة، وثقة ابن معين وغيره، وولي قضاء البصرة، وكانت وفاته بها سنة (١٥٨ هـ) (تاج التراجم-١٠٢).
[ ٢٩٦ ]
وكان القول عندنا في ذلك ما قاله أبو حنيفة وزفر ومحمد مما وافقهم أبو يوسف عليه في رواية محمد لما قد تقدمهم في ذلك مما ذكرناه عن عبد الله بن عباس، وعن عبد الله بن عمر، ومما وافقهما فيه عبد الله بن الزبير على ما وافقهما فيه منه، ولا نعلم عن أحدٍ من أصحاب النبي - ﷺ - في ذلك خلافًا لهم والقرآن نزل بلغتهم، وهم العالمون بما خوطبوابه فيه، والله ﷿ نسأله التوفيق.
(شرح مشكل الآثار -٩/ ٣٧٤ - ٣٨١)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن المراد بالداخل الآمن في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧] بني آدم، وليس الصيد، لأن (من) تستعمل لبني آدم دون غيرهم.
كما بين رحمه الله تعالى: أن الآية دالة على أن من ارتكب ما يوجب الحد خارج الحرم، ثم لجأ إلى الحرم أنه يكون آمنًا حتى يخرج بنفسه، فيقام عليه الحد خارج الحرم، وأن من قال بخلاف ذلك فالآية دالة على خلاف قوله.
وإليك أولًا: بيان الأقوال في المراد بالداخل الآمن في الآية:
القول الأول: أن المراد بالداخل الآمن هو: بني آدم.
القول الثاني: أن المراد بالداخل الآمن هو: الصيد.
الترجيح: والأولى أن يكون المراد بالداخل الآمن: بني آدم.
لأنه لو كان المراد الصيد لقال: (وما دخله كان آمنًا). فلما قال: (ومن دخله كان آمنًا) دل ذلك على أن المقصود بني آدم، لأن (ما) أكثر ما تستعمل لغير العاقل. وأما (من) فأكثر ما تستعمل للعاقل، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة:٨] (^١)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) انظر: معاني القرآن للنحاس (١/ ٤٤٧) - وشرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك (١/ ١٤٠).
[ ٢٩٧ ]
ثانيًا: بيان الأقوال في مسألة: هل يكون آمنًا في الحرم من ارتكب جناية توجب الحد خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم؟:
- القول الأول: أن من جنى جناية خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم وكانت هذه الجناية توجب قتلًا: أنه لا يقام عليه الحد في الحرم، بل يلجأ إلى الخروج منه، ثم يقام عليه الحد خارج الحرم. (^١)
- وهذا قول: عمر بن الخطاب - وعبد الله بن عمر - وابن عباس - وغيرهم.
وهو قول جمهور التابعين، ومن بعدهم.
وإليه ذهب: أبو حنيفة ومن وافقه من أهل العراق، والإمام أحمد ومن وافقه من أهل الحديث.
- ومن أدلة هذا القول:
١ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧]، فظاهر الآية الإخبار عن كون الحرم آمنًا، ولكن لا يمكن حمله عليه، إذ قد لا يصير آمنًا، فيقع الخلف في الخبر، فوجب حمله على الأمر. والتقدير: (ومن دخله فأمنوه) فهو أمر وإن كان في صورة الخبر. كقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]. أي: فلا ترفثوا، ولا تفسقوا ولا تجادلوا في الحج. (^٢)
فكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧] هو أمر لنا بتأمينه، ونهي لنا عن إخراجه وقتله.
ثم لا يخلو ذلك الأمر من أن يكون أمرًا لنا بأن نؤمنه من الظلم والقتل الذي لا يستحق، أو نؤمنه من قتل قد استحقه بجنايته.
فلما كان حمله على الإيمان من قتل غير مستحق عليه، تسقط فائدة تخصيص الحرم به، لأن الحرم وغيره في ذلك سواء، إذ كان علينا إيمان كل أحد من ظلم يقع عليه، علمنا أن المراد الأمر بالإيمان من قتل قد استحقه بجنايته.
_________________
(١) زاد المعاد (٣/ ٤٤٤).
(٢) انظر: تفسير الرازي (٨/ ١٥١) - وتفسير البغوي (٢/ ٧١).
[ ٢٩٨ ]
كما أن ظاهر الآية يقتضي أن نؤمنه من المستحق من ذلك بجنايته في الحرم وفي غيره، إلا أن الدلالة قد قامت من اتفاق أهل العلم على أنه إذا قتل في الحرم قتل فيه، قال جل وعلا: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة:١٩١]. ففرق جل وعلا بين الجاني في الحرم وبين الجاني في غيره إذا لجأ إليه. فبقي حكم الآية التي معنا ثابتًا لمن ارتكب جناية خارج الحرم ثم التجأ إليه.
ونظير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧] قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٦٧].
وقوله جل ذكره: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ [القصص:٥٧].
وقوله جل ذكره: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة:١٢٥].
فهذه الآيات متقاربة المعاني في الدلالة على حظر قتل وإخراج من لجأ إلى الحرم، وإن كان مستحقًا للقتل قبل دخوله، حتى يخرج بنفسه فيقام عليه ما يستحقه. (^١)
٢ - ما رواه أبو شريح العدوي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله - ﷺ - فقولوا له: إن الله أذن لرسوله - ﷺ - ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب". (^٢)
_________________
(١) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٢١).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب: الإحصار وجزاء الصيد - باب: لا يعضد شجر الحرم - (حـ ١٧٣٥ - ٢/ ٦٥١). ومسلم في صحيحه - كتاب: الحج - باب: تحريم مكة وصيدها (حـ ٣٢٩١ - ٩/ ١٣١).
[ ٢٩٩ ]
فقد دل هذا الحديث على: أن التحريم لسفك الدم المختص بها، هو الذي يباح في غيرها ويحرم فيها لكونها حرمًا.
كما أن تحريم عضد الشجر بها، واختلاء خلائها والتقاط لقطتها هو أمر مختص بها، وهو مباح في غيرها، إذ الجميع في كلام واحد ونظام واحد، وإلا بطلت فائدة التخصيص. (^١)
كما أن الرسول - ﷺ - إنما أبيح له فيها دم من كان مباحًا في الحل، وقد بين أن ذلك أبيح له دون غيره، فدل هذا على حرمة الدم الحلال فيها على غيره. (^٢)
فظاهر الحديث يقتضي حضر قتل وإخراج اللاجئ إلى الحرم والجاني فيه أو خارجه. إلا أن الجاني فيه لا خلاف في أنه يؤاخذ بجنايته فيه، فبقي حكم اللفظ في الجاني إذا لجأ إليه. (^٣)
٣ - ما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: (من أصاب حدًا ثم لجأ إلى الحرم فإنه لا يجالس ولا يبايع ولا يؤوى ويأتيه الذي يطلبه فيقول: أي فلان، اتق الله واخرج إلى الحل، فإذا خرج من الحرم أقيم عليه الحد). (^٤)
- القول الثاني: أن من جنى جناية خارج الحرم ثم لجأ إلىلحرم، وكانت هذه الجناية توجب قتلًا فحكمه: أن يقام عليه الحد في الحرم.
وقد استحسن كثير ممن قال بهذا القول: أن يُخرج من وجب عليه القتل إلى الحل فيقتل خارج الحرم.
- وهذا قول: عبد الله بن الزبير، والحسن، وقتادة، وعطاء، ومجاهد، وأكثر المفسرين.
وإليه ذهب: الإمام مالك، والشافعي. (^٥)
- ومن أدلة هذا القول:
١ - قوله جل وعلا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨].
_________________
(١) زاد المعاد (٣/ ٤٤٢).
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية (١٤/ ٢٠١).
(٣) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٢٢).
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره - سورة آل عمران - الآية (٩٧) (حـ ٧٤٥٧ - ٣/ ٣٦٠) وأورده والسيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٧١).
(٥) انظر: تفسير ابن عطية (٣/ ١٦٨) - وتفسير ابن الجوزي (٢/ ٨).
[ ٣٠٠ ]
وقوله جل وعلا: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٧٧]
وقوله جل وعلا: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة:٤٥]. فهذه الآيات وسائر نصوص القصاص توجب استيفاء الحدود والقصاص في كل زمان ومكان.
وأما قوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧].
فهو إخباري عن أمر مضى كان في الجاهلية وهو: أن العرب في الجاهلية كان يقتل بعضهم بعضًا ويغير بعضهم على بعض، ومن دخل الحرم أمن من الغارة والقتل، كما قال جل وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٦٧].
وأما في الإسلام وبعد تحقق الأمن في جميع الأقطار: فإن الحرم لا يمنع من إقامة حد من حدود الله. (^١)
- وقد رد هذا الاستدلال: بأنه لا تعرض في تلك النصوص العامة لزمان الاستيفاء ولا لمكانه، كما لا تعرض فيها لشروطه وموانعه. فاللفظ لا يدل عليها بوضعه ولا بتضمنه، فهو مطلق بالنسبة إليها. فهذه النصوص واردة في إيجاب القصاص، لا في حكم القصاص في الحرم.
وقوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران:٩٧] وارد في حكم الحرم، ووجوب تحقيق الأمن لمن لجأ إليه. وليس فيه تعطيل لأحكام القصاص.
فيجب إجراء كل نص على بابه، واستعماله فيما ورد فيه.
ولا يعترض بآي القصاص على حكم الحرم ووجوب تأمين داخله. (^٢)
_________________
(١) انظر: تفسير البغوي (٢/ ٧١) - وتفسير ابن عطية (٣/ ١٦٨).
(٢) أحكام القرآن للجصاص (٢/ ٢٢).
[ ٣٠١ ]
٢ - فعل عبد الله بن الزبير ﵁: فعن عطاء قال: (أخذ ابن الزبير سعدًا مولى معاوية - وكان في قلعة بالطائف - فأرسل إلى ابن عباس من يشاوره فيهم، إنهم لنا عدو، فأرسل إليه ابن عباس يقول: لو وجدت فيه قاتل أبي لم أعرض له، قال: فأرسل إليه ابن الزبير: ألا نخرجهم من الحرم؟ قال: فأرسل إليه ابن عباس: أفلا قبل أن تدخلهم الحرم؟ فأخرجهم ابن الزبير فصلبهم، ولم ينظر إلى قول ابن عباس). (^١)
- وقد رد الإمام الطحاوي هذا الاستدلال: مبينًا أن ابن الزبير لم يكن منه فيما فعل مخالفة لما يراه ابن عباس من أن الحرم يأمن من دخله، وإن كان قد ارتكب جناية توجب الحد خارجه ثم لجأ إليه.
وأما إخراجه لسعيد مولى معاوية وأصحابه بعد أن دخلوا الحرم، فلأنه - ﵁ - لم يجعل دخولهم الحرم أمانًا لهم، لأنهم لم يدخلوه باختيارهم لذلك، وإنما كان بفعل غيرهم.
فالأمن بالحرم إنما يتحقق لمن دخله باختياره، لا من دخله باختيار غيره.
وعلى فرض أن ابن الزبير لا يرى تحقق الأمن لمن دخله إن كان قد ارتكب جناية توجب الحد خارجه ثم لجأ إليه، فإن ما قاله ابن عباس هو الأولى، لأن الآية توجب الأمن لداخله، وفي إخراجه تعد على أمنه. (^٢)
الترجيح: والراجح هو القول الأول الدال على أن من جنى جناية توجب قصاصًا خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم فإنه يكون آمنًا ما دام فيه.
فإن الحرم يؤمن من دخله في الإسلام كما كان في الجاهلية، بل إن الإسلام زاده شرفًا وتعظيمًا كما في حديث أبي شريح الصحيح.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره - سورة آل عمران - الآية (٩٧) (حـ ٧٤٥٧ - ٣/ ٣٦٠). وأورده السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٢٧١).
(٢) شرح مشكل الآثار (٩/ ٣٧٩).
[ ٣٠٢ ]
قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٠١)﴾ [آل عمران:١٠١].
قال أبو جعفر الطحاوي:
عن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" (^١)
وكان قوله: "وقتاله كفر" ليس على الكفر بالله تعالى حتى يكون به مرتدًا، ولكنه على تغطيته به إياه، واستهلاك به إياه، لأن الكفر هو التغطية للشيء التغطية التي تستهلكه، ومنه قول الله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد:٢٠]، ولا اختلاف بين أهل العلم بالتأويل أن الكفار الذين أريدوا هاهنا هم الزُّراع، لأنهم يغطون ما يزرعون في الأرض التغطية التي يستهلكونه به.
ومما يدل على أن ذلك الكفر المذكور في هذا الحديث لم يرد به الكفر بالله تعالى، بل قد وجدناه يقتل أخاه، فلا يكون بقتله إياه كافرًا بالله، وإذا لم يكن بقتله إياه كافرًا بالله، كان بقتاله إياه أحرى أن لا يكون به كافرًا.
ومثل ذلك ما روي عن ابن عباس - في حديثه من كسوف الشمس - عن النبي ﵇ قال: "ورأيت النار، فرأيت أكثر أهلها النساء"، قيل: لم يا رسول الله؟ قال: "بكفرهن"، قيل: أيكفرن بالله تعالى؟ قال: "يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر، ثم رأت منك شيئًا، قالت: ما رأيت منك خيرًا قط". (^٢)
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب: الإيمان - باب: خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر (حـ ٤٨ - ١/ ٢٧). والبيهقي في سننه - كتاب: الشهادات - باب: ما ترد به شهادة أهل الأهواء (حـ ٤٢ - ١٠/ ٢٠٩).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب: الكسوف - باب: صلاة الكسوف جماعة (حـ ١٠٠٤ - ٢/ ٣٥٧). وابن خزيمة في صحيحه - كتاب: الصلاة - باب: ذكر قدر القراءة من صلاة الكسوف (حـ ١٣٧٧ - ٢/ ٣١٢).
[ ٣٠٣ ]
فجعل رسول الله - ﷺ - فعلهن هذا كفرًا لتغطيتهن به الإحسان الذي قد تقدم إليهنّ.
ومثله أيضًا ما روي عن ابن عباس قال: كان بين الأوس والخزرج شيء في الجاهلية، فتذاكروا ما كان بينهم، فثار بعضهم إلى بعض بالسيوف، فأتى رسول الله ﵇، فذكر ذلك له، فذهب إليهم، فنزلت هذه الآية: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ. . . . وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠١ - ١٠٣]. (^١)
فلم يكن بما كان منهم من القتال مما أنزل الله تعالى عنده هذه الآية التي ذكر فيها ما كان منهم بالكفر على الكفر بالله تعالى، ولكن كان على تغطيتهم ما كانوا عليه قبل ذلك من الأُلفة والأخوة، حتى إذا كان منهم ما كان منهم من ذلك، فسمي كفرًا لا يراد به الكفر بالله ﷿، ولكن الكفر الذي ذكرناه سواه.
ومثل ذلك ما قد روي عن ابن عباس في تأويله قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة:٤٤] .. قال: هي كُفرُه وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر.
(شرح مشكل الآثار - ٢/ ٣١٢ - ٣١٧)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران:١٠١]:
أي: كيف تغطون ما أنعم الله به عليكم من الأخوة والمودة فيه. وذلك بدلالة سبب نزول الآية.
وليس المراد: الكفر بالله جل وعلا، الذي هو إنكار لوحدانيته وألوهيته.
وإليك بيان الأقوال الواردة في المراد بالآية:
- القول الأول: أن المراد بـ (الكفر) في الآية هو: الكفران لنعمة الأخوة والمحبة في الله.
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (حـ ١٢٦٦٦ - ١٢/ ١٢٦) وابن أبي حاتم في تفسيره - سورة آل عمران - الآية: (١٠١) (حـ ٣٨٩٨ - ٣/ ٧٢٠).
[ ٣٠٤ ]
- ودليل هذا القول: سبب نزول هذه الآية، فعن ابن عباس ﵁ قال: (كانت الأوس والخزرج بينهم حرب في الجاهلية كل شهر، فبينما هم جلوس إذ ذكروا ما كان بينهم حتى غضبوا، فقام بعضهم إلى بعض بالسلاح، فنزلت هذه الآية: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [آل عمران:١٠١]. (^١)
فدل سبب النزول على أن نزول الآية كان لأجل إلقاء العداوة بين الأوس والخزرج، ولو وقعت هذه العداوة لكانت معصية لله لا كفرًا به.
- القول الثاني: أن المراد بـ (الكفر) في الآية هو: الكفر بالله جل وعلا وبكافة أركان الإيمان، وليس المعنى: أنه وقع منهم الكفر بالله جل وعلا، فجاءت الآية لبيان حالهم.
ولكن المعنى: استبعاد وقوع الكفر منهم مع هاتين الحالتين وهما:
أ- تلاوة كتاب الله عليهم، وهو الكتاب الظاهر الإعجاز في لفظه ومعناه.
ب- ووجود الرسول محمد - ﷺ - فيهم، وهو الرسول الظاهر صدقه بما جاء به من الآيات الخارقة، والصفات العالية.
فهذا السؤال الوارد في الآية: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران:١٠١] هو سؤال إنكار وتوبيخ للمؤمنين على ما كان منهم من قبول للفتنة التي أثارها اليهود. (^٢)
الترجيح: والقول الراجح هو أن المراد بـ (الكفر): الكفر الذي هو ضد الإيمان، وذلك للأمور التالية:
١ - أن الاستفهام في الآية إنكاري، بمعنى إنكار الوقوع في الكفر.
كما في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ [التوبة:٧].
لا بمعنى: إنكار الواقع.
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره سورة آل عمران الآية (١٠٢) (حـ ٧٥٣٣ - ٣/ ٣٧٥) وابن أبي حاتم في تفسيره - سورة البقرة الآية (٢٣٦) (حـ ١٠٦٩ - ٢/ ٤٣٩).
(٢) انظر: تفسير أبي حيان (٣/ ٢٨١) والبلاغة فنونها وأفنانها (١/ ١٩٤).
[ ٣٠٥ ]
كما في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة:٢٨]. (^١)
٢ - أن كلمة (الكفر) في معنى الخروج من الإيمان: أكثر استعمالًا. (^٢)
٣ - أن الله جل وعلا خاطبهم بالنداء الإيماني فقال جل ذكره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران:١٠٠]. (^٣)
٤ - أن هذا الكفر مترتب على جميع ما يدعو إليه اليهود من أنواع الضلال، وليس قاصرًا على الفتنة التي أثاروها بين الأنصار، وأخمد نارها رسول الإيمان.
قال جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠)﴾ [آل عمران:١٠٠]. (^٤)
٥ - أن الله جل وعلا قال في الآية المتقدمة: ﴿يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٠٠] بمعنى: يردوكم جاحدين لما قد آمنتم به وصدقتموه من الحق الذي جاءكم من عند ربكم. (^٥)
فجمع بين لفظي (الإيمان - والكفر) فدل على أن المراد بالكفر في الآية التي بعدها هو الكفر الذي هو ضد الإيمان.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية.
والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨)﴾ [آل عمران:١٢٨]
_________________
(١) تفسير أبي السعود (٢/ ٥٦).
(٢) المفردات للأصفهاني (مادة: كفر - ٤٣٣).
(٣) تفسير أبي حيان (٣/ ٢٨٢).
(٤) تفسير الرازي (٨/ ١٥٩).
(٥) تفسير الطبري (٣/ ٣٧٣).
[ ٣٠٦ ]
قال أبو جعفر الطحاوي: عن سالم عن أبيه أنه سمع النبي - ﷺ - في صلاة الصبح حين رفع رأسه من الركوع قال: " ربنا ولك الحمد" في الركعة الآخرة، ثم قال: "اللهم العن فلانًا وفلانًا" يدعو على ناس من المنافقين، قال: فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨] (^١)
وعن نافع عن ابن عمر، قال: كان رسول الله ﵇ يدعو على رجال من المشركين، يسميهم بأسمائهم حتى أنزل الله عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية [آل عمران:١٢٨] (^٢)
وعن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: كان النبي ﵇: إذا رفع رأسه من الركعة الآخرة، قال: "اللهم، نجِّ الوليد بن الوليد (^٣)، وسلمة بن هشام (^٤)، وعيَّاش بن أبي ربيعة (^٥)،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب: المغازي - باب: "ليس لك من الأمر شيء" (حـ ٣٨٤٢ - ٤/ ١٤٩٣). والنسائي في سننه - كتاب: التطبيق - باب: لعن المنافقين في القنوت - (حـ ١٠٧٧ - ٢/ ٥٤٩).
(٢) أخرجه الترمذي في سننه - كتاب: تفسير القرآن - باب: ومن سورة آل عمران - (حـ ٣٠١٢ - ١١/ ١٣٢) وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. أهـ. - وأحمد في مسنده (٢/ ١١٨).
(٣) الوليد هو: الوليد بن الوليد بن المغيرة المخزومي، شهد مع الرسول - ﷺ - عمرة القَضِية (أسد الغابة - ٥/ ٤٥٤).
(٤) سلمة هو: سلمة بن هشام بن المغيرة القرشي المخزومي، كان من خيار الصحابة وفضلائهم، هاجر إلى الحبشة، وكانت وفاته سنة (١٤ هـ). (أسد الغابة - ٢/ ٤٣٥).
(٥) عياش هو: أبو عبد الرحمن عياش بن أبي ربيعة عمرو بن المغيرة بن عبد الله المخزومي، هاجر إلى الحبشة والمدينة، وكانت وفاته يوم اليرموك - (أسد الغابة - ٤/ ٣٢٠).
[ ٣٠٧ ]
والمستضعفين من المؤمنين، اللهم أشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف، اللهم العن لحيان ورعلًا وذكوان وعُصَيَّة عصت الله ورسوله" فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]. قال: فما دعا رسول الله ﵇ بدعاء على أحد (^١)
وعن أنس أن رسول الله - ﷺ - كسرت رباعيته يوم أحد، وشجّ، فجعل يسلت الدم عن وجهه، ويقول: "كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم، وكسروا رباعيته وهو يدعوهم؟ " فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ﴿آل عمران:١٢٨]. (^٢)
فتأملنا هذه الآثار وكشفناها لنقف على الأولى منها بما نزلت فيه هذه الآية من المعنيين المذكورين فيها، فاحتمل أن يكون نزولها في وقت واحد يراد بها السببان المذكوران في هذه الآثار، فوجدنا ذلك بعيدًا في القلوب، لأن غزوة أحد كانت في سنة ثلاث، وفتح مكة كان في سنة ثمان، ودعاء النبي - ﷺ - كان لمن دعا له في صلاته قبل فتح مكة، فبعيد في القلوب أن يكون السببان اللذان قيل: إن هذه الآية نزلت في كل واحد منهما كان نزولها فيهما جميعًا.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب: المساجد - باب: استحباب القنوت في جميع الصلاة، إذا نزل بالمسلمين نازلة - (حـ ١٥٣٨ - ٥/ ١٨١) - والبيهقي في سننه - كتاب: الصلاة - باب: القنوت في الصلوات عند نزول نازلة - (حـ ٢ - ٢/ ١٩٧).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب: الجهاد - باب: غزوة أحد - (حـ ٤٦٢١ - ١٢/ ٣٦٠) والترمذي في سننه - كتاب: تفسير القرآن - باب: ومن سورة آل عمران - (جـ ٣٠٠٩ - ١١/ ١٢٩) وقال: هذا حديث حسن صحيح. أهـ.
[ ٣٠٨ ]
واحتمل أن يكون نزولها كان مرتين: مرة في السبب الذي ذكر عبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر: أن نزولها كان فيه، ومرة في السبب الذي ذكر أنس أن نزولها فيه، فدخل على ذلك ما نفاه، لأنه لو كان ذلك كذلك لكانت موجودة في القرآن في موضعين، كما وجدت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية. في موضعين: أحدهما في سورة براءة [٧٣] والآخر في سورة التحريم [٩]، ولما لم يكن ذلك كذلك في الآية المتلوة في هذه الآثار، بطل هذا الاحتمال أيضًا.
واحتمل أن يكون نزلت قرآنًا لواحد من السببين المذكورين في هذه الآثار، والله أعلم بذلك السبب أيهما هو؟ ثم أنزلت بعد ذلك للسبب الآخر، لا على أنها قرآن لاحق لما نزل فيه من القرآن، ولكن على إعلام الله تعالى نبيه ﵇ بها أنه ليس له من الأمر شيء، وأن الأمور إلى الله تعالى وحده، يتوب على من يشاء، ويعذب من يشاء، ولم نجد من الاحتمالات لما في هذه الآثار أحسن من هذا الاحتمال، فهو أولاها عندنا بما قيل في احتمال نزول الآية المتلوة فيها بها، والله نسأله التوفيق.
(شرح مشكل الآثار -٢/ ٣٩ - ٤٤)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي الروايات الواردة في سبب نزول قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]. نافيًا أن تكون الآية نزلت في أكثر من سبب، أو لأكثر من مرة على أنها قرآن، ومرجحًا أن نزولها هو لأحد الأسباب المذكورة بدون تعيين له، ثم كان نزولها في المرة الأخرى لسبب آخر، لا على أنها قرآن مستقل بذاته عما قبله، ولكن على أنها تذكير وإعلام بشيء سبق إنزاله، وهو أنه ليس لنبي الله من الأمر شيء، وأن الأمور إلى الله وحده، يقضي فيها حسب مشيئته وإرادته.
وإليك بيان الأقوال الواردة في سبب نزول هذه الآية:
[ ٣٠٩ ]
- القول الأول: أن الرسول محمد - ﷺ - لما أصيب يوم أحد، قال كالآيس من حصول الهداية للمشركين: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم مع حرصه على هدايتهم، فأنزل الله جل وعلا هذه الآية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨].
- ودليل هذا القول: ما روي عن أنس ﵁ أنه قال: (أن رسول الله - ﷺ - كسرت رباعيته يوم أحد، وشج، فجعل يسلت الدم عن وجهه، ويقول: "كيف يفلح قوم شجوا وجه نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم؟ " فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]. (^١)
- القول الثاني: أن الرسول محمد - ﷺ - دعا على قوم من المشركين ومن المنافقين، فأنزل الله جل وعلا هذه الآية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾] آل عمران:١٢٨].
- ودليل هذا القول: ما رواه سالم عن أبيه - عبد الله بن عمر - أنه سمع رسول الله - ﷺ - إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر، يقول: "اللهم العن فلانًا وفلانًا وفلانًا" بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران:١٢٨]. (^٢)
وقد ورد هذا الدليل بألفاظ تختلف، ومفادها واحد لا يختلف.
الترجيح: والقول الراجح هو أن الآية نزلت في الأمرين جميعًا، لتقارب الزمن بينهما، ولكونهما في حادثة واحدة.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب: الجهاد - باب: غزوة أحد (حـ ٤٦٢١ - ٦/ ٣٦٠). والترمذي في سننه - كتاب: تفسير القرآن - باب: ومن سورة آل عمران - (حـ ٣٠٠٩ - ١١/ ١٣٠) وقال: هذا حديث حسن صحيح. أهـ.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب: المغازي - باب: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ - (حـ ٤٠٦٩ - ٥/ ٤٣). ومسلم في صحيحه - كتاب: التطبيق - باب: لعن المنافقين في القنوت - (حـ ١٠٧٧ - ٢/ ٥٤٩).
[ ٣١٠ ]
وأما ما ذهب إليه الإمام الطحاوي وهو القول بأن الآية نزلت مرتين، حيث قال: (واحتمل أن يكون نزلت قرآنًا لواحد من السببين المذكورين .. ثم أنزلت بعد ذلك للسبب الآخر لا على أنها قرآن) أهـ.
فهو قول مردود، لأن الآية في نزولها الأول قد حفظها الرسول - ﷺ - واستظهرها الحفاظ من الصحابة، وهي واضحة الحكم والدلالة، ويمكن الرجوع إليها وأخذ الحكم والعبرة منها من غير حاجة إلى نزولها مرة أخرى. (^١)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في سبب نزول الآية.
والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾ [آل عمران:١٤٣]
قال أبو جعفر الطحاوي: والرؤية قد تكون بالعين، وقد تكون بالعلم، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران:١٤٣]، أي، علمتموه، وإن كنتم لم تعاينوه بأعينكم.
ومن ذلك ما حكاه عن عبده ونبيه شعيب ﵇ من قوله لقومه: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ [هود:٨٤]، وشعيب قد كان أعمى، فكان ذلك له رؤية علم، فدل ذلك: أنه قد تكون الرؤية بالعين، وقد تكون الرؤية رؤية علم.
(شرح مشكل الآثار - ١٤/ ٢٨٨ - ٢٩٠)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن المراد بـ (الرؤية) في قوله تعالى:: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران:١٤٣] أن المراد بها: العلم، وليس المراد بها: الرؤية بالعين.
وعليه فإن المراد بـ (الرؤية) في الآية المتقدمة، أحد القولين التاليين:
- القول الأول: أن المراد بالرؤية: الإبصار.
_________________
(١) انظر: فتح الباري (٨/ ٧٥) وقضايا في علوم القرآن (٥٧).
[ ٣١١ ]
كما في قوله تعالى ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر:٦٠].
وقيد الرؤية بالنظر في الآية، مع اتحاد معناهما للمبالغة. فقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران:١٤٣] جملة حالية للتأكيد، ورفع ما يحتمله الفعل ﴿رَأَيْتُمُوهُ﴾ من المعنى المشترك الذي بين رؤية العين، ورؤية القلب.
- وعليه يكون معنى الآية: فقد رأيتم الموت حقيقة معاينين له، حين قتل من قتل منكم، وحين شارفتم على الموت فأنجاكم ربكم.
- القول الثاني: أن المراد بالرؤية: العلم.
كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف:٣٩].
وقيد الرؤية بالنظر - في الآية - لاختلاف معناهما. فقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [آل عمران:١٤٣] جملة في موضع الحال المبينة لا المؤكدة.
وإذا كان المراد بالرؤية هنا العلم، كان المفعول الثاني محذوفًا، وحذف لدلالة المعنى عليه.
- وعليه يكون معنى الآية المقدر: فقد علمتم الموت حاضرًا وأنتم تنظرون.
الترجيح: والقول الراجح هو أن المراد بالرؤية في الآية: الإبصار.
وذلك لأن المشهور في اللغة أن الرؤية هي الإبصار، وإن كانت تأتي بمعنى العلم.
ولأن القول بأن الرؤية بمعنى العلم يقتضي حذفًا للمفعول الثاني، والعمل بالظاهر، أولى من العمل بالمحذوف المقدر. (^١)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية.
والله تعالى أعلم.
_________________
(١) انظر: تفسير أبي حيان (٣/ ٣٦٢) والمفردات للأصفهاني (مادة: رأى - ٢٠٩) ومعاني القرآن للنحاس (١/ ٤٨٥).
[ ٣١٢ ]