قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)﴾ [البقرة:٧٨].
قال أبو جعفر الطحاوي: قوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨].
أي: إلا تلاوة، فلم يحمد ذلك منهم، كما حمد أهل الاستنباط على الاستنباط.
(شرح مشكل الآثار- ١٥/ ٣١٦)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨] أي: إلا تلاوة.
وإليك بيان أقوال المفسرين في المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾:
القول الأول: أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨] أي: إلا تلاوة من غيرفهم لمعناه.
وهذا كما في قوله تعالى ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج:٥٢] أي: في تلاوته (^١).
وسميت التلاوة. (أماني) لأمور:
أ- أن الإشتقاق من (مني) إذا قدر، لأن المتمني: يقدر في نفسه ما يتمناه، وكذلك القارئ: يقدر أن كلمة كذا بعد كذا. (^٢)
ب- ولأن تالي القرآن إذا مر بآية رحمة تمناها، وإذا مر بآية عذاب تمنى أن يوَّقاه (^٣).
_________________
(١) انظر: تفسير السمرقندي (١/ ١٣١) - وتفسير الماوردي (١/ ١٥٠). وتفسير البغوي (١/ ١١٥) - وتفسير ابن الجوزي (١/ ٩٠)
(٢) تفسير الزمخشري (١/ ٢٨٨).
(٣) لسان العرب (١٥/ ٢٩٤).
[ ١٠٢ ]
ج- ولأن التلاوة المجردة من المعرفة تجري عند صاحبها مجرى أمنية تمناها على الظن والتخمين (^١)
- وإلى هذا القول ذهب: ابن عباس ﵁، وأبو عبيدة، والكسائي، والزجاج، والفراء.
- وحجة أصحاب هذا القول:
١ - أن حمل الآية على هذا القول أليق بطريقة الاستثناء إذا الأصل في الاستثناء: أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه (^٢)، فإذا حملنا الآية على ذلك كان له نوع تعلق بما قبله، فكأنه قال: لا يعلمون الكتاب إلا بقدر ما يتلى عليهم فيسمعونه، وبقدر ما يذكر لهم فيقبلونه، ثم إنهم لايتمكنون من التدبر والتأمل.
وإذا حمل على أن المراد (الأكاذيب، أو التمني والتقدير) كان الاستثناء فيه نادرًا.
٢ - أن قوله تعالى في هذا الآية: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٧٨]، يؤيد هذا القول.
وذلك أن الأماني إن أريد بها التقدير والفكر لأمور لا حقيقة لها، فهي ظن، فيكون قوله: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٧٨] تكرارًا لما سبق.
بخلاف ما لوحملنا معنى الآية على التلاوة فإنه لا يكون في المتأخر تكرار للمتقدم.
واعترض على هذا الاحتجاج: بأن الظن غير التمني والتقدير.
وعليه فلا يلزم من القول بهذا المعنى التكرار (^٣).
- وقد رد هذا القول: بأنه لا يتناسب مع ما وصفهم الله جل وعلا به في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٧٨] أي: جهلة لا يعرفون الكتابة فيطالعوا التوراة ويتحققوا مما فيها (^٤).
القول الثاني: أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨] أي: إلا كذبًا (^٥)
_________________
(١) انظر: المفردات للراغب (٤٧٦) والقاموس المحيط (١٧٢١).
(٢) تفسير القاسمي (١/ ٣١٨).
(٣) تفسير الرازي (٣/ ١٣٩).
(٤) تفسير البيضاوي (١/ ٧١).
(٥) انظر: تفسير ابن كثير (١/ ١٢١). وتفسير الطبري (١/ ٤١٨) وتفسير ابن الجوزي (١/ ٩٠).
[ ١٠٣ ]
والمعنى: إلا أكاذيب مختلقة مفتعلة سمعوها من علمائهم فقبلوها على التقليد (^١).
تقول العرب: (أنت تَمْتني هذا القول)، أي: تختلقه. فالتمني: هو الكذب، تفعل من (مَنَى يَمْني) إذا قدَّر، لأن الكاذب يُقدَّر في نفسه الحديث ثم يقوله (^٢).
كما أن (التمني) تقدير شيء في النفس وتصويره فيها، وذلك في الغالب يكون عن تخمين وظن، لذلك كان التمني كالمبدأ للكذب، فصح أن يعبر عن الكذب بالتمني (^٣).
- وإلى هذا القول ذهب: ابن عباس ﵁، ومجاهد، وعبد الرحمن بن زيد.
وهو اختيار: الفراء، وأبو جعفر الطبري.
- وحجة هذا القول: قوله جل وعلا بعد ذلك: ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:٧٨].
فأخبر جل وعلا أنهم يتمنون مايتمنون من الأكاذيب ظنًا منهم لا يقينًا.
ولو كان معنى ذلك: أنهم (يتلونه) لم يكونوا ظانين. وكذلك لو كان معناه (يشتهونه).
لأن الذي يتلوه، إذا تدبره علمه، ولا يستحق بتركه التدبر لما قرأه، أن يقال عنه: إنه ظان لما يتلو، إلا أن يكون شاكًا في نفس ما يتلوه. ولم يكن اليهود شاكين في التوارة أنها من عند الله.
وكذا المتمني فإنه في حال تمنية موجود ما يتمناه، فغير جائز أن يقال: هو شاك فيما يتمناه.
فصح بذلك هذا القول وانتفى ماعداه (^٤).
القول الثالث: أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨] أي: يتمنون على الله الباطل، وما ليس لهم (^٥).
وعلى هذا القول: تكون (إلا) بمعنى (لكن) استثناء منقطع.
_________________
(١) تفسير الزمخشري (١/ ٢٨٨).
(٢) انظر: لسان العرب (١٥/ ٢٩٥). والقاموس المحيط (١٧٢١).
(٣) المفردات للراغب (٤٧٥).
(٤) تفسير الطبري (١/ ٤١٩).
(٥) انظر: تفسير الطبري (١/ ٤١٨). وتفسير ابن كثير (١/ ١٢١).
[ ١٠٤ ]
والمعنى: لا يعلمون الكتاب، لكن يتمنون أشياء باطلة لن تحصل لهم كتمنيهم أن يعفو الله عنهم ويرحهم ولايؤاخذهم بخطاياهم، وأن آباءهم الأنبياء سيشفعون لهم، وأن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودة (^١).
فقوله جل ذكره: ﴿أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨] مأخوذ من التمني الذي هو تشهي حصول الأمر المرغوب فيه، وحديث النفس بما يكون وبما لا يكون. وهذا مستعمل في كلام العرب، يقولون للذي يقول ما لاحقيقة له وهو يحبه (هذا مُنَّي - وهذه أُمْنِيةَ) (^٢).
- وإلى هذا القول ذهب: ابن عباس ﵁، والحسن البصري، وقتادة، وأبو العالية، والربيع. واختار هذا القول: أبو مسلم الأصفهاني: حيث قال: (وحمله على تمني القلب أولى، بدليل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ [البقرة:١١١] أي: تمنيهم (^٣).
الترجيح: جميع الأقوال المتقدمة يصح إرادتها من الآية.
لأن هذه المعاني جاءت في اللغة وليس بعضها أولى من بعض.
قال ابن فارس: (منى) الميم والنون والحرف المعتل أصل واحد صحيح، يدل على تقدير شيء ونفاذ القضاء به). (^٤)
وقال الرازي: (الأماني) جميع أمنية، ولها معان مشتركة في أصل واحد) (^٥).
وقال البيضاوي: (إلا أماني) استثناء منقطع. (والأماني):جمع أمنية، وهي في الأصل: ما يقدره الإنسان في نفسه من (منى): إذا قدر، ولذلك تطلق على الكذب، وعلى ما يُتمنى، وعلى ما يقرأ. والمعنى:
١ - ولكن يعتقدون أكاذيب أخذوها تقليدًا من المحرفين.
٢ - أو مواعيد فارغة سمعوها منهم، من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودًا، وأن النار لن تمسهم إلا أيامًا معدودة.
_________________
(١) تفسير السمعاني (١/ ٩٩).
(٢) لسان العرب (١٥/ ٢٩٤).
(٣) تفسير الرازي (٣/ ١٣٩).
(٤) معجم مقاييس اللغة (٥/ ٢٧٦).
(٥) تفسير الرازي (٣/ ١٣٩).
[ ١٠٥ ]
٣ - وقيل: إلا ما يقرؤون قراءة عارية عن معرفة المعنى وتدبره) (^١).
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو أحد الأقوال الواردة في المراد بالآية.
والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾ [البقرة:١٣٠]
قال أبو جعفر الطحاوي: السفه قد يكون في تضييع المال، وقد يكون فيما سواه مما لا تضييع للمال معه، كذلك هو في كلام العرب، يقولون: سفه فلان في ماله، سفه فلان في دينه، ومنه قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠].
قال أبو جعفر: عن أبي عبيدة معمر بن المثنى (^٢)، قال: (سفه نفسه أهلكها وأوبقها (^٣)، وقد يكون ذلك ممن معه من الحزم في ماله ما ليس مع من لا يختلف في صلاحه في دينه).
وقال الكسائي (^٤): (السفيه: الذي يعرف الحق وينحرف عنه عنادًا، وقرأ: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة:١٣] قال: يقول: الذين عرفوا الأمر، وعندوا عنه).
(شرح مشكل الآثار - ١٢/ ٣٤٤ - ٣٤٥)
(وانظر: مختصر اختلاف العلماء - ٥/ ٢١٨)
_________________
(١) تفسير البيضاوي (١/ ٧١).
(٢) أبو عبيدة هو: معمر بن المثنى التيمي بالولاء، تيم قريش، البصري النحوي، وتصانيفه تقارب مائتي تصنيف، فمنها: (مجاز القرآن الكريم) و(غريب الحديث) و(الحدود) و(القبائل). وغير ذلك من الكتب النافعة. وكانت وفاته سنة (٢١٠ هـ). (وفيات الأعيان - ٥/ ٢٣٥).
(٣) مجاز القرآن (١/ ٥٦).
(٤) الكسائي هو: أبوالحسن علي بن حمزة بن عبد الله الأسدي الكوفي، أحد القراء السبعة، كان إمامًا في النحو واللغة والقراءات، وكانت وفاته سنة (١٨٩ هـ). (وفيات الأعيان - ٣/ ٢٩٥).
[ ١٠٦ ]
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن المراد بالسفه في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠]، أنه السفه في الدين، الذي هو الانصراف عن الحق إلى الضلال والذي يترتب عليه الهلاك والخسران في الدنيا والآخرة. وذكر قول أبي عبيدة، مؤيدًا به ما ذهب إليه.
وإليك بيان أقوال المفسرين في المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠]:-
القول الأول: أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠]، أي: إلا من سَفَّه نفسه.
- ومعنى الآية: أنه لا يرغب عن ملة إبراهيم إلا من امتهن نفسه وظلمها وأهلكها بانصرافه عن سبيل الهداية إلى سبيل الضلال.
- وإلى هذا القول ذهب: أبو عبيدة - ويونس النحوي - والأخفش- والزمخشري- وأبو حيان الأندلسي - وابن كثير. (^١)
قال أبو عبيدة: (معنى سفه نفسه: أهلك نفسه وأوبقها). (^٢)
وقال ابن كثير:: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠] أي: ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره، بتركه الحق إلى الضلال، حيث خالف طريق من اصطفى في الدنيا للهداية والرشاد، وهو في الآخرة من الصالحين). (^٣)
القول الثاني: أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠]، أي: إلا من جهل أمر نفسه. (^٤)
- ومعنى الآية: أنه لا يرغب عن ملة إبراهيم إلا سفيه جاهل بما ينفع نفسه وما يضرها. (^٥)
وذلك أن من جهل نفسه جهل أنه مخلوق، وإذا جهل أنه مخلوق جهل خالقه، وإذا جهل خالقه جهل أمره ونهيه. (^٦)
_________________
(١) انظر: تهذيب اللغة (٦/ ١٣٣) - وتفسير الزمخشري (١/ ٣٢٤) - وتفسير أبي حيان (١/ ٦٢٨).
(٢) تهذيب اللغة (٦/ ١٣٢).
(٣) تفسير ابن كثير (١/ ١٩٠).
(٤) تفسير السمرقندي (١/ ١٥٩).
(٥) تفسير الطبري (١/ ٦٠٩).
(٦) انظر: تفسير القاسمي (١/ ٣٦٨)، وتفسير السعدي (١/ ١٤١).
[ ١٠٧ ]
ولكون معرفة النفس طريق إلى معرفة الخالق - قال جلّ وعلا: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١].
- وإلى هذا القول ذهب الإمام الطبري - والزجاج - - والقاسمي - والسعدي.
قال الزجاج: (والقول الجيد عندي في هذا: أن (سفه) في موضع (جهل)، فالمعنى والله أعلم: إلا من جهل نفسه - أي لم يفكر في نفسه). (^١)
الترجيح: كلا القولين مراد بالآية، وذلك لأن من أعرض عن طريق الهدى مبتغيًا طريق الضلال فهو جاهل بحقيقة نفسه ظالم لها، حاكم على نفسه بالهلاك والخسران في الدنيا ويوم الدين.
كما أن اللغة جاءت بهذا، يقال (سفه نفسه) أي: امتهنها واستخف بها. (^٢)
ويقال: (سفه فلان رأيه) أي جهله، وكان رأيه مضطربًا لا استقامة له. (^٣)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو أحد الأقوال الواردة في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة:١٥٨]
قال أبو جعفر الطحاوي: عن ابن شهاب (^٤)، قال: قال عروة (^٥):
_________________
(١) تهذيب اللغة (٦/ ١٣٣).
(٢) تفسير الزمخشري (١/ ٣٢٤).
(٣) انظر: تهذيب اللغة (٦/ ١٣٥)، والقاموس المحيط (١٦٠٩).
(٤) ابن شهاب هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري المدني، ولد سنة (٥٠ هـ) وكانت وفاته سنة (١٢٤ هـ). (سير أعلام النبلاء ٥/ ٣٢٦).
(٥) عروة هو: أبو عبد الله عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، أحد الفقهاء السبعة، وكانت وفاته سنة (٩٣ هـ) - (سير أعلام النبلاء - ٤/ ٤٢١).
[ ١٠٨ ]
سألت عائشة ﵂، فقلت: أرأيت قوله الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٥٨] فقلت: والله ما على أحد جناح أن لا يطوف بين الصفا والمروة، قالت عائشة: بئس ما قلت يا ابن أختي، إن هذه الآية لو كانت على ما أولتها عليه كانت: (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما)، وإنها إنما أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية (^١) التي كانوا يعبدون عند المُشلّل (^٢)، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بين الصفا والمروة، فلما سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، أنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٥٨] ثم قد سن رسول الله - ﷺ - الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بهما.
قال ابن شهاب: فأخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (^٣)
_________________
(١) (يهلون) أي: يحجون - (المناة) بفتح الميم والنون الخفيفة: صنم كان في الجاهلية، وقال ابن الكلبي: كانت صخرة نصبها عمرو بن لحي لهذيل وكانوا يعبدونها - (الطاغية) صفة لمناة، وهي صفة إسلامية.
(٢) (عند المشلل): بضم أوله وفتح المعجمة ولامين الأولى مفتوحة مثقلة هي الثنية المشرفة على قُديد - وقُديد: بضم القاف مصغرًا: قرية جامعة بين مكة والمدينة كثيرة المياه - (فتح الباري - ٣/ ٥٨٣).
(٣) أبو بكر هو: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة القرشي المخزومي، وكنيته اسمه، وهو من سادات التابعين، وأحد الفقهاء السبعة، وكانت وفاته سنة (٩٤ هـ) - (وفيات الأعيان- ١/ ٢٨٢).
[ ١٠٩ ]
بالذي حدثني عروة من ذلك عن عائشة، فقال أبو بكر: إن هذا العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالًا من أهل العلم يزعمون أن الناس إلا من ذكرت عائشة ممن كان يهل لمناة الطاغية كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله ﷿ الطواف بالبيت ولم يذكر الطوف بين الصفا والمرة، قالوا: هل علينا يا رسول الله من حرج في أن نطوف بالصفا والمروة؟ فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾] البقرة:١٥٨].
قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية أنزلت في الفريقين كليهما: في الذين كانوا يتحرجون في الجاهلية أن يطوفوا بالصفا والمروة. والذين كانوا يطوفون في الجاهلية بين الصفا والمروة، ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام، من أجل أن الله ﷿ أمر بالطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة مع الطواف بالبيت حين ذكره. (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب: الحج - باب: وجوب الصفا والمروة (حـ ١٥٦١ - ٢/ ٥٩٢) ومسلم في صحيحه - كتاب: الحج - باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به. (حـ ٣٠٧٠ - ٩/ ٢٥).
[ ١١٠ ]
وعن هشام (^١) بن عروة عن أبيه عن عائشة أن مناة كانت على ساحل البحر وحولها الفروث (^٢) والدماء يذبح بها المشركون، فقالت الأنصار: يا رسول الله إنا إذا كنا أحرمنا في الجاهلية لم يحل لنا في ديننا أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾] البقرة:١٥٨]، قال عروة: أما أنا فما أبالي أن لا أطوف بين الصفا والمروة، قالت عائشة: لِمَ يا ابن أختي؟ قال: لأن الله ﷿ يقول: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾] البقرة:١٥٨]، قالت عائشة: لو كانت كما تقول، لكان: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، قالت عائشة: وما تمت حجة أحد ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة. (^٣)
_________________
(١) هشام هو: أبو المنذر هشام بن عروة بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، وهو أحد تابعي المدينة المشهورين المكثرين من الحديث، وكانت وفاته سنة (١٤٦ هـ). (وفيات الأعيان - ٦/ ٨٠)
(٢) الفروث: جمع (فَرْثُ) وهو ما كان في الكرش، (وفَرَثْتُه) أي: فَتَتُّه.، و(أفرثت الكرش): إذا نثرت فرثها. (المحيط في اللغة -١٠/ ١٣٨).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب: العمرة - باب: يفعل في العمرة ما يفعل في الحج (حـ ١٦٩٨ - ٢/ ٦٣٥) ومسلم في صحيحه - كتاب: الحج - باب: بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به (حـ ٣٠٦٨ - ٩/ ٢٤).
[ ١١١ ]
قال أبو جعفر: ففي هذه الآثار أن السبب الذي فيه نزلت هذه الآية: هو لتحرج الأنصار من الطواف بين الصفا والمروة للسبب المذكور في هذا الحديث، وأن الله ﷿ أنزل هذه الآية، فأعلمهم بها أن لا جناح عليهم في الطواف بينهما، فأعلمهم فيها أنهما من شعائر الله ﷿، وقد ذكر شعائره في غيرها، قوله ﷿: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، وقد كان في حديث هشام، عن عروة، عن عائشة من قولها: ولعمري ما تمت حجة أحد ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة. ومثل هذا لا يقال بالرأي، فعلقنا بذلك أنها لم تقله إلا توقيفًا، والتوقيف لا يكون إلا من رسول الله - ﷺ -.
فقال قائل: أما ما حكيتموه عن عائشة من قولها لعروة: لو كانت كما تقول، لكانت: (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما)، وقد كان عبد الله بن عباس يقرؤها كذلك. وذكر عن عطاء (^١) عن ابن عباس أنه كان يقرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لا يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨] (^٢)
_________________
(١) عطاء هو: أبو محمد عطاء بن أبي رباح أسلم القرشي، نشأ بمكة، وولد في أثناء خلافة عثمان ﵁، وكانت وفاته سنة (١١٤ هـ). (سير أعلام النبلاء - ٥/ ٧٨).
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره - تفسير سورة البقرة - (حـ ٢٣٦٤ - ٢/ ٥٣) وابن أبي داود في المصاحف (٨٣).
[ ١١٢ ]
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله ﷿ وعونه: أن الذي في حديث ابن عباس من التلاوة قد يجوز أن يكون معناه يرجع إلى ما في حديث عائشة منها، ويكون قوله ﷿: ﴿أَنْ لا يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨] في قراءة ابن عباس على الصلة، كما قال ﷿: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ﴾ [الحديد:٢٩]. بمعنى: ليعلم أهل الكتاب أن يقدرون على شيء. وكما قال ﷿: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٩٥]، بمعنى: أنهم يرجعون. وكقوله ﷿: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف:١٢]، بمعنى: ما منعك أن تسجد.
فيكون مثل ذلك إن كانت القراءة كما روي عن ابن عباس فيها: (أن لا يطوف بهما) بمعنى: أن يطوف بهما على ما في قراءة غيره، وهي القراءة التي قامت بها الحجة التي تضمنتها مصاحفنا.
وقد روي عن أنس بن مالك في تلاوة هذا الحرف مثل الذي روي فيه عن عائشة، كما عن عاصم (^١) ٢) قال: (سألت أنس بن مالك عن الصفا والمروة؟ قال: كانتا من مشاعر الجاهلية، فلما جاء الإسلام، أمسكنا عنهما، فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ البقرة:١٥٨]، وهما تطوع) (^٢)
_________________
(١) عاصم هو: أبو عبد الرحمن عاصم بن سليمان الأحول البصري، قال أحمد بن حنبل وابن معين وأبو زرعة وطائفة: ثقة، وكانت وفاته سنة (١٤٢ هـ) (سير أعلام النبلاء - ٦/ ١٣).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - تفسير سورة البقرة - باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ البقرة:١٥٨] (حـ ٤٢٢٦ - ٤/ ١٦٣٥). ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به - (حـ ٣٠٧٣ - ٩/ ٢٧).
[ ١١٣ ]
وكان ما في حديث أنس من ذكر الطواف بينهما أنه تطوع مما لم يذكره عن النبي - ﷺ -، فقد يجوز أن يكون ذلك رأيًا رآه، وقد خالفته عائشة في ذلك، فروت عن رسول الله - ﷺ - أنه سن الطواف بهما في الحج والعمرة جميعًا، وقالت هي: ما تمت حجة أحد ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة، فكان ذلك عندنا أولى من قول أنس لا سيما وفقهاء الأمصار عليه لا يختلفون فيه، ولم يقولوا ذلك كابرًا عن كابر إلا بما وجب أن يقولوه به، وكان ما خالف ما هم عليه من ذلك مما لا معنى له، ولا يصلح القول به، والله ﷿ نسأله التوفيق.
(شرح مشكل الآثار - ١٠/ ٨٤ - ٩٣)
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة:١٥٨].
قال أبو جعفر الطحاوي: قال أصحابنا: من ترك السعي في الحج والعمرة حتى رجع، فعليه دم، وهو قول الثوري (^١)، والأوزاعي. (^٢)
قال مالك (^٣): إذا ترك السعي حتى رجع، فإنه يرجع فيسعى. فإن كان قد أصاب، فعليه العمرة والهدي، وإن لم يترك إلا شوطًا واحدًا، عاد وسعى.
_________________
(١) الثوري هو: أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، وهو أحد الأئمة المجتهدين، وكانت وفاته بالبصرة سنة (١٦١ هـ). (وفيات الأعيان - ٢/ ٣٨٦).
(٢) الأوزاعي هو: أبو عمروعبد الرحمن بن عمرو بن يُحمد الأوزاعي، عالم أهل الشام، كان يسكن دمشق ثم تحول إلى بيروت مرابطًا بها إلى أن مات سنة (١٥٧ هـ) (سير أعلام النبلاء - ٧/ ١٠٧).
(٣) مالك هو: أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني، إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأعلام، وكانت وفاته بالمدينة سنة (١٧٩ هـ) (وفيات الأعيان - ٤/ ١٣٥).
[ ١١٤ ]
وقال الشافعي: (^١) وهو محرم كما كان حتى يرجع فيسعى، فإن كان معتمرًا كان حرامًا من كل شيء، وإن كان حاجًا قد حلق ورمى كان حرامًا من النساء حتى يرجع، ولو ترك بعض شوط حرامًا كان ذلك
عن عاصم قال: سألت أنس بن مالك عن الصفا والمروة؟ قال: كانا من مشاعر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ﴿البقرة:١٥٨]. (^٢)
وعن ابن شهاب قال: قال عروة: سألت عائشة عن قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨]. قال: فقلت والله ما على أحد جناح أن لا يطوف بين الصفا والمروة. قالت عائشة: بئس ما قلت، إنه لو كان على ما تأولت كانت (ولا جناح عليه أن لا يطوف)، وإنما نزلت في شأن الأنصار حين تحرجوا من ذلك.
قالت عائشة: ثم قد سن رسول الله - ﷺ - الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما. (^٣)
فأخبرت عائشة أن رسول الله - ﷺ - قد سن ذلك.
وفي الآية: أنها من شعائر الله، والشعائر: هي العلامات لما دعا الله إليه، فصار كرمي الجمار، والذكر عند المشعر الحرام، فهما سواء في قيام الدم عنهما.
فإن قيل: هلا جعلته كطواف يوم النحر.
قيل: لأنه قد قرن بطوفا القدوم، فكان أشبه به منه بطواف الزيارة.
(مختصر اختلاف العلماء - ٢/ ١٤٥ - ١٤٦)
الدراسة
ذكر الإمام الطحاوي سبب نزول الآية. ثم استدل بالآية والسبب الوارد في نزولها على أن السعي بين الصفا والمروة واجب، ومن تركه فعليه دم.
_________________
(١) الشافعي هو: أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس القرشي المطلبي الشافعي، وهو أول من تلك في أصول الفقه، وكانت وفاته بمصر سنة (٢٠٤ هـ) (وفيات الأعيان - ٤/ ١٦٣).
(٢) تقدم تخريجه (٨٠).
(٣) تقدم تخريجه (٧٨).
[ ١١٥ ]
ورد على من قال بأن السعي تطوع اعتمادًا على قراءة ابن عباس ﵁.
مرجحًا القول بأن السعي واجب في الحج والعمرة.
وإليك. أولًا: بيان سبب نزول الآية:
وردت روايات متعددة في سبب نزول الآية - وقد ذكر الإمام الطحاوي بعضًا منها - وكلها صحيحة ثابتة لا تعارض بينها، وهي تفيد بمجموعها: أن الآية نزلت في دفع التحرج من الطواف بين الصفا والمروة، لما كان من أمر الجاهلية.
قال القاسمي: وقد استفيد من مجموع هذه الروايات أن تحرج طوائف من السعي بين الصفا والمروة لأسباب متعددة، فنزلت في الكل. (^١)
ثانيًا: القراءات الواردة في قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨]:
القراءة الأولى:- (أن يطوف) - وهذه قراءة: الجمهور.
القراءة الثانية:- (أن يطاف) - وهذه قراءة: ابن عباس - وأبي السَّمال.
القراءة الثالثة:- (أن لا يطوف) - وهذه قراءة: ابن عباس - وابن مسعود - وأُبيّ بن كعب - وأنس بن مالك - وعلي بن أبي طالب - وابن سيرين - وعطاء - وميمون. (^٢)
ثالثًا: الأقوال في المراد بـ ﴿شَعَائِرِ اللَّهِ﴾] البقرة:١٥٨]:
القول الأول:- أن (الشعائر) جمع (شعيرة) وهو: الخبر الذي أخبر الله تعالى عنه، ومن إشعار الله تعالى عباده أمر الصفا والمروة، وما عليهم من الطواف بهما.
- وهذا قول: مجاهد.
القول الثاني:- أن المراد بـ (شعائر الله) معالم الله الظاهرة للحواس، التي جعلها الله معلمًا لطاعته،
- وهذا قول: الجمهور - وهو الأولى. (^٣)
_________________
(١) انظر: تفسير القاسمي (١/ ٤١٧) - وفتح الباري (٣/ ٥٨٥).
(٢) انظر: المحتسب (١/ ١١٥)، ومعاني القرآن للفراء (١/ ٩٥)، وإعراب القرآن للنحاس (١/ ٢٢٥)، والإملاء للعكبري (١/ ٤١)، وتفسير أبي حيان (١/ ٤٥٦). وتفسير الزمخشري (١/ ١٠٤)، وتفسير الرازي (٢/ ٤٥)، وتفسير القرطبي (٢/ ١٨٢).
(٣) تفسير الماوردي (١/ ٢١٢).
[ ١١٦ ]
قال الأصمعي: (الإشعار: الإعلام - والشعار: العلامة، ولا أرى مشاعر الحج إلا من هذا، لأنها علامات له). (^١)
رابعًا: الأقوال في حكم السعي بين الصفا والمروة:
القول الأول: أن السعي بين الصفا والمروة: (سنة)، إن فعله كان محسنًا، وإن تركه لم يلزمه شيء. (^٢)
- وهذا قول: ابن عباس - وأبيّ بن كعب - وابن الزبير - وأنس بن مالك، ﵃ - وابن سيرين - وعطاء - ومجاهد - وأحمد في رواية. (^٣)
- ومن أدلة هذا القول:
أ- قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ﴿البقرة:١٥٨]:
فلما نفى جلّ وعلا الحرج والجناح عن فاعله، دل على عدم وجوبه. فرفع الإثم علامة المباح.
- الرد على هذا الاستدلال من وجوه:
١ - ليس في قوله (فلا جناح) دليل على الإباحة دون الوجوب، لخروجه على السبب الذي بينته عائشة ﵂، وهو أن نفي الجناح عمن طاف بهما لإزالة ما في نفوسهم من أن الطواف بهما من شعائر الجاهلية.
٢ - ظاهر قوله (فلا جناح عليه) أنه لا إثم عليه. والذي يصدق عليه أن لا إثم في فعله يدخل تحته: الواجب، والمندوب، والمباح. ثم يمتاز كل واحد من هذه الثلاثة عن الآخر بقيد زائد.
فإذن ظاهر هذه الآية لا يدل على أن السعي واجب أو ليس بواجب. لأن اللفظ الدال على القدر المشترك بين الأقسام لا دلالة فيه البتة على خصوصية بأحدها، ولابد من الرجوع إلى دليل الآخر لبيان الخصوصية. (^٤)
٣ - أنه لا يلزم من نفي الإثم عن الفاعل، نفي الإثم عن التارك.
٤ - أنه لو كان المراد مطلق الإباحة، لنفي الإثم عن التارك، كما نفي عن الفاعل. (^٥)
_________________
(١) تهذيب اللغة (١/ ٤١٧).
(٢) تفسير الطبري (٢/ ٥٢).
(٣) انظر: المغني لابن قدامة (٥/ ٢٣٨) والمجموع للنووي (٨/ ٧٧) والإنصاف (٤/ ٥٨) والتمهيد لابن عبد البر (٢/ ٩٧) وبداية المجتهد (١/ ٣٤٤).
(٤) تفسير الرازي (٤/ ١٥٩).
(٥) فتح الباري (٣/ ٥٨٣).
[ ١١٧ ]
ب- قراءة: (أن لا يطوف بهما): وهذا وإن لم يكن قرآنًا فلا ينحط عن رتبة الخبر فيكون تفسيرًا للآية، دالًا على إباحة الطواف بين الصفا والمروة. (^١)
- الرد على هذا الاستدلال من وجوه:
١ - أن هذه قراءة شاذة، ولا حجة في الشواذ إذا خالفت المشهور. (^٢)
٢ - وعلى أنها حجة، فلا حجة فيها على إباحة السعي بين الصفا والمروة. لأن (لا) التي مع (أن) صلة في الكلام، إذا تقدمها جحد في الكلام.
وقد تقدمها جحد في الآية وهو قوله تعالى: ﴿جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:١٥٨]. فيكون التقدير: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
مثال ذلك: قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف:١٢].
بمعنى: ما منعك أن تسجد إذا أمرتك. (^٣)
جـ- قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ ﴿البقرة:١٥٨]
فبين جلّ وعلا أن السعي تطوع وليس بواجب، فمن تركه فلا شيء عليه، عملًا بظاهر الآية.
- الرد على هذا الاستدلال من وجوه:
١ - لا حجة لمن قال إن السعي مستحب لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٥٨].
ولإجماع المسلمين على أن التطوع بالسعي لغير الحاج والمعتمر غير مشروع. (^٤)
٢ - أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة:١٥٨] لا يقتضي أن يكون المراد منه: التطوع بالسعي دون غيره، بل يجوز أن يكون المراد منه غير ذلك.
وعليه فإن المراد بـ (خيرًا) في الآية أحد الأمور التالية:-
أ- أن يتطوع بجميع أنواع الطاعات.
ب- أن يتطوع بعد الحج والعمرة الفرض مرة أخرى، فيكون طوافه تطوعًا.
ج- أن يزيد في الطواف، فيطوف أكثر من الطواف الواجب، كأن يطوف ثمانية أو أكثر (^٥)،
_________________
(١) المغنى لابن قدامة (٥/ ٢٣٩).
(٢) فتح الباري (٣/ ٥٨٣).
(٣) تفسير الطبري (٢/ ٥٥).
(٤) فتح الباري (٣/ ٥٨٣).
(٥) تفسير الرازي (٤/ ١٦٠).
[ ١١٨ ]
وقد رد هذا القول: بأن الزيادة في عدد أشواط الطواف، أمر مبتدع غير مشروع.
وقد حذر النبي - ﷺ - من كل أمر مبتدع لم يرد فيه دليل من كتاب أو سنة (^١)، وقال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد). (^٢)
- وهذا القول هو الأولى لأمور:
- أن الجملة عطفت بـ (الواو) دون الفاء، لئلا يكون الخير قاصرًا على السعي.
- ولأن (خيرًا) نكرة في سياق الشرط فهي عامة.
- ولأن الجملة تذييل للآية لإفادة حكم كلي بعد ذكر تشريع خاص.
وعليه فإن الآية عامة في الدعوة لأفعال الخيرات كلها من فرائض ونوافل. (^٣)
القول الثاني: أن السعي بين الصفا والمروة: (واجب)
يجزئ تاركه فدية، ولا يلزمه العود لقضائه بعينه، وإن عاد فحسن.
- وهذا قول: الحسن البصري - وقتادة - والثوري - وأبي حنيفة - ومالك - وأحمد في رواية عنهما. (^٤)
- ومن أدلة هذا القول:-
١ - قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨].
فالآية دلت على رفع الإثم عمن تطوف بهما، ورفع الإثم يدل على الإباحة لا على أنه ركن، ولكن فعل الرسول - ﷺ - جعله واجبًا. فصار الوقوف بالمزدلفة ورمي الجمار يجزئ عنه الدم إذا تركه. (^٥)
٢ - قوله تعالى: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨] دال على وجوب السعي بين الصفا والمروة.
_________________
(١) كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث (٥٣).
(٢) أخرج البخاري في صحيحه - كتاب الصلح - باب إذا اصطلحوا على صلح جور (حـ ٢٥٥٠ - ٢/ ٩٥٩). ومسلم في صحيحه - كتاب الأقضية - باب نقض الأحكام الباطلة (حـ ٤٤٦٨ - ١٢/ ٢٤٢).
(٣) تفسير ابن عاشور (١/ ٦٤).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (٥/ ٢٣٨) والمجموع للنووي (٨/ ٧٧)، والإنصاف (٤/ ٥٨)، وفتح الباري (٣/ ٥٨٢).
(٥) أحكام القرآن للجصاص - (١/ ٩٦).
[ ١١٩ ]
ورد هذا الاستدلال: بأن شعائر الله منها الواجبة، ومنها المندوب إليها. (^١)
٣ - قول عائشة ﵂: (ما تم حج امرئ قط إلا بالسعي) (^٢) فيه إشارة إلى أنه واجب، وليس بفرض، لأنها وصفت الحج بدون السعي بالنقصان لا بالفساد، وفوت الواجب هو الذي
يوجب النقصان، أما فوت الركن فيوجب الفساد والبطلان). (^٣)
القول الثالث: أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يتم الحج والعمرة إلا به. ولا يجزئ تاركه غير قضائه بعينه.
- وهذا قول الجمهور، ومنهم: عائشة - وعروة ﵃ - والشافعي - ومالك - وفقهاء الحرمين - وأحمد في رواية المذهب - وإسحاق - وأبي ثور - وداود الظاهري - وغيرهم. (^٤)
- ومن أدلة هذا القول:
١ - قوله تعالى: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨]. فشعائر الله هي: أعلام دين الله الظاهرة التي تعبد الله بها عباده. وقد أمر الله جلّ وعلا بتعظيم شعائره فقال:: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢].
فدل مجموع النصين على أن الصفا والمروة من شعائر الله، وأن تعظيم شعائره من تقوى القلوب، والتقوى واجبة على كل مكلف، وذلك يدل على أن السعي بهما فرض لازم لا يتم الحج والعمرة إلا به. (^٥)
_________________
(١) تفسير ابن جزي (١/ ٩٠).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب أن السعي بين الصفا والمروة ركن (ح ٣٠٦٩ - ٩/ ٢٥). وابن ماجة في سننه - كتاب المناسك - باب السعي بين الصفا والمروة (ح ٣٠٢٠ - ٢/ ١٧٣).
(٣) بدائع الصنائع (٢/ ٣١٧).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (٥/ ٢٣٨) - وتفسير الماوردي (١/ ٢١٣) - وتفسير الطبري (٢/ ٥٢). - وفتح الباري (٣/ ٥٨٢). وبداية المجتهد (١/ ٦٤٤) والتمهيد لابن عبد البر (٢/ ٩٧).
(٥) تفسير السعدي (١/ ١٨٣).
[ ١٢٠ ]
٢ - حديث حبيبة بنت أبي تجراه (^١) - ﵂ - قالت: (دخلت مع نسوة قريش دار آل أبي الحسين ننظر إلى رسول الله - ﷺ - وهو يسعى بين الصفا والمروة وإن مئزره ليدور في وسطه من شدة سعيه حتى إني لأقول: إني لأرى ركبتيه، وسمعته يقول: (اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي). (^٢)
فثبت بهذا الحديث أنه ﵊ سعى بين الصفا والمروة، وأمر أمته بالسعي بهما لأنه فرض من الله عليهم.
وإذا ثبت أنه ﵊ سعى بين الصفا والمروة، فيجب علينا السعي بهما اتباعًا له، وامتثالًا لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١] وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]
ولقوله ﵊: " لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه". (^٣) والأمر للوجوب، وعليه فالسعي فرض لا يتم الحج والعمرة إلا به.
_________________
(١) حبيبة بنت أبي تجراه: إحدى نساء بني عبد الدار، وهي (العبدرية): يقولون إنهم من الأزد حلفاء بني عبد الدار - صحابية جليلة. (الطبقات الكبرى لابن سعد - ٨/ ١٨٠).
(٢) أخرجه الدار قطني في سننه (حـ ٨٥ - ٢/ ٢٥٥) وأحمد في مسنده (٦/ ٤٢١) والطبراني في المعجم الكبير (حـ ٥٧٤ - ٢٤/ ٢٢٦).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب استحباب رمي جمرة العقبة (حـ ٣١٢٤ - ٩/ ٤٩)، وأبو داود في سننه - كتاب المناسك - باب في رمي الجمار - (حـ ١٩٧٠ - ٢/ ٤٩٥).
[ ١٢١ ]
٣ - إجماع الجمهور على أن الطواف بالبيت لا تجزئ منه فدية ولا بدل، ولا يجزئ تاركه إلا العود لقضائه، وقياسًا عليه كان نظيرًا له: الطواف بالصفا والمروة، لا تجزئ منه فدية ولا بدل، ولا يجزئ تاركه إلا العود لقضائه، إذ كان كلاهما طوافين أحدهما بالبيت والآخر بالصفا والمروة. (^١)
الترجيح: والقول الصواب هو: أن الطواف بالصفا والمروة فرض واجب، وعلى من تركه ناسيًا أو عامدًا العود لقضائه لا يجزئه غير ذلك، استنادًا لقوة الدليل، واحتياطًا لأمور الدين. (^٢)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾ [البقرة:١٥٩]
قال أبو جعفر الطحاوي: اللعن في كلام العرب هو الطرد والإبعاد - ومنه قول الله ﷿: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة:١٥٩].
فكان لعنة الله ﷿ إياهم: طردهم عنه، وإبعادهم منه.
عن أبي عبيدة معمر بن المثني: (لعنهم الله) أي: أطردهم الله وأبعدهم، يقال: ذئب لعين، أي: مطرود، قال شَمَّاخ بن ضرار:
ذَعرتُ به القطا ونفيتُ عنه مقام الذئب كالرجل اللعين. (^٣)
_________________
(١) تفسير الطبري (٢/ ٥٤).
(٢) انظر: تفسير الطبري (٢/ ٥٣)، وتفسير القرطبي (٢/ ١٨٨) وتفسير ابن كثير (١/ ٢٠٥).
(٣) مجاز القرآن (١/ ٤٦)، والبيت في ديوان الشماخ (٩٢). والضمير في (به) يعود إلى (ماء) في البيت الذي قبله وهو: وماء قد وردت لوصل أروى عليه الطير كالورق اللجين. وقوله (مقام الذئب كالرجل اللعين) يعني: مقام الذئب الطريد، واللعين: من نعت الذئب، وإنما أراد: مقام الذئب الطريد اللعين كالرجل. ويقال: أراد مقام الذئب الذي هو كالرجل اللعين، وهو المنفي، والرجل اللعين لا يزال منتبذًا عن الناس، فشبه الذئب به. (انظر: تفسير الطبري (٢/ ٥٨) - وتهذيب اللغة للأزهري (٢/ ٣٩٦). وشماخ هو: الشماخ بن معقل بن ضرار بن حرملة بن سنان المازني الذبياني الغطفاني، شاعر مخضرم، أدرك الجاهلية والإسلام، جمع بعض شعره في ديوانه، شهد القادسية، وكانت وفاته في غزوة (موقان) سنة (٢٢ هـ). (الأعلام لزركلي - ٣/ ١٧٥).
[ ١٢٢ ]
(شرح مشكل الآثار - ٩/ ١٦٨)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن المراد بقوله تعالى: ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٥٩] أي: طردهم عنه، وإبعادهم منه.
وما ذكره الإمام الطحاوي في المراد بالآية هو قول: جمهور المفسرين.
قال ابن فارس: (اللام والعين والنون - أصل صحيح، يدل على إبعاد وطرد. وكل من لعنه الله فقد أبعده عن رحمته، واستحق عقوبته). (^١)
وهذه الآية نزلت: في شأن رؤساء اليهود ككعب بن الأشرف ومالك بن الصيف، حيث كانوا يخفون عن الناس ما أنزل الله جلّ وعلا في التوارة من بيان للحلال والحرام وبيان لأمر الرسول محمد - ﷺ -.
وبهذا الكتمان للحق استحقوا لعنة الله والخلق أجمعين. (^٢)
وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾ [البقرة:١٧٨]
قال أبو جعفر الطحاوي: قال الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة:١٧٨].
فأعلمنا الله ﷿ أن الذي كتب مما معناه فرض في قتلانا، فأمن عقوبة قاتليهم، هو القصاص بغير ذكر منه في هذه الآية مع ذلك غيره.
_________________
(١) انظر: معجم مقاييس اللغة (٥/ ٢٥٢). وتهذيب اللغة (٢/ ٣٩٦).
(٢) تفسير السمرقندي (١/ ١٧١).
[ ١٢٣ ]
فعلمنا بذلك: أن الواجب على القاتل في قتله الذي قد دخل في هذه الآية هو القصاص لا ما سواه، ثم أعقب ﷿ ذلك بقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨].
فعلمنا بذلك: أن الواجب بالعفو المذكور في هذه الآية طارئ على القصاص المذكور وجوبه فيها، ومغير لحق القاتل الذي كان له من القصاص إلى ما سواه مما يتبع من هو عليه بمعروف، ويؤديه إليه بإحسان.
وقد اختلف أهل العلم في ذلك العفو، ما هو؟
فقال أكثرهم، منهم: أبو حنيفة، (^١) ومالك، والثوري في متبعيهم: إنه أن يعفو الذي له الدم عن الذي هو له عليه على شيء يشترط لنفسه عليه بدلًا من القصاص، فيتبعه به بمعروف، ويؤديه إليه الذي كان عليه القصاص بإحسان، وإن ذلك لا يكون إلا باجتماع الفريقين جميعًا عليه، وإن القاتل لو أبى ذلك لم يجبر عليه، ولم يؤخذ به.
وقال الأوزاعي: إن للذي له الدم أن يأخذ الذي هو له عليه بالدية، شاء ذلك الذي هو له عليه أو أبى.
وقال آخرون سواه: إن لولي الدم أن يأخذ الذي هو عليه بالدية شاء أو أبى، من جهة ذكر أنها توجب له ما قال من ذلك، وهي أنه قال: رأيت الله ﷿ قد أوجب في القتل الخطأ الدية، وأوجب في القتل العمد ما هو أغلظ من الدية وهو القصاص، فإذا وجب على القاتل بالقتل العمد الذي كان منه القصاص، وهو أغلظ من الدية، فاختار الذي له الدم رد الأغلظ الذي وجب له على القاتل بقتله إلى الأيسر الذي كان يجب له لو كان الذي كان منه أيسر من القتل العمد الذي يوجب له القصاص، كان قد نزل عن بعض الواجب له إلى ما دونه، وهو الدية، فاستحق ذلك على الذي عليه القصاص شاء القاتل أو أبى.
_________________
(١) أبو حنيفة هو: النعمان بن ثابت بن زوطى بن ماه، الإمام الفقيه الكوفي، وكانت وفاته ببغداد سنة (١٥٠ هـ) (وفيات الأعيان - ٥/ ٤٠٥).
[ ١٢٤ ]
وقال آخرون: إن العفو من الذي قال له القصاص توجب الدية له على الذي كان له عليه القصاص، شاء ذلك الذي له عليه القصاص أو أبى، وهو القول الذي ذكر المزني (^١): أنه الأولى بالشافعي، بعقب حكايته عن الشافعي: أن الدم العمد لا يُملكُ به المال إلا بمشيئة المجنى عليه، إن كان حيًا، وبمشيئة الورثة إن كان ميتًا.
لا نعلم في تأويل العفو المذكور في هذه الآية قولًا غير هذه الأقوال التي ذكرنا، فتأملناها لنقف على الأولى منها بتأويل الآية إن شاء الله.
فبدأنا بقول من قال: إن من عفا عن القصاص إلى الدية استحق الدية بذلك، لأن تارك لبعض حقه. طالبُ لبقيته. فوجدنا ما قال من ذلك فاسدًا، لأن الله ﷿ أوجب في القتل العمد غير الذي أوجب في القتل الخطأ، ولم يجعل واحدًا منهما جزاءً من الآخر، ولما كان ذلك كذلك، عقلنا: أن من نزل عن المجعول له منهما، فقد نزل عن الذي أوجبه الله له إلى غيره، مما لم يوجبه له، فكان معقولًا: أن لا يجب ذلك له إلا برضا من كان له عليه الذي أوجبه الله ﷿ له عليه، ولأنه لو كان بنزوله عن ما أوجبه الله ﷿ له من القصاص يوجب له الدية الواجبة في القتل الخطأ، لوجبت له على من كانت تجب عليه، وهي العاقلة (^٢)،
_________________
(١) المزني هو: أبو إبراهيم إسماعيل بن يحي بن عمرو بن مسلم المزني المصري، تلميذ الشافعي، وهو قليل الرواية، ولكنه كان رأسًا في الفقه، وامتلأت البلاد بـ (مختصره) في الفقه. وصنف كتبًا كثيرة منها: (الجامع الكبير) و(الجامع الصغير)، وكانت وفاته سنة (٢٦٤ هـ). (سير أعلام النبلاء - ١٢/ ٤٩٢).
(٢) العاقلة هي: العصبة والأقارب من قبل الأب الذين يعطون دية قتيل الخطأ، وهي صفة جماعة عاقلة. و(العقل) هو الدية، وأصله: أن القاتل كان إذا قتل قتيلًا جمع الدية من الإبل فعقلها - بمعنى ربطها وقيدها - بفناء دار أولياء المقتول ليسلمها إليهم، ويقبضونها منه، وكان أصل الدية من الإبل، ثم قومت بعد ذلك بالذهب والفضة، والبقر والغنم وغيرها. (النهاية في غريب الحديث - ٣/ ٢٧٨).
[ ١٢٥ ]
وفي إجماعهم على خلاف ذلك، وجوب بطلان هذا القول.
ثم ثنينا بقول من قال: إن العفو يوجب له الدية على القاتل شاء أو أبى، فوجدنا رسول الله - ﷺ - قد روي عنه ما قد دفع ذلك مما قد ذكرناه فيما قد تقدم منا في كتابنا هذا في حديث (^١) ذي النسعة (^٢) من قوله لولي المقتول: (اعف عنه) - يعني قاتل وليه - فأبى، فقال له: (فخذ أرشًا)، (^٣) فعقلنا بذلك: أن عفوه لا أرش معه لو عفا، لأنه قال له لما أباه: (فخذ أرشًا).
وروي عن رسول الله - ﷺ - أيضًا في ذلك عن أبي شريح الخزاعي (^٤)
_________________
(١) نص الحديث: عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: (جاء رجل بقاتل وليه إلى رسول الله - ﷺ -، فقال له: اعف عنه، فأبى، قال: خذ إرشًا، فأبى، قال: أتقتله؟ فإنك مثله، قال: فخلى سبيله، فرئي يجر نسعته ذاهبًا إلى أهله). أخرجه أبو داود في سننه - كتاب: الديات - باب: الإمام يأمر بالعفو في الدم (حـ ٤٤٩٨ - ٤/ ٦٣٧). وابن ماجة في سننه - كتاب: الديات - باب: العفو عن القاتل - (حـ ٢٧٢٣ - ٢/ ١١٢).
(٢) قوله (النِّسعة): سير يضفر على هيئة الحبل، تشد به الرحال، ويجعل زمامًا للبعير وغيره. (لسان العرب - (مادة: نسع - ٨/ ٣٥٢).
(٣) قوله (أرشًا) الأرش: الدية، وأروش: الجنايات والجراحات هي: جائزة لها عما حصل فيها، من النقص، وسمي أرشًا لأنه من أسباب النزاع، يقال: أرَّشْتُ بين القوم، إذا أوقعت بينهم. (لسان العرب - مادة: أرش -٦/ ٢٦٣).
(٤) أبو شريح هو: أبو شريح الخزاعي الكعبي، اختلفوا في اسمه فقيل: خويلد بن عمرو، وقيل عمرو بن خويلد، وقيل: كعب بن عمرو، وقيل: هانئ بن عمرو، أسلم قبل فتح مكة، وكانت وفاته سنة (٦٨ هـ) (أسد الغابة -٦/ ١٦٤).
[ ١٢٦ ]
قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من أصيب بدم أو بخبل - يعني بالخبل الجراح - فوليه بالخيار بين إحدى ثلاث: بين أن يعفو، أو يقتص، أو يأخذ الدية، فإن أبى الرابعة، فخذوا على يديه، فإن قبل واحدة منهن، ثم عدا بعد ذلك، فله النار خالدًا فيها مخلدًا). (^١)
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث: أن ولي المقتول بالخيار بين أن يعفو أو يقتص، أو يأخذ الدية، فكان معقولًا في ذلك أن عفوه لا أخذ دية معه، كما أن أخذه الدية لا عفو معه، ففسد بذلك هذا القول أيضًا.
ثم ثلثنا بما قال الأوزاعي: من إيجابه للولي أخذ الدية من القاتل شاء أو أبى، بعد وقوفنا على ما في الآية التي تلونا، وهي أن الله ﷿ إنما كتب علينا في قتلانا القصاص لا ما سواه، وكان معقولًا أن لا يتحول الحق الذي جعله الله له إلى ما سواه إلا برضا من يتحول عليه بذلك، ففسد بذلك هذا القول أيضًا.
ولم يبق في هذا الباب غير القول الذي قد ذكرنا فيه عن الطائفة الأولى، وهو القصاص، وأن لا يتحول إلى ما سواه إلا برضا القاتل، ومن له الدم جميعًا بذلك، والله نسأله التوفيق.
(شرح مشكل الآثار -١٢/ ٤٢٣ - ٤٢٧)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي مسألة هل يشترط رضى القاتل في الانتقال من القود (^٢) إلى الدية.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب: الديات - باب: الإمام يأمر بالعفو في الدم - (حـ ٤٤٩٦ - ٤/ ٦٣٦) - وابن ماجة في سننه - كتاب: الديات - باب: من قتل نفسه فهو بالخيار بين إحدى ثلاث - (حـ ٢٦٥٤ - ٢/ ١٠٠).
(٢) (القود) هو: القصاص، وقد اقدت ولي الدم من قاتل وليه، إذا مكنته من قتله، (انظر: منال الطالب لابن الأثير - ٢٣١).
[ ١٢٧ ]
وذكر الأقوال في ذلك، مرجحًا القول باشتراط الرضا بدلالة الآية، وهي: أن القصاص هو الواجب في القتل العمد، وأن العفو المذكور في الآية طارئ على القصاص ومغير لحق القاتل الذي كان له من القصاص، فيشترط رضاه في الحكم به عليه. وإليك بيان الأقوال في هذه المسالة، وأدلة كل قول فيها:
الأقوال في مسألة: هل يشترط رضى القاتل في الانتقال من القود إلى الدية:-
القول الأول: لا يشترط رضى القاتل في الانتقال من القود إلى الدية.
- وهذا قول: سعيد بن المسيب - وابن سيرين - وعطاء - ومجاهد - وأبي ثور - وابن المنذر وأحمد - وداود - وإسحاق - والشافعي - وأكثر فقهاء المدينة - وأصحاب مالك. (^١)
- ومن أدلة هذا القول:
١ - قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]. فأوجب الله جلّ وعلا على القاتل أداء الدية إلى ولي الدم، مطلقًا عن شرط الرضا. (^٢)
- ورد هذا الاستدلال: بأن العفو مشروط برضا القاتل إلا أنه تعالى ذكره لم يذكر رضا القاتل لأنه يكون ثابتًا لا محالة، لأن الظاهر من حال كل عامل أنه يبذل كل الدنيا لغرض دفع القتل عن نفسه، لأنه إذا قُتل لا يبقى له لا النفس ولا المال، أما إذا بذل المال ففيه إحياء النفس.
فلما كان هذا الرضا حاصلًا في الأعم الأغلب، ترك ذكره مع اعتباره. (^٣)
٢ - ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: قام رسول الله - ﷺ - فقال: (من قُتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يُؤدى، وإما أن يُقاد). (^٤)
_________________
(١) انظر: المغني (١١/ ٥٩٢) - وبداية المجتهد (٢/ ٧١٢).
(٢) انظر: بدائع الصنائع (٦/ ٢٨٤) - وتفسير أبي حيان (٢/ ١٥٢).
(٣) تفسير الرازي (٥/ ٥٢).
(٤) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الديات - باب: ولي العمد يرضى بالدية (حـ ٤٥٠٥ - ٤/ ٦٤٥) والترمذي في سننه - كتاب الديات - باب: ما جاء في حكم ولي القتيل في القصاص (حـ ١٤٠٩ - ٦/ ١٧٧).
[ ١٢٨ ]
وما رواه أبو شريح الكعبّي. قال: قال رسول الله - ﷺ - في خطبته يوم فتح مكة: (ألا إنكم معشر خزاعة، قتلتم هذا القتيل من هذيل، وإني عاقله، فمن قُتل له بعد مقالتي قتيل، فأهله بين خيرتين، بين أن يأخذوا العقل، وبين أن يَقتلوا). (^١)
فظاهر هذه الأحاديث أنه لا يشترط رضى القاتل في الانتقال من القود إلى الدية. (^٢)
- ورد هذا الاستدلال: بأن هذه الأحاديث غير موجبة الاستدلال، لاحتمال أن يكون المراد بها:
أن أخذ الدية لا يكون إلا برضى القاتل، وإنما أغفل ذكره لعلم المخاطبين به.
كقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد:٤] فلم يذكر الرضا، والمراد: فداء برضى الأسير، فاكتفى بالمحذوف عن ذكره لعلم المخاطبين عند ذكر المال، بأنه لا يجوز إلزامه إياه بغير رضاه، كذلك ما جاء في هذه الأحاديث. (^٣)
٣ - أن في أداء الدية صيانة للنفس عن الهلاك، قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥] وقال جل ذكره: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩].
فلما كان عليه إحياء نفسه، وجب أن يحكم عليه بذلك إذا اختار الولي الدية. (^٤)
- ورد هذا الاستدلال: بأن على كل واحد أن يحي غيره إذا خاف عليه التلف، مثل أن يرى إنسانًا يموت من الجوع فعليه إحياؤه بإطعامه وإن كثرت قيمته.
وإذا كان على القاتل إعطاء المال لإحياء نفسه، فعلى الولي أيضًا إحياؤه إذا أمكنه ذلك.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الديات - باب ولي العهد يرضى بالدية (حـ ٤٥٠٤ - ٤/ ٦٤٣) - والترمذي في سننه - كتاب الديات - باب ما جاء في حكم ولي القتيل في القصاص (حـ ١٤١٠ - ٦/ ١٧٧) وقال: حديث حسن صحيح أ هـ ..
(٢) فتح الباري (١٢/ ٢١٤).
(٣) أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٥٥).
(٤) انظر: بدائع الصنائع (٦/ ٢٨٤) - وبداية المجتهد (٢/ ٧١٣).
[ ١٢٩ ]
فوجب بناء على هذا الأمر: إجبار الولي على أخذ المال إذا بذله القاتل. (^١)
وهذا يؤدي إلى بطلان القصاص، الذي أوجبه الله بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة:١٧٨] لأنه إذا كان على كل واحد منهما إحياء نفس القاتل فعليهما التراضي على أخذ المال وإسقاط القود.
وبناء على هذا الأمر - أيضًا -: يلزم القاتل إذا طلب الولي داره وجميع ماله وإن كثر، أن يعطيه إياه، لأنه لا يختلف فيمن يلزمه إحياء نفسه حكم القليل والكثير، فلما لم يلزمه إعطاء أكثر من الدية عند القائلين بهذه المقالة، كان بذلك انتقاض هذا الاعتلال وفساده. (^٢)
وعليه فإن غاية ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥]. وقوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء:٢٩] غاية ما يدل عليه:
أن يصير القاتل آثمًا بالامتناع عن الدية، لا أن يملك الولي أخذها منه بغير رضاه. (^٣)
القول الثاني: يشترط رضى القاتل في الانتقال من القود إلى الدية.
- وهذا قول: النخعي - والأوزاعي - والثوري - ومالك - وأبي حنيفة - وأحمد في أحد قوليه.
- ومن أدلة هذا القول:
١ - قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة:١٧٨] فالذي أوجبه الله جل وعلا في هذه الآية هو القصاص، وفي إثبات التخيير بينه وبين غيره زيادة في النص، فلا يجوز إلا برضى القاتل. (^٤)
٢ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩]
_________________
(١) أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٥٦).
(٢) أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٥٦).
(٣) بدائع الصنائع (٦/ ٢٨٥).
(٤) انظر: المغني (١١/ ٥٩٢)، وتفسير ابن كثير (١/ ٢١٦)
[ ١٣٠ ]
وعن عمرو بن يثربي ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: (لا يحل لامرئ من مال أخيه شيء إلا بطيب نفس منه) (^١)
فدلت الآية وهذا الحديث على أنه متى لم يرض المسلم بإعطاء المال ولم تطب به نفسه فماله محظور على كل أحد. (^٢)
الترجيح: والراجح هو القول الثاني، لقوة الدليل، وعدم المعارض.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة:١٨٠]
قال أبو جعفر الطحاوي: قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة:١٨٠] فكان ذلك منه ﷿ قبل أن تفرض المواريث في التركات، ثم فرضها فيها بعد ذلك، فنسخ الوصية للوارث على لسان نبيه - ﷺ - بقوله: (إن الله ﷿ قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث) (^٣)، وإن كان ذلك لم يرو إلا من جهة واحدة وهي عن أبي أمامة (^٤) عن النبي - ﷺ - بذلك. غير أن أهل العلم قد قبلوا ذلك، واحتجوا به، فغني بذلك عن طلب الأسانيد فيه.
_________________
(١) أخرجه الدار قطني في سننه (حـ ٩٠ - ٣/ ٢٦) والإمام أحمد في مسنده (٣/ ٤٢٢).
(٢) أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٥٠).
(٣) أخرجه أبوداود في سننه - كتاب الوصايا - باب ما جاء في الوصية للوارث (حـ ٢٨٧٠ - ٣/ ٢٩٠). والترمذي في سننه - كتاب: الوصايا - باب: ماجاء لاوصية لوارث. (حـ ٢١٢٥ - ٨/ ٢٧٥). وقال: حديث حسن صحيح أ. هـ.
(٤) أبي أمامة هو: أبو أمامة صُدَى بن عجلان الباهلي، صحابي جليل سكن مصر ثم حمص ومات بها، وكانت وفاته سنة (٨١ هـ) (أسد الغابة- ٦/ ١٦).
[ ١٣١ ]
(شرح مشكل الآثار - ٩/ ٢٦٤ - ٢٦٥)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن الأمر بالوصية للوارث في هذه الآية منسوخ بقول الرسول - ﷺ -: " إن الله ﷿ قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث " (^١).
ويبقى حكم الآية في الأمر بالوصية - ثابتًا لمن لا يرث من القرابة.
وإليك أولًا: بيان الأقوال في مسألة: هل الآية منسوخة أم محكمة؟
القول الأول: أن الآية محكمة، ظاهرها: العموم في كل قريب. ومعناها: الخصوص في كل قريب لا يرث (^٢) والمخصص لها حديث: " لا وصية لوارث ".
القول الثاني: أن الآية منسوخة.
ثانيًا: الأقوال في المنسوخ من الآية:
١ - جميع ما في الآية من إيجاب الوصية منسوخ.
- وهذا قول: ابن عباس - وابن عمر - وجابر بن زيد - وسعيد بن جبير - وعكرمه ومجاهد.
٢ - المنسوخ من الآية هو: الوصية لمن يرث.
- وهذا قول: ابن عباس - والضحاك - والحسن - وأبي العالية - وقتادة (^٣).
ثالثًا: الأقوال في الناسخ للآية:
١ - الناسخ للآية هو: آية المواريث (^٤) وهي قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء:١١]
٢ - الناسخ للآية هو: الحديث الذي رواه أبو أمامة عن النبي - ﷺ - أنه قال: " إن الله ﷿ قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث (^٥) ".
الترجيح: والراجح هو القول بأن الآية محكمة. وبيان ذلك من وجوه:
_________________
(١) تقدم تخريجه. (٩٧)
(٢) تفسير ابن عطية (٢/ ٦٨).
(٣) انظر: ناسخ القرآن لابن الجوزي (١٨٧) - وتفسير الطبري (٢/ ١٢٤).
(٤) أحكام القرآن للجصاص (١/ ١٦٦)
(٥) تقدم تخريجه -. (٩٧)
[ ١٣٢ ]
I- أن القول بأن الآية منسوخة بآية المواريث مردود بأمور:
١ - أنه لا دليل على أن آية المواريث نزلت بعد آية الوصية حتى تكون ناسخة لها.
٢ - ن ظاهر آية الوصية وسياقها ينافي القول بالنسخ، فإن لله تعالى إذا شرع للناس حكمًا وفي علمه أنه مؤقت وأنه سينسخه بعد زمن، فإنه لا يؤكده بمثل ما أكد به أمر الوصية في هذه الآية.
من كون (كُتَب) وكونه: (حقًا على المتقين). وتوعده لمن بدله (^١) بقوله: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾ [البقرة:١٨١]
٣ - ليس في إيجاب الميراث للورثة بآية المواريث ما ينفي جواز الوصية لهم، لإمكان اجتماع الحقان للورثة. بالطريقين، وإنما ينسخ الشيء ما ينافيه، والله تعالى جعل الميراث بعد الوصية بقوله ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١١] فجعل الإرث بعد الوصية مطلقة من غير فصل بين القريب والبعيد، فما الذي يمنع أن يعطى الوارث نصيبه من الوصية، ثم يعطى الميراث بعدها. (^٢)
* - أن القول بأن حديث أبي أمامة ناسخ للآية مردود بأمور:
١ - أن هذا الحديث المروي عن أبي أمامة حديث آحادي، وخبر الآحاد ظني الثبوت، والظني لا يقوى على نسخ القطعي الذي هو الآية الكريمة.
٢ - أن الحديث ليس على إطلاقه حتى ينسخ الآية، لأن من الفقهاء من أجاز الوصية في حدود الثلث مطلقا (^٣). كما أنه لا ينفي الوصية للأقربين الذين لا يرثون. فغاية ما في الحديث تخصيص العموم الوارد في الآية. (^٤)
وبهذا تبين أن القول الصواب هو: أن الآية محكمة، وأن آية المواريث غير ناسخة لها، بل مؤكدة لحكمها. كما أن الحديث غير ناسخ لها، بل مخصص لعمومها.
وإلى هذا القول ذهب: جمهور المفسرين.
_________________
(١) فتح المنان (٢٧٢).
(٢) أحكام القرآن للكياالهراسي (١/ ٥٨).
(٣) فتح المنان (٢٧١).
(٤) أحكام القرآن للكياالهراسي (١/ ٥٩).
[ ١٣٣ ]
قال الطبري: وإذا كان في نسخ ذلك تنازع بين أهل العلم، لم يكن لنا القضاء عليه بأنه منسوخ إلا بحجة يجب التسليم لها، إذ كان غير مستحيل اجتماع حكم هذه الآية وحكم آية المواريث في حال واحدة على صحة، بغير مدافعة حكم إحداهما حكم الأخرى. (^١)
وقال مكي بن أبي طالب: فحكم القرآن جار أبدًا على ظاهره إلا ما بينته السنة وخصصته أو الإجماع أو القرآن، فلا يقال في شئ خصصته السنة وبينته إنه منسوخ، إنما يقع لنسخ في الحكم الذي زال بكليته (^٢).
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) تفسير الطبري (٢/ ١٢١).
(٢) الإيضاح لناسخ القرآن (٩٢).
[ ١٣٤ ]
قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة:١٨٥]
قال أبو جعفر الطحاوي: قال أصحابنا: إنه يكبر في طريق الأضحى، ويجهر في ذهابه إلى المصلى، ولا يكبر يوم الفطر.
وقال مالك، والأوزاعي: يكبر في خروجه إلي المصلى في العيدين جميعًا.
وقال مالك: يكبر في المصلى إلي أن يخرج الإمام، فإذا خرج الإمام قطع التكبير، ولا يكبر إذا رجع.
وقال الشافعي: يجب إظهار التكبير ليلة الفطر، وليلة النحر، وإذا غدوا إلى المصلى حتى يخرج الإمام، وفي موضوع آخر: حتى يفتتح الإمام الصلاة.
قال أبو جعفر: ومن كبر يوم الفطر تأول فيه قول الله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:١٨٥].
وروي عن زيد بن أسلم (^١): أنه تأول ذلك على تكبير يوم الفطر. وعن ابن عمر (^٢): (أنه كان يوم الفطر، ويوم الأضحى، يكبر ويرفع بذلك صوته، حتى يخرج إلى المصلى).
_________________
(١) زيد هو: أبو عبد الله زيد بن أسلم العَدَوي العمري المدني، وكانت له حلقة للعلم في مسجد الرسول - ﷺ -، وكانت وفاته سنة (١٣٦ هـ) (طبقات المفسرين - ١/ ١٨٢).
(٢) ابن عمر هو: أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، صحابي جليل، أسلم مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم، وهاجر معه إلى المدينة، وكانت وفاته بمكة سنة (٧٣ هـ) (وفيات الأعيان - ٣/ ٢٨).
[ ١٣٥ ]
قال أبو جعفر: ويحتمل قوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:١٨٥]: تعظيم الله تعالى: بالأفعال وبالأقوال، كقوله تعالى: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء:١١١]
وقد روى شعبة (^١) مولى ابن عباس (^٢)، قال: (كنت أقود ابن عباس إلى المصلى، فيسمع الناس يكبرون، فيقول ما شأن الناس؟ أكبر الإمام؟ فأقول: لا، فيقول: أمجانين الناس!).
فأنكر ابن عباس التكبير في الطريق إلى المصلى، وهو يدل على أن المراد عنده هو: التكبير الذي يكبره الإمام في الخطبة، مما يصح أن يكبره الناس معه.
وقد روي عن علي (^٣): (أنه ركب بغلته يوم الأضحى، فلم يزل يكبر).
وروي عن أبي قتادة (^٤): (أنه كان يكبر يوم العيد حتى يبلغ المصلى).
قال أبو جعفر: القياس أن يكبر في العيدين جميعًا، لأن صلاة العيدين لا تختلفان في التكبير والخطبة بعدهما وسائر سننهما، كذلك في سنة التكبير في الخروج إليهما.
_________________
(١) شعبة هو: أبو عبد الله شعبة بن دينار الهاشمي المدني، مولى ابن عباس، وكانت وفاته سنة (١٠٠ هـ)، (تهذيب الكمال - ٣/ ٣٩٢).
(٢) ابن عباس هو: الصحابي الجليل أبو العباس عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، توفي رسول الله - ﷺ - وله ثلاثة عشرة سنة، وكان قد دعا له فقال (اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل)، وكانت وفاته بالطائف سنة (٧٨ هـ) (وفيات الأعيان - ٣/ ٦٢).
(٣) علي هو: الصحابي الجليل أبو الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، ابن عم الرسول ﷺ، وصهره على ابنته فاطمة، وأول خليفة من بني هاشم، ورابع الخلفاء الراشدين، وكانت وفاته سنة (٤٠ هـ) (أسد الغابة- ٤/ ٩١).
(٤) أبو قتادة هو: الصحابي الجليل أبو قتادة الحارث بن ربعي بن بلْدَمة الأنصاري الخزرجي، فارس رسول الله - ﷺ -، وكانت وفاته بالمدينة سنة (٥٤ هـ) (أسد الغابة - ٦/ ٢٥٠).
[ ١٣٦ ]
(مختصر اختلاف العلماء - ١/ ٣٧٦ - ٣٧٨).
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن المراد بـ (التكبير) في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:١٨٥] يحتمل ثلاثة أقوال:
١ - أنه التكبير يوم الفطر.
٢ - أنه التكبير الذي يكبره الإمام في خطبته.
٣ - أنه تعظيم الله تعالى بالأقوال وبالأفعال.
وإليك بيان هذه الأقوال مع بيان القول الراجح منها:
القول الأول: أن المراد بالتكبير في الآية هو: أنه التكبير يوم الفطر.
- وهذا قول: جمهور المفسرين ومنهم: زيد بن أسلم، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة، ﵃.
قال الطبري: (والتكبير الذي حضهم الله على تعظيمه به: التكبير يوم الفطر) (^١). فيكون تكبير الإمام في خطبته داخلًا في ذلك.
قال أبو بكر الجصاص: (التعظيم المذكور في هذه الآية ينبغي أن يكون متعلقًا بإكمال عدة رمضان، وأولى الأشياء به إظهار لفظ التكبير. ثم جائز أن يكون تكبيرًا يفعله الإنسان في نفسه عند رؤية هلال شوال، وجائز أن يكون المراد به التكبير المفعول في الخروج الي المصلى، وجائز أن يراد به تكبيرات صلاة العيد. وجائز أن يراد به التكبير الذي يكبره الإمام في خطبته.
وكل ذلك يحتمله اللفظ ولا دلالة فيه على بعض دون بعض. فأيها فعل المؤمن فقد قضى عهدة الآية وفعل مقتضاها) (^٢).
القول الثاني: أن المراد بالتكبير في الآية هو: تعظيم الله تعالى في كل وقت وحين اعتقادًا وقولًا وعملًا (^٣).
فلا يختص هذا الثناء والتعظيم بلفظ "التكبير"، بل يعظم الله تعالى ويثني عليه بما شاء من ألفاظ الثناء والتعظيم (^٤).
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٢/ ١٦٤) وتفسير السمعاني (١/ ١٨٥).
(٢) أحكام القرآن للجصاص (١/ ٢٢٥).
(٣) انظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٢٢٥) وتفسير السمرقندي (١/ ١٨٥).
(٤) تفسير أبي حيان (٣/ ٢٠٣).
[ ١٣٧ ]
الترجيح: والقول الراجح هو أن المراد بالتكبير في الآية هو: التكبير يوم الفطر، وذلك بدلالة سياق الآية: فإن الآية واردة في صيام شهر رمضان (^١).
وأما القول بأن المراد بالتكبير في الآية هو: التعظيم لله شكرًا على ما وفق على هذه الطاعة.
فالجواب عليه: أن هذا التعظيم لله تعالى واجب في جميع الأوقات، ومع كل الطاعات، فتخصيص هذه الطاعة بهذا التكبير يوجب أن يكون هذا التكبير له خصوصية زائدة على التكبير الواجب في كل الأوقات ومع جميع الطاعات. (^٢)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية.
والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ [البقرة:١٨٧]
قال أبو جعفر الطحاوي: قوله ﷿: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] فعمم المساجد كلها بذلك.
_________________
(١) تفسير الطبري (٢/ ١٦٤).
(٢) تفسير الرازي (٥/ ٩٣).
[ ١٣٨ ]
وكان المسلمون عليه من الاعتكاف في مساجد بلدانهم، أما مساجد الجماعات التي تقام فيها الجمعات، وإما هي وما سواها من المساجد التي لها الأئمة والمؤذنون على ما قاله أهل العلم في ذلك. والله ﷿ نسأله التوفيق.
(شرح مشكل الآثار - ٧/ ٢٠٥).
الدراسة
استدل الإمام الطحاوي بقوله ﷿: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] على جواز الاعتكاف في سائر المساجد أخذًا بظاهر الآية وعمومها.
وإليك بيان الأقوال في حكم الإعتكاف في سائر المساجد:
القول الأول: أن الاعتكاف جائز في كل مسجد.
- وهذا قول: سعيد بن جبير - وأبي قلابة - وإبراهيم النخعي - والثوري.
وهو قول: أبي حنيفة - والشافعي- وأحمد - وأحد قولي مالك.
- ودليل هذا القول: عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ فعمم المساجد كلها (^١).
القول الثاني: أن الاعتكاف لا يجوز إلا في مسجد تجمع فيه الجمعة.
- وهذا قول: علي بن أبي طالب - وابن مسعود - وعروة بن الزبير - ﵃، والزهري وهو أحد قولي مالك.
- ودليل هذا القول: أن الإشارة في الآية ترجع إلى المساجد التي تقام فيها الجمعة دون غيرها.
ولكي لا يضطر المعتكف للخروج من معتكفه لحضور الجمعة في مسجد آخر (^٢).
القول الثالث: أن الاعتكاف لا يجوز إلا في المساجد الثلاثة.
- وقد روي هذا القول عن: حذيفة بن اليمان - وسعيد بن المسيب - وعطاء.
- ودليل هذا القول:
١ - ما روي عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبي عليه ﷺ يقول:
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن للجصاص- (١/ ٢٤٣). وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ٩٥).
(٢) انظر: تفسير القرطبي (٢/ ٣٣٢) - والتمهيد لابن عبد البر (٨/ ٣٢٥).
[ ١٣٩ ]
" لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا " (^١)
وما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:" صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام " (^٢).
فهذا يدل على اعتبار اختصاص هذه المساجد الثلاثة بالفضيلة دون غيرها. (^٣)
٢ - ما روي عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لا إعتكاف إلا في المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي - ﷺ -، ومسجد بيت المقدس .. " (^٤).
فدل هذا الحديث على أن الاعتكاف لا يجوز إلا في المساجد الثلاثة.
الترجيح: والراجح هو القول بأن الاعتكاف جائز في سائر المساجد.
وذلك لأن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:١٨٧] يبيح الاعتكاف في سائر المساجد لعموم اللفظ.
ومن خصصها بالمساجد التي تقام فيها الجمعة، لا دليل على ما ذهب إليه.
كما أن صلاة الجمعة تجوز في سائر المساجد فكذلك يجوز الاعتكاف فيها.
ومن خصصها بالمساجد الثلاثة، فإن ما استدل به مما رواه حذيفة بن اليمان، حديث مُتكلم في سنده ومتنه، والصحيح فيه: أنه موقوف على حذيفة بن اليمان.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التطوع - باب مسجد بيت المقدس - (حـ ١١٣٩ - ١/ ٤٠٠). ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره. (حـ ٣٢٤٨ - ٩/ ١٠٧)
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التطوع - باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة. (حـ ١١٣٣ - ١/ ٣٩٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب: فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة. (حـ ٣٣٦١ - ٩/ ١٦٥).
(٣) أحكام القرآن للجصاص (١/ ٢٤٢).
(٤) أخرجه البيهقي في سننه - كتاب الصيام - باب الاعتكاف في المسجد (حـ ٧ - ٤/ ٣١٦). والطبراني في المعجم الكبير - (حـ ٩٥١١ - ٩/ ٣٠٢).
[ ١٤٠ ]
أما تخصيصه - ﷺ - هذه المساجد الثلاثة بالذكر، فهو دليل على تفضيلها على سائر المساجد، وليس فيه دلالة على نفي الاعتكاف في غيرها، كما لا دلالة فيه على نفي جواز الجمعات والجماعات في غيرها، فغير جائز لنا تخصيص عموم الآية بما لا دلالة فيه على التخصيص. (^١)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ [البقرة: ١٨٧].
قال أبو جعفر الطحاوي: عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، قال جلست مع أبي هريرة، فسأله رجل عن الصائم إذا أصبح وهو جنب، فقال له أبو هريرة: فلا صيام له، فقال أبو بكر قد ذكرت ذلك لأبي عبد الرحمن بن الحارث، فذكر ذلك أبي لمروان بن الحكم (^٢)
_________________
(١) أحكام القرآن للجصاص (١/ ٢٤٣).
(٢) مروان هو: مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي، ويكنى أبا القاسم، وأبا الحكم، من كبار التابعين، وكانت وفاته سنة (٦٥ هـ) (سير أعلام النبلاء - ٣/ ٤٧٦).
[ ١٤١ ]
- وهو أمير المدينة -، فقال له مروان: لتأتين عائشة وأم سلمة زوجي. النبي - ﷺ -، فلتسألهما عن هذا من أمر رسول الله ﵇، فإنه لا أحد أعلم بهذا من أمر رسول الله - ﷺ - من نسائه، قال: فخرج أبي، وخرجت معه حتى دخلنا على أم سلمة، فسألها عن ذلك، فقالت: قد كان رسول الله - ﷺ - يصبح وهو جنب من نكاح غير احتلام، ثم يصوم، قال: ثم خرجنا من عندها، فجلسنا على باب عائشة، فبعث إليها أبي، ذكوان (^١)
_________________
(١) ذكوان هو: أبو عمرو ذكوان المدني، مولى عائشة، قال فيه العجلي: مدني تابعي ثقة، وكانت وفاته بالحرة سنة (٦٣ هـ) (تهذيب الكمال - ٢/ ٤٤١).
[ ١٤٢ ]
مولاها، فسألها عن ذلك، فجاءه ذكوان، فقال: تقول لك: كأن رسول الله - ﷺ - يصبح وهو جنب من نكاح غير احتلام، ثم يصوم، قال: فرجع أبي إلى مروان، فذكر ذلك له، فقال: إني عزمت عليك لتأتين أبا هريرة حتى تخبره بهذا، قال: فقال له أبي: يغفر الله لك أيها الأمير، بلغتك حديثًا عن رجل من أصحاب رسول الله - ﷺ - بأمر فتجيئه، حتى إذا وجدت خلافه، أمرتني أن أُعِّرفه به، قال: فقال له مروان: عزمت عليك لتفعلن، فخرج مروان حاجًا أو معتمرًا، فخرجنا معه، حتى إذا كنا بذي الحليفة (^١) - ولأبي هريرة بها أرض هو فيها - قمنا إليه وأنا مع أبي، فقال له أبي: يا أبا هريرة، إني أخبرت الأمير أنك قلت: من أدرك الفجر وهو جنب، فلا صيام له، فأمرني أن أسأل أزواج النبي - ﷺ - عن ذلك، ففعلت، فحدثتني أم سلمة وعائشة أن رسول الله - ﷺ - كان يصبح وهو جنب من نكاح غير احتلام، ثم يصوم، قال: فقال أبو هريرة: لا أدري، أخبرني بذلك الفضل بن عباس (^٢) .. عن النبي ﵇. (^٣)
ففيما روينا من هذه الآثار ما ذكره أبو هريرة فيها عن الفضل بن عباس، عن رسول الله - ﷺ - في منعه من الصوم من أصبح جنبًا، وفيها إخبار عائشة وأم سلمة مما يخالف ذلك في منعه.
_________________
(١) ذي الحُلَيْفة هي: قرية بينها وبين المدينة ستة أميال، ومنها ميقات أهل المدينة. (معجم البلدان - ٢/ ٢٩٥).
(٢) الفضل هو: أبو عبد الله الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي، وهو ابن عم الرسول - ﷺ -، وكانت وفاته سنة (١٣ هـ). (أسد الغابة - ٤/ ٣٦٦).
(٣) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه - كتاب الصيام - باب: ذكر خبر روي في الزجر عن الصوم إذا أدرك الجنب الصبح قبل أن يغتسل (حـ ٢٠١ - ٣/ ٢٥٠). والبيهقي في سننه - كتاب الصيام - باب: من أصبح جنبًا في شهر رمضان. (حـ ٧ - ٤/ ٢١٤).
[ ١٤٣ ]
فقال قائل: من أين اتسع لكم أن تميلوا في هذه إلى ما روته عائشة وأم سلمة عن النبي ﵇، وتتركوا ما رواه أبو هريرة، عن الفضل، عن رسول الله - ﷺ - مما يخالفه دون أن تصححوهما جميعًا، فتجعلون حديث عائشة وأم سلمة عنه ﵇ إخبارًا منهما عن حكمه، كان في ذلك في نفسه، وتجعلون حيث الفضل عنه في حكم غيره من أمته، حتى لا يضاد واحد من هذين المعنيين المعنى الآخر منهما.
فكان جوابنا له في ذلك: أنا قد وجدنا عنه ما قد دل على أن حكمه في نفسه، كان في ذلك، كحكم سائر أمته فيه، وذلك: عن عائشة أن رجلًا قال لرسول الله - ﷺ - وهو واقف على الباب، وأنا أسمع: يا رسول الله، إني أصبح جنبًا وأنا أريد الصوم، فقال رسول الله - ﷺ -:" وأنا أصبح جنبًا، وأنا أريد الصوم، فأغتسل وأصوم " فقال الرجل: إنك لست مثلنا، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله - ﷺ - وقال: (والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله تعالى، وأعلمكم بما أتقي) (^١)
ولما وقفنا بذلك على استواء حكمه وحكم سائر أمته في ذلك، عقلنا أن ذينك المعنيين قد كانا حكمين لله تعالى، نسخ أحدهما الآخر، وكان ما في حديث الفضل منهما التغليظ، وما في حديث عائشة وأم سلمة التخفيف.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب: الصيام - باب: صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب (حـ ٢٥٨٨ - ٧/ ٢٢٣). وأبو داود في سننه - كتاب: الصوم - باب: فيمن أصبح جنبًا في شهر رمضان (حـ ٢٣٨٩ - ٢/ ٧٨٢).
[ ١٤٤ ]
وقد ذكرنا فيما تقدم منا في كتابنا هذا أن النسخ بلا معصية لله تعالى رحمة من الله، ورد التغليظ إلى التخفيف، ولم يكن بحمد الله في شيء مما كان من أجله هذا النسخ معصية يكون معها التغليظ، فجعلنا النسخ في هذا الحكم كان من التغليظ إلى التخفيف، وكان في ذلك وجوب استعمال ما جاء في حديث عائشة وأم سلمة دون ما في حديث الفضل، مع أنا قد وجدنا كتاب الله قد أوجب ذلك، وهو قول الله تعالى فيه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] وكان في ذلك ما قد دل على إباحة إتيان النساء في الليل إلى طلوع الفجر، ولا يكون الاغتسال الذي يوجبه ذلك الإتيان إلا في النهار، وفي ذلك ما يبيح الصوم مع الجنابة، وفيه موافقة ما في حديث عائشة وأم سلمة عن رسول الله ﵇ فيه.
(شرح مشكل الآثار - ٢/ ١٤ - ١٨)
الدراسة
استدل الإمام الطحاوي بهذه الآية على: صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب.
وما قاله الإمام الطحاوي هو أحد الأقوال في هذه المسألة.
وإليك بيان الأقوال في هذه المسألة، مع بيان القول الراجح منها:
الأقوال في حكم صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب:
القول الأول: أن من طلع عليه الفجر وهو جنب: فصومه صحيح.
- وهذا قول: عامة أهل العلم - ومنهم: علي بن أبي طالب - وابن عباس - وابن مسعود - وابن عمر - وأبو الدرداء - وأبوذر - وعائشة وأم سلمة ﵃.
وبه قال: أبو حنيفة - ومالك - والشافعي - والثوري - والأوزاعي - وأبو عبيدة - وغيرهم. (^١)
- ومن أدلة هذا القول:
١ - قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧] الآية.
_________________
(١) المغني لابن قدامة (٤/ ٣٩١).
[ ١٤٥ ]
ففي هذه الآية الدلالة على أن الجنابة لا تنافي صحة الصوم، لم فيها من إباحة الجماع من أول الليل إلى آخره، مع العلم بأن المجامع في آخر الليل إذا صادف فراغه من الجماع طلوع الفجر فإنه يصبح جنبًا ولا يتأتى له الغسل إلا بعد الفجر، ومع ذلك حكم بصحة صومه بقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧] (^١).
٢ - حديث يعلى بن عقبة قال: أصبحت جنبًا وأنا أريد الصوم، فأتيت أبا هريرة فسألته، فقال لي: أفطر، فأتيت مروان فسألته، وأخبرته بقول أبي هريرة فبعث عبد الرحمن بن الحارث إلى عائشة، فسألها، فقالت: كان النبي ﵇ يخرج لصلاة الفجر ورأسه يقطر من جماع، ثم يصوم ذلك اليوم، فرجع إلى مروان، فأخبره، فقال: ائت أبا هريرة، فأخبره، فأتاه، فقال: إني لم أسمعه من النبي - ﷺ -، إنما حدثنيه الفضل، عن النبي ﵇ ". (^٢)
فدل هذا الحديث على: أن من طلع عليه الفجر وهو جنب: فإن صومه صحيح.
٣ - أن الغسل شيء يجب بالإنزال، وليس في فعله شيء يحرم على صائم، فقد يحتلم بالنهار فيجب الغسل ولا يحرم عليه، بل يتم صومه إجماعًا، فكذلك إذا احتلم ليلًا، بل هو من باب أولى. (^٣)
القول الثاني: أن من طلع عليه الفجر وهو جنب: فلا صوم له.
- وهذا قول: أبي هريرة - والحسن بن صالح.
وكان أبو هريرة يروي ذلك عن الرسول - ﷺ - ثم رجع عنه. (^٤)
- ومن أدلة هذا القول:-
_________________
(١) أحكام القرآن للجصاص (١/ ٢٣٢).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الصوم - باب الصائم يصبح جنبًا (حـ ١٨٢٥ - ٢/ ٦٧٩). ومسلم في صحيحه - كتاب الصيام - باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب (حـ ٢٥٨٤ - ٧/ ٢٢٠)
(٣) فتح الباري (٤/ ١٧٥).
(٤) تفسير الرازي (٥/ ١١٠).
[ ١٤٦ ]
استدل أصحاب هذا القول بالحديث المتقدم - حديث يعلي بن عقبة - من جهة أن ما ذكرته عائشة - ﵂ - هو مما أختص به النبي - ﷺ -، وأما ما ذكره أبو هريرة فهو حكم غيره من أمته. (^١)
- وقد رد هذا الاستدلال من وجوه:
١ - أن حمل قول عائشة - ﵂ - على الخصوصية لا يصح، وذلك لأن الخصائص لا تثبت إلا بدليل، ولا دليل على ذلك. بل ورد صريحًا ما يدل على عدم الخصوصية (^٢)، وهو:
ما ورد عن أبي يونس مولى عائشة عن عائشة - ﵂ -: أن رجلًا قال لرسول الله - ﷺ - وهو واقف على الباب، وأنا أسمع: يا رسول الله، إني أصبح جنبًا، وأنا أريد الصوم، فقال رسول الله - ﷺ -: " وأنا أصبح جنبًا، وأنا أريد الصوم، فأغتسل وأصوم " فقال الرجل: إنك لست مثلنا، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله - ﷺ - وقال: " والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله تعالى، وأعلمكم بما أتقي ". (^٣)
فدل هذا الحديث على: أن حكم الرسول - ﷺ - في ذلك كحكم سائر أمته فيه (^٤).
٢ - أن قول أبي هريرة - ﵁ - يحمل على أحد الأمور التالية:
أ - يحمل على من أدركه الفجر مجامعًا وبقي على ذلك بعد طلوع الفجر عالمًا بذلك.
_________________
(١) شرح مشكل الآثار (٢/ ١٧).
(٢) فتح الباري (٤/ ١٧٥).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الصيام - باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب (حـ ٢٥٨٨ - ٧/ ٢٢٣). وأبو داود في سننه - كتاب الصوم - باب فيمن أصبح جنبًا في شهر رمضان (حـ ٢٣٨٩ - ٢/ ٢٨٧).
(٤) شرح مشكل الآثار، (٢/ ١٧).
[ ١٤٧ ]
ب - يحمل على أنه قول منسوخ بالآية، وبقول عائشة - ﵂ -، وأنه كان في أول الأمر حين كان الجماع والأكل والشراب محرمًا في الليل بعد النوم، ثم نسخ ذلك ولم يعلمه أبو هريرة، فكان يفتي بما علمه حتى بلغه الناسخ فرجع إليه. (^١)
وإلى دعوى النسخ، ذهب: ابن المنذر - والخطابي - وابن دقيق العيد - وابن حجر - وغيرهم. (^٢).
ورد هذا الاحتمال: بأن من ادعى النسخ لا تاريخ معه يثبت صحة ذلك. (^٣)
ج - يحمل على أنه إرشاد إلى الأفضل، فالأفضل أن يغتسل قبل الفجر. فلو خالف ذلك جاز، ولذلك فعله الرسول - ﷺ - لبيان الجواز. (^٤)
وهذا الاحتمال هو الأقرب، جمعًا بين الأقوال.
وحديث عائشة أولى بالاعتماد، لأنها أعلم بمثل هذا من غيرها، ولأن قولها هو الموافق لظاهر القرآن.
القول الثالث: أن من طلع عليه الفجر وهو جنب، وكان عالمًا بجنابته: فلا صوم له.
- وهذا قول: عروة بن الزبير - وعطاء - وطاووس - والنخعي. (^٥)
القول الرابع: أن من طلع عليه الفجر وهو جنب: فإنه يتم صومه ويقضي.
- وهذا قول: الحسن البصري - وسالم بن عبد الله. (^٦)
الترجيح: والراجح هو القول بصحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، لظاهر الأدلة المتقدمة. وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المسألة. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ [البقرة:١٩٥]
_________________
(١) شرح صحيح مسلم للنووي (٠٧/ ٢٢١) ..
(٢) فتح الباري (٤/ ١٧٥).
(٣) تفسير ابن كثير (١/ ٢٢٩).
(٤) شرح صحيح مسلم للنووي (٤/ ٢٢١).
(٥) انظر: تفسير القرطبي (٢/ ٣٢٥) - وشرح صحيح مسلم للنووي (٤/ ٢٢٢).
(٦) المغني لابن قدامة (٤/ ٣٩٢).
[ ١٤٨ ]
قال أبو جعفر الطحاوي: عن أسلم أبو عمران (^١)، قال: كنا بالقسطنطينية، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر (^٢)، وعلى أهل الشام رجل، فخرج من المدينة صف عظيم من الروم، فصففنا لهم، فحمل رجل من المسلمين على الروم، حتى دخل فيه، ثم خرج إلينا، فصاح الناس إليه: سبحان الله، ألقى بيده الي التهلكة، فقام أبو أيوب الأنصاري (^٣)،
_________________
(١) أسلم هو: أبو عمران أسلم بن يزيد التُّجيبي المصري، قال فيه النسائي: ثقة، روى له: أبو داود، والترمذي، والنسائي. (تهذيب الكمال - ١/ ٢١٠).
(٢) عقبة بن عامر هو: الصحابي الجليل عقبة بن عامر الجهني المصري، كان عالمًا مقرئًا فصيحًا فقيهًا فرضيًا شاعرًا كبير الشأن، ولي إمرة مصر، وكانت وفاته بالمقطم سنة (٥٨ هـ). (سير أعلام النبلاء -٢/ ٤٦٧).
(٣) أبو أيوب هو: أبو أيوب خالد بن زيد بن كليب الأنصاري الخزرجي النجاري، شهد سائر المشاهد مع رسول الله - ﷺ -، وكانت وفاته بالقسطنطينية سنة (٥١ هـ) (أسد الغابة -٦/ ٢٥).
[ ١٤٩ ]
صاحب رسول الله - ﷺ -، فقال: يا أيها الناس، إنكم تتأولون هذه الآية على هذا التأويل، إنما أنزلت فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه، وكثر ناصروه، قلنا فيما بيننا لبعضنا بعض سرًا من رسول الله - ﷺ -: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أقمنا فيها، وأصلحنا منها ما قد ضاع، فأنزل الله تعالى في كتابه يرد علينا ما قد هممنا به، فقال: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] فكانت التهلكة في الإقامة التي أردنا أن نقيم في أموالنا ونصلحها، فأمرنا بالغزو، فما زال أبو أيوب غازيًا في سبيل الله حتى قبضه الله تعالى. (^١)
ففي هذا الحديث أن التهلكة المذكورة في هذه الآية هي التهلكة في الدين
وكان معنى ذلك: أن من بلغت حاله من ترك الغزو الامتناع من النفقة في سبيل الله، كما قد كانت الأنصار عليه، ثم همت بخلافه، هلاك.
ومثله ما قد روي عن رسول الله - ﷺ -، كما عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ -، قال:" إذا سمعت الرجل يقول: هلك الناس، فهو أهلكهم " (^٢).
وكان ذلك على الهلاك في الدين لا فيما سواه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾] البقرة:١٩٥] (حـ ٢٥١ - ٣/ ٢٧) والترمذي في سننه - كتاب تفسير القرآن - باب ومن سورة البقرة (حـ ٢٩٧٨ - ١١/ ٩٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب - أ هـ.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب البر والصلة - باب النهي من قول: هلك الناس - (حـ ٦٦٢٦ - ١٦/ ٣٩١). وأبو داود في سننه - كتاب الأدب - باب (حـ ٤٩٨٣ - ٥/ ٢٦٠).
[ ١٥٠ ]
ثم نظرنا فيما روي عن أصحاب رسول الله - ﷺ - في المراد بهذه الآية عندهم مما لم يذكروا فيه أن نزولها كان فيه، كما ذكره أبو أيوب في حديثه الذي ذكرناه عنه.
فوجدنا عن قيس (^١)، قال: قال رجل لعمر - وقُتل خاله -: يا أمير المؤمنين، إن قومًا يزعمون أن خالي ممن ألقى بيده إلى التهلكة، قال: بل هو من الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة.
قال أبو جعفر: ولم يذكر في هذا الحديث السبب الذي قيل لخاله من أجله ما قيل، غير أنا قد أحطنا علمًا أنه من أسباب القتال في سبيل الله.
ووجدنا عن أبي إسحاق (^٢): أن رجلًا قال للبراء (^٣): أحمل على الكتيبة في ألف بالسيف من التهلكة؟ قال: لا، إنما التهلكة أن يذنب الرجل الذنب، ثم يلقي بيديه، يقول: لا يغفر لي
وعن ابن عباس: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾] البقرة:١٩٥] قال: أنفقوا في سبيل الله، ولا تمسكوا النفقة في سبيل الله، فتهلكوا
قال أبو جعفر: يريد أنه ينفق في سبيل الله من قليل المال كما ينفق من كثيره، على التحذير منه إياه أن يترك ذلك، فيدخل في الوعيد الذي قد ذكرنا
وقال حذيفة (^٤)
_________________
(١) قيس هو: قيس بن أبي حازم حصين بن عوف، أدرك الجاهلية وهاجر إلى الرسول - ﷺ -، ليبايعه، فقبض وهو في الطريق سنة (٩٨ هـ) (تهذيب التهذيب-٣/ ٤٤٤).
(٢) أبو إسحاق هو: عمرو بن عبد الله بن ذي يحمد السبيعي الهمداني الكوفي، وكان من جلة التابعين، وكانت وفاته سنة (١٢٧ هـ) (سير أعلام النبلاء-٥/ ٣٩٢).
(٣) البراء هو: البراء بن عازب بن الحارث أبو عمارة الأنصاري الحارثي المدني، نزيل الكوفة، من أعيان الصحابة، وكانت وفاته سنة (٧٢ هـ) (سير أعلام النبلاء-٣/ ١٩٤).
(٤) حذيفة هو: حذيفة بن اليمان حسل بن جابر العبسي اليماني، أبو عبد الله، حليف الأنصار، ومن أعيان المهاجرين، وكانت وفاته بالمدائن سنة (٣٦ هـ) (سير أعلام النبلاء-٢/ ٣٦١).
[ ١٥١ ]
في تأويل هذه الآية: (في النفقة)
وعن ابن عباس، في قوله ﷿: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥] قال: (لا يقولن أحدكم: إني هالك، لا أجد شيئًا، إن لم يجد إلا مِشْقصًِا (^١) فليجاهد به في سبيل الله ﷿).
فكل هؤلاء الذين روينا عنهم هذه الآثار يخبرون: أن التهلكة المذكورة في الآية التي تلونا ليست في لقاء العدو بالقتال الذي ليس مع من لقيهم من الطاعة ما لا يؤمن عليه منهم قتلهم إياه، وأنه في فعله ذلك غير مذموم فيه.
فقال قائل: كيف تقبلون هذا، وقد رويتم في تأويل هذه الآية خلافه؟
فذكر عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث الزهري (^٢)، أخبره: أنهم حاصروا دمشق، فانطلق رجل من أزد شنوءة، فأسرع إلى العدو وحده يستقبل، فعاب ذلك عليه المسلمون، ورفعوا حديثه إلىعمرو بن العاص (^٣)، وهو على جند من الأجناد، فأرسل إليه عمرو، فرده، وقال له عمرو: إن الله ﷿ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤]، وقال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥].
_________________
(١) قوله (إلا مشقصًا): المِشقص بكسر الميم هو: السهم، والمشقص أيضًا هو: نصل من نصال السهام طويل، (انظر: منال الطالب لابن الأثير -
(٢) وغريب الحديث لأبي إسحاق الحربي (١/ ٩٦).
(٣) عبد الرحمن بن الأسود هو: أبو محمد عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث بن وهب القرشي الزُهري المدني، من كبار التابعين، (تهذيب الكمال -٤/ ٣٧٠).
(٤) عمرو بن العاص هو: الصحابي الجليل أبو عبد الله عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم القرشي السهمي، وكانت وفاته بمصر سنة (٤٣ هـ). (أسد الغابة - ٤/ ٢٤٤)
[ ١٥٢ ]
قال: فهذا عمرو بن العاص قد جعل لقاء العدو بمثل ما طلب ذلك الرجل لقاءهم عليه من التهلكة.
وكان جوابنا له في ذلك: أن هذا الذي كان من عمرو ليس فيه إخبار عن السبب الذي فيه نزلت الآية، وحديث أبي أيوب فيه الإخبار عن السبب الذي فيه نزلت، وفي خبر أبي أيوب التوقيف على السبب الذي فيه نزلت، وهم فلم يعلموا نزولها، ولا السبب الذي أريد بنزولها فيه، إلا من رسول الله - ﷺ - بتلاوته إياها عليهم، وبإخباره إياهم السبب الذي نزلت فيه.
وعمرو بن العاص قد يحتمل أن يكون ما قاله مما في حديثه الذي رويناه عنه كان ما تأولها عليه مما هو له واسع، إذ كانت محتملة لما تأولها عليه، ولو وقف على ما كان من رسول الله - ﷺ - مما يخالف ذلك لتمسك به، ولرد تأويله إليه، ولم يقل في تأوليها خلافه، والذي يكون ممن يطلب في قتال العدو، وتأول في حديث عمرو هذا مما يطلب به النكاية في العدو، وصاحبه محمود عليه، والله أعلم، الذي أراده عمر بن الخطاب ﵁ في الحديث الذي رويناه عنه في هذا الباب، حتى تلا من أجله الآية التي تلاها، وهي: ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ [النساء:٧٤]، وهي أجل المراتب وأعلاها.
وقد كان من جعفر بن أبي طالب (^١) يوم مؤتة مثل ذلك.
_________________
(١) جعفر هو: الصحابي الجليل أبو عبد الله جعفر بن أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، ابن عم الرسول - ﷺ -، وأخو علي بن أبي طالب لأبويه، وكان أشبه الناس برسوله الله - ﷺ - خُلقًا وخَلقًا، وكانت وفاته في غزوة مؤتة سنة (٨ هـ) (أسد الغابة - ١/ ٣٤١).
[ ١٥٣ ]
كما عن يحي بن عباد بن عبد الله بن الزبير (^١)، عن أبيه، قال: حدثني أبي الذي أرضعني، وكان أحد بني مرة، قال: شهد مؤتة مع جعفر بن أبي طالب وأصحابه ﵃، فرأيت جعفرًا حين لاحمه القتال، اقتحم على فرس له شقراء، ثم عقرها، وقاتل القوم حتى قتل، فكان أول رجل عَقَر في سبيل الله يومئذ.
قال أبو جعفر: وذلك كان منه بحضرة من بقي من الأمراء الذين كانوا معه، وهو بحضرة عبد الله بن رواحة (^٢)، وبحضرة من خلفه في القتال، وهو خالد بن الوليد (^٣) الذي حمده رسول الله - ﷺ -، وسماه لذلك: سيف الله، وبحضرة من كان سواهما من المسلمين ذلك منه، ولم ينكروه عليه.
ومما نحيط علمًا به: أنه قد تناهى إلى رسول الله - ﷺ - من فعله، فلم ينكره عليه، ولم ينه المسلمين عن مثله، فدل ذلك على أن هذا الفعل من أجلّ الأفعال، وأن الثواب عليه من أعظم الثواب من الله ﷿، وأن تأويل الآية التي تلوناها كما رويناه، عن أبي أيوب في تأويلها لا كما سواه مما يخالف ذلك. والله نسأله التوفيق.
(شرح مشكل الآثار - ١٢/ ٩٩ - ١٠٨)
_________________
(١) يحي هو: يحي بن عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي المدني، مات وهو ابن ست وثلاثين سنة، (تهذيب الكمال - ٨/ ٥٤).
(٢) عبد الله بن رواحة هو: أبو محمد عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الأنصاري الخزرجي، شهد المشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ - إلا الفتح وما بعده، وكانت وفاته في غزوة مؤتة سنة (٨ هـ) (أسد الغابة - ٣/ ٢٣٤).
(٣) خالد بن الوليد هو: أبو سليمان خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله القرشي المخزومي، وكانت وفاته بحمص أو بالمدينة سنة (٢١ هـ) (أسد الغابة- ٢/ ١٠٩).
[ ١٥٤ ]
بين الإمام الطحاوي الأقوال الواردة في المراد (بالتهلكة) في الآية، مرجحًا أن المراد بها: ترك الجهاد والإنفاق في سبيل الله والركون إلى الدنيا، اعتمادًا على ما روي عن أبي أيوب الأنصاري في سبب نزول الآية.
وإليك بيان الأقوال في المراد (بالتهلكة) في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]:-
- القول الأول: أن المراد بالتهلكة: ترك النفقة في سبيل الله.
- فعن أبي جبيرة بن الضحاك - ﵁ - قال: كان الأنصار يتصدقون ويعطون ما شاء الله، فأصابتهم سنة، (^١) فأمسكوا فأنزل الله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]. (^٢)
- وهذا قول: ابن عباس - وحذيفة بن اليمان - والحسن - ومقاتل - وعطاء - وعكرمة ومجاهد - والضحاك - وجمهور الناس. (^٣)
- القول الثاني: أن المراد بالتهلكة: ترك الجهاد في سبيل الله.، والركون إلى الدنيا.
_________________
(١) قوله: (فأصابتهم سنة): أي أصابهم قحط وجدب. (انظر: منال الطالب لابن الأثير (١١٤) - وغريب الحديث لأبي إسحاق الحربي (٣/ ٩٦٩).
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (حـ ٩٧٠ - ٢٢/ ٣٩٠).
(٣) انظر: تفسير الطبري (٢/ ٢٠٦) وتفسير ابن عطية (٢/ ١٠٧).
[ ١٥٥ ]
الدراسة
- فعن أبي أيوب الأنصاري - ﵁ - قال: (إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام، قلنا بيننا معشر الأنصار، خَفيًا من رسول الله - ﷺ -: إنا قد كنا تركنا أهلنا وأموالنا أن نقيم فيها ونصلحها حتى نصر الله نبيه، هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله الخبر من السماء: ﴿أَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]. فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها، وندع الجهاد) (^١)
- وهذا قول: أبي أيوب الأنصاري ﵁. (^٢)
- القول الثالث: أن المراد بالتهلكة: ترك التوبة من المعاصي.
- فعن البراء بن عازب في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥].
قال: هو الرجل يذنب الذنب فيقول: لا يغفر الله له. (^٣)
- وهذا قول: البراء بن عازب - والنعمان بن بشير - وعبيدة السلماني - ومحمد بن سيرين. (^٤)
- القول الرابع: أن المراد بالتهلكة: الخروج في سبيل الله بغير نفقة ولا قوة.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب: في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. (حـ ٢٥١٢ - ٣/ ٢٧). - والترمذي في سننه -كتاب: تفسير القرآن -باب ومن سورة البقرة (حـ ٢٩٧٨ - ١١/ ٩٥)، وقال: حديث حسن صحيح غريب أهـ.
(٢) انظر: تفسير الطبري (١/ ٢١٠) وتفسير السمرقندي (١/ ١٩٠).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين - كتاب التفسير - تفسير سورة البقرة (حـ ٣٠٨٩ - ٢/ ٣٠٢) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين أهـ. وأخرجه الطبري في تفسيره - سورة البقرة - الآية (١٩٥) (حـ ٣١٧٥ - ٢/ ٢٠٩) - وصححه الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٣١٧) وابن حجر في فتح الباري (٨/ ١٨٥).
(٤) انظر: تفسير السمعاني (١/ ١٩٤) وتفسير البغوي (١/ ٢١٧).
[ ١٥٦ ]
- فعن زيد بن أسلم - ﵁ - في قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]
قال: (إذا لم يكن عندك ما تنفق، فلا تخرج بنفسك بغير نفقة ولا قوة، فتلقي بيديك إلى التهلكة).
- وهذا قول: زيد بن أسلم. (^١)
- القول الخامس: أن المراد بالتهلكة: التقحم في القتال من غير نكاية في العدو.
- فعن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن عبد الرحمن بن الاسود الزهري، أخبره: أنهم حاصروا دمشق، فانطلق رجل من أزد شنوءة، فأسرع إلى العدو وحده يستقبل، فعاب ذلك عليه المسلمون، ورفعوا حديثه إلى عمرو بن العاص، وهو على جند من الأجناد، فأرسل إليه عمرو، فرده، وقال له عمرو: إن الله ﷿ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:٤]، وقال: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة:١٩٥]. (^٢)
- وهذا قول: عمرو بن العاص - وأبي القاسم البلخي. (^٣)
الترجيح: والقول الراجح هو: أن جميع الأقوال المتقدمة يصح إرادتها بالآية. لأن وقوع الفعل (تلقوا) في سياق النهي يقتضي عموم كل إلقاء باليد إلى التهلكة. كما أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب الوارد في الآية. (^٤)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو أحد الأقوال الواردة في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) تفسير الطبري (٢/ ٢٠٨).
(٢) أورده السيوطي في الدر المنثور (١/ ٥٠١).
(٣) انظر: تفسير الماوردي (١/ ٢٥٣) - وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ١١٦).
(٤) انظر: تفسير الطبري (٢/ ٢١١) - وتفسير ابن عاشور (٢/ ٢١٥).
[ ١٥٧ ]
قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ [البقرة:١٩٦].
قال أبو جعفر الطحاوي: عن سالم بن عبد الله (^١) أن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (تمتع رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى وساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله - ﷺ -، فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، وتمتع الناس مع رسول الله - ﷺ - بالعمرة إلى الحج) (^٢)
_________________
(١) سالم هو: أبو عمرو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، أحد فقهاء المدينة، من سادات التابعين وعلمائهم وثقاتهم، وكانت وفاته سنة (١٠٦ هـ) (وفيات الأعيان ٢/ ٣٤٩).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب: الحج - باب: من ساق البدن معه. (حـ ١٦٠٦ - ٢/ ٦٠٧) ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب: وجوب الدم على المتمتع، وأنه إذا عدمه لزمه صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله (حـ ٢٩٧٢ - ٨/ ٤٣٤).
[ ١٥٨ ]
فقال قائل: ممن كره القران والتمتع، لمن استحبهما: اعتللتم علينا بقول الله ﷿: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]. في إباحة المتعة، وليس ذلك كذلك. وإنما تأويل هذه الآية، ما روي عن عبد الله بن الزبير. (^١)
عن إسحاق بن سويد، (^٢) قال: سمعت عبد الله بن الزبير وهو يخطب يقول: (يا أيها الناس، ألا إنه والله ما التمتع بالعمرة إلى الحج كما تصنعون، ولكن التمتع بالعمرة إلى الحج أن يخرج الرجل حاجًا، فيحبسه عدو، أو مرض، أو أمر يعذر به، حتى تذهب أيام الحج، فيأتي البيت فيطوف به سبعًا، ويسعى بين الصفا والمروة، ويتمتع بحله إلى العام المقبل، فيحج ويهدي).
قالوا: فهذا تأويل هذه الآية.
قيل لهم: لئن وجب أن يكون تأويلها كذلك لقول ابن الزبير، فإن تأوليها أحرى أن لا يكون كذلك، لما رويناه عن رسول الله - ﷺ -، وعن أصحابه من بعده، مثل عمر، وعلي ﵄، ومن ذكرنا معهما فيما تقدم من هذا الباب ..
_________________
(١) عبد الله بن الزبير هو: أبو خبيب عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد، وهو أول مولود ولد بالمدينة من المسلمين بعد الهجرة، وكانت وفاته سنة (٧٣ هـ) (وفيات الأعيان -٣/ ٧١).
(٢) إسحاق هو: إسحاق بن وسويد بن هُبيرة العدوي التميمي، قال ابن معين وغيره: ثقة، وكانت وفاته سنة (١٣١ هـ). (تهذيب الكمال -١/ ١٨٨).
[ ١٥٩ ]
قال أبو جعفر: فهذا من ذكرنا من أصحاب رسول الله - ﷺ -، قد صرف تأويل قول الله ﷿: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦] إلى خلاف ما صرف إليه عبد الله بن الزبير، وهو أصح التأويلين عندنا، والله أعلم، لأن في الآية ما يدل على فساد تأويل ابن الزبير، لأن الله ﷿ قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٦] والصيام في الحج، لا يكون بعد فوت الحج، ولكنه قبل فوته.
ثم قال: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٦] فكان الله ﷿ إنما جعل المتعة، وأوجب فيها ما أوجب على من فعلها إذا لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.
وقد أجمعت الأمة أن من كان أهله حاضري المسجد الحرام، أو غير حاضري المسجد، ففاته الحج، أن حكمه في ذلك وحكم غيره سواء، وأن حاله بحضور أهله المسجد الحرام، لا يخالف حاله ببعدهم عن المسجد الحرام.
فثبت بذلك أن المتعة التي ذكرها الله ﷿ في هذه الآية، هي التي يفترق فيها من كان أهله بحضرة المسجد الحرام، ومن كان أهله بغير حضرة المسجد الحرام، وذلك في التمتع بالعمرة إلى الحج التي كرهها مخالفنا.
(شرح معاني الآثار - ٢/ ١٤٢ - ١٥٧).
الدراسة
بين الإمام الطحاوي الأقوال الواردة في المراد بالتمتع في الآية، ورجح أن المراد بالتمتع هو: تمتع من خلي سبيله، دون تمتع المحصر، وذلك بدلالة الآية والسنة.
وإليك بيان الأقوال في المراد (بالتمتع) في الآية:
- القول الأول: أن الآية فيمن خلي سبيله.
[ ١٦٠ ]
وصفة هذا التمتع: أن يهل الحاج بالعمرة في أشهر الحج من الميقات، وذلك إذا كان مسكنه خارجًا عن الحرم، ثم يأتي حتى يصل البيت، فيطوف لعمرته، ويسعى ويحلق في تلك الأشهر بعينها، ثم يحل بمكة، ثم ينشئ الحج في ذلك العام بعينه، وفي تلك الأشهر بعينها، من غير أن ينصرف إلى بلده.
- وهذا قول: الجمهور، وقد رجحه الإمام الطحاوي.
- ودليل هذا القول: قوله جل وعلا في الآية: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٦]. فثبت بذلك أن المتعة التي ذكرها الله في هذه الآية هي التي يفترق فيها من كان أهله بحضرة المسجد الحرام، ومن كان أهله بغير حضرة المسجد الحرام، وهي المتعة الواردة في حق من خلي سبيله، لأن الأمة قد أجمعت على أن من فاته الحج بالإحصار، أن حكمه في ذلك وحكم غيره سواء، وأن حاله لا يختلف سواء كان أهله بحضرة المسجد الحرام أو بغير حضرة المسجد الحرام.
- القول الثاني: أن الآية في المحصورين.
وصفة هذا التمتع: أن يحصر الحاج حتى تذهب أيام الحج، فيأتي البيت ويحل بعمرة، ثم يتمتع بحله إلى العام المقبل، ثم يحج ويهدي.
- وهذا قول: عبد الله بن الزبير - وابن مسعود - وإبراهيم النخعي - وسعيد بن جبير، وقد رجحه الإمام الطبري. (^١)
- ودليل هذا القول: قوله جل وعلا في هذه الآية: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:١٩٦]: فثبت بذلك أن التمتع المذكور في هذه الآية هو تمتع المحصر، لأن الآية جاءت في مخاطبة المحصر دون غيره.
- القول الثالث: أن الآية في المحصر، وغيره ممن خلي سبيله.
- وهذا قول: ابن عباس - ﵁ - وإليه ذهب: الإمام أبو جعفر النحاس - وأبو حيان الأندلسي.
_________________
(١) انظر: بداية المجتهد (١/ ٦٢٤) وتفسير ابن عطية (٢/ ١١٤) ومعاني القرآن للنحاس (١/ ١٢٣) وتفسير الطبري (٢/ ٢٥٥).
[ ١٦١ ]
الترجيح: والراجح هو القول الثالث، بدلالة قول جل وعلا في هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة:١٩٦]. فهذا الحكم الوارد في الآية ثابت للمحصر وغيره، فكذلك ينبغي أن يكون التمتع المذكور في الآية ثابت للمحصر وغيره.
وبدلالة قول الله جل وعلا في هذه الآية: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٦]: فالمراد بالآية: أي: إذا كنتم في حال أمن وسعة من أول الأمر، أو كان حاصلًا لكم بعد الإحصار، فتمتعوا بالعمرة إلى الحج.
فظاهر الآية دال على أنها عامة في المحصر وغيره، فوجب حمل الآية علىلقول بالعموم، لعدم المانع من ذلك، وثبوت حكم التمتع للمحصر وغيره. (^١)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية.
والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ [البقرة:١٩٧]
قال أبو جعفر الطحاوي: أن الأشياء قد تجمع في شيء واحد، وأحكامها في أنفسها مختلفة، من ذلك قول الله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]. فجمع الله ﷿ هذه الأشياء في آية واحدة، ونهى عنها نهيًا واحدًا، وكانت مختلفة في أحكام ما نهى عنها فيه، لأن الرفث هو الجماع، وهو يفسد الحج، وما سوى الرفث من الفسوق والجدال لا يفسد الحج.
(شرح مشكل الآثار - ٧/ ٤١٤)
_________________
(١) انظر: معاني القرآن للنحاس (١/ ١٢٣) وتفسير أبي حيان (٢/ ٢٦٣).
[ ١٦٢ ]
بين الإمام الطحاوي أن المراد بـ (الرفث) المنهي عنه في الحج هو: الجماع.
وإليك بيان الأقوال في المراد بالرفث في قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾:-
- القول الأول: أن المراد بالرفث في الآية: هو الجماع خاصة دون غيره
- وهذا قول: ابن عباس - وابن عمر - وابن مسعود - وعطاء بن أبي رباح - وعطاء بن يسار - وعكرمة - ومجاهد - وقتادة - والنخعي - والزهري - وغيرهم.
وإليه ذهب الإمام أبو جعفر الطحاوي.
- ودليل هذا القول: أن كلمة (الرفث) جاءت في موضع آخر من كتاب الله تعالى، وأريد بها الجماع (^١) وذلك في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:١٨٧].
- القول الثاني: أن المراد بالرفث في الآية: هو الإفحاش للمرأة في الكلام فيما يتعلق بالجماع.
وذلك بأن يقول الرجل لامرأته: إذاحللنا فعلت بك كذا وكذا، صراحة لا يكني عن ذلك.
- وهذا قول: ابن عباس - وقتادة. (^٢)
- ودليل هذا القول: حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي - ﷺ - قال: (إذا كان أحدكم صائمًا فلا يرفث، ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه، فليقل إني صائم). (^٣)
ومعلوم أن الرفث في هذا الحديث لا يحتمل إلا الإفحاش في القول، فكذلك الرفث في الآية ينبغي أن يحمل على الإفحاش في القول دون غيره.
- القول الثالث: أن المراد بالرفث في الآية: هو كل ما يتعلق بالجماع، فالرفث باللسان ذكر المجامعة وما يتعلق بها، والرفث باليد اللمس والغمز، والرفث بالفرج الجماع.
- وهذا قول: ابن عباس - والحسن - والطبري. (^٤)
_________________
(١) المغني لابن قدامة (٥/ ١١٢).
(٢) تفسير الطبري (٢/ ٢٧٣).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الصوم - باب: فضل الصوم (حـ ١٧٩٥ - ٢/ ٦٧٠)، ومسلم في صحيحه- كتاب الصيام - باب: حفظ اللسان للصائم - (حـ ٢٦٩٧ - ٨/ ٢٧٠).
(٤) انظر: تفسير الرازي (٥/ ١٦٤) - وتفسير الطبري (٢/ ٢٧٨).
[ ١٦٣ ]
الدراسة
- الترجيح: والراجح هو القول الثالث بدلالة اللغة، فإن الرفث في اللغة: كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من أهله. (^١) فيجب حمل الآية على هذا المعنى العام. إذ لم يرد دليل يخص بعضه دون سائره.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)﴾ [البقرة:١٩٨].
قال أبو جعفر الطحاوي: فذهب قوم إلى أن الوقوف بالمزدلفة فرض، لا يجوز إلا بإصابته.
واحتجوا في ذلك بقول الله ﷿: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨].
وقالوا: ذكر الله ﷿ في كتابه المشعر الحرام، كما ذكر عرفات، وذكر ذلك رسول الله - ﷺ - في سنته، فحكمها واحد، لا يجزئ الحج إلا بإصابتها.
وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: أما الوقوف بعرفة، فهو من صلب الحج الذي لا يجزئ الحج إلا بإصابته، وأما الوقوف بمزدلفة، فليس كذلك.
وكان من الحجة لهم في ذلك أن قول الله ﷿: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨] ليس فيه دليل على أن ذلك على الوجوب لأن الله ﷿ إنما ذكر الذكر، ولم يذكر الوقوف، وكل قد أجمع أنه لو وقف بمزدلفة، ولم يذكر الله ﷿ أن حجه تام.
فإذا كان الذكر المذكور في الكتاب، ليس من صلب الحج، فالموطن الذي يكون ذلك الذكر فيه، الذي لم يذكر في الكتاب، أحرى أن لا يكون فرضًا.
_________________
(١) تهذيب اللغة للأزهري (١٥/ ٧٧).
[ ١٦٤ ]
وقد ذكر الله تعالى أشياء في كتابه من الحج، ولم يرد بذكرها إيجابها، حتى لا يجزئ الحج إلا بإصابتها في قول أحد من المسلمين.
من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة:١٥٨] وكل قد أجمع أنه لو حج ولم يطف بين الصفا والمروة، أن حجه قد تم، وعليه دم مكان ما نزل من ذلك.
فكذلك ذكر الله ﷿ المشعر الحرام في كتابه، ليس في ذلك دليل على إيجابه حتى لا يجزئ الحج إلا بإصابته.
(شرح معاني الآثار - ٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨].
غير دال على فرضية الوقوف بالمزدلفة، وإليك بيان هذه المسألة: فأقول وبالله التوفيق:
لم يختلف أهل العلم في أن المراد بالمشعر الحرام المذكور في الآية هو: المزدلفة.
ولكن اختلفوا في مسألة: هل الآية دالة على فرضية الوقوف بالمزدلفة؟ وذلك على قولين:
- القول الأول: أن الوقوف بالمزدلفة فرض لا يصح الحج إلا به. ومن تركه كان عليه الهدي، والحج من السنة التي بعدها.
- وهذا قول: عكرمة - والحسن البصري - والأوزاعي - والنخعي - والشعبي - والشافعي.
- ومن أدلة هذا القول:
١ - قول تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٩٨]. فظاهر الآية يقتضي فرضية الوقوف بالمزدلفة.
- وقد رد هذا الاستدلال: بأن هذه الآية ليس فيها دلالة على ما ذكروا، لأن الله جل وعلا أمر في هذه الآية بالذكر عند المشعر الحرام، ولم يأمر بالوقوف عند المشعر الحرام.
كما أن جمهور الأمة قد اتفقوا على أن الذكر عند المشعر الحرام غير فرض، فتركه لا يوجب نقصًا في الحج.
[ ١٦٥ ]
فكيف نقول بفرضية أمر لم يرد له ذكر في الآية. (^١)
٢ - حديث عروة بن مضرس الطائي ﵁ قال: أتيت رسول الله - ﷺ - بالمزدلفة حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله إني جئت من جبل طيء أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه فهل لي من حج؟، فقال رسول الله - ﷺ -: (من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلًا أو نهارًا، فقد تم حجه وقضى تفثه). (^٢)
- وقد رد هذا الاستدلال: بأن الحديث غير دال على فرضية الوقوف بالمزدلفة، وذلك لأن الحاج لو بات بالمزدلفة ولم يذكر الله تعالى، ولم يشهد الصلاة فيها، فإن حجه صحيح.
والمبيت ليس من ضرورة ذكر الله بها فكان أولى بالحكم.
فيتعين حمل الحديث على مجرد الإيجاب لا الفرضية. (^٣)
٣ - أن في الحج وقوفان: وقوف بعرفة، ووقوف بالمزدلفة، وقد ذكرا في القرآن والسنة، واتفقنا على فرضية أحدهما، فيجب القول بفرضية الآخر.
كما أن الركوع والسجود لما ذكرا معنا كان لهما حكم واحد وهو فرضيتهما في الصلاة.
- وقد رد هذا الاستدلال من وجوه:
أ- أن هذا القول يقتضي أن يكون كل مذكور في القرآن والسنة فرضًا، وهذا لم يقل به أحد.
ب- أنه لا يلزم من فرضية أمر، فرضية مشاكله وملازمه.
جـ- أن الله جل وعلا لم يذكر الوقوف بالمزدلفة، وإنما ذكر الذكر بالمزدلفة، والذكر ليس بمفروض عند الجميع، فالوقوف الذي لم يذكر أولى منه بهذا الحكم.
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٣١٤) - والمغنى لابن قدامة (٥/ ٢٨٤).
(٢) أخرجه الترمذي في سننه - كتاب الحج - باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج (حـ ٨٩١ - ٤/ ١٢٨) وقال هذا حديث حسن صحيح أهـ. والنسائي في سننه - كتاب المناسك - باب فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة، (حـ ٣٠٣٩ - ٥/ ٢٩٠).
(٣) المغني لابن قدامة (٥/ ٨٤).
[ ١٦٦ ]
- القول الثاني: أن الوقوف بالمزدلفة واجب، ومن تركه فحجه صحيح، وعليه دم.
- وهذا قول: جمهور أهل العلم. (^١)
- ومن أدلة هذا القول:
١ - حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي: ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: (الحج عرفة، من أدرك عرفة، فقد أدرك الحج). (^٢) فظاهر الحديث يقتضي أن يكون الوقوف بعرفة هو الركن دون غيره.
ولو كان الوقوف بالمزدلفة ركنًا لم يكن الوقوف بعرفة كل الحج بل بعضه، ولم يكن مدركًا للحج بدونه، ولكن الحديث دل على خلاف ذلك.
٢ - أن ترك الوقوف بالمزدلفة جائز لعذر، ولو كان فرضًا لما جاز تركه مطلقًا، فدل ذلك على أنه ليس بفرض، بل واجب.
الترجيح: والراجح هو القول بأن الوقوف بالمزدلفة واجب، وذلك لأن الفرضية لا تثبت إلا بدليل مقطوع به، ولا دليل على ذلك. (^٣)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾ [البقرة:٢٠٣].
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٣١٣ ب) وبداية المجتهد (١/ ٦٥٣).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب المناسك - باب: من لم يدرك عرفة (حـ ١٩٤٩ - ٢/ ٤٨٥) وابن ماجة في سننه - كتاب المناسك - باب: من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع - (حـ ٣٠٤٩ - ٢/ ١٨٠).
(٣) بدائع الصنائع (٢/ ٣٢٠).
[ ١٦٧ ]
قال أبو جعفر الطحاوي: عن عبد الرحمن الديلي، (^١) قال: (رأيت رسول الله - ﷺ - واقفًا بعرفات، فأقبل أناس من أهل نجد، فسألوه عن الحج، فقال: "الحج يوم عرفة، من أدرك جمعًا قبل صلاة الصبح، فقد أدرك الحج، أيام منى ثلاثة أيام التشريق، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه"، ثم أردف خلفه رجلًا ينادي بذلك) (^٢)
فسأل سائل، فقال: ما معنى قوله ﷿: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٠٣].، والمتأخر فقد استوفى الأيام التي أمره الله ﷿ بالمقام فيها بمنى، ومن كانت هذه سبيله لم يجز أن يقال: فلا إثم عليه فيما فعل، كما لا يجوز أن يقال: لا إثم على من صلى صلاة الظهر، ولا على من صلى الصلوات الخمس كلها، وإنما يجوز أن يقال: لا إثم على من قصر عن شيء أمر به، ورخص له مع ذلك ترك بعضه أو ترك كله.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله: أنه قد يحتمل أن يكون ذلك، لأن الله ﷿ يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، فكان المقيم إلى النفر الآخر تاركًا لرخصة الله ﷿، فيرفع الله ﷿ عنه الإثم في ذلك لقوله: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٠٣].
والله نسأله التوفيق.
(شرح مشكل الآثار - ٨/ ٤٣٨ - ٤٤٠).
_________________
(١) عبد الرحمن الديلي هو: الصحابي الجليل عبد الرحمن بن يعمر الديلي، كانت وفاته بخرسان (تهذيب الكمال - ٤/ ٤٩٢).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب: المناسك - باب: من لم يدرك عرفة (حـ ١٩٤٩ - ٢/ ٤٨٥) والترمذي في سننه - كتاب: الحج - باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج (حـ ٨٨٩ - ٤/ ١٢٦) وقال والعمل على حديث عبد الرحمن بن يعمر عند أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم. أهـ.
[ ١٦٨ ]
الدراسة
أجاب الإمام الطحاوي عن إشكال يرد على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٠٣]، وهذا الإشكال هو: كيف ينفي الله جل وعلا الإثم عمن أتم المناسك، وأكمل أيام منى ثلاثة أيام، مع أن مثل هذا هو في مقام من يستحق الثواب وليس في مقام من ينفى عنه العقاب؟
أجاب الإمام الطحاوي عن ذلك، ببيان أن المتأخر لما كان تاركًا لرخصة الله ﷿ في جواز التعجل، رفع الله عنه الإثم في ذلك.
- وقد أجاب المفسرون عن هذا الإشكال الوارد على الآية بالأجوبة التالية:
١ - أن قوله تعالى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٠٣] نفي عام، وتبرئة مطلقة، وعليه فالمراد بالآية: أن من تعجل في يومين فمغفور له لا إثم عليه، ومن تأخر فمغفور له لا إثم عليه.
- وهذا قول: علي بن أبي طالب - وابن مسعود - وأبي ذر - ﵃. (^١)
- وهذا القول مؤيد بحديث أبي هريرة ﵁: أن النبي - ﷺ - قال: (من حج هذا البيت ولم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه). (^٢)
٢ - أن المراد بقوله جل وعلا: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٠٣]: أن الله جل وعلا لما أذن في التعجل على سبيل الرخصة احتمل أن يخطر ببال قوم أن من لم يجر على موجب هذه الرخصة فإنه يأثم، فلما كان هذا الاحتمال قائمًا. أزال الله تعالى هذه الشبهة، وبين أن لا إثم في الأمرين، فإن شاء استعجل وجرى على موجب الرخصة، وإن شاء لم يستعجل، ولم يجر على موجب الرخصة، إذ لا إثم عليه في الأمرين جميعًا.
_________________
(١) انظر: تفسير الماوردي (١/ ٢٦٤) وتفسير ابن عطية (٢/ ١٣٥) وتفسير أبي حيان (٢/ ٣٢٢).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب: فضل الحج المبرور - (حـ ١٤٤٩ - ٣/ ٥٥٣) والنسائي في سننه - كتاب: المناسك - باب: فضل الحج - (حـ ٢٦٢٦ - ٥/ ١٢٠).
[ ١٦٩ ]
- وإلى هذا القول ذهب: الإمام الطحاوي - والإمام أبو المظفر السمعاني. (^١)
- وهذا القول مؤيد بقول الرسول - ﷺ -: (إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تؤتى عزائمه). (^٢)
٣ - أن قوله تعالى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٠٣] جاء للدلالة على أن التعجل والتأخر، مخير فيهما، وبيان أن كلا الأمرين مباح لا حرج فيه. إذ أن أهل الجاهلية كانوا فريقين:
منهم من جعل المتعجل آثمًا، ومنهم من جعل المتأخر آثمًا، فورد القرآن بنفي الإثم عنهم جميعًا.
- وهذا قول: ابن عباس - ومجاهد - والحسن - وعكرمة. (^٣)
٤ - أن قوله تعالى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة:٢٠٣] المرا د منه: أنه لا إثم عليه، إن اتقى الله جل وعلا فيما بقي من عمره.
وهذا قول: ابن عباس - وقتادة - وأبي العالية. (^٤)
الترجيح: جميع الأقوال المتقدمة يصح أن تكون جوابًا عن الإشكال الوارد على الآية، وبيانًا للمراد بها، وليس بعضها أولى بالترجيح من بعض.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو أحد الأقوال الواردة في المراد بالآية.
والله تعالى أعلم.
_________________
(١) انظر: تفسير أبي المظفر السمعاني (١/ ٢٠٧) وتفسير الزمخشري (١/ ٤١٥).
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الصوم - باب: صوم المسافر - (حـ ٣٥٦٨ - ٨/ ٣٣٣) والطبراني في المعجم الكبير (حـ ١٠٠٣٠ - ١٠/ ٨٤).
(٣) انظر: تفسير ابن عطية (٢/ ١٣٤) وتفسير الزمخشري (١/ ٤١٥).
(٤) تفسير الماوردي (١/ ٢٦٤)
[ ١٧٠ ]
قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾ [البقرة:٢٢٣].
قال أبو جعفر الطحاوي: عن عبد الله بن عمر: أن رجلًا أتى امرأته في دبرها، فوجد في نفسه من ذلك وجدًا شديدًا، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]. (^١)
وعن أبي سعيد: (^٢) أن رجلًا أصاب امرأته في دبرها، فأنكر الناس ذلك عليه، وقالوا: أثْفَرَها، (^٣) فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]. (^٤)
ففي هذين الحديثين ما قد ذكر قوم أنهم استدلوا به على الإباحة لهذا المعنى المذكور فيها.
فتأملنا ما روي في ذلك من غير هذين الحديثين، فوجدنا عن جابر بن عبد الله: (^٥)
_________________
(١) أخرجه النسائي في عشرة النساء (٩٥) والطبري في تفسيره (حـ ٤٣٣٦ - ٢/ ٤٠٨).
(٢) أبو سعيد هو: الصحابي الجليل مفتي المدينة سعد بن مالك بن سنان الخدري الخزرجي، وكانت وفاته سنة (٧٤ هـ) (سير أعلام النبلاء - ٣/ ١٦٨).
(٣) أثْفَرَها: أي أتاها من خلفها، ومنه (الثَّفَرُ) وهو: السير في مؤخر السرج يلي الذنب، ومنه قولهم (فلان يثفر فلانًا) أي: يسوقه من خلفه. (المحيط في اللغة - مادة: ثفر -١٠/ ١٣٩).
(٤) أخرجه أبو يعلي الموصلي في مسنده (١١٠٣) - والطبري في تفسيره (حـ ٤٣٣٧ - ٢/ ٤٠٨).
(٥) جابر هو: الصحابي الجليل أبو عبد الله جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري الخزرجي، من أهل بيعة الرضوان، وكانت وفاته سنة (٧٨ هـ) (سير أعلام النبلاء - ٣/ ١٨٩).
[ ١٧١ ]
أن اليهود قالوا: من أتى امرأته في فرجها من دبرها خرج ولده أحول. فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]. (^١) فكان ما في هذه الآثار مما يدفع ذلك.
ووجدنا عن جابر بن عبد الله: أن اليهود قالوا للمسلمين: من أتى امرأة مدبرة جاء ولدها أحول، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال رسول الله - ﷺ -: (مقبلة ومدبرة ما كان في الفرج من قبلها لا إلى ما سواه). (^٢)
فعادت هذه الآثار في الحظر لوطء النساء في أدبارهن لا إلى الإباحة لذلك.
وقد ذكر قوم أن الآية كان نزولها في غير هذا المعنى، وذكر في ذلك: عن ابن عباس أنه قال: جاء عمر ﵁ إلى النبي - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، هلكت، قال: (وما أهلكك)؟ قال: حولت رحلي البارحة، فلم يرد عليه شيئًا، فأوحى الله إلى رسول الله - ﷺ - هذه الآية: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾] البقرة:٢٢٣] " أقبل وأدبر، واتق الدبر والحيضة " (^٣)
فكان في هذا الحديث أن سبب نزول هذه الآية غير السبب الذي ذكر فيما تقدم مما ذكرناه وفيما تقدم منا في هذا الباب، وكان فيه المنع من وطء النساء في أدبارهن، كالمنع من وطئهن في حيضهن.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب: النكاح - باب: جواز جماع امرأته في قبلها، من قدامها ومن ورائها من غير تعرض للدبر (حـ ٣٥٢١ - ٩/ ٢٤٧). والترمذي في سننه - كتاب: تفسير القرآن - باب: ومن سورة البقرة (حـ ٢٩٨٤ - ١١/ ١٠٢) وقال: هذا حديث حسن صحيح. أهـ.
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار - كتاب: النكاح - باب: وطء النساء في أدبارهن (حـ ٤٣٩٢ - ٣/ ٤١).
(٣) أخرجه الترمذي في سننه - كتاب: تفسير القرآن - باب: ومن سورة البقرة (حـ ٢٩٨٦ - ١١/ ١٠٢) وقال: هذا حديث حسن غريب. أهـ. والإمام أحمد في مسنده (١/ ٢٩٧).
[ ١٧٢ ]
فكان في هذا الحديث إنما دار على ابن عباس، فنظرنا: هل روي عن ابن عباس ما يخالفه أم لا؟ فوجدنا ابن عباس، يقول: إن ناسًا من حمير أتوا رسول الله - ﷺ - يسألونه عن النساء، فأنزل الله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ﴿البقرة:٢٢٣].
فقال رسول الله - ﷺ -: (ائتها مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج). (^١)
ففي هذا الحديث: أن سبب نزول هذه الآية في خلاف السبب المذكور نزولها فيه لما سبقت روايتنا له عن ابن عباس في هذا الباب، والمنع من إتيان النساء فيما سوى فروجهن
ووجدنا عن زائدة بن عمير الطائي، (^٢) قال: (سألت ابن عباس عن العزل، فقال: قد أكثرتم، فإن كان رسول الله - ﷺ - قال فيه شيئًا، فهو كما قال، وإن لم يكن قال فيه - ﷺ -، فأنا أقول فيه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]، فإن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلا تعزلوا، أي ذلك فعلتم فلا بأس). (^٣)
فهذا ابن عباس قد حمل تأويل الآية على خلاف ما روي عنه مما ذكر أن نزولها كان فيه.
ثم نظرنا: هل روي في نزولها شيء عن غير ابن عباس، وعن غير من ذكرنا في هذا الباب سواه؟ فوجدنا .. عن كعب بن علقمة (^٤)،
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره - سورة البقرة - الآية (٢٢٣) - (حـ ٤٣٥١ - ٢/ ٤١٠) وابن أبي حاتم في تفسيره - سورة البقرة - الآية (٢٢٣) (حـ ٢١٣٠ - ٢/ ٤٠٤).
(٢) زائدة هو: زائدة بن عمير الطائي، كوفي تابعي ثقة (معرفة الثقات -١/ ٣٦٦).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب: التفسير - باب: من سورة البقرة (حـ ٣١٠٤ - ٢/ ٣٠٦) والطبراني في المعجم الكبير (حـ ١٢٦٦٣ - ١٢/ ١٢٥).
(٤) كعب هو: أبو عبد الحميد كعب بن علقمة بن كعب التنوخي المصري، ذكره ابن حبان في كتاب (الثقات) وكانت وفاته سنة (١٢٧ هـ) (تهذيب الكمال - ٦/ ١٦٨).
[ ١٧٣ ]
عن أبي النضر (^١): أنه أخبره أنه قال لنافع (^٢) - مولى عبد الله بن عمر - إنه قد أكثر عليك القول: أنك تقول عن ابن عمر- أنه أفتى أن تؤتى النساء في أدبارهن قال نافع: كذبوا علي، ولكني سأخبرك كيف كن الأمر إن ابن عمر عرض المصحف يومًا، وأنا عنده حتى بلغ قوله ﷿: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾] البقرة:٢٢٣] قال: يا نافع، هل تعلم من أمر هذه الآية؟ قال: قلت: لا. قال: إنا كنا معشر قريش نجبي النساء، فلما دخلنا المدينة، ونكحنا نساء الأنصار، أردنا منهُنّ مثل الذي نريد، فإذا هُنّ قد كرهن وأعظمن ذلك، وكانت نساء الأنصار قد أخذن بحال اليهود، إنما يؤتين على جنوبهن، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾] البقرة:٢٢٣] (^٣).
فكان في هذا الحديث عن ابن عمر أن نزول هذه الآية كان للمعنى المذكور نزولها فيه، لا لما سوى ذلك من إباحته لوطء، النساء في أدبارهن.
_________________
(١) أبو النْضر هو: سالم بن أبي أمية القرشي التيمي، مولى عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، وثقة الإمام أحمد بن حنبل، وغيره، وكانت وفاته سنة (١٢٩ هـ) (تهذيب الكمال - ٣/ ٩٢).
(٢) نافع هو: أبو عبد الله نافع مولى عبد الله بن عمر، وهو من كبار الصالحين التابعين، المشهورين بالحديث، وكانت وفاته سنة (١١٧ هـ) (وفيات الأعيان - ٥/ ٣٦٧).
(٣) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (حـ ٨٩٧٨ - ٥/ ٣١٥). والطحاوي في شرح معاني الآثار (حـ ٤٣٩٩ - ٣/ ٤٢)
[ ١٧٤ ]
فقال قائل: فقد روي عن ابن عمر إباحته، وذكر عن أبي الحُباب سعيد بن يسار (^١): (أنه سأل ابن عمر عنه - يعني وطء النساء في أدبارهن - فقال: لا بأس به) (^٢).
فكان جوابنا له: أنه قد روي عن ابن عمر من ناحية سعيد بن يسار ما يخالف هذا كما عن سعيد بن يسار بي الحباب، قال: (قلت: لابن عمر: ما تقول في الجواري أحمض لهن. قال: وما التحميض؟ (^٣) فذكرت الدبر، فقال: وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟!). (^٤).
فهذا ابن عمر قد روي عنه ضد ما ذكرت، وإذا كان ذلك كذلك، كان كأنه لم يرو عنه فيه.
ولقد قال ميمون بن مهران (^٥) في ذلك .. . - وذكر له عن نافع ما حكي عنه من إباحة وطء النساء في أدبارهن، فقال:- إنما قال ذلك نافع بعدما كبر، وذهب عقله.
_________________
(١) أبو الحباب هو: سعيد بن يسار، قال ابن معين وغيره: ثقة، وكانت وفاته بالمدينة سنة (١١٧ هـ). (تهذيب الكمال - ٣/ ٢١٠).
(٢) أخرجه النسائي في عشرة النساء (٩٣). والطبري في تفسيره - سورة البقرة - الآية (٢٢٣) (حـ ٤٣٢٩ - ٢/ ٤٠٧).
(٣) معنى (التحميض) هو: أن يأتي الرجل المرأة في دبرها، وهو مأخوذ من قولهم (أحمضت الإبل) إذا ملت رعي الخُلَّة - هو الحلو من النبات - واشتهت الحمض، فتحولت إليه. (النهاية في غريب الحديث - ١/ ٤٤١).
(٤) أخرجه الدارمي في سننه -كتاب الطهارة- باب: من أتى أمراته في دبرها (حـ ١١٣٠ - ١/ ٢٧٥). والطحاوي في شرح معاني الآثار - (حـ ٤٣٩٦ - ٣/ ٤١).
(٥) ميمون هو: أبو أيوب ميمون بن مهران الجزري الرقي، وثقة أبوزرعة وغيره، وكانت وفاته سنة (١١٧ هـ) (تهذيب الكمال - ٧/ ٢٩٢).
[ ١٧٥ ]
وقد روي عن سالم نفي ذلك عن ابن عمر كما .. عن موسى بن عبد الله بن الحسن (^١): أن أباه سأل سالم بن عبد الله: أن يحدثه بحديث نافع، عن ابن عمر: أنه كان لا يرى بأسًا في إتيان النساء في أدبارهن. فقال سالم: كذب العبد، أو قال: أخطأ، إنما قال: لا بأس أن يؤتين في فروجهن من أدبارهن (^٢).
ثم رجعنا إلى تأويل قول الله ﷿: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾] البقرة:٢٢٣]. فوجدنا الحرث إنما يطلب منه النسل، وكان النسل موجودًا في الوطء في الفرج، ومعدومًا في الوطء في غيره، فدل أن المراد فيها هو ما أبيح منها مما يكون عنه النسل لا ما لا يكون عنه نسل، وهكذا كان الفقهاء الكوفيون جميعًا يذهبون إليه في هذا الباب.
(شرح مشكل الآثار - ١٥/ ٤١٠ - ٤٣٤).
قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)﴾ [البقرة:٢٢٣].
قال أبو جعفر الطحاوي: عن أبي سعيد أن رجلًا أصاب امرأته في دبرها، فأنكر الناس ذلك عليه، وقالوا: أتعزبها (^٣)،
_________________
(١) موسى هو: موسى بن عبد الله بن حسن بن حسن العلوي وثقة يحيى بن معين: (لسان الميزان - ٦/ ١٢٣).
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (حـ ٤٣٩٧ - ٣/ ٤٢). والطبري في تفسيره: سورة البقرة الآية (٢٢٣) (حـ ٤٣٣٢ - ٢/ ٤٠٧).
(٣) قوله (أتعزبها): (العزب) قال فيه ابن فارس: العين والزاء والباء: أصل صحيح يدل على تباعد وتنح - كقولهم تعزب، لمن ترك النكاح. فكل شيء يفوتك حتى لا تقدر عليه، فقد عزب عنك. وعليه فإن معنى قوله - (أتعزبها):أي ابتعد عن جماعها. فكأنه بإتيانه في دبرها قد جعلها عزباء لا زوج لها. (انظر: معجم مقاييس اللغة- مادة: عزب - ٤/ ٣١٠ - والقاموس المحيط - مادة: عزب - ١٤٧. والنهاية في غريب الحديث - مادة -: عزب -٣/ ٢٢٧)
[ ١٧٦ ]
فأنزل الله ﷿: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]. (^١)
قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى أن وطء، المرأة في دبرها جائز، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث، وتأولوا هذه الآية على إباحة ذلك.
وخالفهم في ذلك آخرون، فكرهوا وطء، النساء في أدبارهن، ومنعوا من ذلك، وتأولوا هذه الآية على غير هذا التأويل.
عن جابر، أن اليهود قالوا: من أتي امرأته في فرجها، من دبرها، خرج ولدها أحول، فأنزل الله ﷿: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] (^٢)
قالوا: فإنما كان من قول اليهود، ماذكرنا، فأنزل الله ﷿ ذلك، دفعًا لقولهم، وإباحة للوطء في الفرج من الدبر ومن القبل جميعًا. ..
وقد روى آخرون هذا الحديث .. على ما ذكرنا وزاد فيه: (إذا كان ذلك في الفرج).
عن جابر بن عبد الله أن اليهود قالوا للمسلمين: (من أتى امرأته وهي مدبرة، جاء ولدها أحول) فأنزل الله ﷿: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]. فقال رسول الله - ﷺ -: (مقبلة ومدبرة، ما كان في الفرج) (^٣) ففي توقيف النبي - ﷺ - إياهم في ذلك على الفرج، إعلام منه إياهم أن الدبر بخلاف ذلك
وقد احتج أهل المقالة الأولى أيضًا لقولهم، بما .. عن محمد بن كعب القرظي (^٤)
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى في مسنده (حـ ١١٠٣). والطحاوي في شرح مشكل الآثار - ١٥/ ٤١٥).
(٢) تقدم تخريجه (١٣٢).
(٣) تقدم تخريجه (١٣٢)
(٤) محمد هو: أبو حمزة محمد بن كعب بن حيان بن سليم القرظي المدني، من كبار التابعين، وثقه أبو زرعة وغيره: وكانت وفاته سنة (١٠٨ هـ) (سير أعلام النبلاء - ٥/ ٦٥).
[ ١٧٧ ]
أنه كان لا يرى بأسًا بإتيان النساء في أدبارهن، ويحتج في ذلك بقوله ﷿: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ [الشعراء:١٦٥ - ١٦٦] أي: من أزواجكم مثل ذلك، إن كنتم تشتهون ٠
قيل لهم: ومن يوافق محمد بن كعب على هذا التأويل؟
قد قال مخالفوه: (وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم مما قد أحل لكم من جماعهن في فروجهن).
وهذا التأويل - عندنا- أولى من التأويل الأول، لموافقته لما جاء عن النبي - ﷺ - مما قد ذكرنا.
(شرح معاني الآثار- ٣/ ٤٠ - ٤٦).
الدراسة
بين الإمام الطحاوي الخلاف الوارد في المراد بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]. والمبني على الآثار الواردة في سبب نزول هذه الآية. مرجحًا أن المراد بها إباحة إتيان المرأة على أي صفة كانت، ولكن في الموضع الذي يكون منه النسل دون غيره.
وإليك بيان الأقوال الواردة في المراد بالآية:
القول الأول: أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]. أي: كيف شئتم مقبلة أو مدبرة، وعلى كل حال، إذا كان الإتيان في الفرج دون غيره.
- وهذا قول: جمهور علماء الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين (^١).
- ومن أدلة هذا القول:
١ - أن قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] خص الإتيان بالموضع الذي يكون فيه الحرث والذي يكون منه الولد، وهو الفرج دون غيره (^٢).
_________________
(١) تفسير ابن الجوزي (١/ ٢٢٦).
(٢) تفسير السمعاني (١/ ٢٢٦).
[ ١٧٨ ]
٢ - الرواية الواردة في سبب نزول الآية: فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (كانت اليهود تقول: إذا أتي الرجل امرأته من دبرها في قبلها، كان الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]. (^١)
فدل السبب الوارد في نزول الآية على أن المراد بها: إباحة إتيان المرأة على كل حال، إذا كان الإتيان في الفرج دون غيره.
القول الثاني: أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] أي: إذا شئتم، ومتى شئتم، في أي وقت من أوقات الحل، يعني إذا لم تكن في زمن إحرام أو صوم أو نفاس أو حيض أو نحو ذلك.
وهذا قول: ابن عباس- والضحاك. (^٢)
القول الثالث: أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]،أي: إن شئتم فاعزلوا، وإن شئتم فلاتعزلوا.
- وهذا قول: ابن عباس - وسعيد بن المسيب (^٣).
ويرد هذا القول: أن العزل لا يدخل تحت (أنى)، لأن (أنى) حرف استفهام عن الحال والمحال، ولأن حال الجماع لا يختلف بذلك العزل. (^٤)
القول الرابع: أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] أي: حيث شئتم، وأين شئتم. وهو قول يوهم جواز الإتيان في الدبر.
- وهذا القول: محكي عن ابن عمر - ومالك بن أنس ﵃.
- ومن أدلة هذا القول:
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]. (حـ ٤٢٥٤ - ٤/ ١٦٤٥). ومسلم في صحيحه - كتاب النكاح - باب جواز جماعه امرأته في قبلها (حـ ٣٥٢١ - ٩/ ٢٤٧).
(٢) تفسير ابن الجوزي (١/ ٢٢٦).
(٣) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٢٢٦) وتفسير ابن الجوزي (١/ ٢٢٦).
(٤) تفسير الرازي (٦/ ٧٤).
[ ١٧٩ ]
١ - ماروي في سبب نزول هذه الآية: فعن عبد الله بن عمر ﵁: أن رجلًا أتى امرأته في دبرها، فوجد في نفسه من ذلك وجدًا شديدًا، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣] (^١).
٢ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون:٥ - ٦]
فدلت الآية على جواز الإتيان في الدبر، لأن العموم يقتضي الإباحة.
- وهذا القول ظاهر الفساد من وجوه عدة:-
١ - أن سالم بن عبد الله لمابلغه أن نافعًا تحدث بذلك عن بن عمر ﵁ قال: كذب العبد إنما قال عبد الله: يؤتون في فروجهن من أدبارهن. كما أن ابن عباس ﵁، عند ما سمع هذا عن ابن عمر وهمه فيه، كما أنه قد روي عنه خلاف ذلك، وتكفيره لمن فعله، وهذا هو اللائق به ﵁.
وأما مالك فقد تبرأ من ذلك، وقال إنما الحرث في موضع الزرع، كما أنكر أصحابه أن يكون هذا من قوله (^٢).
وبناء على هذا فإن السبب الوارد عن ابن عمر في الآية غير محتج به في المراد بها، ويبقي السبب الوراد عن جابر ﵁ هو السبب الصحيح الدال على المراد بالآية.
٢ - أن الآية دالة بلفظها على بطلان هذا القول، فإن الآية نبهت على أن محل الولد الفرج، بقوله جل ذكره (فأتوا حرثكم) فلا يجوز أن يقع الوطء في محل لا يكون منه الولد، وعليه فلا يجوز حمل (أنى شئتم) على التخيير في المكان. (^٣).
_________________
(١) أخرجه النسائي في عشرة النساء (٩٥) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (حـ ٦١١٧ - ١٥/ ٤١٠).
(٢) انظر: فتح الباري (٨/ ١٨٩) وتفسير ابن جزي (١/ ١٠٩). وتفسير القرطبي (٣/ ٩٣) وتفسير ابن عطية (٢/ ٢٥٦).
(٣) تفسير الرزاي (٦/ ٧٤).
[ ١٨٠ ]
٣ - أن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ [المؤمنون:٥ - ٦] غير دال على جواز الإتيان في الدبر، لأن الآية دالة على الإباحة المطلقة، غير دالة على موضع الإباحة ولا وقتها (^١).
٤ - أن الله جل وعلا حرم وطء المرأة في الفرج حال الحيض، لأجل النجاسة العارضة، فقال جل ذكره: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:٢٢٢].
فالأولى بالتحريم، الوطء في الدبر، وذلك لأجل النجاسة اللازمة (^٢).
٥ - قوله جل وعلا في إتيان الحائض: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢] والمعني: فأتوهن من الجهة التي أمر الله وهي الفرج، لأنه هو المنهي عنه، والمأمور باعتزاله حال الحيض (^٣)، فدلت الآية على أن إتيان المرأة يكون في الفرج دون الدبر.
٦ - تعدد الأحاديث الدالة على تحريم إتيان المرأة في دبرها، ومنها:
أ- عن علي بن طلق أن النبي - ﷺ - قال: " إن الله لا يستحي من الحق لاتأتوا النساء في أدبارهن" (^٤).
_________________
(١) أحكام القرآن للكيا الهراسي (١/ ١٤١).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٧٤).
(٣) انظر: تفسير البغوي (١/ ٢٥٩). وتفسير أبي حيان (٢/ ٤٠٣).
(٤) أخرجه الترمذي في سننه - كتاب الرضاع - باب ما جاء في كراهية إتيان النساء في أدبارهن (حـ ١١٦٦ - ٥/ ١١٢). وقال حديث حسن - أ. هـ. - والدارمي في سننه -كتاب النكاح- باب النهي عن إتيان النساء في أعجازهن (حـ ٢١٣٣ - ٢/ ٥٨٤).
[ ١٨١ ]
ب- وعن ابن عباس ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "لا ينظر الله إلى رجل جامع امرأته في دبرها" (^١).
ج- وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: "من أتي حائضًا أو امرأة في دبرها أو كاهنًا فقد كفر بما أنزل على محمد - ﷺ - " (^٢)
إلى ذلك من الأحاديث الدالة على تحريم إتيان المرأة في دبرها.
الترجيح: والقول الراجح هو أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة:٢٢٣]: أي: كيف شئتم مقبلة أو مدبرة، وعلى كل حال، إذا كان الإتيان في الفرج دون غيره. وكان هذا القول راجحًا لأنه قول جمهور الأمة، ولأن سبب نزول الآية - الثابت عن جابر - دال عليه، فلا يكون المعنى المراد بالآية خارجًا عن هذا السبب، خاصة مع دلالة نص الآية عليه دون غيره.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه -كتاب الرضاع - باب ما جاء في كراهية إتيان النساء في أدبارهن (حـ ١١٦٧ - ٥/ ١١٢) وقال هذا حديث حسن غريب أ. هـ - والإمام أحمد في مسنده (٢/ ٣٤٤).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الطب - باب في الكاهن (حـ ٣٩٠٤ - ٤/ ٢٢٥). والترمذي في سننه - كتاب الطهارة - باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض (حـ ١٠٢ - ١/ ٢١٧).
[ ١٨٢ ]
قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٨)﴾ [البقرة:٢٢٨].
قال أبوجعفر الطحاوي: اختلف الناس في الأقراء التي تجب على المرأة إذا طلقت.
فقال قوم: هي الحيض، وقال آخرون: هي الأطهار.
فكان من حجة من ذهب إلى أنها الأطهار، قول رسول الله - ﷺ - لعمر، حين طلق عبد الله بن عمر امرأته وهي حائض: "مُرْهُ أن يراجعها، ثم يتركها حتى تطهر، ثم ليطلقها إن شاء، فتلك العدة التي أمر الله ﷿ أن تطلق لها النساء" (^١)
قالوا: فلما أمره رسول الله - ﷺ - أن يطلقها في الطهر، وجعله العدة دونها، ونهاه أن يطلقها في الحيض، وأخرجه من أن يكون عدة، ثبت بذلك أن الأقراء هي الأطهار.
_________________
(١) وأخرجه البيهقي في سننه - كتاب الخلع والطلاق - باب الطلاق يقع على الحائض وإن كان بدعيًا (حـ ٤ - ٧/ ٣٢٦). والدار قطني في سننه - كتاب الطلاق والخلع والإيلاء وغيره. (حـ ٢٦ - ٤/ ١٠).
[ ١٨٣ ]
فكان من الحجة عليهم للآخرين، أن هذا الحديث قد روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، كما ذكروا، وقد روي عنه ما هو أتم من ذلك. فروي عنه أن رسول الله - ﷺ - أمر عمر أن يأمره أن يراجعها ثم يمهلها، حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم ليطلقها إن شاء وقال: "تلك العدة التي أمر الله ﷿ أن تطلق لها النساء" (^١) فلما نهاه رسول الله - ﷺ - عن إيقاع الطلاق في الطهر الذي بعد الحيضة، التي طلق فيها، حتى يكون طهر وحيضة أخرى بعدها، ثبت بذلك أنه لو كان أراد بقوله: (فتلك العدة التي أمر الله ﷿ أن تطلق لها النساء الأطهار) إذًا لجعل له أن يطلقها بعد طهرها من هذه الحيضة، ولا ينتظر ما بعدها، لأن ذلك طهر.
فلما لم يبح له الطلاق في ذلك الطهر حتى يكون طهرًا آخر بينه وبين ذلك الطهر حيضة، ثبت بذلك أن تلك العدة التي أمر الله ﷿ أن تطلق لها النساء، إنما هي وقت ما تطلق النساء، وليس لأنها عدة تطلق لها النساء يجب بذلك أن تكون هي العدة التي تعتد بها النساء، لأن العدة مختلفة. منها: عدة المتوفى عنها زوجها، أربعة أشهر وعشر.
ومنها: عدة المطلقة ثلاثة قروء. ومنها: عدة الحامل أن تضع حملها.
فكانت العدة إسمًا واحدًا، لمعان مختلفة. ولم يكن كل ما لزمه اسم (عدة) وجب أن يكون قرءًا.
فكذلك لما لزم اسم الوقت الذي تطلق فيه النساء اسم عدة، لم يثبت له بذلك اسم القرء.
_________________
(١) وأخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب تفسير سورة الطلاق (حـ ٤٦٢٥ - ٤/ ١٨٦٤). ومسلم في صحيحه - كتاب: الطلاق - باب: تحريم طلاق الحائض بغير رضاها، وأنه لو خالف وقع الطلاق ويؤمر برجعتها (حـ ٣٦٣٧ - ١٠/ ٣٠٢)
[ ١٨٤ ]
فهذه معارضة صحيحة، ولو أردنا أن نكثر منها، فنحتج بقول رسول الله - ﷺ - للمستحاضة: "دعي الصلاة أيام أقرائك"، (^١) فنقول: الأقراء هي: الحيض على لسان رسول الله - ﷺ - لكان ذلك ما قد تعلق به بعض من تقدم ولكنا لا نفعل ذلك، لأن العرب قد تسمي الحيض قرءًا، وتسمي الطهر قرءًا، وتجمع الحيض والطهر فتسميها قرءًا
وفي ذلك أيضًا حجة أخرى، أن عمر ضي الله عنه، هو الذي خاطبه رسول الله - ﷺ - بقوله: "فتلك العدة التي أمر الله ﷿ أن تطلق لها النساء" ولم يكن ذلك - عنده - دليلًا أن الأقراء الأطهار، إذ قد جعل الأقراء الحيض، فيما روي عنه.
فإذا كان هذا عند عمر رضي الله تعالى عنه، وقد خاطبه رسول الله - ﷺ - به، لا دليل فيه على أن القرء الطهر، كان من بعده فيه أيضًا كذلك
وكان مما احتج به الذين جعلوا الأقراء الأطهار أيضًا: عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنها نقلت حفصة (^٢) بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة.
قال ابن شهاب: (فذكرت ذلك لعمرة (^٣)، فقالت: صدق عروة، قد جادلها في ذلك أناس، وقالوا: إن الله تعالى يقول ثلاثة قروء، فقالت عائشة: صدقتم، أتدرون ما الأقراء؟ إنما الأقراء الأطهار)
_________________
(١) أخرجه الدار قطني في سننه - كتاب: الحيض - (حـ ٣٦ - ١/ ٢١٢).
(٢) حفصة هي: حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وكانت تحت المنذر بن الزبير، قال العجلي: تابعية ثقة. (تهذيب الكمال - ٨/ ٥٢٦)
(٣) عَمْرَة هي: عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زُرارة الأنصارية المدنية، كانت في حجر عائشة، ذكرها ابن حبان في الثقات، وقال: كانت من أعلم الناس بحديث عائشة، وكانت وفاتها سنة (٩٨ هـ). (تهذيب الكمال - ٤/ ٦٨٣).
[ ١٨٥ ]
وعن نافع، أن معاوية (^١) كتب إلى زيد بن ثابت (^٢) يسأله، فكتب: (إنها إذا دخلت في الحيضة الثالثة، فقد بانت منه) قال نافع: وكان ابن عمر يقوله.
قالوا: فهذه أقاويل أصحاب رسول الله - ﷺ - ورضي الله عنهم، في ذلك، تدل على ما ذكرناه.
قيل لهم: هذا لو لم يختلف أصحاب رسول الله - ﷺ - في ذلك، فأما إذا اختلفوا فيه، فقال بعضهم ما ذكرتم.
وقال آخرون منهم بخلاف ذلك، لم يجب بما ذكرتم لكم حجة فمما روي خلاف ما احتجوا به من هذه الآثار المذكورة عمن رويت عنه من أصحاب رسول الله - ﷺ -، الدالة على أن الأقراء غير الأطهار
عن علي بن أبي طالب، قال: زوجها أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة
وعن علقمة (^٣) أن رجلًا طلق امرأته فحاضت حيضتين، فلما كانت الحيضة الثالثة ودخلت المغتسل، أتاها زوجها فقال: (قد راجعتك ثلاثًا) فارتفعا إلى عمر، فأجمع عمر، وعبد الله على أنه أحق بها، ما لم تحل لها الصلاة، فردها عمر عليه
وعن عبد الله بن عمر، كان يقول: إذا طلق العبد امرأته اثنتين، فقد حرمت عليه، حتى تنكح زوجًا غيره، حرة كانت أو أمة، وعدة الحر ثلاث حيض، وعدة الأمة حيضتان.
_________________
(١) معاوية هو: الصحابي الجليل أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب الأموي، ولاه عمر بن الخطاب الشام فأقره عثمان مدة ولايته، ثم ولي الخلافة، وكانت وفاته سنة (٦٠ هـ). (تهذيب التهذيب - ٤/ ١٠٧).
(٢) زيد هو: أبو سعيد زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري الخزرجي النجاري، كان يكتب لرسول الله - ﷺ - الوحي وغيره، كما كان يكتب لأبي بكر وعمر، وكان أعلم الصحابة بالفرائض، وكانت وفاته سنة (٤٥ هـ). (أسد الغابة - ٢/ ٢٧٨)
(٣) علقمة هو: علقمة بن قيس بن عبد الله (تقدمت ترجمته -).
[ ١٨٦ ]
قال أبو جعفر: فهذا عبد الله بن عمر ضي الله عنهما، وهو الذي روى عن رسول الله - ﷺ - قوله لعمر ﵁: (فتلك العدة التي أمر الله ﷿ أن تطلق لها النساء) لم يدله ذلك على أن الأقراء الأطهار، إذا كان قد جعلها الحيض
وعن مكحول (^١) أن قدم المدينة: فذكر له سليمان بن يسار (^٢) أن زيد بن ثابت كان يقول: إذا طلق الرجل امرأته فرأت أول قطرة من دم حيضتها الثالثة، فلا رجعة عليها.
قال: فسألت عن ذلك بالمدينة، فبلغني أن عمر بن الخطاب، ومعاذ بن جبل (^٣) وأبا الدرداء (^٤) ﵃، كانوا يجعلون له عليها الرجعة، حتى تغتسل من الحيضة الثالثة
وعن ابن شهاب، قال: أخبرني قبيصة بن ذؤيب (^٥)
_________________
(١) مكحول هو: أبو عبد الله مكحول الشامي الدمشقي الفقيه، وهو في الطبقة الثالثة، من تابعي أهل الشام، وكانت وفاته سنة (١١٢ هـ). (تهذيب الكمال - ٧/ ٢١٦).
(٢) سليمان هو: أبو أيوب سليمان بن يسار الهلالي المدني مولى أم المؤمنين ميمونة، قال فيه أبو زرعة: ثقة، مأمون فاضل عابد، وكانت وفاته سنة (١٠٣ هـ) (تهذيب الكمال - ٣/ ٣٠٧).
(٣) معاذ هو: أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، شهد العقبة، وبدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله - ﷺ -، وكانت وفاته سنة (١٨ هـ) (أسد الغابة - ٥/ ١٩٤).
(٤) أبو الدرداء هو: الصحابي الجليل عويمر بن عامر بن مالك بن زيد، قال فيه الرسول - ﷺ -: (عويمر حكيم أمتي) شهد ما بعد أحد من المشاهد، وكانت وفاته بدمشق سنة (٣٣ هـ) (أسد الغابة - ٤/ ٣١٨).
(٥) قبيصة هو: أبو سعيد قَبِيصة بن ذؤيب بن حلحلة الخزاعي، ولد عام الفتح، وسكن الشام، وهو في الطبقة الأولى من تابعي أهل المدينة، وكانت وفاته سنة (٨٦ هـ) (تهذيب الكمال - ٦/ ٩٤).
[ ١٨٧ ]
أنه سمع زيد بن ثابت يقول: (الطلاق إلى الرجل، والعدة إلى المرأة، إن كان الرجل حرًا، وكانت المرأة أمة، فثلاث تطليقات، والعدة: عدة الأمة حيضتان، وإن كان عبدًا، وامرأته حرة، طلق طلاق العبد تطليقتين، واعتدت عدة الحرة ثلاث حيض).
فلما جاء هذا الاختلاف عنهم، ثبت أنه لا يحتج في ذلك بقول أحد منهم، لأنه متى أحتج محتج في ذلك بقول بعضهم، احتج مخالف عليه بقول مثله، فارتفع ذلك كله أن يكون فيه حجة لأحد الفريقين على الفريق الآخر.
وكان من حجة من جعل الأقراء الحيض على مخالفه، أن قال: فإذا كانت الأقراء الأطهار، فإذا طلق الرجل المرأة وهي طاهرة، فحاضت بعد ذلك بساعة، فحسب ذلك لها قرء مع قرءين متنابعين، كانت عدتها قرءين وبعض قرء، وإنما قال الله ﷿: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨].
فكان من حجة من ذهب إلى أن الأقراء الأطهار في ذلك أن قال: فقد قال الله ﷿: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة:١٩٧] فكان ذلك على شهرين وبعض شهر، فكذلك جعلنا الأقراء الثلاثة على قرءين وبعض قرء.
فكان من حجتنا عليهم في ذلك أن الله ﷿ قال في الأقراء ثلاثة قروء، ولم يقل في الحج ثلاثة أشهر، وإن قال في ذلك ثلاثة أشهر فأجمعوا أن ذلك على شهرين وبعض شهر، ثبت بذلك ما قال المخالف لنا، ولكنه إنما قال أشهرٌ، ولم يقل ثلاثة.
فأما ما حصره بالثلاثة، فقد حصره بعدد معلوم، فلا يكون أقل من ذلك العدد، كما أنه لما قال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق:٤]. فحصر ذلك بالعدد، فلم يكن ذلك على أقل من ذلك العدد، فكذلك لما حصر الأقراء بالعدد، فقال: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]، فلم يكن ذلك على أقل من ذلك العدد.
[ ١٨٨ ]
وكان من حجة من ذهب إلى أن الأقراء الأطهار أيضًا أن قال: لما كانت الهاء تثبت في عدد المذكر فيقال: (ثلاثة رجال) وتنتفي من عدد المؤنث، فيقال: (ثلاث نسوة)، فقال الله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] فأثبت الهاء، ثبت أنه أراد بذلك مذكرًا، وهو الطهر لا الحيض.
فكان من الحجة عليهم في ذلك أن الشيء إذا كان له إسمان، أحدهما مذكر والآخر مؤنث، فإن جمع المذكر أثبتت الهاء، وإن جمع بالمؤنث أسقطت الهاء.
من ذلك أنك تقول: (هذا ثوب، وهذه ملحفة)، فإن جمعت بالثوب قلت: (ثلاثة أثواب) وإن جمعت بالملحفة قلت: (ثلاث ملاحف) وكذلك (هذه دار، وهذا منزل) لشيء واحد.
فكان الشيء قد يكون واحدًا يسمى باسمين مختلفين أحدهما مذكر، والآخر مؤنث، فإذا جمع بالمذكر فُعِلَ فيه كما يُفْعَل في جمع المذكر فأثبتت الهاء، وإن جمع بالمؤنث، فعل فيه كما يفعل في جمع المؤنث، فأسقطت الهاء
فكذلك الحيضة والقرء، هما اسمان بمعنى واحد، وهوالحيضة فإن جمع بالحيضة، سقطت الهاء، فقيل: ثلاث حيض، وإن جمع بالقرء، ثبتت الهاء فقيل: (ثلاثة قروء) وذلك كله، اسمان لشيء واحد، فانتفى بذلك ما ذكرنا مما احتج به المخالف لنا.
وأما وجه هذا الباب من طريق النظر، فإنّا قد رأينا الأَمَة جُعِل عليها في العدة، نصف ما يجعل على الحرة. فكانت الأمة إذا كانت ممن لا تحيض، كان عليها نصف عدة الحرة، إذا كانت ممن لا تحيض، وذلك شهر ونصف. فإذا كانت ممن تحيض، جعل عليها - باتفاقهم - حيضتان، وأريد بذلك نصف ما على الحرة، ولهذا قال عمر ﵁ بحضرة أصحاب رسول الله - ﷺ -: (لو قدرت أن أجعلها حيضة ونصفًا، لفعلت).
فلما كان ما على هذه الأمة هو الحيض لا الأطهار، وذلك نصف ما على الحرة، ثبت أن ما على الحرة أيضًا، هو من جنس ما على الأمة، وهو الحيض لا الأطهار.
[ ١٨٩ ]
فثبت بذلك قول الذين ذهبوا في القرء إلى أنها الحيض، وانتفي قول مخالفهم، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف (^١)، ومحمد (^٢) ﵏.
(شرح معاني الآثار - ٣/ ٥٩ - ٦٤)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي الخلاف الوارد في المراد بـ (القرء) في الآية - والذي يجب على المطلقة أن تعتد به، وقد ذكر أقوال العلماء في ذلك، وأدلة كل قول. كما ردّ على من قال إن المراد بـ (القروء) الأطهار، مرجحًا قول من قال إن المراد بـ (القروء) الحيض.
وقبل عرض كل قول وأدلته أبين أولًا: أن أهل العلم بلسان العرب وجمهور العلماء لم يختلفوا في أن (القرء) في اللغة يراد به الحيض، ويراد به الطهر. يقال (أقرأت المرأة) أي: حاضت.
ومنه قول الشاعر: يارب ذي ضغن على فارض::: له قروء كقروء الحائض. (^٣)
ومعنى البيت، أنه طعنه، فكان له دم كدم الحائض، فدل البيت على أن القرء يأتي بمعنى الحيض.
ويقال: (أقرأت المرأة) أي: طَهُرَتْ. ومنه قول الشاعر الأعشى:
أفي كل عام أنت جاشم غزوة::: تشد لأقصاها عزيم عزائكا.
مورثة مالًا وفي الحي رفعة::: لما ضاع فيها من قروء نسائكا. (^٤)
_________________
(١) أبو يوسف هو: يعقوب بن إبراهيم بن حبيب، أَخَذَ العلم والفقه عن أبي حنيفة، وهو أول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة، وبث علم أبي حنيفة في أقطار الأرض. وكانت وفاته ببغداد سنة (١٨٢ هـ) (تاج التراجم - ٢٨٢).
(٢) محمد هو: أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني، صحب أبا حنيفة، وعنه أخذ الفقه، ثم عن أبي يوسف، وهو ممن نشر علم أبي حنيفة، وكانت وفاته بالري سنة (١٨٩ هـ) (تاج التراجم - ١٨٧).
(٣) انظر: مجالس ثعلب (٢٦٤) والحيوان (٦/ ٦٦،٦٧) والمعاني الكبير للفراء (٨٥٠، ١١٤٣).
(٤) انظر: ديوان الأعشى (٩١) والدر المصون (١/ ٥٥٥).
[ ١٩٠ ]
ومعنى البيت: أنه كان يخرج إلى الغزو ولم يغشى نساءه، فتضيع أقراؤهن، وإنما يضيع بالسفر زمان الطهر، لا زمان الحيض. فدل البيت على أن القرء يأتي بمعنى الطهر.
فكلمة القرء كلمة محتملة للطهر والحيض احتمالًا واحدًا، وعليه فلا يكون الترجيح بالرجوع إلى الأصل اللغوي لهذه الكلمة، ومن هنا نشأ الخلاف في المراد بـ (القروء) في الآية. (^١)
الأقوال الواردة في المراد بـ (القروء) في الآية:
القول الأول: أن المراد بـ (القرء) الذي أمر الله تعالى ذكره المطلقات أن يعتددن به هو (الطهر) فمتى دخلت المرأة في الحيضة الثالثة فلا سبيل للزوج عليها.
- وهذا قول: الزهري - ومالك بن أنس - والشافعي - وأبي ثور (^٢)
- ومن أدلة هذا القول:
١ - أن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] يقتضي أنها إذا اعتدت بثلاثة أشياء تسمى أقراء، أن تخرج عن العهدة، وكل واحد من الطهر والحيض يسمى بهذا الاسم، فوجب أن تخرج المرأة عن العهدة بأيهما كان على سبيل التخيير. إلا أنا بينا أن مدة العدة بالأطهار أقل من مدة العدة بالحيض، فعلى هذا تكون المرأة مخيرة بين أن تعتد بالمدة الناقصة أو بالمدة الزائدة. وإذا كان الأمر كذلك كانت المرأة متمكنة من أن تترك القدر الزائد لا إلى بدل، وكل ما كان كذلك لم يكن واجبًا. فإذًا الاعتداد بالقدر الزائد على مدة الأطهار غير واجب، وذلك يقتضي أن يكون الاعتداد بمدة الحيض غير واجب، والاعتداد بمدة الأطهار واجب.
- الرد على هذا الاستدلال:
_________________
(١) انظر: معجم مقاييس اللغة (٥/ ٧٩) وتهذيب اللغة (٩/ ٢٧١)، ومعاني القرآن اللنحاس (١/ ١٩٦) - وتحفة الأريب لأبي حيان (٢٥٤).
(٢) انظر: تفسير الطبري (٢/ ٤٥٢) - وتفسير الماوردي (١/ ٢٩١). ومعاني القرآن للنحاس (١/ ١٩٥).
[ ١٩١ ]
أن ظاهر الآية يوجب الاعتداد بثلاثة قروء كاملة، وهذا يتحقق متى كان المراد بالقروء الحيض لا الأطهار. (^١)
٢ - أن قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]، دل على أنه جل وعلا أراد الطهر المذكر، ولو أراد الحيضة المؤنثة لاسقط التاء - وقال: (ثلاث قروء)، لأن التاء تثبت في عدد المذكر من الثلاثة إلى العشرة وتسقط في عدد المؤنث. (^٢)
- الرد على هذا الاستدال: أن لفظ (القرء) مذكر، ومسماه مؤنث وهو الحيضة، (فالتاء) جيء بها مراعاة للفظ المذكر، لا للمعنى المؤنث. (^٣)
٣ - قوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق:١] فقوله تعالى: (لعدتهن) المراد: في عدّتهنّ، وفي ذلك إشارة إلى الطهر، فدل ذلك على أن العدة بالطهر، وقال: (أحصوا العدة) فأمر بالإحصاء عقب الطهر، فيكون المحصى بقية الطهر.
- الرد على هذا الاستدلال:
أ- أن (في) ظرف، (واللام) وإن كانت متصرفة على معان، فليس في أقسامها التي تتصرف عليها كونها ظرفًا.
ب- أنه إن كان المعنى: (في عدتهن)، فإنه يجب أن تكون العدة موجودة حتى يطلقها فيها.
كما لو قال قائل (طلقها في شهر رجب) لم يجز له ن يطلقها قبل أن يوجد من الشهر شيء.
ج- أن الإحصاء ليس بمختص بالطهر دون الحيض، لأن كل ذي عدد فالإحصاء يلحقه.
وقد اعتُرض على هذا الرد: بأن الذي يلي الطلاق هو الطهر، وقد أُمِرنا بالإحصاء، فوجب أن ينصرف الأمر بالإحصاء إلى الطهر، لأن الأمر على الفور (^٤)
- الرد على هذا الاعتراض: أن الإحصاء إنما ينصرف إلى أشياء ذوي عدد، فأما أن ينصرف إلى شيء واحد قبل انضمام غيره إليه، فلا عبرة بإحصائه.
_________________
(١) تفسير الرازي (٦/ ٨٩)
(٢) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ١٨٥).
(٣) تفسير الشنقيطي (١/ ١١٠).
(٤) أحكام القرآن للجصاص (١/ ٣٧٠).
[ ١٩٢ ]
فإذًا لزوم الإحصاء يتعلق بما يوجد في المستقبل من الأقراء متراخيًا عن وقت الطلاق، وحينئذ لا يكون الطهر أولى به من الحيض إذا كان وصف الإحصاء يتناولهما جميعًا إذ لافرق بينهما.
وعلى الأخذ بهذا الاستدلال، فإنه يلزم قائله أن يقول: إن المرأة لوحاضت عقب الطلاق مباشرة، أن تكون عدتها بالحيض لكون الإحصاء يلي الطلاق بدون تراخي عنه، والذي يلي الطلاق في هذه الحال الحيض فينبغي أن يكون هو العدة. (^١)
٤ - أن الرسول - ﷺ - قد صرح بأن الطهر هو العدة مبينًا أن ذلك هو مراد الله جل وعلا من قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١]. فعن ابن عمر ﵁: أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول الله - ﷺ -، فسأل عمر بن الخطاب رسول الله - ﷺ -، عن ذلك؟ فقال له رسول الله - ﷺ -: "مُرْه فليراجعها، ثم ليتركها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله ﷿ أن يطلق لها النساء" (^٢).
فهذا الحديث نص في أن زمن الطهر هو الذي يسمى عدة، وهو الذي تطلق فيه النساء، فكان هو الأولى أن يكون هو المراد بالقروء (^٣).
- الرد على هذا الاستدلال: أن (اللام) قد تدخل في ذلك لحال ماضية ومستقبلة كما في قول الرسول - ﷺ -: "صوموا لرؤيته" (^٤)
_________________
(١) أحكام القرآن للجصاص (١/ ٣٧٠).
(٢) أخرجه مسلم كتاب الطلاق - باب تحريم طلاق الحائض- (حـ ٣٦٣٧ - ١٠/ ٣٠٢). والدارمي في سننه - كتاب الطلاق - باب السنة في الطلاق (حـ ٢١٧٩ - ٢/ ٦٠١).
(٣) تفسير القرطبي (٣/ ١٢٠).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الصوم - باب قول النبي - ﷺ -: (إذا رأيتم الهلال فصوموا) (حـ ١٨١٠ - ٢/ ٦٧٤). ومسلم في صحيحه - كتاب الصيام - باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال (حـ ٢٤٩٦ - ٧/ ١٨٨).
[ ١٩٣ ]
يعنى لرؤية ماضية. وكما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ [الإسراء: ١٩].
يعنى: الآخرة - (فاللام) هنا للاستقبال والتراخي. فاحتمل ما في الحديث أن يكون إشارة إلى الحيضة الماضية، فيدل ذلك على أن العدة إنما هي الحيض.
وجائز أن يريد حيضة مستقبلة، إذ هي معلوم كونها على مجرى العادة، فليس الطهر حينئذ بأولى بالإعتبار من الحيض، لأن الحيض في المستقبل، وإن لم يكن الحيض مذكورًا فجائز أن يراد به، إذ كان معلومًا، كما أن الطهر لم يذكر بعد الطلاق، وإنما ذكر قبله، ولكن لما كان معلومًا وجوده بعد الطلاق إذ طلقها فيه على مجرى العادة، جاز رجوع الكلام إليه وإرادته باللفظ. ومع ذلك فجائز أن تحيض بعد الطلاق بلا فصل. فليس إذًا في اللفظ دلالة على أن المعتبر في الاعتداد به هو الطهر دون الحيض. (^١)
وبعد عرض أدلة هذا القول، وبيان الرد عليها، يظهر لنا تناقض هذا القول وفساده.
القول الثاني: أن المراد (بالقرء) الذي أمر الله تعالى ذكره المطلقات أن يعتددن به هو: (الحيض).
فمتى لم تغتسل المرأة المطلقة من الحيضة الثالثة فزوجها أحق بها.
- وهذا قول: الخلفاء الأربعة - ومعاذ بن جبل - وابن مسعود - وأبي موسى الأشعري - وأبي حنيفة - وأحمد بن حنبل - والأوزاعي - والثوري (^٢).
- ومن أدلة هذا القول:
١ - قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]، فدل ظاهر النص على وجوب تربص المطلقة ثلاثة قروء كاملة، فيكون المراد (بالقروء) في الآية: الحيض.
_________________
(١) أحكام القرآن للجصاص (١/ ٣٧٩).
(٢) انظر: تفسير الطبري (٢/ ٤٥٢) - وتفسير ابن كثير (١/ ٢٧٧). وتفسير البغوي (١/ ٢٦٦) - ومعاني القرآن للنحاس (١/ ١٩٥).
[ ١٩٤ ]
لأن من يقول إن المراد بالقرء: الطهر، يجوِّز أن تعتد المطلقة بطهرين وبعض طهر، لأنه إذا طلقلها حال الطهر اعتدت عنده بقية ذلك الطهر قرءًا، ثم قرءين بعده كاملين. وفي هذا مخالفة لظاهر نص الآية.
وأما إذا قلنا إن المراد بالقروء الحيض، فإن المطلقة تعتد ثلاث حيض كاملة وفي ذلك موافقة لظاهر نص الآية (^١)
٢ - أن الغرض الأول من العدة: هو استبراء الرحم، والحيض هو الذي تستبرأ به الأرحام، دون الطهر، ويدل على ذلك:
أ- أن الاستبراء من الأمة بالحيضة، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة". (^٢) فأمر بالاستبراء بالحيض، فكذلك العدة ينبغي أن تكون بالحيض.
ب- قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة:٢٢٨]، فالمراد بقوله: (ماخلق الله في أرحامهن) هو: الحيض. فحرم كتمان ما يأيتهن من الحيض، لأنه هو الذي يستبرأ به الرحم، وبكتمانه تحدث مفاسد كثيرة.
ج- أن الطهر مقارن للحبل، فدل ذلك على أن الاستبراء لا يقع بما يقارنه، وإنما يقع بما ينافيه وهو الحيض، فيكون دلالة على براءة رحمها من الحبل، فوجب أن تكون العدة بالحيض دون الطهر. (^٣)
٣ - قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق:٤] فدلت الآية على أن العدة تعتبر بالحيض دون الطهر.
_________________
(١) انظر: المغني لابن قدامة (١١/ ١٩٩). والإنصاف للمرداوي (٩/ ٢٧٩). وتفسير الرازي (٦/ ٩٠)
(٢) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب النكاح - باب في وطء السبايا (حـ ٢١٥٧ - ٢/ ٦١٤). والدارمي في سننه - كتاب الطلاق - باب في استبراء الأمة (حـ ٢٢١٠ - ٢/ ٦١٠).
(٣) أحكام القرآن للجصاص (١/ ٣٦٩).
[ ١٩٥ ]
أ- لأن الله جل وعلا نقلهن عند عدم الحيض إلى الاعتداد بالأشهر، فأقام الأشهر مقام الحيض دون الأطهار، فدل على أن الأصل هو الحيض.
ب- ولأن الأشهر لما شرعت بدلًا عن الأقراء، والبدل يعتبر بتمامه - حيث أن الأشهر لا بد من إتمامها - وجب أيضًا أن يكون الإتمام والكمال معتبرًا في المبدل، فيجب أن يكون المبدل هو الحيض، لأنه هو الذي يكمل دون الطهر الذي لا يكمل. (^١)
ج- ولأن اسم المقرء غير منتف عن الحيض بحال، وقد ينتفي عن الطهر، لأن الطهر موجود في الآيسة والصغيرة، ومع ذلك فلم تُعتبرا من ذوات الأقراء. فدل ذلك على أن اسم القرء مجاز في الطهر، حقيقة في الحيض. (^٢)
٤ - قوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١]، فدلت الآية على أن العدة التي يطلق لها النساء مستقبلة بعد الطلاق، والمستقبل بعد الطلاق إنما هو الحيض.
فإن الطاهر لا تستقبل الطهر إذ هي فيه، وإنما تستقبل الحيض بعد طهرها الذي طلقت فيه (^٣)
٥ - ما روي عن عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: "طلاق الأمة ثنتان، وقرؤها حيضتان". (^٤) وهذا الحديث وإن كان مورده من طريق الآحاد، فقد أتفق أهل العلم على قبوله، والأخذ به في عدة الأمة فأوجب ذلك صحته.
_________________
(١) انظر: تفسير القرطبي (٣/ ١٢٠) - وتفسير الرازي (٦/ ٩٠).
(٢) أحكام القرآن للجصاص (١/ ٣٦٦).
(٣) زاد المعاد (٥/ ٢٢٥).
(٤) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الطلاق - باب في سنة طلاق العبد (حـ ٢١٨٩ - ٢/ ٦٣٩) وقال هو حديث مجهول. أهـ. والترمذي في سننه - كتاب الطلاق - باب ما جاء أن طلاق الأمة تطليقتان. (حـ-١١٨٤ - ٥/ ١٥٢) وقال: حديث عائشة حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث مظاهر بن أسلم، والعمل على هذا عند أهل العلم. أ. هـ.
[ ١٩٦ ]
فنص الحديث على أن عدة الأمة حيضتان، وذلك خلافًا لقول من قال إن (القرء) هو: الطهر، لأنهم يزعمون أن عدتها طهران، ولا يكملون لها حيضتين.
وإذا ثبت أن عدة الأمة حيضتان كانت عدة الحرة ثلاث حيض، وعليه يكون المراد (بالقرء) في الآية: الحيض دون الطهر. (^١)
الترجيح: والقول الراجح هو أن المراد بـ (القروء) في الآية: (الحيض)، وذلك لما يلي:
١ - قوة أدلة هذا القول مما يتعين معه الأخذ بها.
٢ - أن هذا القول هو قول معظم الصحابة والتابعين.
٣ - أن القرء في اللغة وإن كان مشتركًا بين الطهر والحيض، إلا أنه في الشرع غلب استعماله في الحيض، كما ورد في قول الرسول - ﷺ - بشأن المستحاضة:"تدع الصلاة أيام أقرائها" (^٢)، ولم يجيء في موضع واحد استعماله للطهر، فحمله على المعهود من خطاب الرسول - ﷺ - متعين، لأن الرسول - ﷺ - هو المبلغ عن الله جل وعلا، والقرآن تنزل بلغة قومه، فإذا ورد اللفظ المشترك في كلامه على أحد معنييه، وجب حمل سائر كلامه عليه، إذ لم يثبت إرادة المعنى الآخر في شيء من كلامه البته.
٤ - أن في هذا القول احتياطًا وتغليبًا لجانب الحرمة، لأن الأصل في الأبضاع الحرمة، وقد قال الرسول - ﷺ -: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ". (^٣)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) أحكام القرآن للجصاص (١/ ٣٦٦)
(٢) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الطهارة - باب من قال تغتسل من طهر إلى طهر (حـ ٢٩٧ - ١/ ٢٠٨). والترمذي في سننه كتاب الطهارة - باب ما جاء أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة (حـ ١٢٦ - ١/ ١٩٩).
(٣) أخرجه الترمذي في سننه - كتاب صفة القيامة - باب رقم (٦٠) (حـ ٢٥٢٣ - ٩/ ٣٢١) وقال: هذا حديث صحيح. أ. هـ. والإمام أحمد في مسنده (٣/ ١٥٣).
[ ١٩٧ ]
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ [البقرة: ٢٣٠].
قال أبو جعفر الطحاوي: في المراهق هل يحلها للأول:
قال أصحابنا، والأوزاعي، والشافعي: إذا كان يجامع مثله، فجامعها فإنه يحلها لزوجها الأول.
وقال مالك: لا يحلها، لأن وطء الصبي ليس بوطء، والوطء الذي يحل ما يجب فيه الحدود.
قال الله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] وقد فعلت.
وأيضًا فإن جماعه يحرم البنت كجماع الكبير، فكذلك التحليل.
(مختصر اختلاف العلماء - ٢/ ٣٢٥)
الدراسة
استدل الإمام الطحاوي بهذه الآية على: أن المطلقة البائنة متى تزوجها المراهق غير البالغ ثم طلقها، فإنه يحلها لزوجها الأول.
- وإليك بيان الأقوال في هذه المسألة:
- القول الأول: لا يحل المطلقة البائنة جماع من لم يكن بالغًا.
- وهذا قول: مالك - والحسن - وأبي عبيد القاسم بن سلام. (^١)
- القول الثاني: يحل المطلقة البائنة جماع من لم يكن بالغًا.
- وهذا قول: جمهور العلماء من الصحابة والتابعين.
- ومن أدلة هذا القول:
١ - أن الله جل وعلا قال: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] من غير فصل بين زوج وزوج.
٢ - ولأن جماع الصبي غير البالغ يتعلق به أحكام النكاح من المهر، والتحريم كجماع البالغ العاقل. (^٢)
_________________
(١) بداية المجتهد (٢/ ١٤٨).
(٢) انظر: بدائع الصنائع (٣/ ٢٩٨) والمغني لابن قدامة (١٠/ ٥٥١).
[ ١٩٨ ]
الترجيح: والقول الراجح هو أن المطلقة البائنة يحلها جماع من لم يكن بالغًا، لأن ظاهر قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠] أنه عام في كل زوج قادر على الجماع، من غير تخصيص لبالغ دون غيره.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١) وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾ [البقرة:٢٣١ - ٢٣٢]
[ ١٩٩ ]
قال أبو جعفر الطحاوي: قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [البقرة:٢١٠] وهن إذا بلغن أجلهن، انقطعت الأسباب بينهن وبين مطلقيهن، فاستحال أن يمسكوهن بعد ذلك، وقد بين الله تعالى ذلك في الآية الأخرى، وهي قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)﴾ [البقرة: ٢٣٢] [البقرة:٢٣٢] فدل ذلك أنهن بعد انقضاء آجالهن حلال لمن يريد تزويجهن، وكان ذلك دليلًا أن مراده تعالى في الآية الأخرى بذكره بلوغ الأجل أنه قرب بلوغ الأجل لا حقيقة بلوغه.
(شرح مشكل الآثار -٢/ ٩٠)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن المراد (ببلوغ الأجل) في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣١] هو قرب بلوغ الأجل لا حقيقة بلوغه.
وهذا هو قول: جمهور العلماء، وهو القول الصحيح.
وذلك لأن الأجل المذكور هو العدة، وبلوغه هو انقضاؤها، ولا خيار في الراجعة والإمساك بعد انقضاء العدة.
فالمراد بالبلوغ: مقاربته، دون انقضائه. وقد دل سبب النزول على أن هذا هو المراد:
فعن السدي: أنها نزلت في رجل من الأنصار يدعى ثابت بن يسار طلق امرأته حتى إذا انقضت عدتها إلا يومين، أو ثلاثة راجعها، ثم طلقها ففعل ذلك بها، حتى مضت لها تسعة أشهر مضارة يضارها، فأنزل الله تعالى ذكره: وَلَا ﴿تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة:٢٣١] (^١).
فدل سبب نزول الآية على أن المراد ببلوغ الأجل: قرب بلوغه، لا حقيقة بلوغه.
ونظائر هذا كثيرة في القرآن واللغة. من ذلك:
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره - سورة البقرة - الآية (٢٣١) (ح ٤٩٢٣ - ٢/ ٤٩٤) وأورده السيوطي في لباب النقول (٣٥).
[ ٢٠٠ ]
قوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١]
والمعنى: إذا أردتم الطلاق وقاربتم أن تطلقوا فطلقوا للعدة.
وكقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل:٩٨]
والمعنى: إذا أردت أن تقرأ القرآن فاستعذ بالله.
وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ [الأنعام:١٥٢] ليس المراد أن يكون العدل بعد القول، ولكن يكون قبله، فيلزمه ألا يقول إلا عدلًا.
وكما يقول المسافر: (بلغت بلد كذا) - ومراده مقاربته، لا حقيقة بلوغه.
فعلى هذا كان المراد (ببلوغ الأجل) في الآية الأولى: مقاربته، لا وجود نهايته.
وأما في الآية الثانية فالمراد (ببلوغ الأجل): وجود نهايته، لأن المعنى يقتضي ذلك، فابتداء النكاح إنما يتصور بعد انقضاء العدة، ولا يتصور قبل ذلك.
فكان ذكر (بلوغ الأجل) حقيقة في الآية الثانية، مجاز في الآية الأولى. (^١)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٣٩٨) - ومعاني القرآن للنحاس (١/ ٢٠٨). وتفسير القرطبي (٣/ ١٥٦).
[ ٢٠١ ]
قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ [البقرة: ٢٣٣].
قال أبو جعفر الطحاوي: عن زيد بن وهب (^١)، قال: سمعت أبا ذر (^٢) يقول: (لأن أحلف عشرًا إن ابن صياد هو الدجال أحب إلي من أن أحلف يمينًا واحدة إنه ليس هو وذلك لشيء سمعته من رسول الله - ﷺ -، بعثني رسول الله - ﷺ - إلى أم ابن صياد، فقال: " سلها كم حملت به " فسألتها، فقالت: حملت به اثني عشر شهرًا، فأتيته، فأخبرته) (^٣)
_________________
(١) زيد هو: أبو سليمان زيد بن وهب الجهني الكوفي، وثقه يحي بن معين وغيره، وكانت وفاته سنة (٩٦ هـ) (تهذيب الكمال-٣/ ٨٧).
(٢) أبو ذر هو: جندب بن جنادة بن قيس بن عمرو الغفاري، وهو من كبار الصحابة حيث كان خامس من أسلم، وكانت وفاته سنة (٣١ هـ). (أسد الغابة -٦/ ٩٩).
(٣) أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ١٤٨)
[ ٢٠٢ ]
فكان في هذا إخبار أبي ذر رسول الله - ﷺ -، عن أم ابن صياد أنها حملت به اثني عشر شهرًا، فلم يكن من رسول الله - ﷺ - دفع لذلك، ولو كان محالًا لأنكره عليها، ودفعه من قولها، وفي ذلك ما قد دل أن الحمل قد يكون أكثر من تسعة أشهر على ما قد قاله فقهاء الأمصار في ذلك من أهل المدينة وأهل الكوفة وممن سواهم من فقهاء أهل الأمصار سوى هذين المصرين، وإن كانوا يختلفون في مقدار أكثر المدة في ذلك، فتقول طائفة منهم: إنه سنتان لا أكثر منهما، وممن كان يقول ذلك منهم أبو حنفية والثوري وسائر أصحاب أبي حنيفة.
وطائفة منهم تقول: هو أربع سنين لا أكثر منها، وممن كان يقول ذلك منهم كثير من قدماء أهل الحجاز، وبه يقول الشافعي.
وطائفة منهم تقول: إنه يتجاوز ذلك إلى ما هو أكثر منه من الزمان، منهم مالك بن أنس.
واحتجنا عند اختلافهم هذا إلى طلب الأولى مما قالوه من هذه الأقاويل.
فوجدنا الله ﷿ قد قال في كتابه العزيز: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥]
فكان في ذلك جمع الحمل والفصال في ثلاثين شهرًا، فلا يجوز أن يخرجا ولا واحد منهما عنها.
وإذا لم يكن في هذا الباب غير هذه الثلاثة الأقاويل اللاتي ذكرنا، فكان في قولين منها الخروج عن الشهور إلى ما هو أكثر منها، انتفى هذان القولان، إذ كان كتاب الله قد دفعهما، ولم يبق إلا القول الآخر الذي لم يخرج به قائلوه عن الثلاثين شهرًا التي جعلها الله ﷿ مدة للحمل وللفصال جميعًا، وهو الحولان، فكان هو الأولى مما قيل في هذا الباب.
فقال قائل: فإذا جعلتم الحمل والفصال ثلاثين شهرًا لا أكثر منها، فكم تكون مدة الفصال من هذه الثلاثين شهرًا.
[ ٢٠٣ ]
فكان جوابنا له بتوفيق الله ﷿: أن عبد الله بن عباس ﵄ قال: إذا وضعت المرأة في تسعة أشهر، كفاه من الرضاع واحد وعشرون شهرًا، وإذا وضعت لسبعة أشهر، كفاه من الرضاع ثلاثة وعشرون شهرًا، وإذا وضعت لستة أشهر، فحولان كاملان، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥]
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث أن ابن عباس لم يخرج الحمل والفصال من الثلاثين شهرًا، وفي ذلك ما قد دل على أن الحمل كان عنده لا يخرج عن الثلاثين شهرًا، وإذا كان ذلك كذلك، وكان الحمل حولين، كان الباقي من الثلاثين شهرًا ستة أشهر، فكان ذلك مما قد سأل عنه بعض من سأل، فقال: أفيجوز أن يكون الفصال ستة أشهر، وأبدان الصبيان لا تقوم بها؟ لأنهم يحتاجون من الرضاع إلى مدة هي أكثر منها.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله ﷿ وعونه: أنه قد يحتمل أن يكون المولودون بعد مضي تلك الستة الأشهر يرجعون إلى لطيف الغذاء، فيكون ذلك عيشًا لهم وغنى لهم عن الرضاع.
[ ٢٠٤ ]
غير أنا تأملنا ما في كتاب الله من ذكر الحمل والفصال، فوجدنا منه الآية التي قد تلوناها فيما تقدم منا في هذا الباب، ووجدنا منه قول الله ﷿: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان:١٤] فجعل الفصال في هذه الآية من المدة عامين. ووجدنا من قوله ﷿: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣] فكان في هاتين الآيتين الأخيرتين إثبات الحولين للفصال، فاحتمل عندنا - والله أعلم - أن يكون الله ﷿ جعل الحمل والفصال ثلاثين شهرًا لا أكثر منها، على ما في الآية الأولى مما قد يحتمل أن يكون مدة الفصال فيها قد ترجع إلى ستة أشهر، ثم زاد الله ﷿ في مدة الفصال تمام الحولين بالآيتين الأخيرتين، فرد حكم الفصال إلى جهته من الثلاثين شهرًا وعلى تتمة الحولين على ما في الآيتين الأخريين، وبقي مدة الحمل على ما في الآية الأولى، فلم يخرجه من الثلاثين شهرًا، وأخرج مدة الفصال من الثلاثين شهرًا إلى ما أخرجها إليه بالآيتين الأخريين، والله ﷿ أعلم بمراده في ذلك، وبما كان منه فيه.
والدليل على صحة ما قد ذكرناه المراعاة بالرضاع حولين، وقد قال ذلك من أصحاب رسول الله - ﷺ - غير واحد، منهم ابن عباس ﵁
قال أبو جعفر: فهذا ابن عباس قد قصد إلى الرضاع بالحولين، فدل ذلك أنهما له عنده مدة، وأكثر فقهاء الأمصار على ذلك.
فكان في ذلك ما قد دل على التأويل الذي تأولناه في الثلاث الآيات التي تلوناها في هذا الباب.
[ ٢٠٥ ]
وقال قائل: قد ذكرت في مدة الحمل في هذا الباب ما ذكرته من نقل أبي ذر إلى النبي - ﷺ -، عن أم ابن صياد أنها حملت به اثني عشر شهرًا، وأن النبي - ﷺ - لم ينكر ذلك، وجعلت ذلك حجة على من نفى أن يكون الحمل كان مخصوصًا في حمل أمه به في هذه المدة ليكون آية للعالمين لما ذكر فيه من أنه الدجال.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله ﷿ وعونه: أنه إنما يكون هذا الاحتمال يرجوا أنه الدجال الذي حذر النبي - ﷺ - ومن قبله من الأنبياء ﵈ أممهم منه، وذكروا لهم أحواله التي يكون عليها، وادعاءه أنه لهم إله، ومكثه في الأرض بما يمكثه فيها، ومنع الله ﷿ إياه من حرمه وحرم رسوله - ﷺ -، ونزول عيسى بن مريم - ﷺ - ليقتله في الموضع الذي يقتله فيه، ولم يوجد هذا في ابن صياد، لأنه قد كان في حرم رسول الله - ﷺ -، ولأن رسول الله - ﷺ - لم يقتله، ولو كان الدجال نفسه لقتله، ولو كان الذي قيل فيه من ذلك قيل: إنه دجال، لما أنكر أن يكون دجالًا ويكون بعده دجالون، وإن تفاضلوا فيما يكونون عليه في ذلك ويتباينون فيه، ولكنه قيل: إنه الدجال، فعاد ذلك إلى الدجال الذي هو الدجال، وقد قامت الحجة بخلاف ذلك
وإذا أخرج أن يكون هو الدجال الذي ذكرنا كان كأحد بني آدم في خلقه في مدة حمله.
والله نسأله التوفيق.
(شرح مشكل الآثار -٧/ ٢٨٩ - ٢٩٧)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي الأقوال الواردة في مدة الحمل والرضاع، مرجحًا القول بأن مدة الحمل لا تزيد عن سنتين، كما أن مدة الرضاع لا تزيد عن سنتين.
وإليك بيان أقوال العلماء في المراد بتقدير مدة الرضاع بحولين في قوله جل وعلا: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ [البقرة:٢٣٣]:
[ ٢٠٦ ]
القول الأول: أن تقدير مدة الرضاع بحولين هو: حد لبعض المولودين دون بعض، وهذا التقدير لمدة الرضاع يختلف باختلاف مدة الحمل، فمدة الرضاع لا حد لأقلها، وأكثرها محدود بالحولين كما دل عليه قوله جل وعلا:: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ [البقرة:٢٣٣] وقوله جل ذكره: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان:١٤] فدلت هاتين الآيتين على أن أكثر مدة الرضاع حولين كاملين.
كما دل قوله جل وعلا: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف:١٥] على أن مدة الرضاع تتداخل مع مدة الحمل: فتقصر إلى ستة أشهر، وتطول إلى سنتين، ولا تخرج عن ذلك.
- وهذا قول: ابن عباس - وهو ما ذكره الإمام الطحاوي.
القول الثاني: أن تقدير مدة الرضاع بحولين: كان فرضًا على والدات المولودين. ثم خفف الله جل وعلا ذلك بقوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:٢٣٣] فجعل الخيار في ذلك إلى الآباء والأمهات، إذا أرادوا الإتمام أتموا حولين، وإن أرادوا فطم المولود قبل ذلك، كان ذلك راجعًا إليهم.
- وهذا قول: قتادة - والربيع - والضحاك.
القول الثالث: أن تقدير مدة الرضاع بحولين: هو من أجل قطع التنازع بين الزوجين إذا اختلفا في مدة الرضاع، فأراد أحدهما بلوغ الحولين، وأرد الآخر التقصير عنه. وبهذا يكون حكم الحاكم عند وقوع مثل هذا التنازع.
- وهذا قول: ابن عباس - وعطاء - والثوري.
القول الرابع: أن تقدير مدة الرضاع بحولين: لبيان أن الرضاع المحرم هو ما كان في الحولين. فإذا وقع الرضاع خارج هذا الزمن فإنه لا يثبت به أحكام الحرمة. وقد دل على ذلك:
١ - ما رواه ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال: " لا يحرم من الرضاع إلا ما كان في الحولين " (^١).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه - كتاب الرضاع (حـ ١٠ - ٤/ ١٧٤). والإمام مالك في الموطأ - كتاب الرضاع - باب ما جاء في الرضاعة بعد الكبر (حـ ١٤ - ٢/ ٤٧٣).
[ ٢٠٧ ]
٢ - وما روته أم سلمة ﵂ عن النبي - ﷺ - أنه قال: " لا يحرم الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام " (^١).
- وهذا قول: ابن عباس - وابن عمر - وابن مسعود - ﵃. (^٢)
الترجيح: جميع الأقوال المتقدمة يصح أن تكون مرادة بالآية، إذ لا تعارض بينها، والاختلاف بينها اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو أحد الأقوال الواردة في المراد بالآية، والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة:٢٣٥]
قال أبو جعفر الطحاوي: التسري التفعل من السر، وهو الجماع، وقد يجعل في موضع النكاح إذا كان سببًا للجماع، قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة:٢٣٥] أي: عقد نكاح.
(مختصر اختلاف العلماء -٣/ ٢٥٩)
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه - كتاب الرضاع - باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر (ح ١١٥٤ - ٥/ ٩٦) وقال: هذا حديث صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ. أ هـ. وابن ماجة في سننه - كتاب النكاح -باب: لا رضاع بعد فصال (ح ١٩٥ - ١/ ٣٥٨).
(٢) انظر: تفسير الطبري (٢/ ٥٠٤). وتفسير الرازي (٦/ ١١٨).
[ ٢٠٨ ]
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن المراد بقوله جل وعلا: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة:٢٣٥]
أي: لا تواعدوهن عقد النكاح، وإليك بيان أقوال المفسرين في ذلك:-
القول الأول: أن المراد بقوله تعالى:: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾. [البقرة:٢٣٥]
أي: لا تواعدوهن بالجماع في العدة عن طريق الزنا، ثم التزوج بعد إنتهاء العدة
- وهذا قول: إبراهيم النخعي - وجابر بن زيد - والضحاك - وقتادة - والشافعي - والطبري.
- الرد على هذا القول: هذا القول فيه بعد، لأن المواعدة بالزنا محظورة في العدة وغيرها. إذ أن الله جل وعلا حرم الزنا تحريمًا مطلقًا غير مقيد بشرط، ولا مخصوص بوقت. (^١)
القول الثاني: أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة:٢٣٥]
أي: لا تواعدوهن بالجماع في العدة عن طريق التزوج سرًا، ثم إظهار التزوج بعد انتهاء العدة. - وهذا قول: زيد بن أسلم.
- الرد على هذا القول: هذا القول فيه بعد، لأن حظر إيقاع عقد النكاح في العدة، مذكور بنصه في الآية بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة:٢٣٥]. (^٢)
القول الثالث: أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة:٢٣٥]:
أي: لا تواعدوهن بالجماع بعد العدة عن طريق التزوج.
والمعنى: لا تأخذ أيها الرجل الراغب في الزواج على المرأة المعتدة عهدًا وميثاقًا أن تحبس نفسها عليك ولا تتزوج بغيرك بعد انقضاء العدة.
- وهذا قول: جمهور أهل العلم. (^٣) وهو ما ذهب إليه الإمام أبو جعفر الطحاوي.
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٢/ ٥٤٠) - وتفسير ابن عطية (٢/ ٢٢١).
(٢) أحكام القرآن للجصاص (١/ ٤٢٤).
(٣) انظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٤٢٤)، وتفسير ابن عطية (٢/ ٢٢٠).
[ ٢٠٩ ]
الترجيح: قوله تعالى: (سرًا) هذا اللفظ محتمل لجميع المعاني المتقدمة، لأن الإسرار خلاف الإعلان، ولأن هذا اللفظ (السر) يكنى به عن الجماع حلاله وحرامه. (^١)
قال الشاعر امرؤ القيس:
ألا زعمت بسباسة اليوم أنني كبرت وألا يحسن السر أمثالي. (^٢)
أي: ولا يحسن الجماع أمثالي.
وقال الشاعر الأعشى:
فلا تقربن جارة إن سرها عليك حرام فانحكن أو تأبدا (^٣)
أي: إن جماعها عليك حرام.
قلت: وأظهرت هذه الأقوال وأولاها بمراد الآية- مع احتمالها لجميع هذه الأقوال- قول الجمهور القائلين إن المراد بالآية: هو أن يأخذ الرجل على المرأة المعتدة عهدًا أن تحبس نفسها عليه ولا تنكح زوجًا غيره.
وذلك لأن الله جل ذكره، حرم عقد النكاح في العدة، فكذلك إعطاء الوعد والعهد عليه.
وأما التعريض للمرأة وهي في العدة بأن يقول: (إني في مثلك لراغب، وإن قضي شيء كان)، وما أشبهه من الكلام، مما يدل على رغبته فيها، فلا بأس به إذا لم يصرح. (^٤)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة:٢٣٦]
_________________
(١) انظر: المفردات للراغب الأصفهاني، (مادة: سرر) (٢٢٨). ولسان العرب، (مادة: سرر) (٤/ ٣٥٨).
(٢) ديوان امرؤ القيس (١٥٤).
(٣) ديوان الأعشى (١٣٧).
(٤) المغني لابن قدامة (٩/ ٥٧٢).
[ ٢١٠ ]
قال أبو جعفر الطحاوي: وجدنا الله ﷿ قد ذكر تمتع المطلقات في ثلاثة مواضع من كتابه، وهي قوله ﷿: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢٤١] وقوله: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:٢٣٦]، وقوله ﷿: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٦]، فكان ذلك مما قد يحتمل أن يكون كمثل قوله ﷿: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٨٠] فكان ذلك على الندب والحض، لا على الإيجاب، فيكون مثل ذلك قوله ﷿ في متع المطلقات: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ و﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ يكون ذلك على الترغيب في ذلك، والحض عليه، فيكون في المطلقات جميعًا، مدخولًا بهن كن، أو غير مدخول بهن، كما قد روي عن علي ﵁
واحتمل أن يكون ذلك على الإيجاب لبعضهن دون بعض، كما قد روي عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: (لكل مطلقة متعة إلا التي تطلق وقد فرض لها صداق، فحسبها نصف ما فرض لها) فكان في هذا من قول ابن عمر إخراج المطلقات قبل الدخول بهن من المتع اللاتي ذكرنا.
ثم التمسنا حكم ذلك من طريق النظر، فوجدنا الواجب إبدالًا من الإبضاع يجب بوقوع التزويجات وانعقادها لا بما سوى ذلك، ولما كانت المتع لا توجبها التزويجات اللاتي لا طلاق معها، كان بأن لا يوجبها الطلاق الذي يكون بعدها أحرى.
فإن قال قائل: فقد رأينا الطلاق يوجب النفقة والسكنى في العدة، ولم يكونا واجبين قبل ذلك.
[ ٢١١ ]
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله ﷿ وعونه: أن الأمر ليس كما ذكر، ولكنهما قد كانا واجبين بالتزويج وجوبًا لم يرفعه الطلاق الواقع فيه، فهذه حجة في وجوب التمتع للمطلقات بعد الدخول، فأما المطلقات قبل الدخول، فقد اختلف أهل العلم فيهن: هل لهن متع يحكم بها على مطلقيهم الذين لم يكونوا فرضوا لهن صداقًا أم لا؟
فقال قائلون: لهن عليهم التمتع وإن كانوا قد اختلفوا في مقادير المتع، فقال قائلون منهم: هي المقدار الذي يجزئ في الصلاة من اللباس. وممن قال ذلك منهم كثير من الكوفيين، منهم أبو حنيفة، والثوري، والقائلون بقولهما.
وقال آخرون منهم: مقدار المتعة في هذا هو نصف صداق مثلها من نسائها اللاتي يرجع في مثل صداقها إلى أمثال صدقات أمثالهن، وممن قال ذلك منهم حماد بن أبي سليمان، (^١) وهذا هو الأولى مما قالوه في ذلك على أصولهم التي بنوا هذا المعنى عليها.
_________________
(١) حماد هو: أبو إسماعيل حماد بن أبي سليمان مسلم الكوفي، أصله من أصبهان، أحد العلماء الفقهاء الأذكياء من تلاميذه الإمام أبي حنيفة، وكانت وفاته سنة (١٢٠ هـ) (سير أعلام النبلاء -٥/ ٢٣١).
[ ٢١٢ ]
وقال قائلون من أهل العلم سواهم: إن المتع في هذا محضوض عليها، مأمور بها، غير مجبر عليها، وممن قال ذلك منهم: مالك بن أنس، وخالف الآخرين الذين ذكرناهم في ذلك، لأن أولئك يوجبونها، ويجبرون عليها، ويحبسون فيها، وكان الأولى مما قد قيل في ذلك عندنا - والله أعلم - الإيجاب لها، والحبس فيها، لأن التزويج وقع بلا تسمية صداق أوجب لها صداق مثلها على زوجها، كما أوجب ملك بضعها لزوجها، فلما وقع الطلاق قبل الدخول، أُسقط عن الزوج نصف الواجب عليه قبل الطلاق مما قد كان محبوسًا في جميعه لو لم يطلق، فإذا طلق، فسقط عنه بالطلاق نصفه، بقي النصف الباقي عليه كما كان عليه قبل ذلك من فروضه إياه، وأخذه به، وحبسه فيه، كما إذا سمى لها صداقًا، ثم طلقها قبل دخوله بها، فزال عنه نصفه، يكون النصف الباقي لها عليه على حكم كله الذي كان لها عليه قبل الطلاق من لزومه إياه لها، ومن حبسه لها فيه.
وقد رويت عن المتقدمين آثار في المتع بالطلاق نحن ذاكروها في هذا الباب إن شاء الله، فمنها:
أن رجلًا خاصم إلى شريح (^١) في متعة امرأته، فقال شريح: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة:٢٤١]﴾ فإن كانت من المتقين، فعليك متعة. ولم يقض به.
ومنها. عن سعيد بن جبير، (^٢) قال: لكل مطلقة متعة وعن الحسن (^٣) مثله.
_________________
(١) شريح هو: أبو أمية شريح بن الحارث بن قيس الكندي، من كبار التابعين، وأدرك الجاهلية، واستقضاه عمر بن الخطاب على الكوفة، وكانت وفاته سنة (٨٧ هـ) (وفيات الأعيان-٢/ ٤٦٠).
(٢) سعيد هو: أبوعبد الله سعيد بن جبير بن هشام الأسدي، كان فقيهًا ورعًا من الطبقة الثالثة، كان من أعلم التابعين بالتفسير، وكانت وفاته سنة (٩٥ هـ) (وفيات الأعيان-٢/ ٣٧١).
(٣) الحسن هو: أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن البصري، كان إمامًا في العلم والعمل، وهو تابعي من الطبقة الثالثة، وكانت وفاته سنة (١١٠ هـ) (طبقات المفسرين-١/ ١٥٠).
[ ٢١٣ ]
ومنها عن عطاء، قال: لكل مطلقة متاع، إلا التي طلقها قبل أن يدخل بها وقد فرض لها، فلها نصف الصداق وعن الشعبي (^١) مثله.
ومنها عن الضحاك (^٢)، أنه قال: لكل مطلقة متاع حتى المختلعة
وفيما ذكرنا فيما قد تقدم من هذا الباب ما قد دل على الصحيح مما قد قالوه في ذلك مما ذكرناه عنهم، والله نسأله التوفيق.
(شرح مشكل الآثار -٧/ ٥٦ - ٦٣).
الدراسة
استدل الإمام الطحاوي بقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:٢٣٦] على: أن متعة المطلقة غير واجبة، وإنما هي من الأمور المندوب إليها.
وإليك بيان الأقوال في مسألة: حكم تمتع المطلقات، وهل الآية دالة على وجوبه أم الندب إليه؟:-
- القول الأول: أن المتعة للمطلقة مندوب إليها.
- وهذا قول: ابن أبي ليلى - وأبي الزناد - والليث - ومالك - وبه حكم شريح القاضي.
- ودليل هذا القول: أن قوله جل وعلا: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:٢٣٦] وقوله ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢٤١] فيه دلالة على أن المتعة لو كانت واجبة وجوب الحقوق المالية اللازمة بكل حال، لما خص المتقون والمحسنون بأنها واجبة عليهم دون غيرهم. فلما خصهم بالذكر دون غيرهم دل ذلك على أن المتعة مندوب إليها وليست بواجبة، لأن الواجبات لا يختلف فيها المتقون والمحسنون وغيرهم.
- الرد على هذا الاستدلال:
١ - أنه يلزم القائل بالندب، ألا يجعل الأمر بالمتعة في الآية ندب، لأن ما كان ندبًا لا يختلف فيه المحسنون وغيرهم.
_________________
(١) الشعبي هو: أبو عمرو عامر بن شراحيل الهمداني الشعبي، وكانت وفاته سنة (١٠٤ هـ)، (سير أعلام النبلاء-٤/ ٢٩٤).
(٢) الضحاك هو: أبو محمد الضحاك بن مزاحم الهلالي، صاحب التفسير، وثقة أحمد بن حنبل وغيره، وكانت وفاته سنة (١٠٢ هـ) (سير أعلام النبلاء- ٤/ ٥٩٨).
[ ٢١٤ ]
فإذا جاز تخصيص المتقين والمحسنين بالذكر في المندوب إليه من المتعة وهم وغيرهم سواء، فكذلك جائز تخصيص المتقين والمحسنين بالذكر في الإيجاب، ويكونون هم وغيرهم فيه سواء.
٢ - أن الله جل وعلا إنما ذكر المحسنين والمتقين في الأمر بالمتعة: تأكيدًا لوجوبها، وليس في تخصيصهم بالذكر نفيًا لإيجابها على غيرهم. كما قال جل وعلا: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢] فذكر أن هذا القرآن هدى للمتقين، مع كونه هدى لكافة الناس. ولم يكن في ذلك ما يوجب أن لا يكون هدى لغير المتقين.
٣ - أنه على فرضية صحة هذا القول وأن الأمر للندب لكونه خصه بالمحسنين والمتقين، فإن قوله جل وعلا: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٤٩] دال على أن ذلك عام في الجميع بالاتفاق، فوجب حمل الآيتين المتقدمتين على ذلك، والقول بوجوب متعة المطلقة.
- القول الثاني: أن المتعة للمطلقة واجبة.
- وهذا قول: جمهور العلماء.
- ومن أدلة هذا القول:
١ - أن الله جل وعلا قال: ﴿ومتعوهن﴾ وقال: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ فهذا أمر من الله جل وعلا، والأمر يقتضي الوجوب حتى يقوم الدليل على خلافه.
٢ - أن الله جل وعلا قال: ﴿مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:٢٣٦] وقال: ﴿مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢٤١] وليس في ألفاظ الإيجاب آكد من قولك (حقًا عليك). فـ (حقًا عليك) بمعنى (واجب عليك).
٣ - أن الله جل وعلا قال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ وقال:: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ وفي هذا التخصيص تأكيد لإيجاب المتعة، إذ جعلها من شرط الإحسان والتقوى، والإحسان والتقوى مطلب واجب على كل مؤمن، إذ أن الله جل وعلا قد أمر جميع عباده بأن يكونوا من المحسنين ومن المتقين، وما وجب من حق على المحسنين والمتقين فعلى غيرهم أوجب ولهم ألزم.
[ ٢١٥ ]
٤ - أن الله جل وعلا قال:: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢٤١] فاللام في قوله (للمطلقات) للملك، وهذا يقتضي الوجوب، لأن ما كان ملكًا لإنسان فله حق المطالبة به، وقد جعل الله تعالى المتعة ملكًا للمطلقة، فهي واجبة لها، ولها حق المطالبة بها.
٥ - أن الله جل وعلا قال: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة:٢٣٦] وهذا دال على الوجوب، لأن ما ليس بواجب، غير معتبر بحال الرجل، إذ له أن يفعل ما شاء منه في حال اليسار والإعسار فلما قدر المتعة بحال الرجل، ولم يطلقها، ولم يخير الرجل فيها، دل على وجوبها. (^١)
الترجيح: والقول الراجح هو أن الآية دالة على وجوب المتعة للمطلقة، لأن الله جل وعلا أمر بها في الآية، وأمره جل وعلا فرض واجب، إلا أن يبين جل ذكره في كتابه أو على لسان رسوله، أنه عنى به الندب لا الوجوب. ولأن هذا هو قول جمهور الأمة، والأمة لا تجتمع على ضلالة.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ [البقرة:٢٣٧]
قال أبو جعفر الطحاوي: قال أصحابنا، والثوري، وابن شبرمة (^٢)،
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٤٢٨) - وتفسير الطبري (٣/ ٥٤٩).
(٢) ابن شبرمة هو: أبو شبرمة عبد الله بن شبرمة، قاضي الكوفة، وفقيه العراق، كان من أئمة الفروع، وثقة الإمام أحمد بن حنبل وغيره، وكانت وفاته سنة (١٤٤ هـ) (سير أعلام النبلاء- ٦/ ٣٤٩).
[ ٢١٦ ]
والأوزاعي، والشافعي: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] هو: الزوج، بأن يتم لها كمال المهر بعد الطلاق قبل الدخول، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ ے [البقرة:٢٣٧]: للبكر والثيب.
وقال مالك: إذا طلقها قبل الدخول وهي بكر جاز عفو أبيها. عن نصف الصداق، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة:٢٣٧] اللاتي قد دخل بهن. قال: ولا يجوز لأحد أن يعفو عن شئ من الصداق إلا الأب وحده لا وصي ولا غيره.
وقال الليث: (^١) لأبي البكر أن يضع من صداقها عند عقدة النكاح وإن كرهت، ويجوز عليها، وبعد عقد النكاح: ليس له أن يضع شيئًا من صداقها، ولا يجوز عفوه أيضًا عن شيء من صداقها بعد الطلاق قبل الدخول، ويجوز له مبارأة زوجها وهي كارهة، إذا كان ذلك نظرًا من أبيها لها، وكما لم يجز للأب أن يضع لزوجها شيئًا من صداقها بعد النكاح، كذلك لا يعفو عن نصف صداقها بعد ذلك.
وذكر ابن وهب (^٢) عن مالك: أن مبارأته عليها جائز.
قال أبو جعفر: روي عن علي، وجبير بن مطعم (^٣) في (بيده عقدة النكاح): أنه الزوج.
وعن ابن عباس: هو أبوها.
_________________
(١) الليث هو: أبو الحارث الليث بن سعد بن عبد الرحمن، إمام أهل مصر في الفقه والحديث، وكانت وفاته بمصر سنة (١٧٥ هـ) (وفيات الأعيان-٤/ ١٢٧).
(٢) ابن وهب هو: أبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي، الفقيه المالكي المصري، ومن مصنفاته: الموطأ الكبير- والموطأ الصغير، وكانت وفاته سنة (١٩٧ هـ) (وفيات الأعيان-٣/ ٣٦).
(٣) جبير هو: الصحابي الجليل أبو محمد جبير بن مطعم بن عدي القرشي النوفلي، وكان من حلماء قريش وسادتهم، وكان يؤخذ عنه النسب للعرب قاطبة، وكانت وفاته سنة (٥٧ هـ) (أسد الغابة -١/ ٣٢٣).
[ ٢١٧ ]
وقال مالك: إن قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة:٢٣٧] على البكر تعتد؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٧] فالآية في المطلقة غير المدخول بها.
(مختصر اختلاف العلماء -٢/ ٢٦٤).
الدراسة
بين الإمام الطحاوي الأقوال في المراد بمن يملك عقدة النكاح، (والعفو) المطلوب منه، في قوله جل وعلا: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧].
؟ وإليك بيان هذه الأقوال وأدلتها، مع بيان القول الراجح منها:-
- القول الأول: أن الذي بيده عقدة النكاح هو: الولي.
وعفو الولي هو: أن يترك للزوج كمال المهر إذا طلق الزوجة قبل الدخول بها.
- وهذا قول: ابن عباس - وعلقمة - والنخعي - ومجاهد - والحسن - وعكرمة.
وإليه ذهب: مالك - والشافعي في القديم - وأحمد في رواية عنه. (^١)
- ومن أدلة هذا القول:
١ - أن الله جل وعلا - قال في أول الآية: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)﴾ [البقرة: ٢٣٧] فهذا خطاب للأزواج، ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة:٢٣٧] وهذا خطاب للزوجات. ثم قال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧]. وهذا مخاطب ثالث، فيلزم أن يكون المراد به (الولي) ولايرد إلى الأزواج، لأنه قد سبق ذكرهم. (^٢)
_________________
(١) انظر: الإنصاف للمرداوي. (٨/ ٢٧١) - وتفسير الماوردي (١/ ٣٠٧).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٢١).
[ ٢١٨ ]
ويرد على هذا الاستدلال: بأن الله جل وعلا قال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] فعدل عن الخطاب إلى الغيبة للتنبيه على المعنى الذي من أجله يرغب الزوج في العفو - وهذا المعنى هو: أو يعفو الزوج الذي حبس زوجته بأن ملك عقدة نكاحها عن الأزواج، ثم لم يكن منها سبب في الفراق، وإنما كان الفراق منه لعدم رغبة فيها، فلا جرم أنه كان حقيقيًا بأن لا ينقصها من مهرها، ويكمل لها صداقها. (^١)
٢ - أن الله جل وعلا قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة:٢٣٧] ومعلوم أنه ليس كل امرأة تعفو، فإن الصغيرة والمحجور عليها، لا عفو لهما، فبين الله جل وعلا القسمين:
فقال في القسم الأول: ﴿إِلَّا أَنْ﴾ يَعْفُونَ [البقرة:٢٣٧] أي: إن كن لذلك أهلًا.
ثم ذكر القسم الثاني، فقال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] أي الولي، إن لم يكن أهلًا لذلك. (^٢)
الرد على هذا الاستدلال: أن الله جل وعلا قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة:٢٣٧] فأرد بذلك النساء التي جرى ذكرهن في الآية المتقدمة في قوله: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة:٢٣٦] فذكر أن الذين يعفون هم النساء - والصبايا - لا يسمين (نساء) وعلى ذلك فلا يصح أن يكون المراد بقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] الولي على غير البالغات.
وإن كان المراد بقوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] الولي على البالغات، فلا يصح أيضًا، لأنه بالإجماع لا ولاية له عليهن. (^٣)
_________________
(١) تفسير الرازي (٦/ ١٤٣).
(٢) أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٢١).
(٣) تفسير الطبري (٢/ ٥٦٥).
[ ٢١٩ ]
٣ - أن الله جل وعلا قال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٧] فالخطاب للزوج في أول الآية، فلو كان الزوج هو المراد بالعفو، لقال: (إلا أن يعفون أو تعفوا). ولم يقل: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] فدل سياق الكلام على أن المراد هو الولي لا الزوج (^١).
- الرد على هذا الاستدلال: أن هذا الأسلوب هو من باب الالتفات، إذ فيه خروج من الخطاب إلى الغيبة وهذا وارد في اللغة، ولا إشكال في ذلك. (^٢)
٤ - أن الله جل وعلا قال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] ولو كان المراد الزوج لقال: (أو يعفو الزوج) لما تقدم من ذكر الزوج.
- الرد على هذا الاستدلال: أنه لو كان المراد الولي لقال: (أو يعفو الولي) ولم يورد لفظًا يشترك فيه الزوج والولي. فهذا الاستدلال لا وجه له في الصحة، لأن الله جل وعلا يذكر إيجاب الأحكام تارة بالنصوص، وتارة بالدلالة على المعنى المراد من غير نص عليه، وتارة بلفظ يحتمل معاني عدة، وهو في بعضها أظهر وأولى، وتارة بلفظ مشترك يتناول معاني مختلفة يحتاج في الوصول إلى المراد بها الاستدلال عليه من غيره. وكل هذه الأوجه واردة في القرآن، ولا مانع منها. (^٣)
٥ - أن الله جل وعلا قال:: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] فأجاز الله جل وعلا عفو الذي بيده عقدة نكاح المطلقة. فكان معلومًا بذلك أن الزوج غير معني بالآية، لأن الزوج إذا طلق زوجته بطل أن يكون بيده عقدة نكاحها. وفي عدم صحة القول بأنه الزوج، صحة القول بأنه الولي.
- الرد على هذا الاستدلال:
_________________
(١) معاني القرآن للنحاس (١/ ٢٣٥).
(٢) تفسير أبي حيان (٢/ ٥٣٨).
(٣) أحكام القرآن للجصاص (١/ ٤٤١).
[ ٢٢٠ ]
أ-أن معنى قوله تعالى:: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] أي: (أو يعفو الذي بيده عقدة نكاحه) وهو الزوج، فإن بيده عقدة نكاح نفسه في كل حال قبل الطلاق وبعده، وليس المعنى: (أو يعفو الذي بيده عقدة نكاحهن).
ب-أو يقال إنه جل وعلا قال: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] تعبيرًا بذلك عن حالة الزوج السابقة.
ج-أن ولي المرأة لا يملك عقد نكاح المرأة بغير إذنها، إلا في حالة طفولتها، وتلك حال لا يملك العقد عليها إلا بعض أوليائها، في قول أكثر من رأى (أن الذي بيده عقدة النكاح) هو: الولي.
والله جل وعلا لم يخصص بعض الأولياء دون بعض في الآية. فيبطل الاستدلال بالآية من هذا الوجه. (^١)
٦ - أن اللغة توجب أن الزوج إذا أعطى الصداق كاملًا، ألا يقال له عاف، ولكن يقال له: واهب.
لأن العفو إنما هو ترك الشيء وإذهابه، ومنه قولهم: (عفت الديار) ومنه قولك: (عفا الله عنك). (^٢)
- الرد على هذا الاستدلال: أن إعطاء الزوج المهر كاملًا، إنما سمي عفوًا لأحد أمرين:
أ- إما على طريق المشاكلة، لأن قبله - قوله جل ذكره: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة:٢٣٧].
ب- أو لأن من عادات العرب أنهم كانوا يسوقون المهر كاملًا عند التزوج، فسمي ترك أخذهم النصف مما ساقوه: عفوًا. (^٣)
- القول الثاني: أن الذي بيده عقدة النكاح هو: الزوج.
وعفو الزوج هو: أن يتم للزوجة كمال المهر إذا طلقها قبل الدخول.
- وهذا قول: علي بن أبي طالب - وجبير بن مطعم - وسعيد بن جبير - وسعيد بن المسيب.
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٢/ ٥٦٥) - وتفسير أبي حيان (٢/ ٥٣٧).
(٢) معاني القرآن للنحاس (١/ ٣٣٦).
(٣) تفسير أبي حيان (٢/ ٥٣٧).
[ ٢٢١ ]
وإليه ذهب: أبو حنيفة وأصحابه - والشافعي في أصح قوليه- وأحمد بن حنبل في رواية عنه - والثوري - والأوزاعي. (^١)
- ومن أدلة هذا القول:
١ - أنه لما كان قول الله جل وعلا: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] من المتشابه، لاحتماله القولين المذكورين عن السلف، وجب رده إلى المحكم الذي لا خلاف فيه وهو: قوله جل وعلا: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء:٤]
فذكر جل ذكره: ترك الزوج الصداق على الزوجة، وتركها الصداق له.
وقوله جل وعلا: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة:٢٢٩]. وقوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء:٢٠]
فدلت الآيتان علىمنع الزوج من انتزاع شيء من الزوجة إلا أن تتركه هي له أو يترك هو لها ما استحق استرجاعه منها.
فكذلك ينبغي أن يكون اللائق بالآية هنا: أنه خطاب للزوجين جميعًا. فإنه جل ذكره رغب الزوجة أولًا بالعفو عما لها بقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة:٢٣٧]. ثم رغب الزوج ثانيًا بالعفو عما له بقوله:: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] (^٢).
٢ - أن الذي بيد الولي (عقدة النكاح) فإذا عقد، حصلت (عقدة النكاح). في يد الزوج، وخرجت من يده. (^٣)
_________________
(١) انظر: معاني القرآن الهراسي (١/ ٢٣٣) - وأحكام القرآن للجصاص (١/ ٤٣٩).
(٢) أحكام القرآن للكيا الهراسي (١/ ٢٠٨).
(٣) تفسير الرازي (٦/ ١٤٢).
[ ٢٢٢ ]
٣ - أن (العفو) إنما يطلق على ملك الإنسان، وعفو الولي، عفو عما لا يملك، فلو أبرأ الزوج من المهر قبل الطلاق، لم يجز، فكذلك بعده، لعدم صحة عفوه.
٤ - أن الله جل وعلا قال: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧] والفضل في هبة الإنسان مال نفسه لا مال غيره. فغير جائز للولي هبة شيء من مال الزوجة للزوج ولا لغيره، فكذلك مهرها لأنه مالها، فلا أحد يستحق الولاية على غيره في هبة ماله. (^١)
الترجيح: والقول الراجح هو أن المراد بقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:٢٣٧] هو: الزوج، وذلك لما يلي:
١ - قوة أدلة هذا القول وعدم ثبوت المعارض، خلافًا للقول الثاني.
٢ - أن في القول بأن المراد بالآية (الولي) تكرارًا للمعنى المتقدم في الآية، لأن عفو الولي هو بذاته عفو المرأة، خلافًا لعفو الزوج، فيكون هو المراد.
٣ - لما رواه محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه ﵁: (أنه تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها، فأكمل الصداق لها، وقال أنا أحق بالعفو). (^٢) وهذا يدل على أن الصحابة - ﵃ - فهموا من الآية، أن المراد بالعفو هو الصادر من الزوج، لا الصادر من الولي.
وبهذا يتبين أن ما بدأ به الإمام الطحاوي من الأقوال هو القول الصواب في المراد بالآية.
والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨].
قال أبو جعفر الطحاوي: عن الزبرقان (^٣)
_________________
(١) تفسير ابن الجوزي (١/ ٢٤٨).
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره (سورة البقرة - ٢٣٧) (حـ ٥٣٢٦ - ٢/ ٥٦١).
(٣) الزبرقان هو: الزِّبرقان بن عمرو بن أمية الضمري، ذكره ابن حبان في كتابه الثقات، روى له أبو داود والنسائي وابن ماجة. (تهذيب الكمال ٣/ ٩).
[ ٢٢٣ ]
قال: إن رهطًا من قريش اجتمعوا، فمر: بهم زيد بن ثابت، فأرسلوا إليه غلامين لهم يسألانه عن الصلاة الوسطى، فقال: (هي الظهر).
فقام إليه رجلان منهم، فقال: (هي الظهر)، إن رسول الله - ﷺ -، كان يصلي الظهر بالهجير فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان، والناس في قائلتهم، وتجارتهم، فأنزل الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] فقال النبي - ﷺ -: (لينتهين رجال أو لأحرقن بيوتهم). (^١)
عن عبد الرحمن بن أفلح، (^٢) أن نفرًا من أصحابه أرسلوه إلى عبد الله بن عمر يسأله، عن الصلاة الوسطى، فقال: اقرأ ﵈، وأخبرهم أنا كنا نتحدث أنها التي في إثر الضحى.
قال: فردوني إليه الثانية، فقلت: يقرؤن عليك السلام، ويقولون بين لنا أي صلاة هي؟
فقال: اقرأ ﵈ وأخبرهم أنا كنا نتحدث أنها الصلاة التي وجه فيها رسول الله - ﷺ - الكعبة، قال: وقد عرفناها: (هي الظهر).
قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى ما ذكرنا، فقالوا: هي الظهر، واحتجوا في ذلك بما احتج به زيد بن ثابت، على ما ذكرناه عنه، وبما رويناه في ذلك عن ابن عمر.
وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: أما حديث زيد بن ثابت، فليس فيه عن النبي - ﷺ - إلا قوله: (لينتهين أقوام أو لأحرقن عليهم بيوتهم) وأن النبي - ﷺ - كان يصلي الظهر بالهجير، ولا يجتمع معه إلا الصف والصفان، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
فاستدل هو بذلك على أنها الظهر، فهذا قول من زيد بن ثابت، ولم يروه عن رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (حـ ٣٥٦ - ١/ ١٥١) وأحمد في مسنده (٥/ ٢٠٦).
(٢) عبد الرحمن هو: أبو محمد عبد الرحمن بن أفلح، مولى أبي أيوب الأنصاري (الجرح والتعديل - ٥/ ٢١٠).
[ ٢٢٤ ]
وليس في هذه الآية - عندنا - دليل على ذلك، لأنه قد يجوز أن تكون هذه الآية أنزلت للمحافظة على الصلوات كلها، الوسطى وغيرها.
فكانت الظهر فيما أريد وليست هي الوسطى، فوجب بهذه الآية المحافظة على الصلوات كلها، ومن المحافظة عليها حضورها حيث تصلى.
فقال لهم النبي - ﷺ - في الصلاة التي يفرطون في حضورها: (لينتهين أقوام أو لأحرقن عليهم بيوتهم) يريد: لينتهين أقوام عن تضييع هذه الصلاة التي قد أمرهم الله ﷿ بالمحافظة عليها أو لأحرقن عليهم بيوتهم، وليس في شيء من ذلك دليل على الصلاة الوسطى أي صلاة هي منهن.
وقد قال قوم: إن قول رسول الله - ﷺ - هذا، لم يكن لصلاة الظهر، وإنما كان لصلاة الجمعة
عن عبد الله، (^١) عن النبي - ﷺ - أنه قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: (لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم أحرق على قوم يتخلفون عن الجمعة في بيوتهم). (^٢)
فهذا ابن مسعود يخبر أن قول النبي - ﷺ - ذلك إنما كان للمتخلفين عن الجمعة في بيوتهم.
ولم يستدل هو بذلك على أن الجمعة هي الصلاة الوسطى، بل قال بضد ذلك وأنها العصر، وسنأتي بذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقد وافق ابن مسعود ﵁ على ما قال من ذلك غيره من التابعين ..
_________________
(١) عبد الله هو: أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي، وهو أول من جهر بالقرآن بمكة بعد الرسول - ﷺ -، هاجر الهجرتين وشهد المشاهد كلها، وشهد له الرسول - ﷺ - بالجنة، وكانت وفاته سنة (٣٢ هـ) (أسد الغابة -٣/ ٣٨٤).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب المساجد - باب: ما روي في التخلف عن الجماعة (حـ ١٤٨٣ - ٥/ ١٥٧) وابن خزيمة في صحيحه - كتاب: الجمعة - باب: التغليظ في التخلف عن شهود الجمعة (حـ ١٨٥٣ - ٣/ ١٧٤).
[ ٢٢٥ ]
عن الحسن قال: كانت الصلاة التي أراد رسول الله - ﷺ - أن يحرق على أهلها، صلاة الجمعة.
وقد روي عن أبي هريرة ﵁ خلاف ذلك أيضًا
عن أبي هريرة رضي عنه أن رسول الله - ﷺ - قال: (والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر رجلًا بحطب فيحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال، فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا أو مرماتين (^١) حسنتين لشهد العشاء) (^٢)
فهذا أبو هريرة ﵁ يخبر أن الصلاة التي قال فيها النبي - ﷺ - هذا القول، هي العشاء، ولم يدله ذلك على أنها هي الصلاة الوسطى، بل وقد روى عن النبي - ﷺ - خلاف ذلك، مما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.
وقد وافق أبا هريرة ﵁ من التابعين على ما قال من ذلك سعيد بن المسيب (^٣)
_________________
(١) معنى قوله: (مرماتين): المرماة هي: ظلف الشاة، وقيل ما بين ظلفيها، وتكسر ميمه وتفتح، وقيل (المرماة) بالكسر: السهم الصغير الذي يتعلم به الرمي، وهو أحقر السهام وأدناها. ومعنى الحديث: أنه لو دعي إلى أن يعطى سهمين من هذه السهام لأسرع الإجابة. (النهاية في غريب الحديث - ٢/ ٢٦٩).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب: الجماعة والإمامة - باب: وجوب صلاة الجماعة. (حـ ٦١٨ - ١/ ٢٣١). والبيهقي في سننه - كتاب: الصلاة - باب: ماجاء من التشديد في ترك الجماعة من غير عذر. (حـ ١ - ٣/ ٥٥)
(٣) سعيد هو: أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن القرشي المدني، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، كان سيد التابعين جمع بين الحديث والفقه والزهد والعبادة والورع، وكانت وفاته بالمدينة سنة (٩١ هـ) (وفيات الأعيان - ٢/ ٣٧٥).
[ ٢٢٦ ]
وقد روي عن جابر بن عبد الله ﵁ خلاف ذلك كله وأن ذلك القول لم يكن من النبي - ﷺ - لحال الصلاة، وإنما كان لحال أخرى
قال أبو الزبير (^١) سألت جابرًا أقال رسول الله - ﷺ -: (لولا شيء لأمرت رجلًا أن يصلي بالناس، ثم حرقت بيوتًا، على ما فيها).
قال جابر إنما قال ذلك من أجل رجل بلغه عنه شيء فقال: (لئن لم ينته لأحرقن بيته على مافيه). (^٢) فهذا جابر يخبر أن ذلك القول من النبي - ﷺ -، إنما كان للتخلف عما لا ينبغي التخلف عنه.
فليس في هذا ولا في شيء مما تقدمه الدليل على الصلاة الوسطى ما هي.
فلما انتفى بما ذكرنا أن يكون فيما روينا عن زيد بن ثابت في شيء من ذلك دليل، رجعنا إلى ما روي، عن ابن عمر، فإذا ليس فيه حكاية عن النبي - ﷺ -، وإنما هو من قوله لأنه قال هي الصلاة التي وجه فيها رسول الله - ﷺ - إلى الكعبة.
وقد روي عنه من غير هذا الوجه خلاف ذلك عن سالم عن أبيه قال: (الصلاة الوسطى صلاة العصر).
فلما تضاد ما روي في ذلك، عن ابن عمر دل هذا على أنه لم يكن عنده فيه شيء عن النبي - ﷺ -، ورجعنا إلى ما روي عن غيره فإذا عن أبي رجاء (^٣) قال: (صليت خلف ابن عباس ﵄ الغداة فقنت قبل الركوع، وقال هذه الصلاة الوسطى)
_________________
(١) أبو الزبير هو: محمد بن مسلم بن تدرس القرشي المكي، قال فيه ابن عدي: هو في نفسه ثقة، إلا أن يروي عنه بعض الضعفاء، وكانت وفاته سنة (١٢٨ هـ) (سير أعلام النبلاء - ٥/ ٣٨٠)
(٢) لم أقف عليه إلا عند الإمام الطحاوي في هذا الموضع.
(٣) أبو رجاء هو: عمران بن ملحان التميمي البصري العطاردي، من كبار المخضرمين، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد فتح مكة، ولم ير الرسول - ﷺ -، وكانت وفاته سنة (١٠٥ هـ) (سير أعلام النبلاء -٤/ ٢٥٣).
[ ٢٢٧ ]
وعن أبي العالية (^١) قال: (صليت خلف أبي موسى الأشعري (^٢) صلاة الصبح، فقال رجل إلى جنبي من أصحاب النبي - ﷺ - (هذه الصلاة الوسطى).
فكان ما ذهب إليه ابن عباس ﵄ من هذا هو قول الله ﷿: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]
فكان ذلك القنوت عنده هو قنوت الصبح، فجعل بذلك الصلاة الوسطى هي الصلاة التي فيها القنوت عنده.
وقد خولف ابن عباس ﵁ في هذه الآية، فيم نزلت؟
عن زيد بن أرقم، (^٣) قال: (كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] فأمرنا بالسكوت) (^٤) وعن مجاهد (^٥)
_________________
(١) أبو العالية هو: رفيع بن مهران الرياحي البصري، الإمام المقرئ المفسر، أدرك زمن الرسول - ﷺ - وأسلم في خلافة أبي بكر، وكانت وفاته سنة (٩٠ هـ) (سير أعلام النبلاء-٤/ ٢٠٧).
(٢) أبو موسى هو: عبد الله بن قيس بن سليم الأشعري، صاحب رسول الله - ﷺ -، وكان واليًا على البصرة، ثم على الكوفة وكانت وفاته بها سنة (٤٢ هـ). (أسد الغابة-٣/ ٣٦٧).
(٣) زيد هو: الصحابي الجليل أبو عمر زيد بن أرقم بن زيد الأنصاري الخزرجي، شهد مع الرسول - ﷺ - سبعة عشرة غزوة، وكانت وفاته بالكوفة سنة (٦٨ هـ). (أسد الغابة - ٢/ ٣٧٦).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب: العمل في الصلاة - باب: ما ينهى من الكلام في الصلاة - (حـ ١١٤٢ - ١/ ٤٠٢). ومسلم في صحيحه - كتاب: المساجد - باب: تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته. (حـ ١٢٠٣ - ٥/ ٢٨).
(٥) مجاهد هو: أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي، المقرئ المفسر، وثقة أبو زرعة وغيره، وكانت وفاته بمكة سنة (١٠١ هـ). (طبقات المفسرين -٢/ ٣٠٥).
[ ٢٢٨ ]
قال: (كانوا يتكلمون في الصلاة، حتى نزلت هذه الآية) فالقنوت السكوت، والقنوت الطاعة
وعن مجاهد في هذه الآية: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] قال: (من القنوت الركوع والسجود وخفض الجناح، وغض البصر من رهبة الله)
وعن عامر الشعبي، قال: (لو كان القنوت كما تقولون، لم يكن للنبي - ﷺ - منه شيء، إنما القنوت الطاعة، يعني: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الأحزاب:٣١]
وعن أبي الأشهب (^١) قال: (سألت جابر بن زيد (^٢) عن القنوت، فقال الصلاة كلها قنوت، أما الذي تصنعون فلا أدري ما هو).
فهذا زيد بن أرقم ومن ذكرنا معه، يخبرون أن ذلك القنوت الذي أمر به في هذه الآية، هو السكوت عن الكلام الذي كانوا يتكلمون به في الصلاة.
فيخرج بذلك أن يكون في هذه الآية دليل على أن القنوت المذكور فيها، هو القنوت المفعول في صلاة الصبح، وقد أنكر قوم أن يكون ابن عباس كان يقنت في صلاة الصبح
فلو كان هذا القنوت المذكور في هذه الآية، هو القنوت في صلاة الصبح إذًا لما تركه، إذا كان قد أمر به الكتاب.
وقد روي عن ابن عباس ﵄ أن الذي ذهب إليه في ذلك، معنى آخر
عن ابن عباس قال: (الصلاة الوسطى هي الصبح، فصل بين سواد الليل وبياض النهار).
فهذا ابن عباس قد أخبر في هذا الحديث أن الذي جعل صلاة الغداة به، هي الصلاة الوسطى، هذه هي العلة.
_________________
(١) أبو الأشهب هو: جعفر بن حيان العطاردي البصري، وثقة أبو حاتم وغيره، وكانت وفاته سنة (١٦٥ هـ). (تهذيب الكمال -١/ ٤٥٨).
(٢) جابر هو: أبو الشّعْثاء جابر بن زيد الأزدي اليحمدي البصري، وثقة أبو زرعة وغيره، وكانت وفاته سنة (٩٣ هـ). (تهذيب الكمال -١/ ٤٢٣).
[ ٢٢٩ ]
وقد يحتمل أيضًا أن يكون قول الله ﷿: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] أراد به في صلاة الصبح، فيكون ذلك القنوت، هو طول القيام، كما قال النبي - ﷺ - لما سأل أي الصلاة أفضل فقال: (طول القنوت). (^١)
وقد يحتمل أن يكون قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] أراد به في كل الصلوات صلاة الوسطى وغيرها.
وقد روي عن ابن عباس ﵄ في الصلاة الوسطى أنها العصر.
فلما اختلف عن ابن عباس ﵄ في ذلك، أردنا أن ننظر فيما روي عن غيره.
وذهب أيضًا من ذهب إلى أنها غير العصر أنه قد روي عن النبي - ﷺ - ما يدل على ذلك
عن عمرو بن رافع (^٢) مولى عمر بن الخطاب ﵁: أنه كان يكتب المصاحف على عهد أزواج النبي - ﷺ -: قال استكتبتني حفصة (^٣) ﵂ بنت عمر ﵁ زوج النبي - ﷺ - مصحفًا، وقالت لي: (إذا بلغت هذه الآية من سورة البقرة، فلا تكتبها حتى تأتيني فأمليها عليك كما حفظتها من رسول الله - ﷺ -. قال فلما بلغتها أتيتها بالورقة التي أكتبها فقالت أكتب: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر). (^٤)
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب: صلاة المسافرين - باب: أفضل الصلاة طول القنوت (جـ ١٧٦٥ - ٦/ ٢٧٨) والترمذي في سننه - كتاب: الصلاة - باب: ما جاء في طول القيام في الصلاة - (حـ ٣٨٧ - ٢/ ١٧٨) وقال: حديث حسن صحيح. أهـ.
(٢) عمرو هو: عمرو بن رافع القرشي العدوي، مولى عمر بن الخطاب، ذكره ابن حبان في كتاب (الثقات). (تهذيب التهذيب - ٣/ ٢٧٠).
(٣) حفصة هي: أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب، كانت وفاتها سنة (٤١ هـ). (أسد الغابة - ٧/ ٦٥).
(٤) أخرجه البيهقي في سننه - كتاب الصلاة - باب: من قال الصلاة الوسطى هي صلاة الصبح - (حـ ٧ - ١/ ٤٦٢). والإمام مالك في الموطأ - كتاب. صلاة الجماعة - باب الصلاة الوسطى. (حـ ٢٦ - ١/ ١٣٢).
[ ٢٣٠ ]
وعن أم حميد بنت عبد الرحمن (^١)، سألت عائشة ﵂ عن قول الله ﷿: (الصلاة الوسطى) فقالت: كنا نقرؤها على الحرف الأول، على عهد رسول الله - ﷺ -: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين). (^٢)
قالوا فلما قال الله ﷿ في هذه الآثار عن النبي - ﷺ -: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر) ثبت بذلك أن الوسطى غير العصر.
وليس في ذلك دليل عندنا على ما ذكروا، لأنه قد يجوز أن يكون العصر مسماة بالعصر، ومسماة بالوسطى فذكرها ههنا باسميهما جميعًا.
هذا يجوز لو ثبت ما في تلك الآثار من التلاوة الزائدة، على التلاوة التي قامت بها الحجة، مع أن التلاوة التي قامت بها الحجة، دافعة لكل ما خالفها.
وقد روي أن الذي كان في مصحف حفصة من ذلك، غير ما رويناه في الآثار الأول
عن عمرو بن رافع، قال: كان مكتوبًا في مصحف حفصة بنت عمر ﵄: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى، وهي صلاة العصر، وقوموا لله قانتين). (^٣)
فقد ثبت بهذا ما صرفنا إليه تأويل الآثار الأول من قوله: (حافظوا على الصلوت والصلاة الوسطى وصلاة العصر) أنه سمى صلاة العصر بالعصر وبالوسطى.
فقد ثبت بهذا قول من ذهب إلى أنها صلاة العصر.
_________________
(١) أم حميد هي: أم حميد بنت عبد الرحمن. (تهذيب الكمال - ٨/ ٥٩٢).
(٢) أخرجه الترمذي في سننه - كتاب: تفسير القرآن - باب: ومن سورة البقرة - (حـ ٢٩٨٨ - ١١/ ١٠٥) وقال هذا حديث حسن صحيح. أ هـ. والبيهقي في سننه - كتاب: الصلوات - باب: صلاة الوسطى ومن قال هي الصبح - (حـ ٦ - ١/ ٤٦٢).
(٣) أخرجه البيهقي في سننه - كتاب: الصلاة - باب: من قال هي الصبح. (حـ ٩ - ١/ ٤٦٣).
[ ٢٣١ ]
وقد روي عن البراء بن عازب في ذلك، ما يدل على نسخ ما روي في ذلك عن حفصة ﵂ وعائشة ﵂. عن البراء بن عازب، قال: نزلت (حافظوا على الصلوات وصلاة العصر) فقرأناها على عهد رسول الله - ﷺ - ما شاء الله، ثم نسخها الله ﷿ فأنزل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾] البقرة:٢٣٨]. (^١)
فأخبر البراء بن عازب في هذا الحديث أن التلاوة الأولى، هي ما روت عائشة وحفصة ﵄، وأنه نسخ ذلك التلاوة التي قامت بها الحجة.
فإن كان قوله الثاني: (والصلاة الوسطى) نسخًا للعصر أن تكون هي الوسطى فذلك نسخ لها.
وإن كان نسخًا لتلاوة أحد إسميها وتثبيت اسمها الآخر، فإنه قد ثبت أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.
فلما احتمال هذا ما ذكرنا، عدنا إلى ما روي عن رسول الله - ﷺ - في ذلك عن علي ﵁، قال: (قاتلنا الأحزاب فشغلونا عن صلاة العصر، حتى كادت الشمس أن تغيب، فقال رسول الله - ﷺ -: " اللهم املأ قلوب الذين شغلونا عن الصلاة الوسطى نارًا، واملأ بيوتهم نارًا، واملأ قبورهم نارًا " قال علي ﵁: كنا نرى أنها صلاة الفجر). (^٢)
فهذا علي ﵁ قد أخبر أنهم كانوا يرونها قبل قول النبي - ﷺ - هذا، الصبح، حتى سمعوا النبي - ﷺ - يومئذ يقول هذا، فعلموا أنها العصر
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب: المساجد - باب: الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر (حـ ١٤٢٧ - ٥/ ١٣٣). والبيهقي في سننه - كتاب: الصلاة - باب: صلاة الوسطى ومن قال هي صلاة العصر - (حـ ١/ ١ - /٤٥٩).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب: الدعوات - باب: الدعاء على المشركين - (حـ ٦٠٣٣ - ٥/ ٢٣٤٩). ومسلم في صحيحه - كتاب: المساجد باب: الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر (حـ ١٤٢١ - ٥/ ١٢٩).
[ ٢٣٢ ]
وعن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - أنه قال يوم الخندق، ثم ذكر مثله. (^١)
فهذا ابن عباس ﵄ يخبر عن النبي - ﷺ - أنها صلاة العصر، فكيف يجوز أن يقبل عنه من رأيه، ويخالف ذلك
وعن أبي هريرة، أنه أقبل حتى نزل دمشق على آل أبي كلثم الدوسي، فأتى المسجد فجلس في غربيه، فتذاكروا الصلاة الوسطى، فاختلفوا فيها، فقال: اختلفنا فيها، كما اختلفتم، ونحن بفناء بيت رسول الله - ﷺ -، وفينا الرجل الصالح، أبو هاشم بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس (^٢)، فقال: أنا أعلم لكم ذلك، فأتى رسول الله - ﷺ - وكان جريًا عليه، فاستأذن فدخل، ثم خرج إلينا، فأخبرنا أنها صلاة العصر (^٣)
وعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «صلاة الوسطى صلاة العصر» (^٤) وعن سمرة (^٥)
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٣٠١) - والطبراني في المعجم الكبير (حـ ١١٩٠٥ - ١١/ ٣٢٩).
(٢) أبو هاشم هو: شيبة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس القرشي، أسلم يوم الفتح، وسكن الشام وتوفي في خلافة عثمان، وكان من زهاد الصحابة وصالحيهم (أسد الغابة - ٦/ ٣١٦).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب: معرفة الصحابة - باب: ذكر أبي هاشم بن عتبة ﵁ - (حـ ٦٦٩١ - ٣/ ٧٤٠) والطبراني في المعجم الكبير - (حـ ٧١٩٨ - ٧/ ٣٠١).
(٤) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه - كتاب: الصلاة - باب ذكر الصلاة الوسطى التي أمر الله ﷿ بالمحافظة عليها (حـ ١٣٣٨ - ٢/ ٢٩٠) والبيهقي في سننه - كتاب: الصلاة - باب: صلاة الوسطى ومن قال هي صلاة العصر. (حـ ٧ - ١/ ٤٦٠).
(٥) سمرة هو: أبو سعيد سمرة بن جندب بن هلال الفزاري، غزا مع الرسول - ﷺ - أكثر من غزوة، أولها يوم أحد، وسكن البصرة، وكانت وفاته بها سنة (٥٩ هـ) (أسد الغابة -٢/ ٤٥٤).
[ ٢٣٣ ]
عن النبي - ﷺ - مثله. (^١)
فهذه آثار قد تواترت وجاءت مجيئًا صحيًا، عن رسول الله - ﷺ - أن الصلاة الوسطى، هي العصر.
وقد قال بذلك أيضًا جلة من أصحاب رسول الله - ﷺ -
عن أبي بن كعب، (^٢) قال: (الصلاة الوسطى صلاة العصر).
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ مثله
وعن علي ﵁ مثله
وعن عبد الرحمن بن لبيبة الطائفي، (^٣) أنه سأل أبا هريرة عن الصلاة الوسطى، فقال: (سأقرأ عليك القرآن حتى تعرفها، أليس يقول الله ﷿ في كتابه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء:٧٨]: المغرب، ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [النور:٥٨]: العتمة، ويقول: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]: الصبح، ثم قال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]- هي: صلاة العصر.
فإن قال قائل: ولم سميت صلاة الوسطى صلاة العصر؟
قيل له: قد قال الناس في هذا قولين:
فقال قوم: سميت بذلك لأنها بين صلاتين من صلاة الليل، وبين صلاتين من صلاة النهار.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه - كتاب: الصلاة - باب: ما جاء في صلاة الوسطى أنها العصر، وقد قيل إنها الظهر - (حـ ١٨٢ - ١/ ٢٩٤) وقال: حديث صحيح. أهـ. والبيهقي في سننه - كتاب: الصلاة - باب: الصلاة الوسطى ومن قال هي صلاة العصر - (حـ ٨ - ١/ ٤٦٠).
(٢) أبي هو: الصحابي الجليل أبو المنذر أبي بن كعب بن قيس بن عبيد الأنصاري الخزرجي، شهد العقبة وبدرًا، وكانت وفاته في خلافة عمر سنة (٢٢ هـ) (أسد الغابة-١/ ٦١).
(٣) عبد الرحمن هو: عبد الرحمن بن لبيبة الطائفي، حجازي تابعي ثقة. (معرفة الثقات-٢/ ٨٦).
[ ٢٣٤ ]
وقال آخرون في ذلك إن أبا عبد الرحمن عبيد الله بن محمد بن عائشة (^١) يقول: إن آدم ﵇، لما تيب عليه عند الفجر، صلى ركعتين فصارت الصبح، وفدى إسحاق عند الظهر فصلى إبراهيم ﵇ أربعًا، فصارت الظهر، وبعث عزير فقيل له كم لبثت؟ فقال: يومًا، فرأى الشمس فقال: أو بعض يوم، فصلى أربع ركعات فصارت العصر.
وقد قيل غفر لعزير ﵇، وغفر لداود ﵇، عند المغرب، فقام فصلى أربع ركعات، فجهد فجلس في الثالثة، فصارت المغرب ثلاثًا.
وأول من صلى العشاء الآخرة، نبينا محمد - ﷺ -، فلذلك قالوا الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.
فهذه - عندنا - معنى صحيح، لأن أول الصلوات إن كانت الصبح، وآخرها العشاء الآخرة، فالوسطى فيما بين الأولى والآخرة هي العصر، فلذلك قلنا إن الصلاة الوسطى صلاة العصر،
وهذا قول: أبي حنيفة، وأبي يوسف ومحمد، رحمهم الله تعالى.
(شرح معاني الآثار - ١/ ١٦٧ - ١٧٦).
الدراسة
ذكر الإمام الطحاوي ثلاثة أقوال في المراد بقوله تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨]. مرجحًا أن المراد بالصلاة الوسطى: صلاة العصر.
وهذه الآية من الآيات التي أشكل على العلماء معرفة المراد بها، حتى إن شرف الدين أبا محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي - صنف فيها كتابًا أسماه بـ (كشف المغطى في تبيين الصلاة الوسطى) ذكر فيه قرابة عشرين قولًا.
_________________
(١) أبو عبد الرحمن هو: عبيد الله بن محمد بن حفص القرشي التيمي، المعروف بابن عائشة، لأنه ولد عائشة بنت طلحة بن عبيد الله، قال فيه أبو حاتم: صدوق ثقة، وكانت وفاته سنة (٢٢٨ هـ). (تهذيب الكمال - ٥/ ٦٠).
[ ٢٣٥ ]
وفي الحقيقة أن هذه الأقوال المتعددة تعتمد على مجرد الاجتهاد والتخمين، وتفتقدالدليل الدال على أن المراد بالآية هو هذا القول دون غيره، خلا القول أن المراد بها صلاة العصر، ومع ذلك فسأذكر للقارئ بعض هذه الأقوال والتي هي أقرب للصواب من غيرها:-
القول الأول: أن المراد بالصلاة الوسطى: صلاة الصبح.
- وهذا قول: علي بن أبي طالب - وابن عباس - وابن عمر - ﵃.
وإليه ذهب: الإمام مالك - والشافعي. (^١)
وسميت وسطى: لأنها وسطى بين صلاتين من صلاة الليل، وصلاتين من صلاة النهار.
ولأنها وسطى بين سواد الليل وبياض النهار. (^٢)
- ودليل هذا القول: قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] فقرن الله جل وعلا هذه الصلاة بالقنوت، وليس في الشرع صلاة ثبت القنوت فيها إلا صلاة الصبح. (^٣)
الرد على هذا الاستدلال: أن في المراد بالقنوت في الآية عدة أقوال منها:
١ - المراد بالقنوت: الدعاء - وهو مروي عن ابن عباس ﵁.
٢ - المراد بالقنوت: الخشوع - وهو قول مجاهد، والربيع.
٣ - المراد بالقنوت: مصلين أو عابدين - وهو مروي عن ابن عمر ﵁.
٤ - المراد بالقنوت: طول القيام - وهو مروي عن ابن عمر ﵁.
ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر:٩].
٥ - المراد بالقنوت: السكوت - وهو قول ابن مسعود - وزيد بن أرقم - ﵃.
قال زيد بن أرقم ﵁: (كنا نتكلم في الصلاة فيكلم أحدنا صاحبه فيما بينه وبينه، حتى نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨]، فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام).
_________________
(١) انظر تفسير السمعاني (١/ ٢٤٣) وعارضة الأحوذي (١/ ٢٩٥).
(٢) معاني القرآن للنحاس (١/ ٢٣٨).
(٣) تفسير الماوردي (١/ ٣٠٩).
[ ٢٣٦ ]
٦ - المراد بالقنوت: الطاعة - وهو قول: ابن عباس، وأبي سعيد الخدري، ﵃. (^١)
ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران:٤٣].
وجميع هذه الأقوال المتقدمة صحيحة في المراد بالآية، فلا يصح حمل الآية على بعضها دون بعض، لأن أصل القنوت في اللغة: الدوام على الشئ، فيصح أن يسمى مديم الطاعة قانتًا، وكذلك من أطال القيام والقراءة والدعاء، أو أطال الخشوع والسكوت في الصلاة، كل هؤلاء يصح أن يطلق على كل واحد منهم قانتًا.
وعليه فلا دليل في هذه الآية: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] على أن المراد بالصلاة الوسطى: صلاة الصبح. (^٢)
- القول الثاني: أن المراد بالصلاة الوسطى: صلاة الظهر.
- وهذا قول: زيد بن ثابت - وأسامة بن زيد - وابن عمر- وأبي سعيد الخدري.
وإليه ذهب: أبو حنيفة في رواية عنه. (^٣)
وسميت وسطى: لأنها وسطى بين صلاتين في النهار وهي الفجر والعصر (^٤)، على القول بأن النهار يبدأ من وقت طلوع الفجر وهو قول أكثر العلماء.
- ودليل هذا القول: ما روي عن زيد بن ثابت ﵁، أنه قال: (كان رسول الله - ﷺ - يصلي الظهر بالهاجرة، ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحابه منها، فنزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨]. (^٥)
_________________
(١) تفسير الماوردي (١/ ٣١٠).
(٢) أحكام القرآن للجصاص (١/ ٤٤٣).
(٣) انظر: تفسير الماوردي (١/ ٣٠٨) وتفسير البغوي (١/ ٢٨٧) وبذل المجهود (٣/ ١٩٩).
(٤) أحكام القرآن للجصاص (١/ ٤٤٢).
(٥) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب: الصلاة - باب: في وقت صلاة العصر (حـ ٤١١ - ١/ ٢٨٨) والإمام أحمد في مسنده (٥/ ١٨٣).
[ ٢٣٧ ]
- الرد على هذا الاستدلال: هذا الاستدلال اجتهادي من الصحابي الجليل زيد بن ثابت ﵁. وهو استدلال لا ينهض إلى مستوى القول الثابت عن الرسول - ﷺ - والناص على أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.
- القول الثالث: أن المراد بالصلاة الوسطى: صلاة العصر.
- وهذا قول: أكثر العلماء من الصحابة والتابعين.
وإليه ذهب: أبو حنيفة في رواية عنه - وأحمد - ومعظم الشافعية. (^١)
وسميت وسطى: لأنها وسط بين صلاة نهارية وهي الظهر، وصلاة ليلية وهي المغرب.
ولأنها وسط بين صلاتين بالليل وصلاتين بالنهار. (^٢) على القول بأن النهار يبدأ من وقت طلوع الفجر وهو قول أكثر العلماء.
- ومن أدلة هذا القول:
١ - ما روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: (كنت ظننت أنها صلاة الفجر حتى سمعت رسول الله - ﷺ - يقول يوم الخندق وقد شغلوه عن صلاة العصر: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا)، ثم صلاها بين العشاءين بين المغرب والعشاء). (^٣)
٢ - وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (صلاة الوسطى صلاة العصر) قال الترمذي: هذا حديث صحيح. (^٤)
_________________
(١) انظر: عارضة الأحوذي (١/ ٢٩٤) - وبذل المجهود (٣/ ١٩٨).
(٢) تفسير الرازي (٦/ ١٥١).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب: التفسير - باب: تفسير الآية (٢٣٨) من سورة البقرة (حـ ٤٢٥٩ - ٤/ ١٦٤٨) ومسلم في صحيحه - كتاب: المساجد - باب: الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر (حـ ١٤٢١ - ٥/ ١٢٩).
(٤) أخرجه الترمذي في سننه - كتاب: الصلاة - باب: ما جاء في صلاة الوسطى أنها العصر «حـ ١٨١ - ١/ ٢٩٣) والإمام أحمد في مسنده (٥/ ١٢٩).
[ ٢٣٨ ]
٣ - وعن سمرة بن جندب ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: (صلاة الوسطى صلاة العصر)، قال الترمذي: وهذا حديث حسن. (^١)
فدلت هذه الأحاديث المتقدمة على: أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.
٤ - وعن عمرو بن رافع - مولى عمر ﵁، وكان يكتب المصاحف - أنه قال: اكتتبتني حفصة ابنة عمر مصحفًا، وقالت: إذا بلغت هذه الآية فلا تكتبها حتى تأتيني فأمليها عليك كما حفظتها من رسول الله - ﷺ -، فلما بلغتها أتيتها بالورقة - فقالت: أكتب: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر). (^٢)
٥ - وعن أبي يونس مولى عائشة ﵂ - أنه قال: أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفًا، وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني، فلما بلغتها آذنتها، فأملت عليّ: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر وقوموا لله قانتين) ثم قالت عائشة: سمعتها من رسول الله - ﷺ -). (^٣)
فدلت هذه الأحاديث المتقدمة على: أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.
- واعترض على هذا الدليل: بأن (الواو) في قوله: (وصلاة العصر) تقتضي المغايرة، فهذا دليل على أن الوسطى غير العصر.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه - كتاب: الصلاة - باب: ما جاء في صلاة الوسطى أنها العصر (حـ ١٨٢ - ١/ ٢٩٤) والطبراني في المعجم الكبير (حـ ٦٨٢٥ - ٧/ ٢٠٠).
(٢) أخرجه البيهقي في سننه - كتاب: الصلاة - باب: من قال الصلاة الوسطى هي صلاة الصبح (حـ ٧ - ١/ ٤٦٢) والإمام مالك في الموطأ - كتاب: صلاة الجماعة - باب: الصلاة الوسطى (حـ ٢٦ - ١/ ١٣٢).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب: المساجد - باب: الدليل لمن قال الصلاة هي صلاة العصر (حـ ١٤٢٦ - ٥/ ١٣١) وأبو داود في سننه - كتاب: الصلاة - باب: في وقت العصر (حـ ٤١٠ - ١/ ٢٨٧).
[ ٢٣٩ ]
- ويجاب عن هذا الاعتراض: بأن العطف ليس صريحًا في المغايرة، وعليه يمكن حمل العطف على التفسير، فكأنها قالت: المراد بقوله: (والصلاة الوسطى) أي: (وصلاة العصر) (^١)
أو تكون (الواو) - زائدة - فكأن الآية: (والصلاة الوسطى صلاة العصر) بدون (واو) - كما كان يقرأها: أبي بن كعب - وابن عباس - وعائشة - وحفصة - وعبيد بن عمير - ﵃. (^٢)
٦ - وعن البراء بن عازب ﵁، قال: نزلت هذه الآية: (حافظوا على الصلوات وصلاة العصر). وقرأتها على عهد رسول الله - ﷺ -، ثم نسخها الله تعالى، فأنزل: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨]. (^٣)
فدل هذا الحديث على: أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، وذلك لأن (الصلاة الوسطى) كانت تقرأ (وصلاة العصر). فكان النسخ للفظ، والمعنى واحد لم يتغير.
- القول الرابع: أن المراد بالصلاة الوسطى: صلاة المغرب.
- وهذا قول: قبيصة بن ذؤيب - وأبي عبيدة السلماني.
وسميت وسطى: لأنها وسط في عدد ركعاتها. (^٤)
- القول الخامس: أن المراد بالصلاة الوسطى: صلاة العشاء.
وسميت وسطى: لأنها وسط بين صلاتين لا تقصران. (^٥)
- القول السادس: أن المراد بالصلاة الوسطى: الصلوات الخمس المفروضة.
- وهذا قول: معاذ بن جبل ﵁.
وسميت وسطى: لأن كل صلاة من الصلوات الخمس وسطى بين الأربع.
_________________
(١) بذل المجهود (١/ ٢٠٠).
(٢) انظر: فتح الباري (٨/ ٤٥) وتفسير الطبري (٢/ ٥٦٩) وتفسير أبي حيان (٢/ ٥٤٤).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب: المساجد - باب: الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر (حـ ١٤٢٧ - ٥/ ١٣٣).
(٤) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٢٤٣) وتفسير الرازي (٦/ ١٥١).
(٥) تفسير البغوي (١/ ٢٨٩).
[ ٢٤٠ ]
- ودليل هذا القول: أن قوله جل وعلا:: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة:٢٣٨] يعم الفرض والنفل، ثم خص الفرض منها بالذكر فقال:: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨] أي: والصلاة الفرض، فخص الصلوات المفروضة بمزيد من التأكيد في المحافظة عليها. (^١)
- القول السابع: أن المراد بالصلاة الوسطى: إحدى الصلوات الخمس المفروضة، لا تعرف بعينها، ليكون في ذلك حث للعباد على المحافظة على جميع الصلوات. كما أخفيت ليلة القدر في شهر رمضان ليجتهد العباد في كامل الشهر، وكما أخفيت ساعة إجابة الدعوة في يوم الجمعة ليجتهد العباد بالعبادة في سائر ذلك اليوم، وكما أخفي وقت الموت ليكون المكلف خائفًا من الموت في كل الأوقات، فيدعوه ذلك الخوف إلى عمل الصالحات.
- وهذا قول: سعيد بن المسيب - والربيع بن خيثم - وسعيد بن جبير - وشريح القاضي. (^٢)
الترجيح: وقد رجح كل قول من الأقوال المتقدمة بأحاديث وردت في فضائل تلك الصلوات.
كما رجح بعضها بأنها وسط يين كذا وكذا، ولا حجة في شيء من ذلك. لأن ذكر فضل صلاة معينة لا يدل على أنها هي التي أرادها الله بقوله: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة:٢٣٨].
كما أن الترجيح بناء على أن كلمة (الوسطى) بمعنى الفضلى، أو بمعنى: أوسط الصلوات محلًا يجعل صاحب كل قول يدعي صحة ما ذهب إليه. (^٣)
وما كان ينبغي الترجيح بالأمور المتقدمة، مع وجود القول الصحيح الثابت عن الرسول - ﷺ - الدال على أن المراد بها: صلاة العصر، دون غيرها.
فيجب الوقوف عند قول الرسول - ﷺ - في ذلك والقول به وترك الاشتغال بغيره.
_________________
(١) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٢٤٣) وتفسير القرطبي (٣/ ٢١٠).
(٢) انظر: فتح الباري (٨/ ٤٥) وعارضة الأحوذي (١/ ٢٩٥).
(٣) انظر: تفسير ابن الجوزي (١/ ٢٤٩) وتفسير أبي حيان (٢/ ٥٤٦).
[ ٢٤١ ]
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾ [البقرة:٢٥٩].
قال أبو جعفر الطحاوي: قوله ﷿: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة:٢٥٩] في قراءة بعضهم، وفي قراءة غيره منهم: ﴿نُنشِرُها﴾.
(شرح مشكل الآثار - ٨/ ١٤٠).
الدراسة
بين الإمام الطحاوي بعض القراءات الواردة في قوله جل وعلا: ﴿نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة:٢٥٩].
وإليك بيان جميع القراءات الواردة في هذه الآية:
القراءة الأولى: ﴿نُنْشِزُهَا﴾ بضم (النون) الأولى وكسر (الشين)، وضم (الزاي)
- وهي قراءة: عاصم - والكسائي- وحمزة - وابن عامر.
قال أهل اللغة: أصل (النشز): الحركة والارتفاع. يقال: (نشز الشيء) إذا تحرك.
ويقال: (نشزت المرأة عن زوجها) - أي: ارتفعت عن طاعة زوجها.
ومعنى الآية، أي: وانظر إلى العظام كيف نرفعها من الأرض، ونردها إلى مكانها من الجسد، ونركب بعضها على بعض.
القراءة الثانية: ﴿نُنشِرُها﴾ بضم (النون) الأولى، وكسر (الشين)، وضم (الراء).
- وهي قراءة: ابن كثير - ونافع - وأبي عمرو.
[ ٢٤٢ ]
والنشور هو الحياة بعد الموت. مأخوذ من: (نشر الثوب) لأن الميت كالمطوي، لأنه مقبوض عن التصرف بالموت، فإذا حيى وانبسط بالتصرف، قيل: نشر وأنشر.
ومعنى الآية، أي: وانظر إلى العظام كيف نحييها.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ [الأنبياء:٢١] أي يبعثون الموتى. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس:٢٢] أي: ثم إذا شاء أحياه. (^١)
القراءة الثالثة: ﴿نَنشُرُها﴾ بفتح (النون) الأولى، وضم (الشين مع الراء).
- وهي قراءة: الحسن - وأبان عن عاصم - وأبي حيوة.
القراءة الرابعة: ﴿نَنشُزُها﴾ بفتح (النون) الأولى، وضم (الشين مع الزاي).
- وهي قراءة: ابن عباس - وقتادة - والنخعي - والأعمش.
القراءة الخامسة: (نُنْشِيهَا): بضم (النون) الأولى، وكسر (الشين)، وإبدال (الراء - ياءً).
- وهي قراءة: أُبي بن كعب.
ومعنى (كيف ننشيها) أي: كيف نخلقها. (^٢)
الترجيح: القراءة الأولى والثانية: قراءة سبعية ثابتة من حيث الصحة، خلافًا للقراءات الباقية.
وأما من حيث المعنى: فإن جميع القراءات متقاربة في المعنى، إلا أن القراءة الأولى هي الأولى، وذلك لأمرين:
١ - أن العظام نفسها لا توصف بالحياة، فلا يقال: (قد حيى العظم) وإنما يوصف بالإحياء صاحبها، ولذلك قال الله جل وعلا: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ [البقرة:٢٥٩]، ولم يقل: (وانظر إلى صاحب العظام).
_________________
(١) انظر: السبعة في القراءات لابن مجاهد (١٨٩). والنشر في القراءات العشر (١/ ٢٣١). وتفسير السمرقندي (١/ ٢٢٦). وتفسير الماوردي (١/ ٣٣٣). وتفسير البغوي (١/ ٣٢٠).
(٢) انظر: تفسير ابن الجوزي (١/ ٢٧١). وتفسير أبي حيان (٢/ ٦٣٧).
[ ٢٤٣ ]
٢ - أن الله جل وعلا قال: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [البقرة:٢٥٩]، فدل ذلك على أن العظام قبل أن يكسوها اللحم غير أحياء، لأن العظم لا يكون حيًا وليس عليه لحم، فلما قال: ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [البقرة:٢٥٩]، علم بذلك أنه لم يحيها قبل أن يكسوها لحما. (^١)
وبهذا يتبين أن قراءة الجمهور ﴿نُنْشِزُهَا﴾ بمعنى (نرفعها) هي القراءة الأولى من حيث المعنى والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾ [البقرة: ٢٦٠].
قال أبو جعفر الطحاوي: عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]، ويرحم الله لوطًا، لقد كان يأوى إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن كما لبث يوسف لأجبت الداعي" (^٢)
فتأملنا قول رسول الله - ﷺ -: " نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠] ".
_________________
(١) انظر: حجة القراءات لأبي زرعة (١٤٤). الحجة في القراءات السبع لابن خالويه (١٠٠).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب: الأنبياء - باب: قوله ﷿:: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (حـ ٣١٩٢ - ٣/ ١٢٣٣). ومسلم في صحيحه - كتاب: الإيمان - باب: زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة - (حـ ٣٨٠ - ٢/ ٣٦٠).
[ ٢٤٤ ]
فوجدنا إبراهيم ﵇ قد رأى من آيات الله في نفسه الآية التي لم ير مثلها، وهو إلقاء أعدائه إياه في النار، فلم تعمل فيه شيئًا لوحي الله إليها: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]. فكانت آية معجزة لم يُرَ مثلها قبلها ولا بعدها، فقال النبي ﵇ لينفي الشك عن إبراهيم عند قول: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠] أي: إنا ولم نر من آيات الله الآية التي أُريها إبراهيم في نفسه لا نشك، فإبراهيم مع رؤيته إياها في نفسه أحرى أن لا يشك، وأما قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ [البقرة:٢٦٠]. وقد حقق ذلك أن قوله كان: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠] لم يكن على الشك منه، ولكن لما سوى ذلك من طلبه إجابة الله تعالى في مسألته إياه ذلك ليطمئن به قلبه، ويعلم بذلك علو منزلته عنده.
(شرح مشكل الآثار - ١/ ٢٩٧ - ٢٩٩)
[ ٢٤٥ ]
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن المراد بقوله تعالى: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠] لم يكن على الشك من إبراهيم ﵊، وإنما كان هذا الطلب منه ﵇، ليعلم بإجابة الله له علو منزلته عنده فيطمئن بذلك قلبه.
وإليك بيان الأقوال في مسألة: هل كان إبراهيم ﵇ شاكًا في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، عندما سأل ذلك ربه فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠]؟:
القول الأول: أن إبراهيم ﵊ كان شاكًا في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى.
- وهذا القول: مروي عن عطاء بن أبي رباح - ورجحه الطبري. (^١)
- ومن أدلة هذا القول:
١ - أن الله جل وعلا قال حكاية عن إبراهيم ﵊: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ﴾ [البقرة:٢٦٠] فدل ذلك على أنه غير مطمئن القلب لورود الشك عليه.
٢ - ما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: " نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] ". (^٢)
- وقد رد هذا الاستدلال بما يلي:
أ- أنه لا يجوز أن يكون المراد بقوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠]، أي: بالعلم واليقين بعد الشك، وذلك لأمور عدة، أذكر منها:
١ - أن الشك في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، كفر بالله، فلا يجوز في حق نبي من الله.
_________________
(١) تفسير الطبري (٣/ ٥١).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب: أحاديث الأنبياء - باب: قوله ﷿:: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحجر:٥١] (حـ ٣١٩٢ - ٣/ ١٢٣٣). ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب: زيادة طمأنينة القلب. (حـ ٣٨٠ - ٢/ ٣٦٠).
[ ٢٤٦ ]
٢ - أن سؤال إبراهيم ﵊ كان عن الكيفية لا عن الإمكانية.
ولذلك ورد السؤال بصيغة (كيف) فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠] ولم يقل (أيمكنك إحياء الموتى).
ونظير هذا قول القائل: (كيف يحكم عمر في الناس) فهو لا يشك في أن عمر يحكم في الناس، ولكنه يسأل عن كيفية حكمه لا عن ثبوته.
فالخليل إبراهيم ﵊ سأل عن الكيفية مع يقينه الجازم بالقدرة الربانية، ليرى بالعيان ما قد ثبت بالوجدان. (^١)
٣ - أن الألف: في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة:٢٦٠] ليست (ألف) استفهام، وإنما هي (ألف) إيجاب، فكأنه قال: (قد آمنت فلم تسأل). ومثل هذا، قول الشاعر جرير:
ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح. (^٢)
بمعنى: (أنتم خير من ركب المطايا).
_________________
(١) تفسير أبي حيان (٢/ ٦٤٢).
(٢) البيت لجرير بن عطية الكلبي - في ديوانه (٨٥،٨٩) وفي رصف المباني (٤٦) اللغة: (المطايا): جمع مطية وهي كل دابة تستخدم للركوب. (أندى): أكثر ندى وجودًا وأكرم عطاء، (راح): الراح جمع راحة وهي باطن الكف. والمعنى: يتساءل الشاعر مقررًا أنهم أفضل شجاعة وكرمًا، ألستم أفضل الفرسان الذين يمتطون صهوات دوابهم للحرب والطعان؟ وكذلك ألستم أكثر الناس جودًا وكرمًا تمنحون الناس من باطن راحاتكم خيرًا وسخاء،؟ (انظر: شرح شواهد المغني للسيوطي (٤٦) وشرح المفصل لابن يعيش (٨/ ١٢٣).
[ ٢٤٧ ]
فالله جل وعلا إنما قال لإبراهيم ﵊: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ [البقرة:٢٦٠]: لكي يظهر إقراره، فلا يظن أحد بعده أنه لم يكن مقرًا بذلك في ذلك الوقت، وقد ظهر إقراره بقدرة الله على إحياء الموتى بقوله في هذه الآية (بلى). وبقوله في الآية المتقدمة في سياق محاجة النمروذ: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] وعليه فلا مجال للقول بشكه بعد ذلك. (^١)
ب- وأما قول الرسول محمد - ﷺ -: "نحن أحق بالشك من إبراهيم": فلا يصح حمله على ظاهره، وعليه فإن معناه: (إذا لم أشك أنا، ولم أرتب في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، فإبراهيم ﵊ أولى بأن لا يشك فيه، وألا يرتاب). فالحديث مبني على نفي الشك عن إبراهيم ﵊. والمراد بالشك المنفي: الخواطر التي لا تثبت.
وأما الشك الذي هو بمعنى: التوقف بين أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر. فهذا منفي عن الخليل قطعًا، لأنه يبعد وقوعه ممن رسخ الإيمان في قلبه، فكيف بمن بلغ رتبة النبوة.
القول الثاني: أن إبراهيم ﵊ لم يكن شاكًا في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى.
- وهذا قول: الجمهور. (^٢)
الترجيح: والقول الراجح هو قول الجمهور. وهو أن إبراهيم ﵊ لم يكن شاكًا في قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، وإنما طلب المعاينة وأحب رؤية ذلك، كما أن المؤمنين يحبون رؤية الله جلا وعلا، ورؤية الرسل والجنة، مع إيمانهم بكل ذلك، ولا يعد هذا شكًا منهم في ذلك.
ثم اختلف أصحاب هذا القول في السبب الذي جعل إبراهيم ﵊ يسأل ربه أن يريه عيانًا إحياء الموتى، وإليك بيان الأقوال في ذلك:
_________________
(١) تفسير الماوردي (١/ ٣٣٤).
(٢) فتح الباري (٦/ ٤٧٥).
[ ٢٤٨ ]
- القول الأول: أنه أراد الطمأنينة بعلم كيفية الإحياء مشاهدة، بعد العلم بها استدلالًا، لأن علم الاستدلال قد تتطرق إليه الشكوك في الجملة، بخلاف علم المعاينة، فإنه ثابت يقيني، وقد قال الرسول - ﷺ -: "ليس الخبر كالمعاينة". (^١)
ولهذا قال إبراهيم ﵇: ﴿بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] أي: ليزداد سكونًا بالمشاهدة الحسية المنضمة إلى اعتقاد القلب المصدق، فتظاهر الأدلة أسكن للقلب.
- وهذا قول: أكثر العلماء كابن عباس ﵁ - والحسن - وعكرمة - وقتادة - والربيع - وسعيد بن جبير - والضحاك - وأبي منصور الأزهري.
- القول الثاني: أنه أراد أن يرى منزلته ومكانته عند ربه في إجابة مطلبه، وليرى من يدعوهم إلى طاعة الله مكانته عند الله، فيقبلوا دعوته.
- وهذا قول: ابن عباس - وأبي سعيد الخدري - ومجاهد - والسدي - وإليه جنح القاضي أبو بكر الباقلاني. (^٢)
- القول الثالث: أنه رأى جيفة بساحل البحر يتناولها السباع والطير ودواب البحر،، فتفكر كيف يجتمع ما تفرق من تلك الجيفة؟ وتطلعت نفسه إلى مشاهدة ميت يحييه ربه.
- وهذا قول: قتادة - والضحاك - وابن جريج. (^٣)
- القول الرابع: أنه لما احتج على المشركين بأن الله جل وعلا يحيي ويميت بقوله: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] طلب ذلك منه جل وعلا ليظهر دليله المحتج به عيانًا، ويتبين صدقه فيما احتج به.
- وهذا قول: عكرمة - ومحمد بن إسحاق. (^٤)
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب: التفسير - باب: تفسير سورة الأعراف (حـ ٣٢٥٠ - ٢/ ٣٥١) وقال: هذا حديث صحيح. أهـ. والإمام أحمد في مسنده (١/ ٢١٥،٢٧١).
(٢) انظر: تفسير الطبري (٣/ ٥٠) وأعلام الحديث (٣/ ١٥٤٦) وفتح الباري (٦/ ٤٧٤).
(٣) انظر: تفسير الطبري (٣/ ٥٠) وشرح صحيح مسلم للنووي (٢/ ٣٦١).
(٤) انظر: تفسير الماوردي (١/ ٣٣٤) وفتح الباري (٦/ ٤٧٤).
[ ٢٤٩ ]
- إلى غير ذلك من الأقوال التي ذكرت في المراد بالآية، ولكنها ليست بظاهرة في المراد والصحة.
الترجيح: وأظهر الأقوال في سبب السؤال هو القول الأول، الدال على أن إبراهيم ﵊ إنما طلب رؤية كيفية إحياء الموتى للترقي من علم اليقين إلى عين اليقين، وذلك للأسباب المتقدمة.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو أحد الأقوال الواردة في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ [البقرة:٢٨٠]
قال أبو جعفر الطحاوي: قال أصحابنا: في الرجل يفلسه القاضي فيخرجه من السجن، أنه لا يحول بينه وبين ملازمته. وهو قول ابن أبي ليلى، (^١) وسوار بن عبد الله، (^٢) وعبيد الله بن الحسن. (^٣)
وقال سوار وعبيد الله: للغرماء أن يدفعوه في ضيعة، فيكون لغرمائه فضل كسبه عن نفقته.
وقال المزني عن الشافعي: يمنع غرماؤه من لزومه.
وقال الربيع (^٤)
_________________
(١) ابن أبي ليلى هو: أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، مفتي الكوفة وقاضيها، وكان نظيرًا للإمام أبي حنيفة في الفقه، قال فيه أحمد: فقهه أحب إلينا من حديثه، وكانت وفاته سنة (١٤٨ هـ) (سير أعلام النبلاء - ٦/ ٣١٠).
(٢) سَوّار هو: سوار بن عبد الله بن قدامة التميمي، وثقة النسائي وغيره، وكانت وفاته سنة (٢٤٥ هـ) (سير أعلام النبلاء- ١١/ ٥٤٣).
(٣) عبيد الله هو: عبيد الله بن الحسن بن حصين بن أبي الحُر العنبري البصري، ذكره ابن حبان في كتاب (الثقات) وقال: من سادات أهل البصرة فقهًاوعلمًا، وكانت وفاته سنة (١٦٨ هـ) (تهذيب الكمال - ٥/ ٣١).
(٤) الربيع هو: أبو محمد الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل المرادي المصري المؤذن، صاحب الإمام الشافعي، وراوي كتب الأمهات عنه، وثقة ابن حبان وغيره، وكانت وفاته سنة (٢٧٠ هـ). (تهذيب الكمال - ٢/ ٤٦١).
[ ٢٥٠ ]
عن الشافعي: ولو كانت له حرفة تفضل عن نفقة بدنه شيء، أخذ في دينه، ولا ينفق على أهله ولا ولده، والدين أولى، وإذا أراد الغرماء أخذ المال، حبس لصاحب المال قوت عياله اليوم.
قال أبو جعفر: قوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] يوجب تأخيره، فصار كالدين المؤجل، فيمنع لزومه.
وقد روى عمرو بن الشريد، (^١) عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: " لي الواجد، يحل عرضه وعقوبته" (^٢)، فكانت العقوبة على الواجد. فدل على أنه إذا كان غير واجد فلا عقوبة عليه، ولا يحل عرضه.
وقد روي عن أبي هريرة أنه قال: (مطل الغني ظلم). (^٣) ورواه أيضًا: ابن عمر، عن النبي - ﷺ - .. فإذا كان مطل الغني ظلمًا، فمطل الذي ليس بغني ليس بظلم، ولا مطالبة عليه إذًا، وإذا سقطت المطالبة، زالت الملازمة. (مختصر اختلاف العلماء - ٤/ ٢٨١ - ٢٨٢)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن هذه الآية دالة على المنع من لزوم صاحب الدين للمعسر المدين.
وإليك بيان هذه المسألة، وأقوال العلماء فيها:
_________________
(١) عمرو هو: أبو الوليد عمرو بن الشّريد بن سويد الثقفي الطائفي، قال فيه أحمد العجلي: حجازي، تابعي، ثقة (تهذيب الكمال - ٥/ ٤٢٢)، وأبوه هو: الصحابي الجليل الشَّرِيد بن مالك بن سويد الثقفي الطائفي، كانت وفاته سنة (٦٨ هـ). (تهذيب الكمال-٣/ ٣٨٢)
(٢) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب: الأقضية - باب: في الحبس في الدين وغيره - (حـ ٣٦٢٨ - ٤/ ٤٥). والبيهقي في سننه - كتاب: التفليس - باب: حبس من عليه الدين إذا لم يظهر ماله، وما على الغني في المطل (حـ ١ - ٦/ ٥١).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب: الحوالات - باب: في الحوالة، وهل يرجع في الحوالة - (حـ ٢١٦٦ - ٢/ ٧٩٩). ومسلم في صحيحه - كتاب: المساقاة - باب: تحريم مطل الغني، وصحة الحوالة - (حـ ٣٩٧٨ - ١٠/ ٤٧١).
[ ٢٥١ ]
- القول الأول: المنع من ملازمة صاحب الدين للمعسر المدين، ويجب إنظاره.
- وهذا قول: الجمهور. (^١)
- ومن أدلة هذا القول:
١ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] فدلت الآية على وجوب إنظاره، ومن وجب إنظاره، حرمت ملازمته. كما أن ملازمة الغرماء له ليس فيها إنظاره، وإنما هي عليه أشد من السجن، وذلك لما يلحقه من الضرر في شخصه وعرضه من طول مدة ملازمته. (^٢)
- وقد رد هذا الاستدلال:
- بأن قوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] ينصرف إلى وجهين:
أ- إما أن يكون المراد بالإنظار هو: تخليته من الحبس وترك عقوبته، إذ كان غير مستحق لها. بعد ثبوت إعساره.
ب- وإما أن يكون المراد بالإنظار هو: الندب والإرشاد إلى ترك ملازمته ومطالبته إلى حين ثبوت يسره.
- وأما القول بأن الملازمة بمنزلة الحبس، لأنه في الحالين ممنوع من التصرف، فيرد عليه:
بأن الأمر ليس كذلك، لأنه في حال الملازمة لا يمنع من التصرف، وإنما معنى الملازمة: أن يكون معه من قبل الطالب من يراعي أمره في كسبه وما يستفيده من أموال، فيترك له مقدار قوته، ويأخذ الباقي في قضاء من دينه، وليس في هذا إضرار له، وإنما فيه قضاء لما عليه. (^٣)
٢ - ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ قال: أصيب رجل في عهد رسول الله - ﷺ - في ثمار ابتاعها، فكثر دينه، فقال الرسول - ﷺ -: "تصدقوا عليه" فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال الرسول - ﷺ - لغرمائه: "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك". (^٤)
_________________
(١) المغني لابن قدامة (٦/ ٥٨٤).
(٢) المجموع شرح المهذب للنووي (١٣/ ٢٧٢).
(٣) أحكام القرآن للجصاص (١/ ٤٧٧).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب المساقاة - باب: استحباب الوضع من الدين (حـ ٣٩٥٨ - ١٠/ ٤٦٢). وأبو داود في سننه - كتاب: البيوع - باب: وضع الجائحة (حـ ٣٤٦٩ - ٣/ ٧٤٥).
[ ٢٥٢ ]
فدل الحديث على وجوب الإنظار، والمنع من الملازمة.
ويجاب عن هذا الاستدلال: بأن الحديث غير دال على إسقاط باقي حقوقهم، وعدم بقائها في ذمته، ومتى كان دالًا على ذلك، كان غير دال على المنع من ملازمته حتى يستوفوا باقي حقوقهم مما يكتسبه مستقبلًا فاضلًا عن قوته. (^١)
٣ - ما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال:"ليُّ الواجد يُحل عرضه وعقوبته". (^٢) فدل الحديث على أن الحبس والملازمة عقوبة تثبت لمن ظهر منه المطل مع غناه، أما من لم يظهر منه المطل وكان معسرًا، فإن هذه العقوبة لا تثبت في حقه.
ويجاب عن هذا الاستدلال: بأن الحديث غير ناف لجواز ملازمة من تعذر قضاؤه لدينه لعسره.
كما أنه ليس في ملازمته إحلال لعرضه وعقوبته.
- القول الثاني: جواز ملازمة صاحب الدين للمعسر المدين حتى يستوفى حقه.
- وهذا قول: الحنفية (^٣).
- ومن أدلة هذا القول:
١ - ما رواه أبو هريرة ﵁: أن رسول الله - ﷺ - اشترى من أعرابي بعيرًا إلى أجل، فلما حل الأجل جاءه الأعرابي يتقاضاه، فقال الرسول - ﷺ -: "جئتنا وما عندنا شيء، ولكن أقم حتى تأتي الصدقة"، فجعل الأعرابي يقول واغدراه، فهم به عمر، فقال الرسول - ﷺ -:"دعه فإن لصاحب الحق مقالًا". (^٤)
_________________
(١) أحكام القرآن للجصاص (١/ ٤٧٧).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الأقضية - باب في الحبس في الدين وغيره - (حـ ٣٦٢٨ - ٤/ ٤٥). وابن ماجة في سننه - كتاب الأحكام - باب الحبس في الدين والملازمة (حـ ٢٤٥٢ - ٢/ ٦٠).
(٣) المغني لابن قدامة (٦/ ٥٨٤).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب: المساقاة - باب: من استسلف شيئًا فقضى خيرًا منه - (حـ ٤٠٨٦ - ١١/ ٣٨). وأبو داود الطيالسي في مسنده (حـ ٢٣٥٦ - ٣١١).
[ ٢٥٣ ]
٢ - ما رواه ابن عباس ﵄: (أن رجلًا لزم غريمًا له بعشرة دنانير. فقال له: والله ما عندي شيء اقضيه اليوم، قال والله لا أفارقك حتى تقضيني أو تأتيني بحميل يتحمل عنك، قال: والله ما عندي قضاء، ولا أجد من يتحمل عني، قال: فجاء إلى رسول - ﷺ - وأخبره الخبر، فقال رسول الله - ﷺ - لصاحب الحق: "هل تنظره شهرًا واحدًا؟ "، قال: لا، قال: أنا أحمل بها، فقضى عنه رسول الله - ﷺ -). (^١)
إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على أن الإعسار بالدين غير مانع لصاحب الحق من ملازمة المدين، ومطالبته بحقه.
الترجيح: والراجح قول الحنفية، وهو: جواز ملازمة صاحب الدين للمعسر المدين، وأن قوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:٢٨٠] دال على الندب والإرشاد إلى ترك الملازمة والمطالبة، غير دال على وجوب ذلك في حق من له الحق.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى الذي دلت عليه الآية.
والله تعالى أعلم.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه - كتاب: الأحكام - باب: الكفالة (حـ ٢٤٣٠ - ٢/ ٥٦) - وعبد بن حميد في مسنده (حـ ٥٩٦ - ٢٠٥).
[ ٢٥٤ ]
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ [البقرة: ٢٨٢].
قال أبو جعفر الطحاوي: فقال قائل: فقد وجدنا في نفي الحجر ما هو أقوى من هذا، وهو قول الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة:٢٨٢] ثم قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢] فذكر في أول القصة المداينة ممن قد ذكر في آخرها أنه قد يكون سفيهًا أو ضعيفًا، وفي ذلك ما قد دل على جواز بيعه في حال سفهه.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله جل وعز وعونه: أن السفه قد يكون في تضييع المال، وقد يكون فيما سواه مما لا تضييع للمال معه، كذلك هو في كلام العرب، يقولون: سفه فلان في ماله، سفه فلان في دينه، ومنه قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠]
[ ٢٥٥ ]
قال أبو جعفر: وعن أبي عبيدة معمر بن المثنى، قال: سَفِهَ نَفْسَهُ: أهلكها وأوبقها (^١)، وقد يكون ذلك ممن يكون معه من الحزم في ماله ما ليس مع من لا يختلف في صلاحه في دينه.
وقال الكسائي (^٢): السفيه: الذي يعرف الحق، وينحرف عنه عنادًا، وقرأ: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة:١٣] قال: يقول: الذين عرفوا الأمر، وعندوا عنه.
وروي عن رسول الله - ﷺ - مما قد تقدمت روايتنا له فيما قد تقدم من كتابنا هذا في (الِكبْرِ) أنه من يدفع الحق، وفي ذلك ما قد دل أنه أريد بذلك: من معه معرفة والعنود عنها، والتمسك بضدها.
ففي ذلك ما قد دل: أن السفه المذكور في الآية التي تلونا ليس على سفه الفساد في المال، ولكنه على ما سواه من وجوه السفه.
وقد قال قائل: إن هذه الآية التي تأولنا أدل أنه في القرآن على استعمال الحجر - وهو الشافعي - قال: لأن فيها: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢] فكان من حجتنا عليه في دفع ما تأولها عليه: في أول الآية من مداينة من قد وصف في آخرها بالسفه، وفي ذلك ما يدفع ما قال.
_________________
(١) مجاز القرآن (١/ ٥٦).
(٢) الكسائي هو: أبو الحسن علي بن حمزة بن عبد الله الكوفي الكسائي، شيخ القراءة والعربية، اختار قراءة اشتهرت، وصارت إحدى السبع، وله عدة تصانيف منها: معاني القرآن - والنوادر الكبير - وكانت وفاته بالري سنة (١٨٩ هـ) (سير أعلام النبلاء -٩/ ١٣١).
[ ٢٥٦ ]
فإن قال قائل: فمن وليه المراد في آخر هذه الآية؟ كان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله ﷿ وعونه: أنه وليُّ الدين الذي هو عليه، وفي الآية ما قد دل على هذا، وهي قوله ﷿: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [البقرة:٢٨٢]، فلو كان وليه هو الذي يتولى عليه، كما ذكر هذا القائل، لم يخاطب بهذا الخطاب، لأنه لا يجر إلى نفسه ببخسه شيئًا، ولكنه حذر من ذلك خوفًا عليه أن ينقص الذي له عليه الدين طائفة مما عليه منه.
وفيما ذكرنا دليل واضح على فساد ذلك التأويل، غير أن مذهبنا في الحجر استعماله والحكم به، وحفظ المال على من يملكه إذا كان مخوفًا عليه منه.
(شرح مشكل الآثار -١٢/ ٣٤٤ - ٣٤٦)
(وانظر: مختصر اختلاف العلماء - ٥/ ٢١٨ - ٢١٩)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن الآية غير دالة على إثبات أو نفي الحجر على السفيه، أما عدم دلالتها على نفي الحجر: فلأن السفه في الآية ليس المراد به إفساد المال، وإنما المراد به الجهل بشروط الإملاء. وأما عدم دلالتها على إثبات الحجر: فلأن الله جل وعلا ذكر في أول الآية مداينة من قد وصف في آخرها بالسفه. ولأن المراد بالولي في قوله تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢] ولي الدين لا ولي السفيه.
وإليك أولًا: بيان (هل الآية دالة على نفي الحجر على السفيه؟).
- القول الأول: أن الآية دالة على نفي الحجر على السفيه.
- وهذا قول: الشافعي - والقاضي أبي يعلى.
- ودليل هذا القول: أن الله جل وعلا قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢] ثم قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢].
[ ٢٥٧ ]
فالمراد بالسفه في الآية: الجهل بالوجوه الصحيحة لصرف المال، وقد أجاز الله جل وعلا في الآية مداينة من هذا وصفه، فدل ذلك على انتفاء الحجر على السفيه. (^١)
- القول الثاني: أن الآية غير دالة على نفي الحجر على السفيه.
- وهذا قوله: ابن عباس - وابن جبير - ومجاهد.
- ودليل هذا القول: أن المراد بالسفه في الآية: الجهل بما يجب أن يملى على الكاتب.
وعلى هذا القول: فليس في إجازة الله جل وعلا مداينة من هذا وصفه، دلالة على انتفاء الحجر على السفيه (^٢)
الترجيح: والراجح هو القول الثاني، لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء:٥] فنهى جل وعلا عن إعطاء المال للمفسد له، الذي لا يحسن التصرف فيه.
وفي هذه الآية: أجاز مداينة وإعطاء المال لمن وصفه بالسفه، فدل هذا على أنه ليس المراد (بالسفيه) هنا: الجاهل بالوجوه الصحيحة لصرف المال.
وإنما المراد به: الجاهل بما يجب أن يُملى على الكاتب.
ثانيًا: بيان: (هل الآية دالة على إثبات الحجر على السفيه؟):
- القول الأول: أن الآية دالة على إثبات الحجر على السفيه.
- وهذا قول: الضحاك - وابن زيد - واختاره القاضي أبو يعلى - والزجاج.
- ودليل هذا القول: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا. . . فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢]. والمعنى: (فليملل ولي الذي عليه الحق الممنوع من الإملاء بالسفه).
فالمراد بالولي في الآية: (ولي السفيه)
_________________
(١) انظر: تفسير الماوردي (١/ ٣٥٥) وتفسير ابن الجوزي (١/ ٢٩٠).
(٢) انظر تفسير الطبري (٣/ ١٢٢) - وتهذيب اللغة - مادة (سفه) (٦/ ١٣٤).
[ ٢٥٨ ]
لأن العرب تقول: (ولي السفيه - ولي الضعيف) ولا تقول: (ولي الحق) وإنما تقول: (صاحب الحق). فلما أجاز الله جل وعلا لولي السفيه الإملاء عنه، دل ذلك على إثبات الحجر عليه. (^١)
- القول الثاني: أن الآية غير دالة على إثبات الحجر على السفيه.
-وهذا قول: ابن عباس - والربيع بن أنس - وابن جبير - واختاره ابن قتيبة - والفراء - والطحاوي.
- ودليل هذا القول: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا. . . فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢] والمعنى: (فليملل ولي الحق وصاحب الدين بالعدل لأنه أعلم بحقه، ثم يكون الإقرار من المطلوب الذي عليه الحق).
الترجيح: والراجح هو القول الثاني، لأمرين:
١ - أن الله تعالى أجاز في أول الآية مداينة الذي عليه الحق، ولو كان محجورًا عليه لما جازت مداينته.
٢ - أن ولي المحجور عليه لا يجوز إقراره عليه بالدين عند أحد من أهل العلم، وفي ذلك دليل على أن الله جل وعلا لم يرد بقوله: ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:٢٨٢]: (ولي السفيه) وإنما أراد: (ولي الدين). (^٢) وعلى هذا القول فالآية غير دالة على إثبات الحجر على السفيه.
وعليه فإن الآية إنما جاءت لبيان جواز مداينة السفيه الجاهل بشروط الإملاء، على أن يتولى صاحب الدين الإملاء، مراعيًا في ذلك الصدق والعدالة (^٣).
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٣/ ١٢٢) وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٥١).
(٢) انظر: تفسر ابن الجوزي (١/ ٢٩١) وأحكام القرآن للجصاص (١/ ٤٨٨).
(٣) تفسير السمعاني (١/ ٢٨٣).
[ ٢٥٩ ]
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ [البقرة:٢٨٣]
قال أبو جعفر الطحاوي:
قال تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣] فدل ذلك على أن المقبوض ما وقعت عليه يد مرتهنه، وانتفت عنه يد راهنه.
(شرح مشكل الآثار -١٥/ ٤٥٦)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن قوله جل وعلا: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣] دال على وجوب الإقباض في الرهن.
- وإليك بيان أقوال العلماء في هذه المسألة:
- القول الأول: أن القبض شرط في لزوم وصحة الرهن.
- وهذا قول: الجمهور.
- ومن أدلة هذا القول:
١ - أن قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣] عطف على ما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:٢٨٢] فلما كان استيفاء العدد المذكور والصفة المشروطة للشهود واجبًا، وجب أن يكون كذلك حكم الرهن فيما شرط له من الصفة، فلا يصح إلا بها، كما لا تصح شهادة الشهود إلا بالأوصاف المذكورة، إذ كان ابتداء الخطاب قد توجه إليهم بصيغة الأمر المقتضي للإيجاب.
٢ - أن حكم الرهن مأخوذ من الآية، والآية إنما أجازت الرهن بهذه الصفة، فغير جائز إجازته على غيرها.
٣ - أن الرهن وثيقة للمرتهن بدينه، ولو صح غير مقبوض لبطل معنى الوثيقة، وكان بمنزلة سائر أموال الراهن التي لا وثيقة للمرتهن فيها.
[ ٢٦٠ ]
وإنما جعل الرهن وثيقة للمرتهن ليكون محبوسًا في يده بدينه، فيكون عند موت الراهن وإفلاسه أحق به من سائر الغرماء، ومتى لم يكن مقبوضًا في يده كان لغوًا لا معنى فيه، وكان المرتهن وسائر الغرماء فيه سواء.
- القول الثاني: أن القبض ليس شرطًا في لزوم وصحة الرهن. وإنما هو شرط في كمال فائدته. وعليه فيصح الارتهان بالإيجاب والقبول من دون القبض.
وهذا قول: المالكية. (^١)
- الترجيح: والراجح هو قول الجمهور لصريح الآية.
وأما قول المالكية فلا يعضده آية منزلة، ولا سنة ثابتة.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الصواب في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ [البقرة:٢٨٤]
قال أبو جعفر الطحاوي: عن ابن شهاب، عن ابن مرجانه (^٢)،
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٥٢٣). وتفسير الماوردي (١/ ٣٥٩).
(٢) ابن مرجانة هو: أبو عثمان سعيد بن عبد الله القرشي العامري الحجازي، ومرجانة هي أمه، وثقه النسائي وغيره، وكان وفاته سنة (٩٧ هـ). (تهذيب التهذيب -٢/ ٤٠).
[ ٢٦١ ]
قال: (ذكر لابن عباس أن ابن عمر تلا هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] فبكى، ثم قال: والله لئن آخذنا الله بها لنهلكن، فقال ابن عباس: يرحم الله أبا عبد الرحمن قد وجد المسلمون منها حين نزلت ما وجد، فذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ -، فنزلت: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦] من القول والعمل، وكان حديث النفس مما لا يملكه أحد، ولا يقدر عليه أحد) (^١)
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٣٣٢) والطبراني في العجم الكبير (ح ١٠٧٦٩ - ١٠/ ٣١٦).
[ ٢٦٢ ]
قال أبو جعفر: ثم نظرنا هل روي عن رسول الله - ﷺ - في هذا السبب حديث غير هذا الحديث. فوجدنا عن أبي هريرة، قال: (لما نزلت على النبي - ﷺ - هذه الآية: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] الآية، جثوا على الركب، فقالوا: لا نطيق لا نستطيع، كلفنا من العمل ما لا نطيق ولا نستطيع، فأنزل الله ﷿: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] إلى قوله جل وعز: ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥] فقالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فأنزل الله ﷿: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] قال: نعم. ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٦] الآية، قال: نعم). (^١)
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب: الإيمان - باب: بيان أنه ﷾ لم يكلف إلا ما يطاق (ح ٣٢٥ - ٢/ ٣٢٤). وابن حبان في صحيحه - (ح ١٣٩ - ١/ ٣٥٠).
[ ٢٦٣ ]
قال أبو جعفر: فكان هذا الحديث أحسن من حديث ابن شهاب وأصح إسنادًا، ثم تأملناه، فوجدنا فيه عن أصحاب رسول الله - ﷺ - قولهم: لا نطيق لا نستطيع، كلفنا من العمل مالا نطيق وما لا نستطيع، وكان ذلك منهم عندنا - والله أعلم - على أنه وقع في قلوبهم أن الله ﷿ أعلمهم بهذه الآية أنه يؤاخذهم بخواطر قلوبهم التي لا يستطيعونها ولا يملكونها من أنفسهم، فبين له ﷿ فيما أنزل بعد ذلك، فقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦] أي: لا يكلف الله نفسًا ما لا تملكه، وبين بذلك أنه ﷿ إنما كان أراد بقوله:: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] إنما هو ما يخفونه مما يستطيعون أن لا يخفوه، وما يبدونه مما يستطيعون أن يخفوه، لا الخواطر التي لا يستطيعون فيها إبداء ولا إخفاء، ولا يملكونها من أنفسهم.
وقد روي عن ابن عباس من غير حديث ابن مَرْجانة في تأويل هذه الآية قول يخالف هذا القول. كما عن مقسم. (^١) عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ. . .﴾ [البقرة:٢٨٤] قال: من الشهادة.
قال أبو جعفر: فكان هذا التأويل عندنا غير صحيح، وكان التأويل الأول أولاهما بالآية، لأن كتمان الشهادة مما لا يغفر، لأنه حق من المشهود له. وفي الآية ما قد منع من ذلك، وهو قوله ﷿: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٨٤] والله ﷿ نسأله التوفيق.
(شرح مشكل الآثار-٤/ ٣١١ - ٣١٦)
_________________
(١) مِقْسَم هو: أبو القاسم مِقْسَم بن بُجْرة، قال فيه أبو حاتم: صالح الحديث، لا بأس به، وكانت وفاته سنة (١٠١ هـ). (تهذيب الكمال -٧/ ٢١٥).
[ ٢٦٤ ]
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] إنما هو ما يخفونه مما يستطيعون أن يبدوه، وما يبدونه مما يستطيعون أن يخفوه، فلا يدخل في ذلك الخواطر التي لا يستطيعون فيها إبداء ولا إخفاءه، كما لا يدخل في ذلك كتمان الشهادة، لأنها حق للمشهود له.
وبهذا يتبين أن العلماء قد اختلفوا في المراد بـ (المخفي) في الآية على قولين:-
القول الأول: - أنه عام في جميع المخفيات.
وهذا قول: الجمهور.
ثم اختلف أصحاب هذا القول، هل هذا الحكم ثابت في المؤاخذة أم منسوخ؟ على قولين:-
أ- أنه منسوخ بقوله جل وعلا: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾] البقرة:٢٨٦].
- وهذا قول: ابن مسعود - وابن عباس - وأبي هريرة - ﵃- ومجاهد - وسعيد بن جبير والحسن - وقتادة - والشعبي، وغيرهم. (^١)
_________________
(١) تفسير القرطبي (٣/ ٤١٧).
[ ٢٦٥ ]
- ودليل هذا القول: ما رواه أبو هريرة ﵁ قال: لما نزلت على رسول الله - ﷺ -: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤] قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله - ﷺ - فأتوا رسول الله - ﷺ -، ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها. قال رسول الله - ﷺ -: " أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير"، قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم ذلَّت بها ألسنتهم، فأنزل الله في أثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾] البقرة:٢٨٥] فلما فعلوا ذلك نسخها الله ﷿.
[ ٢٦٦ ]
فأنزل الله ﷿: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نعم - ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ ﴿البقرة:٢٨٦] قال: نعم ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: نعم- ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٢٨٦] قال: نعم. (^١)
- وقد رد هذا القول بما يلي:-
١ - أن الآية خبر، والنسخ إنما يقع في الأوامر والنواهي.
٢ - أنه لا يجوز على الله جل وعلا تكليف الإنسان بما ليس في وسعه، لأنه سفه وعبث.
٣ - أن النسخ إنما يحتاج إليه لو دلت الآية على وقوع العقاب على تلك الخواطر، والصحيح أن الآية غير دالة على ذلك.
٤ - أن النسخ إنما يصح لو قلنا أنهم كانوا قبل هذا النسخ مأمورين بالاحتزاز عن تلك الخواطر التي كانوا عاجزين عن مدافعتها، والصحيح أنه لم يقع الأمر بذلك.
٥ - أن المراد بلفظ النسخ في الحديث: بيان المعنى، وإزالة التوهم في صرف اللفظ إلى غير المعنى المراد. (^٢)
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب بيان أنه ﷾ لم يكلف إلا ما يطاق - (ح ٣٢٥ - ٢/ ٣٢٤). وابن حبان في صحيحه - كتاب الإيمان - باب التكليف - (ح ١٣٩ - ١/ ٣٥٠).
(٢) انظر: أحكام القرآن للجصاص (١/ ٥٣٧) وتفسير الرازي (٧/ ١٢٦).
[ ٢٦٧ ]
فإن قوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤]: لما كان بلفظ عام، ظن الصحابة - رضوان الله عليهم - أن الخواطر داخلة فيه. فجاء قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]: بيانًا للمعنى المراد، وأن التكليف إنما هو بما في وسع الإنسان، وأما الخواطر فليست هي ولا دفعها مما في وسع الإنسان. وكان في هذا البيان كشف لكربهم، وفرج لهم. (^١)
فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٤] جاء تكليفًا بما في وسع الإنسان.
وقوله تعالى ذكره: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] جاء بيانًا للمراد، وليس لنسخ شيء كان مرادًا.
ب- أن حكم المؤاخذة بالمخفي، ثابت لم ينسخ.
ثم اختلف أصحاب هذا القول على ثلاثة أقوال:-
١ - أن حكم المؤاخذة ثابت على العموم.
- وهذا قول: ابن عباس - وابن عمر - والحسن، واختاره القاضي أبو يعلى - وأبو سليمان الدمشقي. (^٢)
- ومعنى الآية: إن تبدوا ما في قلوبكم مما عزمتم عليه، أو تخفوه ولا تبدوه، وأنتم عازمون عليه يحاسبكم به الله، فأما ما حدثتم به أنفسكم مما لم تعزموا عليه، فإن الله لا يحاسبكم عليه، لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها. (^٣)
٢ - أن حكم المؤاخذة ثابت، لكن معناه: إطلاع العبد على فعله وإعلامه به.
- وهذا قول: ابن عباس - والربيع بن أنس. (^٤)
_________________
(١) انظر: تفسير ابن عطية (٢/ ٣٨٣) ومجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٤/ ١٠٠).
(٢) ناسخ القرآن لابن الجوزي - (٢٦٨).
(٣) تفسير البغوي (١/ ٣٥٦).
(٤) ناسخ القرآن لابن الجوزي (٢٦٨).
[ ٢٦٨ ]
- ودليل هذا القول: ما جاء عن ابن عمر ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:" يُدنى المؤمن يوم القيامة من ربه ﷿، حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول هل تعرف؟ فيقول: أيْ رب أعرف، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفة حسناته، وأما الكفار والمنافقون، فينادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على الله " (^١).
فدل هذا الحديث على أن المحاسبة ليست بموجبة للمعاقبة (^٢).
٣ - أن حكم المؤاخذة ثابت، لكن معناه: إنزال العقوبة والأذى بالعبد في الدنيا.
- وهذا قول: عائشة ﵂.
- ودليل هذا القول: ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: سألت رسول الله - ﷺ - عن هذه الآية، فقال: " يا عائشة هذه معاتبة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة حتى الشوكة والبضاعة يضعها في كمه، فيفقدها، فيروع لها، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير ". (^٣)
فدل هذا الحديث على: أن الله جل وعلا محاسب خلقه بجميع ما أبدوا من أعمالهم، وما أخفوا من أعمالهم، ومعاقبتهم عليها، غير أن معاقبته على ما أخفوه مما لم يعملوه، بما يحدث لهم في الدنيا من النوائب والمصائب. (^٤)
- القول الثاني: أنه خاص في نوع من المخفيات.
ثم اختلف أصحاب هذا القول في تحديد هذا النوع الخاص إلى أقوال:
١ - أنه خاص بالشهادة.
- وهذا قول: ابن عباس - وعكرمة - ومجاهد - والشعبي.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب التوبة - باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله (حـ ٦٩٤٦ - ١٧/ ٨٩) - وأحمد في مسنده (٢/ ١٠٥).
(٢) تفسير الطبري (٣/ ١٥٠)
(٣) أخرجه الترمذي في سننه- كتاب التفسير - باب تفسير سورة البقرة - الآية - (٢٨٤) (حـ ٢٩٩٨ - ١١/ ١١٢)، وقال هذا حديث حسن غريب. أ هـ، وأحمد في مسنده (٦/ ٢١٨).
(٤) تفسير البغوي (١/ ٣٥٥).
[ ٢٦٩ ]
- ودليل هذا القول: أن الله جل وعلا لما نهى عن كتمان الشهادة في الآية المتقدمة بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨٣)﴾ [البقرة: ٢٨٣].
بين في هذه الآية أنه جل وعلا محاسب ومجازي على الكتمان والإظهار للشهادة. (^١)
- وقد رد هذه القول: بأن هذه الآية وإن جاءت بعد النهي عن كتمان الشهادة، فإنه لا يلزم قصرها عليه، لأن لفظ الآية أعم من ذلك. (^٢).
٢ - أنه خاص بالشك واليقين.
- وهذا قول: مجاهد.
والمراد: أن الله جل وعلا يغفر لأهل اليقين، ويعذب أهل الشك والنفاق.
- وقد رد هذا القول: بأنه تخصيص بلا مخصص. (^٣)
٣ - أنه خاص بالسوء والمعصية.
- وهذا قول: الكلبي - والزمخشري. (^٤)
قال أبو حيان: وهذا حسن، لأنه جاء بعد ذلك الغفران والتعذيب. (^٥) فقال جل ذكره: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٨٤]
٤ - أنه خاص بموالاة الكافرين دون المؤمنين.
ومعنى الآية: إن تعلنوا ما في أنفسكم من ولاية الكفار، أو تسروها يحاسبكم بها الله.
- وهذا قول: مقاتل - والواقدي.
- ويستدل لهذا القول: بقوله جل وعلا في سورة آل عمران: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٢٩ - ٢٨]
_________________
(١) تفسير ابن عطية (٢/ ٣٨١).
(٢) تفسير الرازي (٧/ ١٢٦).
(٣) انظر: معاني القرآن للنحاس (١/ ٣٢٨) - وتفسير الشوكاني (١/ ٤٥٥).
(٤) انظر: تفسير السمرقندي (١/ ٢٣٩) - وتفسير الزمخشري (١/ ٥١٨).
(٥) تفسير أبي حيان (٢/ ٧٥١).
[ ٢٧٠ ]
- وقد رد هذا القول: بأنه بعيد، لأن سياق الآية لا يقتضيه، وإن كان مرادًا في سورة آل عمران، لكون سياق الآية يقتضيه. (^١)
- الترجيح: والقول الراجح هو أن هذه الآية محكمة عامة. فإنه ليس لله عبدًا أسر عملًا أو أعلنه إلا والله جل وعلا محاسبه عليه، ثم يغفر ما يشاء، ويعذب بما يشاء.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية.
والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة:٢٨٦]
قال أبو جعفر الطحاوي: عن ابن عباس، قال: (لما نزلت هذه الآية: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] إلى قوله ﷿: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، قالوا مثل ذلك، قال الله: قد فعلت، ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] قالوا مثل ذلك، قال: قد فعلت، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة:٢٨٦] قال الله: قد فعلت، ﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ [البقرة:٢٨٦] قالوا مثل ذلك، قال الله: قد فعلت). (^٢)
_________________
(١) انظر: تفسير البغوي (١/ ٣٥٣) - وتفسير القرطبي (٣/ ٤١٩).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - بيان أنه ﷾ لم يكلف إلا ما يطاق (ح ٣٢٦ - ٢/ ٣٢٦). والترمذي في سننه - كتاب: تفسير القرآن - باب: ومن سورة البقرة - (ح ٢٩٩٩ - ١١/ ١١٢) وقال: هذا حديث حسن. أ هـ.
[ ٢٧١ ]
قال أبو جعفر: فسأل سائل عن المراد بقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] وقال: النسيان ليس مما يملكونه من أنفسهم، فكيف يسألون أن لا يؤاخذوا به؟
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله ﷿ وعونه: أن النسيان الذي لا يملكونه من أنفسهم هو: النسيان من الأشياء التي هي أضداد للذكر لها، فذلك مما لا يؤاخذون به، ومما لا يجوز منهم سؤالهم ربهم أن لا يؤاخذهم به، وأما النسيان المذكور في هذه الآية، فإنما هو الترك على العمد بذلك كقول الله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾] التوبة:٦٢] في معنى: تركوا الله فتركهم.
قال: فما المراد بقوله ﷿ حكاية: ﴿أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:٢٨٦] والخطأ فهم غير مأخوذين به، كما قال: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥]
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أن الخطأ الذي في الآية التي تلاها علينا الذي لا جناح فيه هو ضد ما يتعمدونه، كما قال ﷿: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب:٥] والخطأ الذي في الآية التي تلوناها نحن عليه: هو الخطأ الذي يفعله من يفعله على أنه به مخطئ في اختياره له، وفي قصده إليه، وفي عمله به، ومنه قيل: خَطِئْت في كذا - مهموز - أي: عملت كذا خطيئة، فذلك مما عامله مأخوذ به معاقب عليه، أو معفو له عنه إن كان مما يجوز أن يُعفى له عن مثله.
فبان بحمد الله أنهم رضوان الله عليهم سألوا ربهم ﷿ في موضع سؤال، وأنه ﷿ غفر لهم في شيئين، قد كان له ﷿ أخذهم بها وعقوبتهم عليها، وهو المحمود على فضله في ذلك عليهم ورحمته لهم، وإياه نسأله التوفيق.
(شرح مشكل الآثار -٤/ ٣١٨ - ٣١٩)
(وانظر: شرح مشكل الآثار -٦/ ٣٤٨ - ٣٥٠)
[ ٢٧٢ ]
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن المراد (بالنسيان) في الآية هو: الترك على العمد. كما بين أن المراد (بالخطأ) في الآية هو: الخطأ الذي يفعله الإنسان، وهو مدرك أنه مخطئ في اختياره له، وفي عمله به.
وإليك أولًا: بيان الأقوال في المراد بـ (النسيان) في الآية:-
- القول الأول: أن المراد بالنسيان في الآية هو: الترك مع العمد.
بمعنى: أن يترك العبد ما أمر به على وجه التفريط والتضيع له.
فهذا هو النسيان الذي يرغب العبد إلى الله ﷿ في ترك مؤاخذته به.
- ومثال هذا النوع من النسيان: نسيان العبد للقرآن بعد حفظه، بتشاغله عنه وعن قراءته.
- وقد ورد هذا النوع من النسيان في أكثر من آية في كتاب الله: كما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه:١١٥] وكما في قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:٦٧]
- القول الثاني: أن المراد بالنسيان في الآية هو: حقيقة النسيان، الذي هو ضد الذكر
وهو النسيان على وجه عجز الناس عن حفظ ما استحفظ ووكل به، وضعف عقله عن احتماله.
وهذا النوع من النسيان هو الوارد في الحديث، الثابت عن الرسول - ﷺ - حيث يقول: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ". (^١)
- ومثال هذا النوع من النسيان: نسيان العبد للقرآن بعد حفظه، مع حرصه على تذكره، ومدوامته على قراءته.
- وقد ورد هذا النوع من النسيان في أكثر من آية في كتاب الله. كما في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:٢٤]. وكما في قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف:٦٣]
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه - كتاب الطلاق - باب طلاق المكره والناسي (ح ٢٠٥٣ - ١/ ٣٧٧). والحاكم في المستدرك - كتاب الطلاق (ح ٢٨٠١ - ٢/ ٢١٦) وقال: هذا حديث صحيح. أ هـ.
[ ٢٧٣ ]
- وقد رد هذا القول: بأن هذا النوع من النسيان هو من العبد غير معصية، وهو غير مؤاخذ به، فلا وجه لمسألة العبد ربه أن يغفره له. (^١)
- وقد أجيب عن هذا الرد بالأجوبة التالية:-
١ - أنه يجوز للإنسان أن يدعو بحصول ما هو حاصل له قبل الدعاء، لقصد استدامته (^٢).
٢ - أن هذا الدعاء على سبيل التقدير.
وذلك لأن هؤلاء الذين ذكروا هذا الدعاء كانوا متقين لله حق تقاته، فلما كان لا يصدر عنهم ما لا ينبغي إلا على وجه النسيان والخطأ، كان وصفهم بهذا الدعاء إشعارًا ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به.
فكأنهم قالوا: (ربنا إن كان النسيان والخطأ مما تجوز المؤاخذة به، فلا تؤاخذنا به).
٣ - أن المقصود من هذا الدعاء إظهار التضرع إلى الله تعالى، لا لطلب الفعل، ولذلك فإن الداعي كثيرًا ما يدعو بما يقطع بأن الله تعالى فاعله، سواء دعا أو لم يدع - مثال ذلك:
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء:١١٢] وقوله: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٩٤] وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر:٧].
فكل ما في هذه الآيات المتقدمة من دعاء وطلب، متحقق بدون طلب وكذا الآية التي معنا، فكان المقصود منها إظهار الحاجة إلى الله وكمال العبودية له وحده. (^٣).
ثانيًا: بيان الأقوال في المراد بـ (الخطأ) في الآية:-
القول الأول: أن المراد بالخطأ في الآية: الخطأ عن عمد.
- ومعنى ذلك: أن يريد العبد غير ما تحسن إرادته، فيفعله بقصد منه وإرادة. فهذا هو الخطأ التام المؤاخذ به العبد. والذي يرغب العبد إلى ربه في عدم مؤاخذته به.
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٣/ ١٥٥) - وتفسير ابن الجوزي (١/ ٢٩٧).
(٢) تفسير الزمخشري (١/ ٥٢١).
(٣) تفسير الرازي (٧/ ١٤٥).
[ ٢٧٤ ]
- ومثال هذا النوع من الخطأ: ما ورد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٣١].
القول الثاني: أن المراد بالخطأ في الآية: الخطأ عن غير عمد.
ومعنى ذلك: أن يريد العبد ما تحسن إرادته ولكن يقع منه فعل ما يخالف إرادته، فهذا قد أصاب في الإرادة وأخطأ في الفعل.
ومثال هذا النوع من الخطأ: ما ورد في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء:٩٢]
وهذا النوع من الخطأ هو المعني بقول الرسول - ﷺ -: " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ". (^١)
- وقد رد هذا القول: بأن هذا النوع من الخطأ موضوع عن العبد المؤاخذة به، فلا وجه لمسألة العبد ربه ألا يؤاخذه به. (^٢)
الترجيح: جميع الأقوال المتقدمة في المراد بالآية صواب، إذ اللغة دالة على ذلك، ولا مانع من إرادتها جميعًا. قال ابن فارس في مادة (نسي): النون والسين والياء: أصلان صحيحان يدل أحدهما على إغفال الشيء، والثاني على ترك شيء.
وقال في مادة (خطو): الخاء والطاء والحرف المعتل والمهموز: يدل على تعدي الشيء والذهاب عنه. والخطأ من هذا النوع، لأنه مجاوزة حد الصواب، يقال (أخطأ): إذا تعدى الصواب، ويقال (خَطِئ - يخطأُ) إذا أذنب، لأنه يترك الوجه الخير (^٣). أ هـ.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو أحد الأقوال الواردة في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) تقدم تخريجه (٢١٨).
(٢) انظر: تفسير الطبري (٣/ ١٥٦) - والمفردات في غريب القرآن (١٥١).
(٣) معجم مقاييس اللغة مادة (نسي-٥/ ٤٢١) ومادة (خطو-٢/ ١٩٨). وانظر: لسان العرب: مادة (نسا-١٥/ ٣٢١) - ومادة (خطأ -١/ ٦٥).
[ ٢٧٥ ]