قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢)﴾ [التوبة:١ - ٢]
قال أبو جعفر الطحاوي: قال الله ﷾: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة:٢] وأجمع المسلمون: أنها كانت عشرين من ذي الحجة، والمحرم، وصفر، وشهر ربيع الأول، وعشر من ربيع الآخر. فاعتبر الهلال فيما يلي من الشهور.
(مختصر اختلاف العلماء -٢/ ٣٨١)
[ ٦٢٥ ]
بين الإمام الطحاوي أن مدة الأشهر الأربعة الورادة في قوله جل وعلا: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة:٢] تبدأ من اليوم العاشر من شهر ذي الحجة إلى نهاية هذا الشهر، وتشمل شهر محرم، وشهر صفر، وشهر ربيع الأول، وتنتهي باليوم العاشر من شهر ربيع الآخر.
وإليك بيان أقوال المفسرين في المراد بقوله جل وعلا: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة:٢]:
القول الأول: أن مدة الأشهر الأربعة تبدأ من اليوم العاشر من شهر ذي الحجة إلى نهاية هذا الشهر، وتشمل شهر محرم، وشهر صفر، وشهر ربيع الأول، وتنتهي باليوم العاشر من شهر ربيع الآخر.
- وهذا قول: جمهور المفسرين.
القول الثاني: أن مدة الأشهر الأربعة تبدأ من اليوم العشرين من شهر ذي القعدة إلى نهايته، وتشمل شهر ذي الحجة، وشهر محرم، وشهر صفر، وتنتهي باليوم العشرين من شهر ربيع الأول.
القول الثالث: أن مدة الأشهر الأربعة تبدأ من أول شهر رجب، وتشمل شهر ذي القعدة، وشهر ذي الحجة، وتنتهي بآخر شهر محرم.
- وهذا قول: ابن عباس.
القول الرابع: أن مدة الأشهر الأربعة تبدأ من أول شهر شوال، وتشمل شهر ذي القعدة، وشهر ذي الحجة، وتنتهي بآخر شهر محرم.
- وهذا قول: الزهري. (^١)
الترجيح: والراجح هو قول الجمهور، لأن المشركين إنما نهوا عن الحج في يوم النحر من شهر ذي الحجة حيث كان نزول سورة التوبة فيه، فوجب احتساب مدة الأشهر الأربعة من هذا اليوم. (^٢)
وقد دل على صحة هذا القول: ماروي عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: (بعثني أبو بكر في تلك الحجة، في مؤذنين يوم النحر، نؤذن بمنى: ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان).
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٣/ ١١٥) - وتفسير الماوردي (٢/ ٣٣٨) - وتفسير (البغوي (٤/ ٩).
(٢) انظر: تفسير ابن جزي (١/ ٣٥١) - وتفسير ابن كثير (٢/ ٣٤٥) - وأحكام القرآن للجصاص (٣/ ١١٨).
[ ٦٢٦ ]
قال حميد بن عبد الرحمن: (ثم أردف رسول الله - ﷺ - عليًا، فأمره أن يؤذن ببراءة، قال أبو هريرة: فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان) (^١)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣)﴾ [التوبة:٣].
قال أبو جعفر الطحاوي: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: كانت العرب يجعلون عامًا شهرًا، وعامًا شهرين، فلا يصيبون الحج في أيام الحج إلا في خمس وعشرين سنة مرة وهو النسيء الذي ذكر الله في كتابه. فلما حج أبو بكر بالناس، وأفق ذلك العام الحج، فسماه الله الحج الأكبر، وحج رسول الله - ﷺ - من العام المقبل، فاستقبل الناس الأهِلَّة، فقال رسول الله - ﷺ -: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض" (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة في الثياب - باب ما يستر من العورة (ح ٣٦٢ - ١/ ١٤٤) وأبو داود في سننه - كتاب المناسك - باب يوم الحج لأكبر (ح ١٩٤٦ - ٣/ ٤٨٣).
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - (ح ١٤٥٧ - ٤/ ٩٠) وذكره السيوطي في الدر المنثور (٤/ ١٨٨) ونسبه للطبراني، وأبي الشيخ. وابن مردويه.
[ ٦٢٧ ]
الدراسة
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث ما قد دل على استدارة الزمان حتى صار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، وفيه المعنى المراد بقول الله ﷿: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣)﴾ [التوبة:٣] أن قوله جل وعز (الأكبر) في هذا الآية إنما هو نعت للحج لا لما سواه مما قد اختلف الناس فيه، فقال بعضهم: إنه يوم النحر، وإن كان ذلك قد رووه عن النبي - ﷺ - كما عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - في خطبته يومئذ: "إن يوم الحج الأكبر يوم النحر" (^١)
وقال بعضهم: إن يوم الحج الأكبر يوم عرفة، وليس في ذلك معهم رواية عن النبي - ﷺ - وإنما رووه عن ابن أبي أوفى. (^٢) ومعنى ما في حديثي رسول الله - ﷺ - اللذين ذكرناهما في هذا الباب هو ما في حديث عبد الله بن عمرو - جد عمرو بن شعيب - الذي رويناه فيه، وقوله - ﷺ -:"يوم الحج الأكبر" نعت للحج لا لليوم حتى تصح معاني هذه الآثار وتتفق، ولا يخالف بعضها بعضًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحج- باب الخطبة أيام منى (ح ١٦٥٥ - ٢/ ٦٢٠)، وأبو داود في سننه - كتاب المناسك - باب يوم الحج الأكبر - (ح ١٩٤٥ - ٢/ ٤٨٣).
(٢) ابن أبي أوفى هو: أبو معاوية عبد الله بن أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي، بايع بيعة الرضوان، وشهد خيبر وما بعدها من المشاهد، وكانت وفاته بالكوفة سنة (٨٦ هـ) (أسد الغابة -٣/ ١٨٢).
[ ٦٢٨ ]
فقال قائل: فقد رويتم عن رسول الله - ﷺ - ما يخالف هذا فذكر .. أن أبا هريرة قال: (بعثني أبو بكر ﵁ فيمن يؤذن يوم النحر بمنى: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر، والحج والأكبر الحج، وإنما قيل: الحج الأكبر من قيل الناس الحج الأصغر) (^١). قال: ففي هذا الحديث أن يوم الحج الأكبر يوم النحر.
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله ﷿ وعونه: أن ما في هذا الحديث مما قد تحققنا أنه من كلام رسول الله - ﷺ - غير مخالف لما قد رويناه قبله في هذا الباب، إذ كان قوله: ويوم الحج الأكبر يوم النحر قد يحتمل أن يكون قوله "الأكبر" نعتًا للحج لا لليوم، ويكون ذلك موافقًا لحديث عبد الله بن عمرو الذي رويناه في هذا الباب، ويكون "اليوم" مضافًا إليه حتى تصح هذه الآثار كلها لا يضاد شيء منها شيئًا.
ثم قال هذا القائل: وفي هذا الحديث: (وإنما قيل الحج الأكبر من أجل قول الناس: الحج الأصغر) فاستدل بذلك فيما ذكر على أنه إنما قيل للحج الذي كان عامئذ: الحج الأكبر القول الذي كان الناس يقولونه الحج الأصغر. قال: وهذا خلاف ما في حديث عبد الله بن عمرو الذي رويتموه.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجزيه - باب كيف ينبذ إلى أهل العهد - (ح ٣٠٠٦ - ٣/ ١١٦٠). وأبو داود في سننه - كتاب المناسك - باب يوم الحج الأكبر (ح ١٩٤٦ - ٢/ ٤٨٣).
[ ٦٢٩ ]
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله ﷿ وعونه: أن الذي في هذا الحديث من قول الناس الحج الأصغر لا يُدري ما هو؟ ولا عن من حكي من رواة هذا الحديث؟ وقد يحتمل أن يكون من كلام الزهري، فإنه قد كان يفعل ذلك كثيرًا، يخلط كلامه بالحديث فيتوهم أنه منه، وليس هو منه، ولذلك قال له موسى بن عقبة (^١) أفصل كلام رسول الله - ﷺ - من كلامك.
وإذا كان ذلك الكلام يحتمل ما قد ذكرنا، كان ما قد رويناه عن عبد الله بن عمرو من حقيقة المعنى، كان في ذلك أولى منه، وكان ما قال من ذلك معقولًا إذا كان الحج بعد استدارة الزمان رجع إلى شهر بعينه يجري عليه حج الناس إلى يوم القايمة، فكان ذلك إمامًا لهم، كان الأكبر من الحج الذي يرجع إليه غيره من الحج الذي يكون بعده إلى يوم القيامة من قدوة أهله لما فيه، وفي ذلك ما قد وجب له ما قاله فيه عبد الله بن عمرو، والله نسأله التوفيق.
(شرح مشكل الآثار ٤/ ٩٠ - ٩٥)
_________________
(١) موسى هو: أبو محمد موسى بن عقبة بن أبي عياش القرشي الأسدي المدني، وثقه الإمام أحمد بن حنبل وغيره، وكانت وفاته سنة (١٤١ هـ). (تهذيب الكمال - ٧/ ٢٧١).
[ ٦٣٠ ]
الدراسة
بين الإمام الطحاوي الروايات الواردة في بيان المراد بـ (يوم الحج الأكبر) مرجحًا أن هذا وصف لجميع أيام الحج في السنة التي حج فيها أبو بكر - ﵁ - بالناس، وليس وصفًا لأحد أيام الحج.
وإليك بيان أقوال المفسرين في المراد بقوله جل وعلا: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة:٣]:-
القول الأول: أن المراد بيوم الحج الأكبر هو: أيام الحج كلها.
- وهذا قول: مجاهد - وسفيان الثوري. (^١).
- وقد رد هذا القول: بأن هذا القول وإن كان جائزًا في كلام العرب إلا أنه ليس بالأشهر في كلامهم أن (اليوم) يطلق ويراد به (الأيام) بل الأشهر في كلامهم أن (اليوم) يطلق ويراد به الوقت الذي من غروب الشمس إلى مثله من الغد. فوجب تفسير كلام الله جل وعلا بالمعنى الأشهر عند من نزل الكتاب بلسانه. (^٢).
القول الثاني: أن المراد بيوم الحج الأكبر هو: جميع أيام الحج في العام الذي حج فيه الرسول - ﷺ - حيث اتفق فيه حج الملل. فسمي بيوم الحج الأكبر لاجتماع المسلمين والمشركين فيه، ولموافقته لأعياد أهل الكتاب، ولم يتفق ذلك قبله ولا بعده، فعظم ذلك على قلب كل مؤمن وكافر.
- وهذا قول: محمد بن سيرين - وعبد الله بن الحارث بن نوفل - والحسن بن أبي الحسن.
- وقد رد هذا القول: بأن المسلمين والمشركين حجوا قبل ذلك بعام، في العام الذي كان فيه أبو بكر الصديق - ﵁ - أميرًا على الحج، حيث نودي فيهم ألا يحج بعد هذا العام مشرك. (^٣)
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٦/ ٣١٦) - وأحكام القرآن للجصاص (٣/ ١١٩).
(٢) انظر: تفسير الطبري (٦/ ٣١٦) - وتفسير الرازي (١٥/ ٢٢١).
(٣) انظر: معاني القرآن للنحاس (٣/ ١٨٣) - وتفسير الزمخشري (٣/ ١٠) وتفسير البغوي (٤/ ١٢).
[ ٦٣١ ]
وعلى فرضية صحة هذا القول، فإنه يضعف أن يصف الله جل وعلا في كتابه ذلك اليوم بأنه (يوم الحج الأكبر) لهذا السبب. (^١).
القول الثالث: أن المراد بيوم الحج الأكبر هو: يوم النحر.
- وهذا قول: جمهور المفسرين. (^٢)
- ومن أدلة هذا القول:
١ - ماروي عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: (وقف النبي - ﷺ - يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فيها، وقال: هذا يوم الحج الأكبر) (^٣)
فهذا الحديث الصحيح نص صريح في بيان أن المراد بيوم الحج الأكبر هو يوم النحر.
٢ - أن الأذان المذكور في قوله جل وعلا: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة:٣] حدث في يوم النحر لا يوم عرفه (^٤). كما دل على ذلك ما روي عن:
أبي هريرة - ﵁ - أنه قال: (بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى: لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ويوم الحج الأكبر يوم النحر). (^٥)
٣ - أن أكثر مناسك الحج تؤدى في يوم النحر، ففي ليلته يصح الوقوف بعرفة قبل طلوع الفجر، وفي صبيحته يكون الرمي والحلق والنحر والطواف. فكان هذا اليوم بلاشك يوم الحج الأكبر. (^٦).
القول الرابع: أن المراد بيوم الحج الأكبر هو: يوم عرفة.
- وهذا قول: عمر بن الخطاب - وعبد الله بن عمر - وابن عباس - وعلي بن أبي طالب - وعبد الله بن الزبير - ﵃- وسعيد بن المسيب - ومجاهد - وعطاء - والشافعي. (^٧).
- ومن أدلة هذا القول:
_________________
(١) تفسير ابن عطية (٨/ ١٢٩).
(٢) انظر: تفسير الطبري (٦/ ٣١١) - ومعاني القرآن للنحاس (٣/ ١٨٣).
(٣) تقدم تخريجه (٥٤٨).
(٤) زاد المعاد لابن قيم (١/ ١٦).
(٥) تقدم تخريجه (٥٤٩).
(٦) أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٤٥٢).
(٧) انظر: تفسير الطبري (٦/ ٣٠٩) - وأحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٤٥٢) - وتفسير ابن عطية (٨/ ١٢٧).
[ ٦٣٢ ]
١ - ما رواه محمد بن قيس بن مخرمة ﵁؟ أن الرسول - ﷺ - قال في يوم عرفة: " إنه يوم الحج الأكبر ". (^١)
وقد رد هذا الاستدلال: بأن هذا الحديث وإن كان دالًا على أن المراد (بيوم الحج الأكبر) يوم عرفة إلا أن الحديث الدال على أن المراد به (يوم النحر) أصح إسنادًا، فوجب تقديمه على غيره.
١ - قول الرسول - ﷺ -: " الحج عرفة " (^٢) وهذا يدل على أن يوم الحج الأكبر هو: يوم عرفة، لأن من أدرك الوقوف بها في يومها أدرك الحج، ومن فاته الوقوف بها في يومها فلا حج له. (^٣)
وقد رد هذا الاستدلال: بأن الوقوف بعرفة وإن كان فرضًا لازمًا إلا أنه لا يلزم الوقوف في يوم عرفة، إذ يجوز الوقوف بها من بعد نهاية يوم عرفة إلى وقت طلوع الفجر من ليلة النحر. (^٤).
الترجيح: والرجح هو القول الثالث، لأنه قد ثبت بأصح إسناد إلى الرسول - ﷺ - أنه قال في يوم النحر: "هذا يوم الحج الأكبر" (^٥) فوجب القول بما قاله، والأخذ به دون غيره.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية.
والله تعالى أعلم. .
_________________
(١) أخرجه البيهقي في سننه - كتاب الحج - باب الدفع من المزدلفة قبل طلوع الشمس - (ح ٤ - ٥/ ١٢٥) والطبري في تفسيره - سورة التوبة - الآية (٣) (حـ ١٦٤٠٧ - ٦/ ٣١١).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب ومن سورة البقرة (ح ٣١٠٠ - ٢/ ٣٠٥) وقال هذا حديث صحيح. أهـ. والبيهقي في سننه - كتاب الحج - باب إدراك الحج بإدراك عرفة قبل طلوع الفجر من يوم النحر (حـ ١ - ٥/ ١٧٣).
(٣) أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٤٥٢).
(٤) تفسير الطبري (٦/ ٣١٦).
(٥) تقدم تخريجه (٥٤٨).
[ ٦٣٣ ]
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ [التوبة:٦]
قال أبو جعفر الطحاوي: عن حارثة بن مُضَرِّبٍ (^١) أنه أتى عبد الله فقال: ما بيني وبين أحدٍ من العرب إحنة، وإني مررت بمسجد بني حنيفة، فإذا هم يؤمنون بمسيلمة فأرسل إليهم عبد الله فجيء بهم، فاستتابهم غير عبد الله بن النَّوَّاحة، فقال له: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " لولا أنك رسول لضربت عنقك" وأنت اليوم لست برسول، فأمر قرظة بن كعب، فضرب عنقه في السوق، ثم قال: من أراد أن ينظر إلى ابن النواحة قتيلًا بالسوق فلينظر (^٢)
وعن سلمة بن نُعيم (^٣) عن أبيه (^٤) قال: كنت عند النبيِ - ﷺ - حين جاءه رسل مسيلمة بكتابه ورسول الله - ﷺ - يقول لهما: "وأنتما تقولان مثل ما يقول "؟ فقالا: نعم، فقال رسول الله؟: "أما والله لولا أن الرسل لا تقتل، لضربت أعناقكما" (^٥)
_________________
(١) حارثة هو: حارثة بن مضرب العبدي الكوفي، وثقه ابن معين وغيره. (تهذيب الكمال - ٢/ ٣٤).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه -كتاب الجهاد- باب: في الرسل- (ح ٢٧٦٢ - ٣/ ١٩٢) والبيهقي في سننه -كتاب: الجزية - باب: السنة ألا يقتل الرسل- (ح ٢ - ٩/ ٢١١).
(٣) سلمة هو: الصحابي الجليل سلمة بن نعيم بن مسعود بن عامر الغطفاني الأشجعي، (تهذيب الكمال - ٣/ ٢٥٦).
(٤) أبوه هو: الصحابي الجليل نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف الغطفاني الأشجعي، أسلم في وقعة الخندق، وكانت وفاته في زمن خلافة عثمان، وقيل بل قتل يوم الجمل. (أسد الغابة - ٥/ ٣٤٨).
(٥) أخرجه أبو داود في سننه -كتاب: الجهاد- باب: في الرسل - (حـ ٢٧٦١ - ٣/ ١٩١) والبيهقي في سننه -كتاب: الجزية- باب: السنة ألا يقتل الرسل - (حـ ١ - ٩/ ٢١١).
[ ٦٣٤ ]
فتأملنا هذه الآثار طلب الوقوف على المراد بما فيها من رفع رسول الله - ﷺ - عن الوفود أن لا تقتل، وإن كان منها مثل الذي كان من ابن النواحة وصاحبه مما يوجب قتلهما لو لم يكونا رسولين، فوجدنا الله ﷿ قد قال في كتابه لرسوله - ﷺ -: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] أي: فيتبعه، أي: يجب عليه المقام حيث يقيم المسلمون سواه، أو لا يتبعه فيبلغه مأمنه، وكان في تركه اتباعه بقاؤه على كفره الذي يوجب سفك دمه لو لم يأته طالبًا لاستماع كلام الله، فحرم بذلك سفك دمه حتى يخرج عن ذلك الطلب، ويصير إلى مأمنه، فيحل بعد ذلك سفك دمه، فكان مثل ذلك الرسل الذين يبلغون من أرسلهم، عن رسول الله - ﷺ - جوابه لهم فيما أرسلوهم فيه إليه منه، وسماعهم كلام الله ﷿ ليكون من يصيرون إليه بذلك يقبله فيدخل في الإيمان، أو لا يقبله فيبقى على حربيته وعلى حل سفك دمه.
فهذا عندنا هو المعنى الذي به رفع رسول الله - ﷺ - عن الرسل القتل، وإن كان منهم ما يوجب قتلهم لو لم يكونوا رسلًا. والله نسأل التوفيق.
(شرح مشكل الآثار - ٧/ ٢٩٩ - ٣٠٢)
[ ٦٣٥ ]
فهذه الآية خطاب من الله جل وعلا لنبيه محمد - ﷺ - يقول فيه: وإن استأمنك أحد من المشركين الذين أمرت بقتالهم فأمنه، حتى يسمع القرآن منك ويتدبره حق تدبره، ويقف على حقيقة ما تدعو إليه، فإن أسلم ثبت له ما للمسلمين، وإن لم يسلم فأوصله إلى قومه وداره التي يأمن فيها منك ومن أتباعك، وبعد ذلك لك قتاله من غير غدر ولاخيانة، لأنه قد خرج من جوارك ورجع إلى مكانه وما كان عليه من إباحة دمه، فوجب قتله حيث وجد، كما قال جل وعلا: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:٥] (^١)
- ففي هذه الآية: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة:٦] دلالة على أن من قدم من دار الحرب إلى دار الإسلام من أجل التعرف على دين الإسلام أو لأداء رسالة من قومه أو لتجارة أو لطلب صلح أو مهادنة أو لحمل جزية أو نحو ذلك من الأسباب. وطلب من الإمام أو نائبه أن يعطيه الأمان، فإنه يجب تحقيق الأمان له ما دام متواجدًا في دار الإسلام حتى يرجع إلى قومه ووطنه.
- وهذا قول: جمهور المفسرين. (^٢)
وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠)﴾ [التوبة:١٠]
_________________
(١) انظر: تفسير الشوكاني (٢/ ٣٥٨) - وتفسير القاسمي (٤/ ٩٠).
(٢) انظر: تفسير ابن كثير (٢/ ٣٥٠) - وأحكام القرآن للجصاص (٣/ ١٢٤).
[ ٦٣٦ ]
الدراسة
بين الإمام الطحاوي المعنى العام للآية، مستدلًا بها على وجوب تأمين الرسل القادمين من دار الحرب إلى دار الإسلام.
قال أبو جعفر الطحاوي: (الذمة) هاهنا هي: (التذمم) .. كما .. عن أبي عبيدة معمر بن المثنى التيمي في قول الله ﷿: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة:١٠] قال: (الذمة) هاهنا من (التذمم).
(شرح مشكل الآثار -٦/ ١٣٩)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن (الذمة) في قوله جل وعلا: ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾: [التوبة:١٠] مأخوذة من (التذمم)، وهذا هو قول: جمهور المفسرين.
فالذمة هي: العهد والميثاق الذي يلزم عاقده الوفاء به، فإن أخل به أو ضيعه لزمه الذم والملامة. (^١)
فهي مأخوذة مما يتذمم منه - أي: مما يجتنب فيه الذم - يقال: (تذمم فلان) أي: ألقى على نفسه الذم. وجمعها (ذمم - وذمام). (^٢)
ومنها سمي: (أهل الذمة) لدخولهم في عهد مع المسلمين يضمن تحقيق الأمان لهم، كما يضمن تحقيق المذمة لمن خالفه. (^٣)
ومعنى الآية: أن الله جل وعلا أمر عباده المؤمنين بقتل هؤلاء المشركين حيث وجدوهم، لأن من صفاتهم: أنهم لا يتقون قتل أي مؤمن متى قدروا عليه، وكان هذا حكمًا عدلًا في حقهم، لأنهم هم المبتدؤن بالظلم والعدوان. (^٤)
وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٦/ ٣٢٥) - وأساس البلاغة - (مادة: ذ م م - ١٤٥).
(٢) تفسير الرازي (١٥/ ٢٣١).
(٣) تفسير ابن عادل (١٠/ ٢٨).
(٤) تفسير الطبري (٦/ ٣٢٨).
[ ٦٣٧ ]
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [التوبة:٣٨ - ٣٩]
قال أبو جعفر الطحاوي: عن عبد الله بن عمرو (^١) ﵄، قال: أتى النبي - ﷺ - رجل، فقال: إني أريد الجهاد. فقال: " أحي أبواك "؟ قال: نعم. قال: " ففيهما فجاهد " (^٢) ..
فقال قوم: وكيف يكون رجل في سعة من ترك الجهاد مع الإقبال على أبويه، وقد قال الله ﷿: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾] التوبة: ٣٩ [ولا يكون هذا الوعيد إلا في مفرض، وقد وجدنا الحجة المفروضة لا يقطع عنها لزوم الأبوين من وجد السبيل إليها؟
_________________
(١) عبد الله هو: الصحابي الجليل أبو محمد عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل القرشي السهمي، قد أذن له الرسول - ﷺ - أن يكتب عنه كل ما يقول، وكانت وفاته سنة (٦٣ هـ). (أسد الغابة-٣/ ٣٤٩).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد - باب الجهاد بإذن الأبوين. (ح ٢٨٤٢ - ٣/ ١٠٩٤) ومسلم في صحيحه - كتاب البر والصلة - باب بر الوالدين وأنهما أحق به (ح ٦٤٥١ - ١٦/ ٣٢٠).
[ ٦٣٨ ]
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله ﷿ وعونه: أن الذي تلاه علينا من الوعيد في الجهاد هو على مفروض كما ذكر، غير أنه فرض عام يقوم به الخاص عن من سواه من أهله، كغسل موتانا، وكصلاتنا عليهم، وكمواراتنا إياهم في قبروهم، كل ذلك فرض علينا، ومن قام به مِنَّا، سقط به الفرض عن بقيتنا، ولو تركناه جميعًا، لكنا من أهل الوعيد الذي تلا علينا.
(شرح مشكل الآثار-٥/ ٣٦٣)
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [التوبة:٣٨ - ٣٩]
قال أبو جعفر الطحاوي:
قال أصحابنا: الجهاد واجب إلا أن المسلمين في عذر حتى يحتاج إليهم.
وقال ابن شبرمة: الجهاد ليس بواجب، والقائمون به من المسلمين أنصار الله.
وقال مالك: الجهاد فرض بالأموال والأنفس، فإن منعهم الضرر، أو عاهدوا بأنفسهم، لم يسقط عنهم الفرض بأموالهم.
وقال الشافعي: الغزو غزوان: نافلة، وفريضة. فأما الفريضة فهو النَفْر إذا أظل العدو بلاد الإسلام .. والنافلة: الرباط والخروج إلى الثغور، إذا كان فيها من فيه كفاية.
[ ٦٣٩ ]
قال أبو جعفر: قال الله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ الآية [التوبة:٤١] يعني: شبابًا وشيوخًا. وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [التوبة:٣٨ - ٣٩] فثبت فرضه إلا أنه على الكافية لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة:١٢٢]
(مختصر اختلاف العلماء-٣/ ٥٠٩)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن الوعيد الوارد في الآية والمترتب على ترك الجهاد، هو على ترك الجهاد بالكلية بحيث لا يقوم به أحد، وأما إذا قام به من يكفي فإنه يسقط عن الباقين.
كما بين في الموضع الثاني أقوال العلماء في حكم الجهاد، مرجحًا ما ذهب إليه جمهور الأمة من أنه فرض على الكفاية.
وإليك بيان أقوال علماء الأمة في حكم الجهاد:
القول الأول: أن الجهاد تطوع، وليس بفرض.
- وهذا قول: عبد الله بن عمر- وعمرو بن دينار - وعطاء - وابن شبرمة. (^١) - وعبد الله بن الحسن. (^٢)
- ومن أدلة هذا القول: أن قوله جل وعلا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة:٢١٦] ليس على الوجوب بل على الندب. كقوله جل وعلا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة:١٨٠]
_________________
(١) أحكام القرآن للجصاص (٣/ ١٦٦).
(٢) بداية المجتهد (١/ ٧٠٨).
[ ٦٤٠ ]
وقد رد هذا الاستدلال: بأن الوصية كانت واجبة بهذه الآية وذلك قبل أن يفرض الله المواريث، ثم نسخت بعد فرض الميراث، ومع ذلك فإن حكم اللفظ (كتب) الإيجاب إلا أن تقوم دلالة للندب، ولم تقم الدلالة في الجهاد أنه ندب. (^١)
القول الثاني: أن الجهاد فرض عين.
- وهذا قول: سعيد بن المسيب.
- ومن أدلة هذا القول: قوله جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ. . . ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:٣٨ - ٤١] فقد دلت هذه الآيات على أن الجهاد فرض عين على كل واحد من المسلمين (^٢).
وقد رد هذا الاستدلال:
بأن حكم الجهاد ابتداء فرض كفاية، وأما هذه الآيات فإنها نزلت لبيان حكم حالات خاصة يكون الجهاد فيها فرض متعين على جميع المسلمين - وهذه الحالات الخاصة هي كالتالي:-
إذ هجم العدو على بلاد المسلمين، أو عجز أهل الثغور عن مقاومته، أو استنفر الإمام الأمة لقتاله، فعند ذلك يجب على كل واحد من آحاد المسلمين القادرين الخروج لقتاله. (^٣)
القول الثالث: أن الجهاد فرض كفاية.
- وهذا قول: جمهور الأمة (^٤)
- ومن أدلة هذا القول:
١ - قوله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة:١٢٢] فهذه الآية نهي من الله جل وعلا عن إخلاء بلاد الإسلام بغير مؤمن مقيم فيها، وإعلام منه جل وعلا لهم أن الواجب هو النفر على بعضهم دون بعض، وذلك على من استنفر منهم دون من لم يستنفر، فدل هذا على أن الجهاد فرض كفاية لا فرض عين. (^٥)
_________________
(١) أحكام القرآن للجصاص (٣/ ١٦٦).
(٢) المغني لابن قدامة (١٣/ ٧).
(٣) انظر: بدائع الصنائع (٦/ ٥٧) وتفسير ابن الجوزي (٣/ ٢٩٧).
(٤) أحكام القرآن للجصاص (٣/ ١٦٧).
(٥) تفسير الطبري (٦/ ٣٧٤).
[ ٦٤١ ]
٢ - قوله جل وعلا: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾ [النساء:٩٥]. ففي هذه الآية وعد الله جل وعلا المجاهدين والقاعدين الحسنى، فدل على أن القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم، وأن الجهاد فرض كفاية، ولو كان فرض عين في الأحوال كلها لما وعد القاعدون عنه بالحسنى، وكانوا مستحقين للعقاب بتركه.
٣ - أن الرسول - ﷺ - كان يبعث السرايا، ويقيم هو وبعض أصحابه، ولو كان الجهاد فرض عين في الأحوال كلها: لما كان منه ﵊ القعود عنه في حال، ولا أذن لغيره بالتخلف عنه بحال.
٤ - أن المقصود من الجهاد وهو الدعوة إلى الإسلام وإعلاء دين الله، ودفع شر الكفرة وقهرهم، يحصل بقيام البعض به، فإذا قاموا به سقط عن الباقين. (^١)
فثبت بما قدمنا لزوم فرض الجهاد، وأنه فرض على الكفاية، وليس بلازم لكل أحد في خاصة نفسه وماله إذا كفاه عن ذلك غيره. (^٢)
الترجيح: والراجح هو قول جمهور الأمة، فالجهاد فرض إلى يوم القيامة إلا أنه فرض على الكفاية إذا قام به البعض كان الباقون في سعة من تركه.
وبهذا يتبين صحة ما قاله الإمام الطحاوي في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) بدائع الصنائع (٦/ ٥٧).
(٢) أحكام القرآن للجصاص (٣/ ١٧٠).
[ ٦٤٢ ]
قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾ [التوبة:٤١]
قال أبو جعفر الطحاوي: قال الله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة:٤١] يعني: شبابًا وشيوخًا.
(مختصر اختلاف العلماء -٣/ ٥٠٩)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن معنى قوله جل وعلا: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة:٤١] أي: انفروا شبابًا وشيوخًا. وإليك بيان أقوال المفسرين في ذلك:-
القول الأول: أن معنى قوله جل وعلا: ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ - أي: شبابًا وشيوخًا.
- وهذا قول: أبي طلحة - ﵁ - والحسن - والضحاك - ومقاتل - ومجاهد - وقتادة - وعكرمة. (^١)
القول الثاني: أن معنى قوله جل وعلا: ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ أي: أغنياء وفقراء.
- وهذا قول: ابن عباس - ﵁ - والحسن البصري - وأبي صالح.
القول الثالث: أن معنى قوله جل وعلا: ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ أي: ركبانًا ومشاة.
- وهذا قول: الأوزاعي - وعطية العوفي. (^٢)
القول الرابع: أن معنى قوله جل وعلا: ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ - أي: أصحاء ومرضى.
- وهذا قول: جويبر - ومُرّة الهمذاني.
القول الخامس: أن معنى قوله جل وعلا: ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ - أي: مقلين من السلاح ومستكثرين منه.
- وهذا القول: ذكره البغوي.
القول السادس: أن معنى قوله جل وعلا: ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ أي: مسرعين في الخروج للجهاد ساعة سماع النفير، ومتأخرين في الخروج للجهاد حتى يتم استعدادكم له.
- وهذا القول: ذكره البغوي.
القول السابع: أن معنى قوله جل وعلا: ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ - أي: عزابًا ومتأهلين.
- وهذا قول: يمان بن رباب.
_________________
(١) انظر: تفسير السمعاني (٢/ ٣١٢) - وتفسير الطبري (٦/ ٣٧٦).
(٢) انظر: تفسير البغوي (٤/ ٥٣) - ومعاني القرآن للنحاس (٣/ ٢١١) - وتفسير الطبري (٦/ ٣٧٦).
[ ٦٤٣ ]
القول الثامن: أن معنى قوله جل وعلا: ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ - أي: ليس لكم أولاد أولكم أولاد.
- وهذا قول: زيد بن أسلم. (^١)
القول التاسع: أن معنى قوله جل وعلا: ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ أي: غير مشاغيل أو مشاغيل.
- وهذا قول: الحكم بن عتيبة - وزيد بن علي. (^٢)
القول العاشر: أن معنى قوله جل وعلا: ﴿خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ أي: نشاطًا في الجهاد أو غير نشاط فيه.
- وهذا قول: ابن عباس - ﵁ - وقتادة. (^٣)
الترجيح: والقول الراجح هو أن قوله جل وعلا: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة:٤١] محتمل لجميع الأقوال المتقدمة. لأنها من باب التمثيل لا الحصر (^٤)، ولأنها متقاربة في المعنى فالخفة وصف لمن أمكنه الجهاد بسهولة، والثقل وصف لمن أمكنه الجهاد بصعوبة. (^٥)
كما أنه لم تقم دلالة تنص على أن أحد هذه الأقوال هو المراد من الآية، فوجب القول بها جميعًا. (^٦)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو أحد الأقوال الواردة في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة:٦٠]
قال أبو جعفر الطحاوي: قال أبو حنيفة في الجامع الصغير: إذا أوصى بثلثه لأمهات أولاده - وهن ثلاث - وللفقراء والمساكين، قسم الثلث على خمسة: لأمهات أولاده ثلاثة، وللفقراء سهم، وللمساكين سهم
_________________
(١) انظر: تفسير الماوردي (٢/ ٣٦٥) - وتفسير البغوي (٤/ ٥٣).
(٢) تفسير ابن عطية (٨/ ١٨٨).
(٣) تفسير الطبري (٦/ ٣٧٦).
(٤) مختصر تفسير المنار (٣/ ٢٨٦).
(٥) تفسير ابن جزي (١/ ٣٥٨).
(٦) أحكام القرآن للجصاص (٣/ ١٧١).
[ ٦٤٤ ]
وقال أبو يوسف: أقسمه على سهمين: سهم للفقراء والمساكين، وسهم لفلان، لأن المسكين يقع عليه اسم الفقير، والفقير يقع عليه اسم المسكين، ألا ترى أنه لو قال: للفقراء والمساكين والمحتاجين، لم يجعل للمحتاجين سهم، لأن الاسم الواحد من هذا يجمع هذا كله
وقال المزني في جامعه الكبير عن الشافعي: إذا أوصى بثلثه في المساكين قسم في مساكين ذلك البلد دون غيرهم، يدخل فيه الفقراء لأنهم مساكين فإن كثر حتى يغنيهم، نقل إلى أقرب البلدان.
فإن قال: في الفقراء والمساكين علمنا أنه أراد التمييز بين أهل الفقر وأهل المسكنة، والفقير: من لا مال له ولاكسب، والمسكين: من له مال أو كسب يقع منه موقعًا ولا يغنيه، فيجعل الثلث بينهما نصفين.
قال أبو جعفر: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة:٦٠] فذكر الصنفين وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [الأنفال:٤١] وقال في آية الفيئ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ - إلى قوله - ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ [الحشر:٧]. فذكر في هاتين الآيتين المساكين، ولم يذكر الفقراء، ولا خلاف أن من يعطى من الزكاة لفقر أو مسكنة أنه يعطى من الفيئ، فثبت أن ذكره للفقراء مع المساكين على وجه التأكيد لا على أن واحدًا من الصنفين غير الآخر.
وقال تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة:٨٩]، وجائز عند الجميع إعطاء الفقراء، وكذلك سائر المواضع التي ذكر فيها المساكين، والفقراء بمثابتهم عند من يفرق بينهم.
وأما ما فرق به الشافعي بين الفقراء والمساكين، فلا دلالة عليه من كتاب ولا سنة، ولا لغة.
[ ٦٤٥ ]
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف:٧٩]. فسماهم مساكين، وأثبت لهم ملك السفينة، والفقراء خلافهم: وهم الذين لا يملكون شيئًا.
قيل له: قد رأينا الله ﷾ سمى من لا يملك شيئًا مسكينًا. بقوله: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد:١٦] وهو الذي قد أفضى إلى التراب، فلم يكن له ما يغنيه عنه، فقد صار مستحقًا لاسم المسكنة، بمرتبة سفلى وبمرتبة أعلى منها، وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٣]، فوصفهم بالحصر في سبيل الله وبالمنع بالخروج منه إلى غيره، وقد أحطنا علمًا أنهم لم يدخلوا في سبيل الله خالين من سلاح يقاتلون به، ولا عراة من ثياب تواريهم، يؤدون فيها فرائض صلواتهم.
وقد قال الراعي:
أما الفقير الذي كانت حَلُوبَتُه وفق العِيَال فلم يترك له سَبَدُ (^١)
فسماه فقيرًا مع ملكه للحلوبة، فثبت بذلك أن الفقير قد يملك وقد لا يملك، وكذلك المسكين، وإن الاسمين بمعنى واحد.
وقد قال بعض أهل اللغة: هو الذي يجد الشيء الذي لا يغنيه، وإن المسكين هو الذي لا يجد شيئًا.
فيقال له: قد قال الله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف:٧٩]. فدل أن المسكين قد يملك وقد لا يملك، بقوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد:١٦]، والفقير أيضًا قد يملك بما دل عليه قوله ﷾: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٧٣]، مع وجودهم ما يأكلون وما يلبسون وما يقاتلون به، وقد سمي فقيرًا وهو ممن أفضى به الفقر إلى التراب.
(مختصر اختلاف العلماء-٥/ ٢٨ - ٣١)
_________________
(١) ديوان الراعي عبيد بن حصين بن جندل النميري (٦٤). ومعنى كلمة (سَبَدُ) أي: قليل - ومنه قولهم: (ماله سبدٌ ولا لبدٌ) بفتح الباء فيهما، أي: ماله قليل ولا كثير - (مختار الصحاح (مادة - س ب د - ١٤١).
[ ٦٤٦ ]
الدراسة
بين الإمام الطحاوي الخلاف الوارد في الفرق بين الفقير والمسكين، مرحجًا أنه لا فرق بينهما، وأن الجمع بينهما إنما هو لمجرد التأكيد فهما بمعنى واحد.
.. وإليك أقوال العلماء في بيان الفرق بين الفقير والمسكين:-
القول الأول: أنه ليس هناك فرق بين الفقير والمسكين، فهما سواء في المعنى وإن افترقا في الاسم. وإنما سمي هذا المحتاج باسمين لتأكيد أمره في استحقاق الصدقة، فيعطى سهمين عطفًا عليه ورحمة له. (^١)
- وهذا قول: الشافعي - وسائر أصحاب مالك - وأبي يوسف - وابن القاسم - ومحمد بن الحسن - وأبي علي الجبائي. (^٢)
وقد رد هذا القول: بأن ظاهر الآية دال على أن الفقير غير المسكين، لأن الله جل وعلا جعلهما صنفين فكان معلومًا بذلك أن كل صنف منهم غير الآخر. (^٣)
القول الثاني: أن هناك فرق بين الفقير والمسكين.
واختلف أصحاب هذا القول في بيان الفرق بينهما إلى قسمين:-
أ - القسم الأول: جعل المسكين أشد حاجة من الفقير.
واختلف أصحاب هذا القول في بيان هذا الفرق على أقوال:-
- القول الأول: أن المسكين هو المحتاج المتعفف عن المسألة، والفقير هوالمحتاج غير المتعفف عن المسألة.
- وهذا القول: ذكره السمرقندي. (^٤)
- القول الثاني: أن المسكين هو المحتاج الذي لا شيء له، والفقير هو المحتاج الذي له شيء لا يكفيه.
- وهذا قول: أبي حنيفة - وابن قتيبة - ويعقوب بن السكيت - وأبي الحسن الكرخي - وأبي العباس ثعلب - ويونس بن حبيب النحوي. (^٥)
_________________
(١) انظر: تفسير أبي حيان (٥/ ٤٤١) - وأحكام القرآن للجصاص (٣/ ١٧٩).
(٢) انظر: تفسير القرطبي (٨/ ١٥٨) - وتفسير الرازي (١٦/ ١٠٧).
(٣) تفسير الطبري (٦/ ٣٩٦).
(٤) تفسير السمرقندي (٢/ ٥٧).
(٥) انظر: تفسير ابن الجوزي (٣/ ٣٠٩) - وأحكام القرآن للجصاص (٣/ ١٧٩).
[ ٦٤٧ ]
- ومن أدلة القول بأن المسكين أشد حاجة من الفقير ما يلي:-
١ - قوله جل وعلا: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد:١٦] فوصف هذا المسكين بكونه ذا متربة، وذلك يدل على نهاية الضر والشدة.
وقد رد هذا الاستدلال:
بأن تقييد المسكين بهذا القيد: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ يدل على أنه قد يحصل مسكين خال عن هذا القيد، وإنما يكون كذلك بتقدير أن يملك شيئًا. فدل هذا على أن وصف الإنسان بكونه مسكينًا لا ينافي كونه مالكًا لشيء من المال، ولو لم نقل بهذا لم يبق لهذا القيد: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ فائدة. (^١)
٢ - ما رواه أبو هريرة - ﵁ - عن الرسول - ﷺ - أنه قال: (ليس المسكين بهذا الطَّوَّاف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان، والتمرة والتمرتان، قالوا: فما المسكين يا رسول الله؟ قال: الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن الناس له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس). (^٢)
ومعنى الحديث: أنه ليس المسكين حقًا على الكمال بهذا الطواف، لأن هناك مسكينًا أشد مسكنة من هذا الطَّوَّاف وهو المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يسأل الناس ولا يظهر عليه أثر الحاجة فيتصدق عليه. (^٣)
وقد رد هذا الاستدلال: بأن لفظ (المسكين) الوارد في الحديث إنما ورد على نحو ما جرى به استعمال الناس من تسميتهم أهل الفقر مساكين، لا على اعتبار بيان حقيقة المسكين، وبيان الفرق بينه وبين الفقير. (^٤)
_________________
(١) تفسير الرازي (١٦/ ١٠٨).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الزكاة - باب قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة:٢٧٣] وكم الغنى (ح- ٢/ ٥٣٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب الزكاة - باب: المسكين الذي لا يجد غنى، ولا يفطن له فيتصدق عليه (ح ٢٣٩٠ - ٧/ ١٣٠).
(٣) التمهيد لابن عبد البر (١٨/ ٤٩).
(٤) تفسير الطبري (٦/ ٣٩٧).
[ ٦٤٨ ]
أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سَبَدُ. (^١)
فسماه فقيرًا مع أنه يملك حلوبة، فدل هذا على أن الفقير أحسن حالًا من المسكين حيث أنه يملك بعض الشيء.
وقد رد هذا الاستدلال: بأن الشاعر لم يثبت أن للفقير حلوبة، لأنه لم يقل (الذي حلوبته) وإنما قال (الذي كانت حلوبته) فأثبت له حلوبة في حال ماضية، وهذا كما تقول (أما الفقير الذي كان له مال وثروة، فإنه لم يترك له سَبَدُ). فلم يثبت بهذا أن لهذا الفقير مالًا وثروة، وإنما ثبت بهذا سوء حاله الذي به صار فقيرًا بعد أن كان غنيًا ذا مال وثروة. (^٢)
ب - القسم الثاني: جعل الفقير أشد حاجة من المسكين.
واختلف أصحاب هذا القول في بيان هذا الفرق على أقوال:-
القول الأول: أن الفقير هو المحتاج المتعفف عن المسألة، والمسكين هو المحتاج غير المتعفف عن المسألة. فيكون الفقير أقل حالًا من المسكين لأن من سأل وجد، ومن لم يسأل بقي معدومًا.
- وهذا قول: ابن عباس - ومجاهد - والحسن - والزهري - وجابر بن زيد. (^٣).
وإليه ذهب: مالك - وأبو حنيفة. (^٤)
القول الثاني: أن الفقير هو المحتاج المريض، والمسكين هو المحتاج الصحيح.
- وهذا قول: قتادة. (^٥)
القول الثالث: أن الفقير هو المحتاج الذي لا شيء له، والمسكين هو المحتاج الذي له شيء لا يكفيه.
- وهذا قول: الشافعي - وأحمد - والأصمعي - وأحمد بن عبيد. (^٦)
القول الرابع: أن الفقير هو المحتاج الذي لا كسب له، والمسكين هو المحتاج الذي له كسب لا يكفيه.
- وهذا قول: عمر بن الخطاب ﵁.
_________________
(١) ديوان الراعي عبيد بن حصين (٦٤).
(٢) لسان العرب (مادة: سكن-١٣/ ٢١٥).
(٣) تفسير الطبري (٦/ ٣٩٥).
(٤) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٣/ ١٧٩) وأحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٢٣).
(٥) تفسير الطبري (٦/ ٣٩٥).
(٦) انظر: تفسير الماوردي (٢/ ٣٧٤) - وتفسير ابن الجوزي (٣/ ٣٠٩).
[ ٦٤٩ ]
٣ - قول الشاعر عبيد بن حصين:
القول الخامس: أن الفقير هو المحتاج من المهاجرين، والمسكين هو المحتاج من غير المهاجرين.
- وهذا قول: الضحاك - وإبراهيم النخعي.
القول السادس: أن الفقير هو المحتاج من المسلمين، والمسكين هو المحتاج من أهل الكتاب.
- وهذا قول: ابن عباس ﵁ - وعكرمة. (^١)
- وقد رد هذا القول: بأن الأخبار تظاهرت على أن الصدقة تؤخذ من أغنياء المسلمين وترد في فقرائهم. (^٢)
- ومن أدلة القول بأن الفقير أشد حاجة من المسكين ما يلي:-
١ - قوله جل وعلا:: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة:٦٠] فهو جل وعلا إنما أثبت الصدقات لهؤلاء الأصناف دفعًا لحاجتهم وتحصيلًا لمصالحهم، وهذا يدل على أن الذي وقع الابتداء بذكره يكون أشد حاجة، لأن الظاهر وجوب تقديم الأهم على المهم، فلما وقع الابتداء بذكر الفقراء وجب أن تكون حاجتهم أشد من حاجة المساكين. (^٣)
٢ - قوله جل وعلا:: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة:٢٧٣] فهذه الحال التي وصف الله بها الفقراء دون الحال التي أخبر بها عن المساكين في قوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف:٧٩] (^٤)
٣ - قوله جل وعلا: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ [الكهف:٧٩].
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٦/ ٣٩٥) - ومعاني القرآن للنحاس (٣/ ٢٢١).
(٢) أحكام القرآن للكياالهراسي (٣/ ٢٠٥).
(٣) تفسير الرازي (١٦/ ١٠٧).
(٤) التمهيد لابن عبد البر (١٢/ ٥١).
[ ٦٥٠ ]
ففي هذه الآية وصف الله جل وعلا بالمسكنة من له سفينة من سفن البحر، وهي تساوي جملة من المال. وهذا يدل على أن كون المسكين مسكينًا لا ينافي كونه مالكًا للمال، بخلاف الفقير فإنا لم نجد في كتاب الله جل وعلا ما يدل على أن الإنسان يسمى فقيرًا مع أنه يملك شيئًا من المال، فثبت أن الفقير أقل حالًا من المسكين. (^١)
وقد رد هذا الاستدلال بما يلي:
أ - أن هذا الاحتجاج لا يلزم، لأن هؤلاء (المساكين) لم يكونوا ملاكًا لهذه السفينة، وإنما كانوا أجراء فيها، فنسبت إليهم لأنهم يعملون فيها، كما يقال: (هذا منزل فلان) لأنه ساكن فيه، وإن كان غير مالك له. (^٢)
ب - على فرضية أن السفينة كانت ملكًا لهؤلاء المساكين، فإن هذا الوصف إنما كان وصفًا مستحقًا لهم بعد أخذ الملك للسفينة لا قبل ذلك. (^٣)
ج - أن لفظ (مساكين) في الآية للترحم والعطف والشفقة، أي هم ضعفاء أمام الملك الجبار، الذي كان يغتصب كل سفينة ليس فيها عيب بجبروته وطغيانه، وليست الآية للتعريف بأنهم مساكين لا يملكون شيئًا، أو أنهم مساكين ويملكون. (^٤)
٤ - أن الرسول ﵊ استعاذ بالله من الفقر فقال: (اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة، وأعوذ بك من أن أظلم أو أُظلم). (^٥)
_________________
(١) تفسير الرازي (١٦/ ١٠٨).
(٢) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٣/ ١٨٠) - ومعاني القرآن للنحاس (٣/ ٢٢٣).
(٣) المفردات في غريب القرآن (٢٣٧).
(٤) تفسير القرطبي (٨/ ١٥٨).
(٥) أخرجه أبوداود في سننه - كتاب الصلاة - باب في الاستعاذة (ح ١٥٤٤ - ٢/ ١٩٠). والنسائي في سننه - كتاب الاستعاذة - باب الاستعاذة من الذلة (ح ٥٤٧٥ - ٨/ ٦٥٤).
[ ٦٥١ ]
وسأل ربه في موضع آخر أنه يكون مسكينًا فقال: (اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين). (^١)
فدل هذا على أن الفقير أسوأ حالًا من المسكين، لأنه لو كان المسكين أسوأ حالًا من الفقير لتناقض الحديثان لأنه تعوذ من الفقر ثم سأل حالًا أسوأ منه، وأما إذا قلنا إن الفقير أسوأ حالًا من المساكين فإن الحديثان يتفقان، ولا يكون هنالك تعارض البته.
ومما يدل على أن الفقير أسوأ حالًا من المسكين: أن الله جل وعلا أجاب طلب الرسول - ﷺ - فأماته مسكينًا، وهو ﵊ حين توفي كان يملك أشياء كثيرة، فدل هذا على أن كونه مسكينًا لا ينافي كونه مالكًا لبعض الأ شياء، فكان أحسن حالًا من الفقير الذي لا يملك شيئًا. (^٢)
وقد رد هذا الاستدلال: بأن قول الرسول - ﷺ -: (اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين) المراد به: التواضع والإخبات وأن لا يكون من الجبارين المتكبرين، وليس المراد به: أن يكون فقيرًا محتاجًا، لأنه ﵊ قد استعاذ بالله من الفقر. (^٣)
٥ - أن الرسول ﵊ قال لمعاذ - ﵁ - في الزكاة: (خذها من أغنيائهم وردها على فقرائهم) (^٤)
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه - كتاب الزهد - باب ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم - (ح ٢٣٥٧ - ٩/ ٢١٢) - وقال: هذا حديث غريب - أ هـ. وأخرجه ابن ماجة في سننه - كتاب الزهد - باب مجالسة الفقراء (ح ٤١٧٨ - ٢/ ٤١٢).
(٢) تفسير الرازي (٦/ ١٠٨).
(٣) لسان العرب (مادة: سكن-١٣/ ٢١٦).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الزكاة - باب وجوب الزكاة (ح ١٣٣١ - ٢/ ٥٠٥). ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (ح ١٢١ - ٢/ ١٤٦).
[ ٦٥٢ ]
ولو كانت الحاجة في المساكين أشد، لوجب أن يقول: (وردها على مساكينهم) لأن ذكر وتقديم الأهم أولى، فدل هذا الحديث على أن الفقير أسوأ حالًا من المسكين.
٦ - أن العلماء اتفقوا على أن الفقر ضد الغنى، ولم يقل أحد إن (الغنى) ضد (المسكنة) بل قالوا: إن (الترافع) ضد (المسكنة) فثبت أن الفقر عبارة: عن عدم المال، والمسكنة عبارة: عن إظهار التواضع، والأول ينافي حصول المال، والثاني لا ينافي حصول المال، فدل هذا على أن الفقير أشد حاجة من المسكين.
٧ - أن أصل (الفقير) في كلام العرب: المفقور الذي نزعت فقرة من ظهره من شدة الفقر، فلا حال أشد من هذه.
كما أن أصل (المسكين) في اللغة: الخاضع، والمسكنة لفظ مأخوذ من السكون الذي هو الخضوع، فالمسكين إذا أراد أن يسأل الناس تمسكن بمعنى: لان وتواضع، وإذا أعطوه شيئًا سكن قلبه، وإن منعوه سكن ولم يضطرب وأعاد السؤال، ولهذا السبب جعل التمسكن كناية عن السؤال والتضرع عند الغير، وبهذا ثبت أن المسكين هو (السائل) وأنه المراد بقوله جل وعلا: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات:١٩] ولما ثبت هذا وجب أن يكون (المحروم) الوارد في الآية هو الفقير، ولا شك أن المحروم مبالغة في تقرير أمر الحرمان من كل شيء فثبت أن الفقير أسوأ حالًا من المسكين. (^١)
الترجيح: والراجح هو القول بأن الفقير أشد حاجة من المسكين، لما تقدم من الأدلة الظاهرة الدالة على ذلك.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
_________________
(١) تفسير الرازي (١٦/ ١٠٩).
[ ٦٥٣ ]
قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة:١٠٠]
قال أبو جعفر الطحاوي: فأخبر ﷿ أن السابقين الذين ذكرهم في هذه الآية هم: (المهاجرون)، وكان معقولًا أنه أراد بذلك: من هاجر إلى رسوله - ﷺ - من الدار التي كان فيها من دور الكفر من مكة وممن سواها إلى دار الهجرة وهي المدينة.
وكان معقولًا أن (الأنصار) الذين ذكرهم فيها هم: الذين قدم عليهم رسول الله - ﷺ -، فكان منهم في أمره ما كان منهم فيه من الإيمان به، والتصديق له، والبَذْلَةِ منهم أنفسهم وأموالهم له حتى فتح الله ﷿ بهم أعظم الدور التي كان فيها الكفار به، والراغبون عنه، والمقاتلون له.
وكان معقولًا أن (الذين اتبعوهم بإحسان) هم: الذين دخلوا في الإسلام بعد ذلك، وبعد أن صارت مكة دار إسلام.
(شرح مشكل الآثار-٧/ ٥١)
الدراسة
.. بين الإمام الطحاوي المراد بكل من: ﴿الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة:١٠٠]. وإليك بيان أقوال المفسرين في المراد بذلك:-
القول الأول: أن المهاجرين هم: الذي هاجروا من أوطانهم وقدموا إلى المدينة المنورة مع الرسول - ﷺ -.
والأنصار هم: أهل المدينة المنورة الذين أنزلوا رسول الله - ﷺ - والمهاجرين في دورهم، ونصروهم على أعدائهم. (^١)
القول الثاني: أن المهاجرين هم: الذين آمنوا بمكة قبل هجرة الرسول - ﷺ - عنهم.
_________________
(١) تفسير السمعاني (٢/ ٣٤٢).
[ ٦٥٤ ]
والأنصار هم: الذين آمنوا بالمدينة قبل هجرة الرسول - ﷺ - إليهم. (^١)
الترجيح: والراجح هو القول الأول، لأنه ذكر أنهم سابقين، ولم يبين في أي شيء هم سابقون، فبقي اللفظ مجملًا، إلا أنه وصفهم بكونهم مهاجرين وأنصارًا، فوجب صرف ذلك اللفظ إلى ما به صاروا مهاجرين وأنصار وهو: الهجرة والنصرة، فيكون المراد بالآية: السابقون الأولون في الهجرة والنصرة، إزالة للإجمال عن اللفظ.
- ولا يصح أن يكون المراد بالآية: السابقون الأولون إلى الإسلام من المهاجرين والأنصار، لأن السبق في الإسلام لا يتضمن السبق في الهجرة والنصرة، بخلاف السبق في الهجرة والنصرة فإنه يتضمن السبق إلى الإسلام، فكان القول به أولى. (^٢)
- وأما المراد بـ (الذين اتبعوهم بإحسان):
فإن جمهور المفسرين قد اتفقوا على أن المراد بهم: كل من اتبع طريقة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار في الإيمان بالله، والاتصاف بكل قول وفعل يقرب إلى الله جل وعلا. (^٣)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ [التوبة:١٠٣]
_________________
(١) انظر: تفسير الماوردي (٢/ ٣٩٥) - وتفسير ابن عاشور (١١/ ١٧).
(٢) تفسير الرازي (١٦/ ١٦٨).
(٣) انظر: تفسير الطبري (٦/ ٤٥٣) - وتفسير الشوكاني (٢/ ٤١٦).
[ ٦٥٥ ]
قال أبو جعفر الطحاوي: وكانت العرب تقيم الشيء مكان الشيء الذي هو مثله أو شبيهه، ألا ترى أنهم أنهم قد سَمَّوا الدعاء صلاة، ومنه قول الله ﷿: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣] في معنى أمره إياه بالدعاء لهم، ومنه قوله الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] فسمى الله الدعاء صلاة إذ كان مفعولًا في الصلاة. ومنه الحديث المروي: " إذا دعي أحدكم وهو صائم فليجب، فإن كان مفطرًا فليَطْعَمْ، وإن كان صائمًا فليُصَلَّ ". (^١)
(شرح مشكل الآثار-٤/ ١٨٩ - ١٩٠)
الدراسة
.. بين الإمام الطحاوي أن المراد (بالصلاة) في الآية هو: الدعاء
وإليك بيان أقوال المفسرين في ذلك:-
القول الأول: أن المراد (بالصلاة) في الآية هو: الدعاء والاستغفار.
- وهذا قول: جمهور المفسرين. (^٢)
لأن الصلاة في أصل اللغة عبارة عن: الدعاء. (^٣)
فيكون المراد بالصلاة على المتصدق هو: الدعاء والاستغفار له، كأن تقول له: (آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت). (^٤)
فالصلاة من المخلوقين بمعنى: الاستغفار والدعاء. ومن الخالق ﵎ بمعنى: المغفرة والرحمة.
_________________
(١) أخرجه أبوداود في سننه - كتاب: الصوم - باب: في الصائم يُدعى إلى وليمة - (ح ٢٤٦٠ - ٢/ ٨٢٨). والبيهقي في سننه - كتاب: الصداق - باب: يجيب المدعو صائمًا كان أو مفطرًا، وما يفعل كل واحد منهما. (ح ١ - ٧/ ٢٦٣).
(٢) تفسير الطبري (٦/ ٤٦٣).
(٣) تفسير الرازي (١٦/ ١٨٠).
(٤) تفسير البغوي (٤/ ٩١).
[ ٦٥٦ ]
١ - قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] فالمعنى: إن الله يغفر للنبي، والملائكة تدعو له بالمغفرة، فادعوا له أيها المؤمنون بالمغفرة. (^١)
٢ - ما روي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا أتاه رجل بصدقة ماله، صلى عليه، قال: فأتيته بصدقة مال أبي، فقال: " اللهم صل على آل أبي أوفى ". (^٢)
والمعنى: اللهم اغفر لآل أبي أوفى.
٣ - ما روي عن الرسول - ﷺ - أنه قال: " إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرًا فليطعم، وإن كان صائمًا فليصل ". (^٣)
والمعنى: وإن كان صائمًا فليدع لأهل الطعام بالخير والبركة. (^٤)
٤ - قول الشاعر الأعشى:
تقول بنتي وقد يممتُ مرتحِلًا يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
عليكِ مثلَ الذي صلَّيتِ فاغتمضي نومًا فإن لجنب المرء مضطجعًا (^٥)
والمعنى: أن أبا البنت يأمرها بأن تكرر الدعاء له بمثل دعائها المتقدم.
ويروى البيت (عليك مثلُ) بالرفع، فيكون دعاء من أبي البنت بأن ينالها من الخير مثل الذي دعت به له. (^٦)
القول الثاني: أن المراد (بالصلاة) في الآية هو: الصلاة عليهم بعد مماتهم.
_________________
(١) التصاريف ليحيى بن سلام - (١٦٦).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الزكاة - باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة (حـ ١٤٢٦ - ٢/ ٥٤٤). ومسلم في صحيحه - كتاب الزكاة - باب الدعاء لمن أتى بصدقة - (ح ٢٤٨٩ - ٧/ ١٨٣).
(٣) أخرجه أبوداود في سننه - كتاب الصوم - باب في الصائم يدعى إلى وليمة - (ح ٢٤٦٠ - ٢/ ٨٢٨). والبيهقي في سننه - كتاب الصداق - باب يجيب المدعو صائمًا كان أو مفطرًا وما يفعل كل واحد منهما (ح ١ - ٧/ ٢٦٣).
(٤) تهذيب اللغة للأزهري (مادة: صلى-١٢/ ٢٣٦).
(٥) ديوان الأعشى (١٠١).
(٦) لسان العرب (مادة - صلا-٤/ ٤٦٥).
[ ٦٥٧ ]
- وهذا القول: ذكره أبو حيان. (^١)
- ويرد عليه: بأن هذا القول لا يظهر له مناسبة، إذ أن الصلاة على الميت مشروعة على كل من مات من المسلمين، غير مختصة بمن تصدق منهم.
الترجيح: والراجح هو القول الأول، لأن الصلاة في الأصل بمعنى الدعاء، ولأن هذا هو قول جمهور العلماء.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾ [التوبة:١٠٨]
قال أبو جعفر الطحاوي: عن أبي سعيد الخدري: أن رجلًا من بني خُدْرَة، ورجلًا من بني عمرو بن عوف امتريا في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال العوفي: هو مسجدنا بقباء، وقال الخدري: هو هذا المسجد مسجد رسول الله - ﷺ -، فخرجا، فأتيا النبي - ﷺ -، فسألاه عن ذلك، فقال: "هو هذا المسجد، مسجد رسول الله - ﷺ -، وفي ذلك خيرٌ كثيرٌ". (^٢) ..
قال أبو جعفر: فكانت هذه الآثار صحيحة الأسانيد، مقبولة الرواة، كلها تخبر عن رسول الله - ﷺ - .. أنه مسجد رسول الله - ﷺ -.
وقد زعم قوم أنه مسجد سعد بن خيثمة (^٣)
_________________
(١) تفسير أبي حيان (٥/ ٤٩٩).
(٢) أخرجه الترمذي في سننه - كتاب الصلاة - باب ما جاء في المسجد الذي أسس على التقوى (ح ٣٢٣ - ٢/ ١٢٠) وقال: هذا حديث حسن صحيح. أ هـ - والحاكم في المستدرك - كتاب المناسك - (ح ١٧٩١ - ١/ ٦٦٢). وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم - أ هـ.
(٣) سعد هو: أبو خيثمة سعد بن خَيْثمة بن الحارث بن مالك الأنصاري الأوسي، ولما ورد الرسول - ﷺ - إلى المدينة مهاجرًا نزل في بيته، وكان ممن قتل يوم بدر شهيدًا. (أسد الغابة-٢/ ٣٤٦).
[ ٦٥٨ ]
- ومن الأمثلة الدالة على ذلك:
- يعني مسجد قباء - وذكروه عن عروة بن الزبير .. قالوا: ومما يؤكد ذلك بنيان رسول الله - ﷺ - وأصحابه إياه بأيديهم وذكروا في ذلك .. عن عائشة، قالت: أول من حمل حجرًا لقبلة مسجد قباء رسول الله - ﷺ -، ثم حمل أبو بكر حجرًا آخر، ثم حمل عمر آخر، ثم حمل عثمان آخر، فقلت: يا رسول الله: ألا ترى هؤلاء يتبعونك؟ فقال: " أما إنهم أمراء الخلافة بعدي ". (^١)
وذكروا مع ذلك مما يحتجون به لقولهم هذا حديثًا منقطعًا، وهو ما قد حدثنا إبراهيم بن مرزوق، (^٢) حدثنا عارم، (^٣) حدثنا حماد (^٤) بن زيد، عن أيوب. (^٥)
_________________
(١) أخرجه بن عدي في الكامل (٢/ ٨٤٦) - والبيهقي في دلائل النبوة - (٢/ ٥٥٣).
(٢) إبراهيم هو: أبو إسحاق إبراهيم بن مرزوق بن دينار الأموي البصري، قال فيه النسائي: لا بأس به، وكانت وفاته سنة (٢٧٠ هـ). (تهذيب الكمال - ١/ ١٣٦).
(٣) عارم هو: أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي، وثقة أبوزرعة وغيره، وكانت وفاته سنة (٢٢٤ هـ). (تهذيب الكمال-٦/ ٤٧٧).
(٤) حماد هو: أبو إسماعيل حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي البصري، وثقة أبو زرعة وغيره، وكانت وفاته سنة (١٧٩ هـ). (تهذيب الكمال - ٢/ ٢٧٤).
(٥) أيوب هو: أبوبكر أيوب بن أبي تميمة كَيْسان السختياني البصري، وثقه أبو حاتم وغيره، وكانت وفاته سنة (١٣١ هـ). (تهذيب الكمال- ١/ ٣١٤).
[ ٦٥٩ ]
عن سعيد بن جبير، قال: ذكر أن بني عمرو بن عوف ابتنوا مسجدًا فبعثوا إلى رسول الله - ﷺ - أن يأتيهم، فيصلي في مسجدهم، فلما أن رأى ذلك إخواتهم بنو غنم بن عوف، حسدوهم، فقالوا: نبني نحن أيضًا مسجدًا كما ابتنى إخواننا، ونرسل إلى النبي - ﷺ -، ولعل أبا عامر أن يمر بنا، فيصلي فيه، فبنوا مسجدًا، وأرسلوا إلى رسول الله - ﷺ - أن يأتيهم، فيصلي في مسجدهم كما صلى في مسجد إخوتهم، فلما جاءه الرسول قام ليأتيهم، أو هَمَّ أن يأتيهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)﴾ [التوبة:١٠٧ - ١١٠] (^١)
وشَدُّوا ذلك بحديث متصل، .. عن أبي أيوب الأنصاري، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك: أن هذه الآية لما أنزلت: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨] قال النبي - ﷺ -: " يا معشر الأنصار، إن الله قد أثنى عليكم خيرًا في الطهور، فما طهوركم هذا؟ " قالوا: نتوضأ للصلاة، ونغتسل من الجنابة، ونستنجي بالماء، قال: " هو ذاك، فعليكم به ". (^٢)
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره - سورة التوبة - الآية (١٠٨). (حـ ١٧٢١٠ - ٦/ ٤٧٢) وعبد الرزاق الصنعاني في تفسيره - سورة التوبة - الآية (١٠٨). (٢/ ٢٨٧).
(٢) أخرجه ابن ماجة في سننه - كتاب الطهارة - باب الاستنجاء بالماء - (حـ ٣٦٥ - ١/ ٧٠). والحاكم في المستدرك - كتاب الطهارة (حـ ٥٥٤ - ١/ ٢٥٧) وقال: هذا حديث صحيح - أ هـ.
[ ٦٦٠ ]
قالوا: فدل ذلك على أن المسجد الذي نزلت فيه هذه الآية هو خلاف مسجد النبي - ﷺ -، وهو مسجد قباء، لأن في الآية: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ وهم الأنصار دون من سواهم.
وكان من حجتنا على قائل ذلك القول: أن أولئك الرجال كانوا في مسجد النبي - ﷺ -، لأن مسجده كان معمورًا بالمهاجرين والأنصار ومن سواهم من صحبه، فلم يكن في هذا الحديث ما يدل على خلاف الأحاديث الأُوَل، وكان حديث إبراهيم عن عارم حديثًا منقطعًا لا يقاوم مثله الأحاديث المتصلة التي رويناها في صدر هذا الباب، فثبت بذلك أن المسجد الذي أسس على التقوى هو المسجد المذكور فيها، وهو مسجد النبي - ﷺ - الذي بمدينته، لا ما سواه من المساجد، والله نسأله التوفيق.
(شرح مشكل الآثار-١٢/ ١٦٦ - ١٧٧)
الدراسة
.. بين الإمام الطحاوي الخلاف الوارد في المراد: (بالمسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم) مرجحًا أن المراد به مسجد رسول الله - ﷺ -. لأن الأحاديث الدالة على ذلك صحيحة صريحة في ذلك.
وإليك بيان أقوال المفسرين في ذلك:-
القول الأول: أن المراد (بالمسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم) هو: مسجد الرسول ﷺ.
- وهذا قول: جمهور المفسرين. (^١)
- ومن أدلة هذا القول:-
١ - ما روي عن سهل بن سعد - ﵁ - أنه قال: (اختلف رجلان على عهد رسول الله - ﷺ - في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال أحدهما: هو مسجد الرسول - ﷺ - وقال آخر: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله - ﷺ - فسألاه، فقال: هو مسجدي هذا). (^٢)
_________________
(١) تفسير الرازي (١٦/ ١٩٥).
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه (ح ١٦٠٥ - ٤/ ٤٨٢). والإمام أحمد في مسنده (٥/ ٣٣١).
[ ٦٦١ ]
٢ - ما روي عن أبي بن كعب - ﵁ - أنه قال: (إن الرسول - ﷺ - سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى، فقال: مسجدي هذا) (^١)
٣ - ما روي عن أبي سلمة عبد الرحمن. أنه قال: مرَّ بي عبد الرحمن بن أبي سعيد، قال: فقلت له: كيف سمعت أباك يذكر في المسجد الذي أسس على التقوى؟ فقال: قال أبي: دخلت على رسول الله - ﷺ - في بيت بعض نسائه فقلت: يا رسول الله أيُّ المسجدين الذي أسس على التقوى؟ قال: فأخذ كفًا من الحصباء فضرب به الأرض، ثم قال: " هو مسجدكم هذا، مسجد المدينة ". قال: فقلت: أشهد أني سمعت أباك هكذا يذكره). (^٢)
فهذه الأحاديث المتقدمة قد نصت على أن المراد (بالمسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم) هو: مسجد رسول الله - ﷺ -.
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب تفسير سورة التوبة (ح ٣٢٨٤ - ٢/ ٣٦٤) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد - أ هـ. والإمام أحمد في مسنده - (٥/ ١١٦).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي - ﷺ - بالمدينة (ح ٣٣٧٣ - ٩/ ١٧٠).
[ ٦٦٢ ]
القول الثاني: ان المراد (بالمسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم) هو: مسجد قباء.
- وهذا قول: ابن عباس - وعروة بن الزبير - وسعيد بن جبير - وقتادة - والضحاك -
وعطية - وابن بريدة - وابن زيد. (^١)
- ومن أدلة هذا القول:
١ - ما روي عن ابن عباس - ﵁ - في قوله جل وعلا:: ﴿هُوَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ [التوبة:١٠٧] قال: لما بنى رسول الله - ﷺ - مسجد قباء خرج رجال من الأنصار منهم بحزج جد عبد الله بن حنيف ووديعة بن خذام ومجمع بن جارية الأنصاري فبنوا مسجد النفاق فقال رسول الله - ﷺ - لبحزج: ويلك يا بحزج ما أردت إلى ما أرى؟ قال: يا رسول الله ما أردت إلا الحسنى وهو كاذب، فصدقه رسول الله - ﷺ - وأراد أن يعذره، فأنزل الله: ﴿هُوَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾] التوبة:١٠٧ [الآية. (^٢)
فقد دل هذا الحديث على أن قوله جل وعلا: ﴿هُوَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا﴾ [التوبة:١٠٧] نزلت في جماعة من المنافقين بنوا مسجدًا يضارون به مسجد قباء، حيث كان المسلمون يصلون جميعًا في مسجد قباء فأرادوا ببناء مسجد الضرار أن يصلي فيه بعض المسلمين فيؤدي ذلك إلى الاختلاف وافتراق الكلمة، فنزلت هذه الآية للتحذير من كيد أولئك المنافقين، وللتأكيد على وجوب لزوم جماعة المسلمين بالصلاة في مسجد قباء (^٣).
ولما كانت هذه الآية نازلة في التأكيد على مكانة مسجد قباء، وجب أن تكون الآية التي بعدها أيضًا في مسجد قباء لتثبت مناسبة ظاهرة بين الآيات.
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٦/ ٤٧٤) - وتفسير الماوردي (٢/ ٤٠٢).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (ح ١٠٠٦٦ - ٦/ ١٨٧٩) - والطبري في تفسيره (ح ١٧٢٠٢ - ٦/ ٤٧١).
(٣) تفسير البغوي (٤/ ٩٣).
[ ٦٦٣ ]
٢ - ما روي عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: نزلت هذه الآية في أهل قباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة:١٠٨] قال: كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية. (^١)
فقد دل هذا الحديث على أن (المسجد الذي أسس على التقوى) هو: مسجد قباء، لأن أهل قباء الذين وصفوا بأنهم (رجال يحبون أن يتطهروا) كانوا يصلون في ذلك المسجد. (^٢)
وقد رد هذا الاستدلال: بأن قوله جل وعلا: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة:١٠٧] ثناء على مؤمني الأنصار الذين يصلون بمسجد قباء وبمسجد رسول الله - ﷺ - وجاء الضمير مفردًا مراعاة للفظ (مسجد) الذي هو جنس، وقد كان المؤمنون من الأنصار يجمعون بين الاستجمار بالأحجار والغسل بالماء، كما دل على ذلك الحديث الذي يرويه أبوأيوب وجابر وأنس - ﵃ - عن الرسول - ﷺ - في هذه الآية: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨] أنه قال: " يا معشر الأنصار، إن الله قد أثنى عليكم خيرًا في الطهور، فما طهوركم هذا؟ قالوا: يا رسول الله، نتوضأ للصلاة والغسل للجنابة، فقال رسول الله - ﷺ - هل مع ذلك غيره؟ قالوا: لا، غير أن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء، قال: هو ذاك ". (^٣)
_________________
(١) أخرجه أبوداود في سننه - كتاب الطهارة - باب الاستنجاء بالماء - (ح ٤٤ - ١/ ٣٨). والترمذي في سننه - كتاب تفسير القرآن - باب ومن سورة التوبة - (ح ٣١٠٩ - ١١/ ٢٤٧) وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه - أ هـ.
(٢) انظر: أحكام القرآن للجصاص (٣/ ٢٢٩) - وأحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٨٤).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب الطهارة - (ح ٥٥٤ - ١/ ٢٥٦) وقال: هذا حديث صحيح - أ هـ. والدارقطني في سننه - كتاب الطهارة - باب في الاستنجاء - (ح ٢ - ١/ ٦٢).
[ ٦٦٤ ]
فهذا يعم الأنصار كلهم، ولا يعارضه حديث محمد بن عبد الله بن سلام - ﵁ - والذي فيه أن رسول الله - ﷺ - سأل أهل قباء عن طهارتهم، لأن أهل قباء هم أيضًا من الأنصار، فسؤاله إياهم لتحقق اطراد هذا التطهر في قبائل الأنصار. (^١)
وبهذا يظهر لنا صحة عودة الضمير (الهاء) في قوله جل وعلا: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة:١٠٨] على مسجد قباء، وعلى مسجد رسول الله - ﷺ -. لأن أولئك المتطهرين متواجدين في كلا المسجدين. (^٢)
القول الثالث: أن المراد (بالمسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم) هو: مسجد قباء، ومسجد رسول الله - ﷺ -.
- وهذا قول: محمد بن كعب - وابن تيمية - والقاسمي - وابن عاشور - ومحمد رشيد رضا. (^٣)
- وحجة هذا القول: أن لفظ الآية لا يمنع من إرادة كل من المسجدين، لأن كلًا منهما أسس على التقوى من أول يوم لتأسيسه. (^٤)
فقوله جل وعلا: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ [التوبة:١٠٨] هو كقول القائل: (لرجل صالح أحق أن تجالسه). فلا يلزم أن يكون هذا الوصف مقصورًا على واحد، بل يصح أن يشمل أكثر من واحد. (^٥)
الترجيح: والراجح هو القول بأن المراد (بالمسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم) هو: مسجد رسول الله - ﷺ - لصحة الخبر بذلك عن الرسول - ﷺ -. (^٦)
_________________
(١) تفسير ابن عاشور (١١/ ٣٣).
(٢) معاني القرآن للنحاس (٣/ ٢٥٥).
(٣) انظر: تفسير الماوردي (٢/ ٤٠٣) - ومجموع فتاوى ابن تيمية (٢٧/ ٤٠٦) - وتفسير القاسمي (٤/ ٢٠٦) وتفسير ابن عاشور (١١/ ٣٢) - ومختصر تفسير المنار - (٣/ ٣٤٨).
(٤) مختصر تفسير المنار (٣/ ٣٤٨).
(٥) تفسير الرازي (١٦/ ١٩٥).
(٦) انظر: تفسير الطبري (٦/ ٤٧٤) - وتفسير القرطبي (٨/ ٢٤١).
[ ٦٦٥ ]
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ هُوَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [التوبة:١١٣ - ١١٤]
قال أبو جعفر الطحاوي: عن علي ﵁، قال: سمعت رجلًا يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: ألم يستغفر إبراهيم - ﷺ - لأبيه: قال: فذكرت ذلك للنبي - ﷺ - فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ هُوَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآيتين [التوبة:١١٣ - ١١٤]. (^١)
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه - كتاب التفسير - باب ومن سورة التوبة (ح ٣١١٠ - ١١/ ٢٤٩). وقال: هذا حديث حسن - أ هـ. والنسائي في سننه - كتاب الجنائز - باب النهي عن الاستغفار للمشركين - (ح ٢٠٣٥ - ٤/ ٣٩٦).
[ ٦٦٦ ]
قال أبو جعفر: ففيما روينا من هذا الحديث إنكار علي ﵁ على الرجل المذكور فيه استغفاره لأبويه وهما مشركان، وذكر علي ذلك للنبي - ﷺ -، ونزول ما ذكر نزوله من القرآن في ذلك، أو تلاوته عليه ما تلاه عليه من القرآن في ذلك، ولم يبين لنا في هذا الحديث أن أبوي ذلك الرجل كانا حيَّين، أو أنهما كانا ميتين عند استغفاره لهما، غير أن إحدى الآيتين المذكورتين فيه معنى يوجب الوقوف عليه، وهو قوله ﷿ الذي نهى به عن الاستغفار لهم من بعد ما بيَّن لهم أنهم أصحاب الجحيم. فكان في ذلك ما قد دل على أن الاستغفار لهم قبل أن يتبين لهم أنهم أصحاب الجحيم بخلاف ذلك، وفي ذلك ما يبيح الاستغفار لهم ما كان الإيمان مرجوًا منهم، ومحرمًا عنهم بعد أن يؤيس منهم منه، وذلك لا يكون إلا بعد موتهم.
وقد روي عن عبد الله بن عباس ﵄، ما قد دل على هذا المعنى. كما .. عن علي بن أبي طلحة (^١)
_________________
(١) علي هو: أبو الحسن علي بن أبي طلحة سالم بن المخارق الهاشمي، قال فيه النسائي: ليس به بأس، وذكره ابن حبان في كتاب (الثقات)، وكانت وفاته سنة (١٤٣ هـ). (تهذيب الكمال -٥/ ٢٦٢).
[ ٦٦٧ ]
عن ابن عباس قوله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ هُوَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣] فكانوا يستغفرون لهم حتى نزلت هذه الآية، فلما نزلت، أمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم ولم ينههم أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا، ثم أنزل الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة:١١٤] يعني استغفر له ما كان حيًا، فلما مات أمسك عن الاستغفار له. (^١)
فكان في ذلك ما قد دل على ما قد ذكرنا مما تأولنا عليه حديث علي ﵁، وقد شد ذلك قول الله ﷿ حكاية عن نبيه إبراهيم - ﷺ -: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء:٨٦] واحتملنا حديث علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ وإن كان لم يلقه، لأنه عند أهل العلم بالأسانيد إنما أخذ الكتاب الذي فيه هذه الأحاديث عن مجاهد وعن عكرمة.
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره - سورة التوبة الآية (١١٣) (ح ١٧٣٤٦ - ٦/ ٤٨٩). وابن أبي حاتم في تفسيره - سورة التوبة الآية (١١٣) (ح ١٠٠٥٠ - ٦/ ١٨٩٣).
[ ٦٦٨ ]
وقد روي أن سبب نزول ما تلونا في حديث علي ﵁ كان لغير المعنى الذي ذكرنا نزول ما قد كان من أجله، كما .. عن سعيد بن المسيب عن أبيه (^١) قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله - ﷺ -، فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال النبي - ﷺ - لأبي طالب: " أي عمِّ، قل: لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فلم يزل النبي - ﷺ - يعرضها عليه ويعيدانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال النبي - ﷺ -: " أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك " فأنزل الله ﷿: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ هُوَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية [التوبة:١١٣] وأنزل في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] (^٢)
فكان في هذا الحديث أن الله ﷿ إنما أنزل النهي عن الاستغفار للمشركين لسبب ما كان من أبي طالب، وأن ذلك كان من بعد موته على ما مات عليه.
_________________
(١) أبوه هو: أبو سعيد المُسَيب بن حَزْن بن أبي وهب بن عمرو القرشي المخزومي، صحابي جليل، هاجر إلى المدينة، (أسد الغابة-٥/ ١٧٧).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجنائز - باب إذا قال المشرك عند الموت (لا إله إلا الله) (ح ١٢٩٤ - ١/ ٤٥٧). ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت، ما لم يشرع في النزع وهو الغرغرة، ونسخ جواز الاستغفار للمشركين، والدليل على أن من مات على الشرك، فهو في أصحاب الجحيم، ولا ينقذه من ذلك شيء من الوسائل - (ح ١٣١ - - ٢/ ١٦١).
[ ٦٦٩ ]
وقد روي أن سبب نزولها كان في خلاف ذلك كما .. عن عبد الله بن مسعود ﵁: (أن رسول الله - ﷺ - خرج يومًا وخرجنا معه حتى انتهينا إلى المقابر، فأمرنا، فجلسنا، ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها، فجلس، فناجاه طويلًا، ثم ارتفع نحيب رسول الله - ﷺ - باكيًا، فبكينا لبكاء رسول الله - ﷺ -، ثم إن النبي - ﷺ - أقبل إلينا، فتلقاه عمر بن الخطاب ﵁، فقال: ما الذي أبكاك يا رسول الله، فقد أبكانا وأفزعنا؟ فأخذ بيد عمر، ثم أقبل إلينا، فأتيناه، فقال: " أفزعكم بكائي "؟ قلنا: نعم يا رسول الله. فقال: " إن القبر الذي رأيتموني أناجي قبر آمنة بنت وهب، وإني استأذنت ربي ﷿ في الاستغفار لها، فلم يأذن لي، ونزل عليَّ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ هُوَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١١٣] حتى تنقضي الآية: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ -[التوبة:١١٤] فأخذني ما يأخذ الولد للوالدين من الرِّقة، فذلك الذي أبكاني". (^١)
فالله أعلم بالسبب الذي كان فيه نزول ما قد تلونا، غير أنه قد يجوز أن يكون نزول ماقد تلونا بعد أن كان جميع ما ذكرنا من سبب أبي طالب، ومن سبب علي ﵁ فيما كان سمعه من المستغفر لأبويه، ومن زيارة النبي - ﷺ - قبر أمه، ومن سؤال ربه ﷿ عند ذلك الإذن له في الاستغفار لها، فكان نزول ماتلونا جوابًا عن ذلك كله.
(شرح مشكل الآثار -٦/ ٢٨٠ - ٢٨٧)
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب تفسير سورة التوبة - (ح ٣٢٩٢ - ٢/ ٣٦٦) - وقال: صحيح. أ هـ. وأخرجه ابن حبان في صحيحه (ح ٩٨١ - ٣/ ٢٦١).
[ ٦٧٠ ]
بين الإمام الطحاوي الروايات الواردة في سبب نزول الآية، مرجحًا نزول الآية بعد هذه الأسباب جميعًا. كما استدل بالآية على أن الاستغفار للمشركين إنما يحرم بعد موتهم لا في حياتهم.
وهذا قول: جمهور المفسرين.
فهذه الآية جاءت بالنهي من الله جل وعلا عن الاستغفار للمشركين متى ثبت اليأس من إسلامهم. إما بموتهم على الكفر، وإما بنص من الله جل وعلا على أحد منهم بأنه سيموت كافرًا كأبي لهب وغيره.
وعليه فإنه يجوز الاستغفار للمشركين الأحياء متى رجي إسلامهم. (^١)
.. وأما الأقوال الواردة في سبب نزول الآية فهي كالتالي:-
القول الأول: أن سبب نزول الآية هو: أن الرسول ﵊ كان يستغفر لعمه المشرك أبي طالب بعد موته، فنزلت الآية للنهي عن ذلك.
ودليل هذا القول: ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن المسيب بن حزن - ﵁ - وقد تقدم ذكره. (٥٨٦)
القول الثاني: أن سبب نزول الآية هو: أن الرسول ﵊ أراد أن يستغفر لأمه المشركة آمنة بعد موتها، فنزلت الآية للنهي عن ذلك.
ودليل هذا القول: ما أخرجه الحاكم وابن حبان وغيرهما عن ابن مسعود - ﵁ - وقد تقدم ذكره. (٥٨٧)
القول الثالث: أن سبب نزول الآية هو: أن قومًا من أهل الإيمان كانوا يستغفرون لموتاهم من المشركين. فنزلت الآية للنهي عن ذلك. (^٢)
ودليل هذا القول: ما أخرجه الترمذي والنسائي وغيرهما عن علي بن أبي طالب - ﵁ - وقد تقدم ذكره. (٥٨٥)
الترجيح: والراجح هو القول الأول.
وقد قيل إن الآية نزلت بعد حدوث هذه الأسباب جميعًا، وحجة هذا القول:
١ - أن سورة التوبة من آخر القرآن نزولًا، حيث نزلت بالمدينة، ووفاة أبي طالب كانت بمكة في الإسلام قبل الهجرة اتفاقًا. (^٣)
_________________
(١) تفسير ابن عطية (٨/ ٢٨٨).
(٢) تفسير الطبري (٦/ ٤٨٨).
(٣) تفسير الرازي (١٦/ ٢٠٨).
[ ٦٧١ ]
٢ - أن في حديث المسيب: (وأنزل في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] وهذا يشعر بأن الآية الأولى نزلت في أبي طالب وغيره، وأن الآية الثانية نزلت في أبي طالب وحده.
٣ - أن الرسول ﵊ إنما أتى قبر أمه لما اعتمر، فاستأذن ربه أن يستغفر لها، ولا يصح أن يكون ﵊ قد تقدم بهذا الطلب بعد ثبوت النهي من الله جل وعلا عنه. فدل هذا على أن نزول الآية إنما كان بعد حدوث تلك الأسباب جميعًا. (^١)
وقد رد هذا القول: بأن هذا القول إنما يصح لو كانت جيمع الروايات الواردة في سبب النزول على درجة واحدة من حيث الصحة، ولكن لما كانت الرواية الأولى هي أصح هذه الروايات لورودها في الصحيحين وجب القول بها دون غيرها. (^٢)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية.
والله تعالى أعلم.
_________________
(١) فتح الباري لابن حجر (٧/ ٣٦٧).
(٢) انظر: تفسير الشوكاني (٢/ ٤٢٩) - ومناهل العرفان في علوم القرآن (١/ ٩٨).
[ ٦٧٢ ]