قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ [الأنفال:١٢].
قال أبو جعفر الطحاوي: وقوله (فوق) صلة .. في معنى: فاضربوا الأعناق.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد:٤]. وهي الأعناق، و(فوق) صلة، لأن ما فوق الأعناق هو عظام الرأس، وليست منها في شيء، والضرب المراد بذلك المستعمل فيه هو ضرب الأعناق، لا ما سواها.
(شرح مشكل الآثار -٣/ ٣٢٢)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن المراد بقوله جل وعلا: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال:١٢] أي: فاضربوا الأعناق، وعليه فإن كلمة (فوق) تكون صلة، لأن ما فوق الأعناق وهو الرأس ليس مكانًا للضرب.
وإليك بيان أقوال المفسرين في المراد بالآية:
- القول الأول: أن معنى قوله جل وعلا: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال:١٢]
أي: فاضربوا الأعناق، كما في قوله جل وعلا: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد:٤]
وعلى هذا القول تكون كلمة (فوق) صلة زائدة في الكلام. (^١)
وهذا وارد في كلام العرب، ومن ذلك قولهم: (رأيت نفس فلان) بمعنى: رأيته.
- وهذا قول: الضحاك - وعطية العوفي - والأخفش - وابن قتيبة. (^٢)
وقد رُدّ هذا القول: بأن كلمة (فوق) اسم ظرف، وتفيد معنى، فلا يصح القول بزيادتها. (^٣)
_________________
(١) تفسير البغوي (٣/ ٣٣٤).
(٢) انظر: تفسير الطبري - (٦/ ١٩٧) - وتفسير ابن الجوزي (٣/ ٢٢٤).
(٣) انظر: تفسير ابن عادل (٩/ ٤٧١) - وتفسير القرطبي (٧/ ٣٦١).
[ ٥٩٤ ]
وإنما يقال: إن كلمة (فوق) بمعنى (على) والمعنى: فاضربوا على الأعناق، فـ (فوق) و(على) معناهما متقارب، فجاز أن يوضع أحدهما مكان الآخر. (^١) كما تقول: (ضربته على رأسه) و(ضربته فوق رأسه). (^٢)
- القول الثاني: أن معنى قوله جل وعلا: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال:١٢]
أي: فاضربوا أعالي الأعناق، حيث المفصل بين الرأس والعنق، لأنه مذبح، والضرب فيها يطير الرأس، فكان إيقاع الضرب فيه أبلغ، وأسرع إلى القطع. (^٣)
- القول الثالث: أن معنى قوله جل وعلا: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال:١٢]
أي: فاضربوا الرؤوس. وذلك لأن الذي (فوق الأعناق) هو الرؤوس.
- وهذا قول: عكرمة.
الترجيح: والقول الراجح هو أن قوله جل وعلا: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ [الأنفال:١٢] محتمل لجميع الوجوه المتقدمة، وإذا كان الأمر كذلك لم يصح لأحد توجيه الآية إلى بعض هذه المعاني دون بعض إلا بحجة يجب التسليم لها، ولا حجة على ذلك. (^٤)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية.
والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ [الأنفال:١٥ - ١٦].
_________________
(١) تفسير الطبري (٦/ ١٩٧).
(٢) مجاز القرآن لأبي عبيدة (١/ ٢٤٢).
(٣) انظر: تفسير ابن جزي (١/ ٣٤٠) - وتفسير الشوكاني (٢/ ٣٠٩).
(٤) تفسير الطبري (٦/ ١٩٧).
[ ٥٩٥ ]
قال أبو جعفر الطحاوي: عن ابن عمر، قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله - ﷺ -، فَجَاضَ الناس جَيْضَةً (^١)، وكنت فيمن جاض، فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف، وبؤنا بالغضب، فقلنا: لو دخلنا المدينة، فبتنا بها، فقلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول الله - ﷺ -، فإن كانت لنا توبة، وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج، فقال: "من القوم؟ " قلنا: نحن الفرَّارون، قال: "بل أنتم العَكَّارون (^٢)، أنا فئتكم، أو أنا فئة المسلمين"، فأتيناه حتى قبلنا يده (^٣)
فقال قائل: العَكَّارون عند العرب: هم الكَرَّارون، فكيف جاز في هذا الحديث أن يقال هذا القول للفَرَّارين؟
فكان جوابنا له في ذلك: أن المراد بذلك أنهم لما كروا إلى رسول الله - ﷺ - وهو فئتهم ليرجعوا إلى ما يأمرهم به، ولينصرفوا فيما يصرفهم فيه، كان ذلك كرًا منهم إليه، وعودًا منهم إلى ما كانوا عليه من بذل أنفسهم لقتال عدوهم، فاستحقوا بذلك أن يكونوا عكَّارين، والله أعلم بحقيقة ذلك.
_________________
(١) معنى قوله: (فَجَاضَ الناس) أي: فرَّ الناس، يقال: جاض في القتال، إذا فرَّ، وجَاضَ عن الحق، أي: عدل، وأصل (الجيض): الميل عن الشيء. (النهاية في غريب الحديث -١/ ٣٢٤).
(٢) معنى قوله: (العكَّارون) أي: الكَرَّارون إلى الحرب والعَطَّافون نحوها الراجعون إليها. (النهاية في غريب الحديث -٣/ ٢٨٣).
(٣) أخرجه الترمذي في سننه - كتاب: الجهاد - باب: ما جاء في الفرار من الزحف (حـ ١٧٢٠ - ٧/ ٢١٢) وقال: هذا حديث حسن. أهـ. والبيهقي في سننه - كتاب: السير - باب من تولى متحرِّفًا لقتال أو متحيِّزًا إلى فئة - (حـ ١ - ٩/ ٧٦).
[ ٥٩٦ ]
وفي هذا الحديث مما يجب أن يوقف عليه مما يلحق بالكبائر، وهو أن بعض الناس قد ذهب إلى أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال:١٦] إنما ذلك في أهل بدر خاصة دون من سواهم، لأنه لم يكن للمسلمين فئة يومئذ إلا وهي حاضرة ببدر.
كما عن أبي سعيد قال: نزلت يوم بدر: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال:١٦]. (^١)
وكما عن أبي سعيد: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] قال: نزلت في أهل بدر. (^٢)
وليس فيما روينا عن أبي سعيد أن هذه الآية نزلت يوم بدر أو في أهل بدر على أن يكون الحكم الذي فيها في غير أهل بدر، كهو في أهل بدر، وعلى أنه بعد بدر كهو يوم كان في بدر، والدليل على ذلك أن دخول ابن عمر في المقاتلة بإدخال رسول الله - ﷺ - إياه فيهم إنما كان عام الخندق، وبعد ردَّه إياه قبل ذلك وتركه إدخاله فيهم، وهذا بعد بدر.
فدل ذلك أن حكم الفرار من الزحف بغير تحرف إلى قتال أو تحيز إلى فئة باق حكمه إلى يوم القيامة، وداخل في الكبائر، والله نسأله التوفيق.
(شرح مشكل الآثار -٢/ ٣٥٧ - ٣٦٠)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن الحكم الوارد في الآية - وهو تحريم الفرار من الزحف - غير خاص بيوم بدر، وإنما هو حكم عام باق إلى يوم القيامة. وإليك بيان أقوال المفسرين في ذلك:
- القول الأول: أن الحكم الوارد في هذه الآية عام في جميع المؤمنين إلى يوم القيامة.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب: في التولي يوم الزحف (حـ ٢٦٤٨ - ٣/ ١٠٧). والطبري في تفسيره - سورة التوبة - الآية (١٥) (حـ ١٥٨١٢ - ٦/ ٢٠٠).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب: التفسير - باب: تفسير سورة الأنفال (حـ ٣٢٦٢ - ٢/ ٣٥٧) وقال: هذا حديث صحيح. أهـ. والطبري في تفسيره - سورة التوبة - الآية (١٥) (حـ ١٥٨١٥ - ٦/ ٢٠٠).
[ ٥٩٧ ]
وعليه فلا يجوز من المؤمنين الفرار عند ملاقاة العدو إلا لتحرف لقتال أو لتحيز إلى فئة من المؤمنين.
وأما الفرار من غير نية لفعل أحد الأمرين فلا يجوز، ومن فعله فقد استوجب من الله وعيده، إلا أن يتفضل عليه بعفوه. (^١)
- وهذا قول: جمهور علماء الأمة. (^٢)
- ومن أدلة هذا القول:
١ - أن الله جل وعلا قال في الآية الأولى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال:١٥]
فهذا الخطاب عام لجميع المؤمنين. (^٣)
٢ - أنه قد ثبت عن الرسول - ﷺ - في الحديث الصحيح أنه قال: "اجتنبوا السبع الموبقات" - قالوا: يا رسول الله وما هنّ؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات". (^٤)
ففي هذا الحديث بيّن الرسول الله - ﷺ - أن الفرار من الزحف من كبائر الذنوب التي لا يجوز فعلها في حق أحد من أفراد الأمة.
وهذا نص في المسألة يبين حكمها، ويرفع الخلاف فيها. (^٥)
- القول الثاني: أن الحكم الوارد في هذه الآية خاص بأهل بدر.
وعليه فيجوز بعد يوم بدر الفرار من الزحف.
_________________
(١) تفسير الطبري (٦/ ٢٠٠).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٣٨٧).
(٣) تفسير الرازي (١٥/ ١٣٨).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب: المحاربين من أهل الكفر والردة - باب: رمي المحصنات (حـ ٦٤٦٥ - ٦/ ٢٥١٥). ومسلم في صحيحه - كتاب: الإيمان - باب: بيان الكبائر وأكبرها (حـ ٢٥٨ - ٢/ ٢٧٣).
(٥) أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٣٨٧).
[ ٥٩٨ ]
- وهذا قول: عمر بن الخطاب - وابن عمر - وابن عباس - وأبي هريرة - وأبي نضرة - وأبي سعيد الخدري - ونافع - والضحاك - وقتادة - وعطاء - والحسن البصري - ويزيد بن أبي حبيب. (^١) وإليه ذهب: أبو حنيفة. (^٢)
- ومن أدلة هذا القول:
١ - ما روي عن ابن عمر ﵁ قال: (إنّما أنزلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)﴾ [الأنفال:١٥] في أهل بدر، لا قبلها ولا بعدها). (^٣)
- وقد رُد هذا الاستدلال: بأن كون الآية نزلت في أهل بدر لا ينفي ثبوت هذا الحكم في حق غيرهم، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (^٤)
كما دل على ذلك حديث أبي هريرة - ﵁ - والذي بين فيه الرسول - ﷺ - أن التولي من الزحف من الكبائر التي يجب على سائر الأمة الحذر منها. (^٥)
٢ - أن هذه الآية في أهل بدر خاصة لأنه لم يكن لهم أن يتركوا رسول الله - ﷺ - مع عدوه وينهزموا، ولأنهم لو انحازوا يومئذ لانحازوا إلى المشركين، لأنه لم يكن يومئذ مسلم غيرهم.
- وقد رد هذه الاستدلال: بأنه قد كان بالمدينة يومئذ خلق كثير من الأنصار لم يأمرهم الرسول - ﷺ - بالخروج، ولم يكونوا يرون أنه يكون قتال، وإنما ظنوا أنها العير، فخرج رسول الله - ﷺ - فيمن خف معه. (^٦)
٣ - أن الله جل وعلا قال في الآية الثانية: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦] فالإشارة بقوله (يومئذ) إلى يوم بدر خاصة.
وقد رد هذا الاستدلال:
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٦/ ٢٠٠) - وتفسير ابن كثير (٢/ ٣٠٧).
(٢) تفسير الماوردي (٢/ ٣٠٤).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (حـ ٨٨٩٧ - ٥/ ١٦٧١) وذكره السيوطي في الدر المنثور - (٤/ ٣٦).
(٤) تفسير الرازي (١٥/ ١٣٨).
(٥) تفسير ابن كثير (٢/ ٣٠٧).
(٦) أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٧٣).
[ ٥٩٩ ]
أ- بأن الإشارة بقوله (يومئذ) إلى يوم اللقاء الذي تضمنه قوله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمُ﴾ [الأنفال:١٥]. (^١)
ب- كما أن هذه الآية نزلت بعد انقضاء الحرب والقتال، وذهاب اليوم بما فيه. (^٢)
فحكم هذه الآية شرع شرعه الله جل وعلا على المسلمين بسبب تلك الغزوة، لتوقع حدوث غزوات أخرى يكون جيش المسلمين فيها قليلًا كما كان يوم بدر، فنهاهم الله جل وعلا عن الفرار إذا لاقوا العدو، وإن كان أكثر منهم.
فأما يوم بدر فلم يكن فيه حكم مشروع في هذا الشأن، لأن المسلمين وقعوا في الحرب بغتة وتولى الله نصرهم. (^٣)
الترجيح: والقول الراجح هو أن حكم الآية عام في جميع المؤمنين إلى يوم القيامة.
لأن الأمر الوارد في الآية مطلق، ولأن قول الرسول - ﷺ - في تحريم الفرار من الزحف قول عام، وعليه فلا يجوز تقييد أو تخصيص حكم الآية إلا بدليل يجب المصير إليه، ولا دليل على ذلك. (^٤)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾ [الأنفال:٣٣].
قال أبو جعفر الطحاوي: فأعلمه - ﷺ - أنه يرفع العذاب عنهم، وإن كانوا يستحقونه، باستغفارهم إياه، وكان ذلك الاستغفار - والله أعلم - مما يقع في القلوب أنه لم يكن كان من جميعهم، ولكنه كان من بعضهم، فرفعت به العقوبة عمن كانت منه تلك المعاصي، وعمن لم تكن منه.
(شرح مشكل الآثار - ١١/ ٥٤٠)
_________________
(١) تفسير ابن عطية (٨/ ٨٢).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٣٨٧).
(٣) انظر: تفسير ابن عاشور (٩/ ٢٨٦) - وتفسير أبي حيان (٥/ ٢٩٢).
(٤) المغني لابن قدامة (١٣/ ١٨٦).
[ ٦٠٠ ]
بين الإمام الطحاوي أن المراد بالاستغفار في الآية على ظاهره وهو طلب رفع المجازاة على الذنوب المتقدمة، كما بين أن هذا الاستغفار كان من بعض المشركين وليس منهم جميعًا كما هو ظاهر لفظ الآية.
وإليك بيان أقوال المفسرين في المراد (بالاستغفار) في الآية، وعمن كان:
- القول الأول: أن المراد بالاستغفار في الآية هو: حقيقة الاستغفار، الذي هو: طلب ترك المجازاة على الذنوب المتقدمة. كما في قوله جل وعلا: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر:٥٥]. (^١)
- وعليه فمعنى الآية: وما كان الله ليعذب مشركي أهل مكة والمؤمنون الذين بينهم يستغفرون.
فوصفوا بصفة بعضهم، لأن المؤمنين كانوا بين أظهرهم، فأوقع العموم على الخصوص. كما يقال: قتل أهل الدار رجلًا، ولعله لم يفعل ذلك إلا رجل واحد.
- وهذا قول: ابن عباس - ﵁ - والضحاك - وأبي مالك - وابن أبزي.
وقد رُد هذا القول: بأن الآية في سياق الإخبار عن الكافرين وعما الله فاعل بهم، فلا يصح أن يكون المراد بالذين يستغفرون: المؤمنون.
- القول الثاني: أن المراد بالاستغفار في الآية هو: حقيقة الاستغفار.
- وعليه فمعنى الآية: وما كان الله ليعذب مشركي أهل مكة وفيهم من يستغفر.
- وهذا قول: عكرمة - والحسن البصري - ومحمد بن إسحاق.
وقد رُد هذا القول: بأن استغفار المشركين لا أثر له في القبول. (^٢)
- القول الثالث: أن المراد بالاستغفار في الآية هو: ترك الإشراك بالله والدخول في دين الإسلام.
كما في قوله جل وعلا: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ [هود:٣].
- وعليه فمعنى الآية: وما كان الله ليعذب مشركي أهل مكة وفيهم من يدخل في دين الإسلام.
فليس المراد مجرد الاستغفار باللسان، إذ لا عبرة بالقول والفعل يخالفه.
_________________
(١) بصائر ذوي التمييز (٢/ ١٦٦).
(٢) انظر: تفسير الطبري (٦/ ٢٣٦) - وتفسير ابن الجوزي (٣/ ٢٣٨).
[ ٦٠١ ]
- وهذا قول: ابن عباس - ﵁ - ومجاهد - وعكرمة. (^١)
- القول الرابع: أن المراد بالاستغفار في الآية هو: ترك الإشراك بالله والدخول في دين الإسلام.
- وعليه فمعنى الآية: وما كان الله ليعذِّب مشركي أهل مكة، وفي علم الله أنه سيكون لهم أولاد يؤمنون بالله جل وعلا ويستغفرونه.
فوصفوا بصفة أولادهم وذرياتهم. (^٢)
- القول الخامس: أن المراد بالاستغفار في الآية هو: أداء الصلاة المفروضة.
كما في قوله جل وعلا: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨] أي يصلون.
- وعليه فمعنى الآية: وما كان الله ليعذب مشركي أهل مكة وفيهم من يصلي.
- وهذا قول: ابن عباس - ﵁ - ومجاهد - والضحاك. (^٣)
الترجيح: والراجح هو القول الثاني، فالمقصود بالمستغفرين هو: مشركي أهل مكة، لأن سياق الآيات من قوله جل وعلا: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنفال:٣٠ - ٣٥] في بيان حال مشركي أهل مكة، فكان الاستغفار حاصل منهم لا من غيرهم من المؤمنين المقيمين في مكة، كما دل على ذلك سبب نزول الآية:
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٦/ ٢٣٥) - وتفسير ابن عاشور (٩/ ٣٣٤).
(٢) تفسير الرازي (١٥/ ١٥٨).
(٣) تفسير الطبري (٦/ ٢٣٥).
[ ٦٠٢ ]
الدراسة
فعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: (قال أبو جهل: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم) فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣) وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾ [الأنفال:٣٣ - ٣٤]. (^١)
كما أن المراد بالاستغفار في الآية هو حقيقة الاستغفار، بدلالة ما رواه أبو موسى الأشعري - ﵁ - عن الرسول - ﷺ - أنه قال: "أنزل الله على أمانين لأمتي: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣]. إذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة". (^٢)
فقد دل هذا الحديث على أن المراد بالاستغفار في الآية هو حقيقة الاستغفار الذي هو: طلب ترك المجازاة على الذنوب المتقدمة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب: التفسير - باب: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾ [الأنفال:٣٢] (حـ ٤٣٧١ - ٤/ ١٧٠٤). ومسلم في صحيحه - كتاب: صفات المنافقين - باب: في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال:٣٣] الآية. (حـ ٦٩٩٥ - ١٧/ ١٣٧).
(٢) أخرجه الترمذي في سننه - كتاب: تفسير القرآن - باب: ومن سورة الأنفال (حـ ٣٠٩١ - ١١/ ٢١٢) وقال: هذا حديث غريب، وفي إسناده إسماعيل بن مهاجر، وهو يضعف في الحديث. أهـ.
[ ٦٠٣ ]
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾ [الأنفال:٤١].
قال أبو جعفر الطحاوي: قال أصحابنا: لا بأس أن يؤكل الطعام، والعلف، في دار الحرب بغير إذن الإمام، وكذلك الحيوان، وإن أخرج منه شيئًا إلى دار الإسلام، وكان غنيمة، وهو قول مالك، والثوري، والليث، والشافعي.
وقال الأوزاعي: ما أخرجه من ذلك إلى دار الإسلام، فهو له أيضًا.
قال أبو جعفر: قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال:٤١] الآية. ظاهره: أن يكون الجميع غنيمة، إلا أنهم متفقون على إباحة أكل الأطعمة هناك، وإعلاف الدواب منها، فخص ذلك من الآية، وحكم العموم باق فيما عداها.
وقد روي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: (كنا مع رسول الله - ﷺ - بخيبر، يأتي أحدنا إلى طعام من الغنيمة، فيأخذ منه حاجته) (^١)
وعن خالد بن عمير (^٢)، قال: (شهدت الأبلة (^٣)
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب: الجهاد - باب: في النهي عن النُهبى إذا كان في الطعام قلة في أرض العدو - (حـ ٢٧٠٤ - ٣/ ١٥١). والبيهقي في سننه - كتاب: السير - باب السرية تأخذ العلف والطعام - (حـ ٥ - ٩/ ٦٠).
(٢) خالد هو: خالد بن عُمير العدوي الهلالي البصري، وثقة ابن حبان وغيره (تهذيب الكمال - ٢/ ٣٦١).
(٣) قوله (شهدت الأبلة): (الأبلة) بضم أوله وثانيه، وتشديد اللام وفتحها، اسم لبلدة على شاطئ دجلة البصرة العظمى، في زاوية الخليج الذي يدخل إلى مدينة البصرة، وهي أقدم من البصرة. (معجم البلدان - ١/ ٧٦).
[ ٦٠٤ ]
مع عتبة بن غزوان (^١)، فأصبنا سفينة مملوءة جوزًا، قال: قلت: ما هذه الحجارة! فأخذ رجل جوزة فكسرها، فقال: هذا طعام طيب، فأكلوا منه)
وعن عبد الله بن مغفل (^٢)، قال: (أصبت جرابًا (^٣) من شحم يوم خيبر، فالتزمته، فقلت: لا أعطي أحدًا اليوم من هذا شيئًا، فالتفت، فإذا رسول الله - ﷺ - يبتسم) (^٤)، فلم ينكر النبي - ﷺ - قوله
وعن معاذ بن جبل أنه قال: (كلوا لحم الشاة، وردوا إهابها إلى المغنم، فإن له نماء).
(مختصر اختلاف العلماء - ٣/ ٤٦٣ - ٤٦٤)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن قوله جل وعلا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال:٤١] دال على أنه لا يجوز مطلقًا أخذ شيء من الغنيمة قبل القسمة، إلا أن السنة جاءت بتخصيص هذا العموم حيث أجازت أخذ الطعام وعلف الدواب في دار الحرب.
وإليك بيان هذه المسألة وهي: حكم أخذ شيء من المأكول والمشروب للانتفاع به في دار الحرب:
_________________
(١) عتبة هو: أبو عبد الله عتبة بن غَزْوان بن جابر بن وهيب المازني، كان سابع رجل في الإسلام، وكانت وفاته سنة (١٧ هـ). (تهذيب الكمال-٥/ ٩٧).
(٢) عبد الله هو: الصحابي الجليل أبو سعيد عبد الله بن مُغفَّل بن عبد غَنْم بن عفيف المزني، وكانت وفاته بالبصرة سنة (٥٩ هـ). (أسد الغابة - ٣/ ٣٩٨)
(٣) قوله (جرابًا): (الجراب) بكسر الجيم وفتحها لغتان، والكسر أفصح وأشهر، وهو: وعاء من جلد. (شرح صحيح مسلم للنووي (١٢/ ٣٢١).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب: الخمس - باب: ما يصيب من الطعام في أرض الحرب. (حـ ٢٩٨٤ - ٣/ ١١٤٩). ومسلم في صحيحه - كتاب: الجهاد والسير - باب: جواز الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب - (حـ ٤٥٨٠ - ١٢/ ٣٢١).
[ ٦٠٥ ]
أجمع جمهور علماء المسلمين على أنه يجوز للمسلمين إذا دخلوا دار الحرب الانتفاع بالمأكول والمشروب فيها، سواء كان الانتفاع لهم أو لدوابهم. (^١)
ولا يشترط إذن الإمام في ذلك خلافًا للزهري. (^٢)
ولكن يشترط في هذا الانتفاع أن يكون قبل أن يحوز الإمام المغانم من أجل القسم بدار الإسلام. (^٣)
كما يشترط في هذا الانتفاع أن لا يكون خارج دار الحرب خلافًا للأوزاعي. (^٤)
- وعلة هذا الجواز: أن عموم الحاجة يدعو إلى الانتفاع بذلك في حق الكل، وفي المنع منه مضرة بالمقاتلين وبدوابهم، فإنهم لو كلفوا حمل هذه المؤن من دار الإسلام إلى دار الحرب مدة ذهابهم وإيابهم ومقامهم فيها لوقعوا في حرج عظيم، بل قد يتعذر عليهم ذلك.
كما أنهم قد لا يجدون بدار الحرب ما يشترونه، ولو وجدوه لم يجدوا ثمنه، كما أنه لا يمكن قسمة ما يأخذه الواحد منهم، ولو قسم لم يحصل للواحد منهم شيء ينتفع به مما يدفع به حاجته.
فأباح الله جل وعلا لهم ذلك الانتفاع توسعة عليهم، ودفعًا للحرج والمشقة عنهم. (^٥)
- ودليل هذا الجواز: أن عموم قول الله جل وعلا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال:٤١] يوجب أن يكون الجميع غنيمة، خمسها لمن سمى الله، وأربعة أخماسها لمن شهد القتال من البالغين الذكور الأحرار.
فلا يحل لأحد منها شيء إلا سهمه الذي يقع له في المقاسم بعد إخراج الخمس المذكور، إلا أن الطعام خرج بدليل إخراج الرسول - ﷺ - له عن جملة ذلك.
_________________
(١) الاستذكار لابن عبد البر (١٤/ ١٢٠).
(٢) التمهيد لابن عبد البر (٢/ ١٩).
(٣) شرح الزركشي (٦/ ٥٢٠).
(٤) الاستذكار لابن عبد البر (١٤/ ١٢١).
(٥) انظر: بدائع الصنائع (٦/ ١٠٠) - والمغني لابن قدامة (١٣/ ١٢٦).
[ ٦٠٦ ]
وهذا الدليل هو: ما روي عن عبد الله بن مُغَفَّل - ﵁ - قال: (أصبت جرابًا من شحم يوم خيبر، فالتزمته، فقلت: لا أعطي أحدًا اليوم من هذا شيئًا، فالتفت، فإذا رسول الله - ﷺ - يبتسم). (^١)
وما روي عن عبد الله بن أبي أوفى - ﵁ - قال: (كنا مع رسول الله - ﷺ - بخيبر، يأتي أحدنا إلى طعام من الغنيمة، فيأخذ منه حاجته). (^٢)
فقد دلت هذه الأحاديث على جواز أخذ الطعام من الغنيمة في دار الحرب قبل قسمتها، حيث أن الرسول - ﷺ - أقر هذا الفعل من الصحابة - رضوان الله عليهم - ولم ينكر عليهم ذلك.
وهذا من تخصيص عموم الكتاب بالسنة، ومن أمثلته قوله جل وعلا: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة:٢٧٥] فهو حكم عام، خص منه البيوع الفاسدة الواردة بالسنة.
كما أن علماء الأمة قد أجمعوا على أن الانتفاع بالطعام في دار الحرب مباح، فدل هذا على أن هذا الفعل غير داخل في مراد الله جل وعلا من الآية التي معنا. (^٣)
وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾ [الأنفال:٦٥ - ٦٦]
_________________
(١) تقدم تخريجه (٥٢٩).
(٢) تقدم تخريجه (٥٢٩).
(٣) التمهيد لابن عبد البر (٢/ ١٩).
[ ٦٠٧ ]
قال أبو جعفر الطحاوي: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال:٦٥] إلى قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنفال:٦٥].، فكان فرض الله تعالى عليهم في هذه الآية أن لا يفروا من عشرة أمثالهم، وكان معقولًا في ذلك أنه جائز لهم أن يفروا مما هو أكثر من هذا، ثم نسخها الله رحمة منه لهم، وتخفيفًا لضعفهم، فقال: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال:٦٦] الآية، فرد الله فرضه عليهم أن لا يفروا من مثليهم وكان معقولًا في ذلك أن لهم أن يفرُّوا من أكثر من مثليهم من العدد.
(شرح مشكل الآثار -١/ ٤٣٠)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن قوله جل وعلا: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٥] منسوخ بقوله جل وعلا: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال:٦٦]. حيث أفادت الآية الأولى وجوب ثبات المقاتل الواحد لعشرة مقاتلين، ورفعت الآية الثانية هذا الحكم، حيث أفادت تخفيف الفرض السابق إلى وجوب ثبات المقاتل الواحد لاثنين من المقاتلين.
وإليك بيان أقوال المفسرين في قول الله جل وعلا: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٥] هل هو منسوخ أم محكم؟:
- القول الأول: أن الآية الأولى محكمة، وأما ما في الآية الثانية فهو تخفيف لا نسخ.
- وهذا قول: مقاتل (^١) - وأبي جعفر النحاس (^٢) - ومكي بن أبي طالب (^٣) - وأبي مسلم الأصفهاني (^٤) - وابن حزم الظاهري. (^٥)
_________________
(١) تفسير السمرقندي (٢/ ٢٥).
(٢) الناسخ والمنسوخ للنحاس (١٥٨).
(٣) الإيضاح لناسخ القرآن (٢٦٠).
(٤) تفسير الرازي (١٥/ ١٩٤).
(٥) الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم (٤/ ٤٨٨).
[ ٦٠٨ ]
١ - أن الآية جاءت بصورة الخبر، والأصل في الخبر أن يكون على بابه، وأن المقصود بذلك، الامتنان والإخبار بالواقع (^١)
وقد رد هذا الاستدلال: بأن هذه الآية وإن كان لفظها لفظ الخبر إلا أن معناها الأمر بذلك، وليس إخبارًا بوقوع ذلك.
وذلك لأن كل خبر من الله تعالى وعد فيه عباده على عمل ثوابًا وجزاءً وعلى تركه عقابًا وعذابًا، وإن لم يكن ظاهره مخرج الأمر، ففي معنى الأمر (^٢)، كما في قوله جل وعلا: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]
وكما في قوله جل وعلا: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة:٢٣٣].
ومما يدل على أن هذه الآية أمر لا خبر، ما يلي:
أ- أن الله جل وعلا قال في الآية الثانية: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ [الأنفال:٦٦]، والتخفيف لا يكون إلا بزوال بعض الفرض الأول أو النقل عنه إلى ما هو أخف منه. فالتخفيف لا يقع إلا بعد تكليف، فهو يقع في المأمور به لا في الخبر عنه (^٣)
ب- أنه لو كان لفظ الآية الأولى خبرًا محضًا للزم منه عدم وقوع خلاف المخبر به، وهو محال (^٤) لأنه لم يثبت عند أحد أنه لم يغلب قط مائتان من الكفار عشرين من المؤمنين. فثبت بهذا أن المراد بالآية هو الأمر بما فيها لا الإخبار عما فيها (^٥)
٢ - أن حكم الآية الأولى ندب لا فرض، وعليه فلا يمكن حدوث النسخ له.
وقد رد هذا الاستدلال:
_________________
(١) تفسير السعدي (٣/ ١٨٩).
(٢) تفسير الطبري (٦/ ٢٨٥).
(٣) أحكام القرآن للجصاص (٣/ ١٠٦).
(٤) فتح الباري لابن حجر (٨/ ١٦٢).
(٥) تفسير الرازي (١٥/ ١٩٢)
[ ٦٠٩ ]
أ- بأن الله جل وعلا قال في الآية الثانية: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال:٦٦] فلو كان حكم الآية الأولى ندبًا لم يثقل على المكلفين. كما أن إبطال مشروعية المندوب لا يسمي تخفيفًا (^١).
ب- أنه سواء كان حكم الآية الأولى فرضًا أو ندبًا فإنه حكم شرعي على كل حال، وعليه فنسخه ممكن غير ممتنع، لأن الحكم إذا غير بعض أوصافه فجائز أن يقال له نسخ، لأنه حينئذ ليس بالأول وهو غيره. (^٢)
٣ - أنه لا تعارض بين الآيتين حتى يقال بالنسخ، لأن الآية الثانية لم ترفع الحكم الوارد في الآية الأولى بدليل أنه لم يقل فيها (لا يقاتل الواحد العشرة)، بل إن قدر على ذلك فله الخيار في ذلك. (^٣)
وقد رد هذا الاستدلال: بأن كلا الآيتين جاءت ببيان الحد الأعلى في وجوب الثبات، وعليه فبين حكم الآيتين تعارض لا يتحقق رفعه إلا بالقول بالنسخ المتحقق هنا، لأن الآية الأولى دلت على وجوب ثبات الواحد للعشرة، وهو ما ترفعه الآية الثانية الدالة على وجوب ثبات الواحد للاثنين. فالآية الثانية لم ترفع جواز ثبات الواحد للعشرة، وإنما رفعت وجوب ثبات الواحد للعشرة، مثبتة مكانه وجوب ثبات الواحد للاثنين. (^٤)
٤ - أن الله جل وعلا قال في الآية الأولى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٥] فدل هذا القيد (صابرون) على أنه ليس في الآية فرض، وإنما فيها الوعد بشريطة، فمتى وفي بالشرط أنجز الوعد، وعليه فثبات الواحد للعشرة غير مفروض، وإنما الصبر والثبات مفروض على قدر الإمكان، والناس مختلفون في ذلك على مقادير استطاعاتهم، فليس في الآية نسخ. (^٥)
_________________
(١) تفسير ابن عاشور (١٠/ ٧٠).
(٢) تفسير ابن عطية (٨/ ١٠٩).
(٣) فتح المنان في نسخ القرآن (٣١١).
(٤) انظر: الواضح في أصول الفقه (١/ ٢٥٢) ومناهل العرفان (٢/ ٢٠٨).
(٥) أحكام القرآن للجصاص (٣/ ١٠٦).
[ ٦١٠ ]
وقد رد هذا الاستدلال: بأن المقصود بهذا القيد (صابرون): الحث على الصبر، وأنه ينبغي من المجاهدين أن يفعلوا الأسباب الموجبة لذلك، فإذا فعلوها صارت الأسباب الإيمانية، والأسباب المادية مبشرة بحصول ما أخبر الله به، من النصر لهذا العدد القليل (^١).
فكان الصبر شرطًا في حصول النتيجة لا شرطًا في ابتداء الفعل، وعليه فهذا القيد لا دلالة فيه على عدم فرضية حكم الآية.
- القول الثاني: أن الآية الأولى منسوخة بالآية الثانية.
- وهذا قول: جمهور المفسرين. (^٢)
فالآية الأولى وهي قوله جل وعلا: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٥] أفادت وجوب ثبات المقاتل الواحد لعشرة مقاتلين، ولما كان هذا الفرض ثقيلًا على المسلمين لضعفهم، خفف الله جل وعلا عنهم هذا الفرض بفرض آخر وهو: قوله جل وعلا في الآية الثانية: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال:٦٦] فأفادت هذه الآية رفع الحكم السابق، وإثبات حكم جديد وهو: وجوب ثبات المقاتل الواحد لاثنين من المقاتلين. وهذا هو النسخ، لأنه: رفع لحكم شرعي ثابت بحكم شرعي آخر، وهو من باب نسخ الأثقل بالأخف.
وبناء على هذا الحكم الجديد، فإنه إذا كان عدد المقاتلين المسلمين نصف عدد المقاتلين الكافرين، فإنه لا يجوز لهم أن يفروا منهم، وإن كان عددهم أقل من النصف جازلهم ذلك. (^٣)
_________________
(١) تفسير السعدي (٣/ ١٨٩).
(٢) أحكام القرآن للجصاص (٣/ ١٠٦).
(٣) تفسير الطبري (٦/ ٢٨٣).
[ ٦١١ ]
- ومن أدلة هذا القول:
- ومما يؤكد صحة هذا القول: سبب نزول الآية الثانية: فعن عبد الله بن عباس ﵁: (في قول الله ﷿: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال:٦٥] قال: فرض عليهم ألا يفر رجل من عشرة، ولا قوم من عشرة أمثالهم. قال: فجهد الناس ذلك، وشق عليهم، فنزلت الآية الآخرى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال:٦٦]: فرض عليهم ألا يفر رجل من رجلين، ولا قوم من مثليهم، ونقص من الصبر بقدر ما خفف من العدد). (^١)
فدل سبب نزول الآية الثانية على: أن الفرض الثابت بالآية الأولى، منسوخ بالفرض الثابت بالآية الثانية.
الترجيح: والقول الراجح هو: أن الآية الأولى منسوخة بالآية الثانية، لأن في هذا القول دفعًا للتعارض الوارد بين الآيتين، ولأنه قول جمهور الأمة سلفها وخلفها.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾ [الأنفال:٦٧ - ٦٨].
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب ا لتفسير - باب قوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال:٦٦] (حـ ٤٣٧٦ - ٤/ ١٧٠٧) - وأبو داود في سننه -كتاب الجهاد- باب التولي يوم الزحف (حـ ٢٦٤٦ - ٣/ ١٠٥).
[ ٦١٢ ]
قال أبو جعفر الطحاوي: قال ابن عباس: لما أسروا الأسارى، يعني في يوم بدر، قال رسول الله - ﷺ -: "يا أبا بكر ما ترون في هؤلاء: الأُسَارى؟ " قال أبو بكر: يا رسول الله هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله ﷿ أن يهديهم إلى الإسلام. قال رسول الله - ﷺ -: "وما ترى يا ابن الخطاب؟ "، قال: فقال عمر: والله ما أرى الذي رأى أبو بكر يا نبيَّ الله، ولكن أرى أن تُمكِّنَّا منهم، فنضرب أعناقهم، وتمكِّنْ عليًا من عقيل، فيضرب عنقه، وتُمكِّني من فلان - نسيبٍ لعمر -، فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها وقادتها، فهوى رسول الله - ﷺ - ما قال أبو بكر، ولم يَهْوَ ما قلتُ، فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله - ﷺ - وأبو بكر قاعدان يبكيان، قلت: يا رسول الله، أخبرني من أيِّ شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت لبكائكما، فقال رسول الله - ﷺ -: "أبكي للذي عَرَضَ عليَّ أصحابك من الفداء، لقد عُرِضَ عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة: - شجرة قريبة من رسول الله - ﷺ -، - فأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال:٦٧ - ٦٩] فأحل الله الغنيمة لهم. (^١)
_________________
(١) أخرجه البيهقي في سننه -كتاب السير - باب ما يفعله بالرجال البالغين منهم- (حـ ١٥ - ٩/ ٦٧). والإمام أحمد في مسنده (١/ ٣٠).
[ ٦١٣ ]
فقال قائل: ليس فيما رويتم عن ابن عباس في هذا الحديث أنهم أخذوا شيئًا، وإنما فيه مشورة أبي بكر على رسول الله - ﷺ - أن يأخذ منهم الفداء لا غير.
فكان جوابنا له في ذلك: أن هذا الحديث كما ذكر، غير أنه قد خالف ابن عباس فيه أبو هريرة، فأخبر أن المسلمين قد كانوا أخذوا شيئًا من الغنائم قبل إنزال الله ﷿ هذا الآية.
كما عن أبي هريرة ﵁، قال: لما كان يوم بدر تعجل الناس من المسلمين، فأصابوا من الغنائم، فقال رسول الله - ﷺ -: "لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس قبلكم، كان النبي - يعنى من كان قبله - إذا غنم هو وأصحابه، جمعوا غنائمهم فتنزل نارٌ من السماء تأكلها. فأنزل الله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا (٦٩)﴾ [الأنفال:٦٨ - ٦٩] (^١)
فكان في هذا الحديث أن الوعيد الذي كان من الله ﷿ في هذه الآية هو لأخذهم ما أخذوا من الغنائم قبل أن تَحِلَّ لهم، لا ما سوى ذلك مما ذكر في حديث ابن عباس، وهذا عندنا أشبه بالآية، لأن الذي فيها هو قوله ﷿: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨] فأثبت أخذًا متقدمًا، فعليه كان الوعيد، لا على ما سواه مما في حديث ابن عباس الذي روينا.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه -كتاب: التفسير- باب: ومن سورة الأنفال- (حـ ٣٠٩٤ - ١١/ ٢٢٠) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب - أ. هـ. والبيهقي في سننه - كتاب: قسم الفيء والغنيمة - باب: بيان مصرف الغنيمة في الأمم الخالية إلى أن أحلها الله تعالى لمحمد - ﷺ -، ولأمته. (حـ ٣ - ٦/ ٢٩٠).
[ ٦١٤ ]
وفي هذا معنى يجب على أهل العلم الوقوف عليه والعمل به، والحذر من الله في التقدم لأمره، لأن هذا الذي كان إنما كان من أهل بدر، أو ممن كان منهم، وهم الذين قال لهم النبي - ﷺ -: "وما يدريك أن يكون الله ﷿ اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" (^١)، فإذا جاز مع هذه الرتبة أن يلحقهم الوعيد، كان لمن سواهم ممن هو دون رتبتهم ألحق.
وأما ما قاله أهل العلم في المراد بقوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨]. فإنهم قد اختلفوا في ذلك السابق ما هو؟
فروي فيه عن ابن عباس: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٦٨]. قال: سبقت لهم من الله ﷿ الرحمة قبل أن يعملوا بالمعصية.
قال أبو جعفر: فهذا وجه مما قد قيل في ذلك، وقد قيل فيه وجه آخر وهو عن الحسن في قوله ﷿: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال:٦٨]، قال: إن الله ﷿ كان مُطْعِمْ هذه الأمة الغنائم، وإنهم أخذوا الفداء من القوم يوم بدر قبل أن يؤمروا بذلك، فتاب الله عليهم، وعابه عليهم، ثم أحله لهم، وجعله غنيمة. وقد قيل فيه وجه آخر عن الحسن: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال:٦٨]، قال: المغفرة لأهل بدر.
وهذه التأويلات كلها محتملة لما تؤول ما تؤول عليها مما ذكرنا، والله أعلم بمراده، وبالله التوفيق.
(شرح مشكل الآثار - ٨/ ٣٥٩ - ٣٦٥)
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب: الجهاد - باب: الجاسوس. (حـ ٢٨٤٥ - ٣/ ١٠٩٥). ومسلم في صحيحه - كتاب: فضائل الصحابة - باب: فضائل أهل بدر. (حـ ٦٣٥١ - ١٥/ ٢٧٢).
[ ٦١٥ ]
بين الإمام الطحاوي الروايات الواردة في سبب نزل الآية، مرجحًا الرواية الدالة على أن سبب نزول الآية هو ما حدث من الصحابة المقاتلين في غزوة بدر من أخذ للغنائم وقبول للفداء من الأسرى. ثم بين - رحمه الله تعالى - الأقوال الواردة في المراد بقوله جل وعلا: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال:٦٨]، مرجحًا احتمال الآية لجميع هذه الأقوال لعموم اللفظ فيها.
وإليك أولًا: بيان الروايات الواردة في سبب نزول الآية:
[ ٦١٦ ]
الدراسة
١ - ما روي عن عبد الله بن عباس قال: لما أسروا الأسارى، يعني يوم بدر، قال رسول الله - ﷺ -: أين أبو بكر وعمر وعلي؟ قال: ما ترون في الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، هم بنو العم والعشيرة، وأرى أن تأخذ منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام! فقال رسول الله - ﷺ -: ماترى يا ابن الخطاب؟ فقال: لا والذي لا إله إلا هو، ما أرى الذي رأى أبو بكر، يانبي الله، ولكن أرى أن تمكننا منهم، فتمكن عليًا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من العباس فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان - نسيب لعمر - فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. فهوى رسول الله - ﷺ - ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت. قال عمر: فلما كان من الغد، جئت إلى رسول الله - ﷺ - فإذا هو وأبو بكر قاعدان يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت! فقال رسول الله - ﷺ -: أبكي للذي عَرض لأصحابي من أخذهم الفداء، ولقد عُرض عليَّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة! - لشجرة قريبة من رسول الله - ﷺ -، - فأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧]، وأحل الله الغنيمة لهم. (^١).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم - (ح ٤٥٦٣ - ١٢/ ٣٠٧). والبيهقي في سننه - كتاب: قسم الفيء والغنية - باب: ما جاء في مفاداة الرجال منهم بالمال - (ح ١ - ٦/ ٣٢٠).
[ ٦١٧ ]
٢ - ما روي عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر وجئ، بالأسرى، قال رسول الله - ﷺ -: ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله؛ قومك وأهلك، استبقهم واستأنهم، لعل الله أن يتوب عليهم. وقال عمر: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك، قدّمهم فأضرب أعناقهم! وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، انظر واديًا كثير الحطب فأدخلهم فيه، ثم أضرمه عليهم نارًا. قال: فقال له العباس: قُطِعتْ رَحِمُك! قال: فسكت رسول الله - ﷺ - فلم يجبهم، ثم دخل. فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر. وقال ناس يأخذ بقول عبد الله بن رواحة. ثم خرج عليهم رسول الله - ﷺ - فقال: إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة! وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم، قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم:٣٦] ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى، قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة:١١٨] الآية، ومثلك يا عمر مثل نوح، قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح:٢٦]. ومثلك كمثل موسى، قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس:٨٨]. قال رسول الله - ﷺ -: أنتم اليوم عالة، فلا ينفلتَنَّ أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق.
[ ٦١٨ ]
قال عبد الله بن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام! فسكت رسول الله - ﷺ -، فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع عليَّ الحجارة من السماء، مني في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله - ﷺ -: إلا سهيل بن بيضاء. قال: فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧]، إلى آخر الثلاث الآيات. (^١)
٣ - ما روي عن عمر بن الخطاب قال: (لما كان يوم بدر، فأخذ النبي - ﷺ - الفداء، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ [الأنفال:٦٧] إلى قوله: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ [الأنفال:٦٨] من الفداء، ثم أحل الله الغنائم). (^٢)
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه - كتاب التفسير - باب ومن سورة الأنفال - (ح ٣٠٩٣ - ١١/ ٢١٦) وقال: هذا حديث حسن - أ هـ. والبيهقي في سننه - كتاب قسم الفيء والغنيمة - باب ما جاء في مفاداة الرجال منهم بالمال - (ح ٢ - ٦/ ٣٢١).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب في فداء الأسير بالمال (ح ٢٦٩٠ - ٣/ ١٣٨) - والطبراني في المعجم الصغير (ح ٨٦٨ - ٢/ ١١٠)
[ ٦١٩ ]
٤ - ما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (استشار رسول الله - ﷺ - في الأسارى أبا بكر فقال: قومك وعشيرتك فخل سبيلهم، فاستشار عمر فقال: اقتلهم. قال: ففداهم رسول الله - ﷺ - فأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال:٦٧ - ٦٩]، قال: فلقي النبي - ﷺ - عمر، قال: "وكاد أن يصيبنا في خلافك بلاء". (^١)
٥ - ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما أحلت الغنائم لأحد سود الرؤوس من قبلكم، كانت تنزل نار من السماء وتأكلها، حتى كان يوم بدر، فوقع الناس في الغنائم، فأنزل الله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [الأنفال:٦٨ - ٦٩]. (^٢)
فقد دلت هذه الروايات عدا الخامسة على أن سبب نزول هذه الآيات هو: معاتبة الصحابة - رضوان الله عليهم - لقبولهم الفداء من الأسرى، مع أنهم كانوا مأمورين في ذلك الوقت بقتل الكفار، وعدم أخذ أسرى ومفاداتهم، كما قال جل وعلا ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:١٢].
ودلت الرواية الخامسةعلى أن سبب نزول هذه الآيات هو: معاتبة الصحابة - رضوان الله عليهم- لأخذهم الغنائم يوم بدر، مع أنها كانت محرمة عليهم في ذلك الوقت، ولم يأتهم بيان من الله بتحليلها.
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب تفسير سورة الأنفال. (ح ٣٢٧٠ - ٢/ ٣٥٩) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. أهـ.
(٢) تقدم تخريجه (٥٣٧).
[ ٦٢٠ ]
الترجيح: والقول الراجح هو أن كلا السببين سبب في نزول هذه الآيات، لأن جميع هذه الروايات في غزوة بدر، ولا مانع من تعدد الأسباب مع وحدة النازل إذا كان كلا السببين في وقت متقارب، وكانا على درجة واحدة من حيث الصحة.
وعليه فإن سبب نزول الآية هو: معاتبة الصحابة - رضوان الله عليهم - في أخذهم الغنائم والمفادة يوم بدر، لأنهم بذلك قد خالفوا أمر الله جل وعلا في ذلك. (^١)
وأما ترجيح رواية أبي هريرة على رواية ابن عباس لكون رواية ابن عباس لم تبين أخذًا لشيء محرم، والآية جاءت بالمعاتبة لأخذ شيء محرم، فترجيح مخالف للصواب، وذلك لأن رواية ابن عباس وردت بألفاظ تبين أن سبب نزول هذه الآيات هو: حدوث أخذ للفداء، كما في الرواية الثابتة عند مسلم وغيره، خلافًا للرواية التي أثبتها الإمام الطحاوي، ومما يؤكد صحة رواية مسلم الروايات الثابتة عن غير ابن عباس، كرواية عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود - ﵃ أجمعين -، والتي تؤكد أن سبب نزول الآية هو معاتبة الصحابة - رضوان الله عليهم - على ما حدث منهم في غزوة بدر من أخذ الفداء من الأسرى قبل أن يحل أخذه لهم.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في سبب نزول الآية.
والله تعالى أعلم.
ثانيًا: بيان أقوال المفسرين في المراد بقوله جل وعلا: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال:٦٨]:
القول الأول: أنه معنى الآية هو: لولا كتاب من الله سبق بأنه محل الغنائم لهذه الأمة، لمسكم فيما أخذتم من الغنائم والمفاداة عذاب عظيم.
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٣/ ١٠٨) ومناهل العرفان (١/ ٩٩).
[ ٦٢١ ]
- ومما يؤيد هذا القول: سبب نزول الآية الوارد عن أبي هريرة - ﵁ - حيث قال: لما كان يوم بدر تعجل الناس من المسلمين، فأصابوا من الغنائم، فقال رسول الله - ﷺ -: "لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس قبلكم، كان النبي - يعني من كان قبله - إذا اغنم هو وأصحابه، جمعوا غنائمهم، فتنزل نار من السماء تأكلها، فأنزل الله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا (٦٩)﴾ [الأنفال:٦٨ - ٦٩] (^١)
- وهذا قول: أبي هريرة - وابن عباس - وعطاء - وعبيدة - والضحاك - والحسن - والأعمش.
القول الثاني: أن معنى الآية هو: لولا كتاب من الله سبق بأنه لا يؤاخذ أحدًا بفعل أتاه عن جهالة لمسكم فيما أخذتم من الغنائم والمفاداة عذاب عظيم. (^٢)
فالصحابة - رضوان الله عليهم - في غزوة بدر عندما أخذوا الأسرى رأوا أنه قد يكون استبقاءهم سببًا في إسلامهم، كما أن أخذ المفاداة منهم سببًا في التقوي بها على الجهاد في سبيل الله، وخفي عليهم أن قتلهم أعز للإسلام، وأهيب لن وراءهم، وأفل لشوكتهم. فكان هذا الفعل منهم ناتج عن اجتهاد خاطئ، والله جل وعلا يعفو عمن هذا حاله، كما قال جل ذكره: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٥].
- وهذا قول: ابن عباس ﵁ - ومجاهد - ومحمد بن إسحاق. (^٣)
_________________
(١) تقدم تخريجه (٥٣٧).
(٢) تفسير الطبري (٦/ ٢٨٨)
(٣) انظر: تفسير الزمخشري (٢/ ٦٠١) وتفسير ابن الجوزي (٣/ ٢٥٩).
[ ٦٢٢ ]
القول الثالث: أن معنى الآية هو: لولا كاتب من الله سبق بأنه لا يعذب أحدًا خالف أمره إلا بعد تقدم النهي وإقامة الحجة، ولم يكن تقدم نهي عن أخذ الغنائم والمفاداة، ولو تقدم لمسكم فيما أخذتم من الغنائم والمفاداة عذاب عظيم. (^١) كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]
- وهذا قول: علي بن أبي طالب ﵁ - والحسن - ومحمد بن إسحاق. (^٢)
القول الرابع: أن معنى الآية هو: لولا كتاب من الله سبق لأهل بدر بأنه مغفور لهم، وأنه لا يعذبهم، لمسكم فيما أخذتم من الغنائم والمفاداة عذاب عظيم. كما قال الرسول - ﷺ - لعمر ﵁: " ومايدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" (^٣)
- وهذا قول: مجاهد - وقتادة - والحسن - وابن زيد - وسعيد بن جبير. (^٤).
القول الخامس: أن معنى الآية هو: لولا كتاب من الله سبق بأنه يمحو الذنوب الصغائر لمن اجتنب الذنوب الكبائر. لمسكم فيما أخذتم من الغنائم والمفاداة عذاب عظيم. (^٥) كما قال جل وعلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء:٣١].
_________________
(١) تفسير الزمخشري (٢/ ٦٠١).
(٢) انظر: معاني القرآن للنحاس (٣/ ١٧١) - وتفسير أبي حيان (٥/ ٣٥٣).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب المغازي - باب غزوة الفتح، وما بعث به حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة يخبرهم بغزو النبي - ﷺ - (ح ٤٠٢٥ - ٤/ ١٥٥٧) ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل أهل بدر ﵃. وقصة حاطب بن أبي بلتعة (ح ٦٣٥١ - ١٦/ ٢٧٢).
(٤) تفسير الطبري (٦/ ٢٩٠).
(٥) تفسير ابن عطية (٨/ ١١٥).
[ ٦٢٣ ]
القول السادس: أن معنى الآية هو: لولا كتاب من الله سبق بأنه لا يعذبكم والرسول محمد - ﷺ - فيكم، لمسكم فيما أخذتم من الغنائم والمفاداة عذاب عظيم. (^١) كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣].
القول السابع: أن معنى الآيةهو: لولا كتاب من الله سبق بأنه سيعفو عنكم في هذا الذنب معينًا، لمسكم فيما أخذتم من الغنائم والمفاداة عذاب عظيم (^٢).
الترجيح: والقول الراجح هو القول بصحة جميع هذه الأقوال المتقدمة، لأن قوله جل وعلا ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال:٦٨] خبر عام غير محصور على معنى دون معنى، فوجب
القول بصحة القول بعمومه، إذا لا دلالة توجب صحة القول بخصوصه.
وقد قال بهذا الترجيح: الإمام الطبري (^٣) وابن قيم الجوزية. (^٤)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٤٣٥).
(٢) تفسير ابن عطية (٨/ ١١٥).
(٣) تفسير الطبري (٦/ ٢٨٨).
(٤) شفاء العليل لابن قيم (٢٨)
[ ٦٢٤ ]