قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة:٤].
قال أبو جعفر الطحاوي: عن عائشة (^١)،
_________________
(١) عائشة هي: عائشة بنت الصديق أبي بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر القرشي. أم المؤمنين، وزوجة الرسول - ﷺ -، وأفقه نساء الأمة على الإطلاق. وكانت وفاتها سنة (٥٧ هـ) (سير أعلام النبلاء - ٢/ ١٣٥).
[ ٨٧ ]
قالت: شكا الناس إلى رسول الله - ﷺ - قحط المطر، فأمر رسول الله - ﷺ - بمنبر، فوضع، ثم صلى، ووعد الناس يخرجون يومًا. فقالت عائشة: وخرج رسول - ﷺ - حين بدا حاجب الشمس، فقعد على المنبر، فحمد الله تعالى، ثم قال: "إنكم شكوتم إلي جدب جنابكم، واستئخار المطر عن إبان زمانه عنكم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم"، ثم قال: "الحمد لله رب العالمين، ملكٍ يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يشاء" (^١)
قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث عن رسول - ﷺ - أنه قرأ في فاتحة الكتاب: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]. لا: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾
وعن أم سلمة (^٢) قالت: كان النبي - ﷺ - يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إلى آخرها، يعدها بأصابع إحدى يديه سبع آيات ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وقرأ: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، ولم يقرأ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. (^٣)
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة - باب رفع اليدين في الاستسقاء (ح ١١٧٣ - ١/ ٦٩٢). وقال هذا حديث غريب إسناده جيد. أهـ. والبيهقي في سننه- كتاب صلاة الاستسقاء - باب ذكر الأخبار التي تدل على أنه دعا أو خطب قبل الصلاة - (ح ٢ - ٣/ ٣٤٩).
(٢) أم سلمة هي: هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله المخزومي، أم المؤمنين، وزوجة الرسول - ﷺ -، وكانت آخر من مات من أمهات المؤمنين، وكانت وفاتها سنة (٦١ هـ). (سير أعلام النبلاء - ٢/ ٢٠١).
(٣) أخرجه الدار قطني في سننه، كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) في الصلاة، والجهر بها، واختلاف الروايات في ذلك - (ح ٢١ - ١/ ٣٠٧) وابن خزيمة في صحيحه - كتاب: الصلاة - باب: ذكر الدليل على أن (بسم الله الرحمن الرحيم) آية من فاتحة الكتاب - (ح ٤٩٣ - ١/ ٢٤٨).
[ ٨٨ ]
وعن ابن أبي حصين (^١) عن جدته أم حصين (^٢) أنها صلت خلف النبي - ﷺ -، فقرأ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]. حتى إذا بلغ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] قال: (آمين) (^٣).
قال أبو جعفر: وهذا الحديث من أحسن ما روي في هذا الباب.
وعن أنس بن مالك (^٤) قال: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]. (^٥). قال أبو جعفر: فكانت هذه الآثار قد تكافأت في (ملك) و(مالك) فلم يكن بعضها أولى من بعض، فطلبنا الوجه في ذلك مما رواه غير من ذكرنا عن رسول - ﷺ -.
فوجدنا. عن سفيان (^٦)
_________________
(١) ابن أبي حصين هو: يحيى بن الحصين الأحمسي البجلي. قال يحيى بن معين وأبو حاتم والنسائي: ثقة روى له مسلم، وأبو داود والنسائي، وابن ماجة (تهذيب الكمال - ٨/ ٢٥).
(٢) أم حصين هي: أم الحصين بنت إسحاق الأحمسية جدة يحيى بن الحصين لها صحبة، روت عن الرسول - ﷺ - وشهدت معه حجة الوداع، روى لها البخاري وغيره. (تهذيب الكمال- ٨/ ٥٩١).
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٢٥/ ٣٨٣).
(٤) أنس هو: أبو حمزة أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله - ﷺ - وتلميذه، وآخر أصحابه موتا، وكانت وفاته سنة (٩٣ هـ) (سير أعلام النبلاء -٣/ ٣٩٥).
(٥) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف (١٠٤).
(٦) سفيان هو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي. ولد سنة (٩٧ هـ) وتوفي بالبصرة سنة (١٦١ هـ) - أحد الأئمة الأعلام قال عنه شعبة. (أمير المؤمنين في الحديث) (طبقات الفقهاء: ٨٤).
[ ٨٩ ]
عن الأعمش (^١) عن أبي صالح (^٢). عن أبي هريرة (^٣) عن النبي - ﷺ - أنه قرأ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]. (^٤)
ووجدنا ابن فضيل (^٥) قال: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: أنه قرأ: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]. (^٦) فاختلف سفيان وابن فضيل، عن الأعمش في هذا الحرف، فرواه كل واحد منهما عنه كما ذكرناه عنه في هذا الباب
ثم نظرنا فيما روي عن أبي هريرة، كيف قرأ هذا الحرف بعد النبي - ﷺ - لنقف به على الصحيح مما قد روي فيه عنه، عن النبي - ﷺ -. فوجدنا عن أبي هريرة: أنه كان يقرؤها: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤].
فقوي في القلوب ما روي عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - بما روي عنه أنه قرأه بعده: (مالِكِ) لا (مَلِكِ).
_________________
(١) الأعمش هو: سليمان بن مهران أبو محمد الأسدي - ولد سنة (٦١ هـ) وكانت وفاته سنة (١٤٧ هـ). (سير أعلام النبلاء - ٦/ ٢٢٦).
(٢) أبي صالح هو: ذكوان بن عبد الله أبو صالح السّمان، مولى أم المؤمنين جويريه الغطفانية، كان من أكبر العلماء بالمدينة، ولد في خلافة عمر﵁ - وكانت وفاته سنة (١٠١ هـ). (سير أعلام النبلاء - ٥/ ٣٦).
(٣) أبو هريرة هو: الصحابي الجليل أبو هريرة عبد الرحمن بن عمير بن عامر الدوسي اليماني، سيد الحفاظ الأثبات، كانت وفاته سنة (٥٧ هـ) (سير أعلام النبلاء - ٢/ ٥٧٨).
(٤) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف (١٠٤).
(٥) ابن فضيل هو: محمد بن فضيل بن غزوان الضَّبَّي الكوفي، مصنف كتاب (الدعاء) وكتاب (الزهد). وغير ذلك - كانت وفاته سنة (١٩٥ هـ). (سير أعلام النبلاء - ٩/ ١٧٣).
(٦) أخرجه ابن أبي داود في المصاحف (١٠٥).
[ ٩٠ ]
ثم نظرنا إلى ما روي في ذلك عن أبي بكر (^١) وعمر (^٢) ﵁ عنهما مما قرآ به هذا الحرف بعد االنبي - ﷺ -، فلم نجد عن أبي بكر شيئًا في ذلك. ووجدنا عن علقمة (^٣) والأسود (^٤) أنهما كانا يقرآن: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤].، وكانا يحدثان أن عمر كان يقرؤها: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]. فقوي في القلوب أن الصحيح عن عمر في ذلك (مالِك) لا (مَلِك). ثم نظرنا في قراءة القراء من بعدهم لذلك الحرف، كيف كانت؟
فوجدنا .. عن الأعمش أنه قرأ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾] الفاتحة:٤].
ووجدنا عن عاصم (^٥): أنه قرأ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾] الفاتحة:٤].
_________________
(١) أبو بكر هو: الصحابي الجليل أبو بكر الصديق عبد الله بن عثمان بن عامر القرشي التيمي، وهو صاحب رسول الله - ﷺ - في الغار وفي الهجرة، والخليفة من بعده، وكانت وفاته سنة (١٣ هـ) (أسد ا لغابة - ٣/ ٣٠٩).
(٢) عمر هو: الصحابي الجليل أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، وهو الخليفة الثاني لرسول الله - ﷺ -، وكانت وفاته سنة (٢٣ هـ) (أسد الغابة - ٤/ ١٤٥).
(٣) علقمة هو: أبو شبل علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك الكوفي، فقيه الكوفة وعالمها ومقرئها، وكانت وفاته سنة (٦٢ هـ). (سير أعلام النبلاء - ٤/ ٥٣).
(٤) الأسود هو: أبو عمرو الأسود بن يزيد بن قيس الكوفي، وكان مخضرمًا أدرك الجاهلية والإسلام وكانت وفاته سنة (٧٥ هـ). (سير أعلام النبلاء -٤/ ٥٠).
(٥) عاصم هو: أبو بكر عاصم بن بهدلة أبي النجود الأسدي أحد القراء السبعة، وهو معدود من التابعين. وكانت وفات سنة (١٢٧ هـ). (معرفة القراء الكبار - ١/ ٨٨).
[ ٩١ ]
ثم رجعنا إلى ماقرأ هذا الحرف عليه غير عاصم، فوجدنا حمزة بن حبيب (^١) قد قرأه: (ملكِ يوم الدين) [الفاتحة:٤]. وأما نافع (^٢) فكان يقرؤها: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]. أيضا
قال أبو عبيد (^٣) ونحن نختار هذه القراءة أيضا، فذكر كلامًا فيه، ولأن (مَلِكًا) فيه ما ليس في (مالِكِ)، لأنه قد يكون (مالكًا) غير (ملكٍ)، ولا يكون (مَلِكًا) إلا (مالكًا)، ولم يختلفوا في قراءة:: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦]. أنه كذلك لا ماسواه.
_________________
(١) حمزة بن حبيب هو: أبو عُمارة حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الكوفي التميمي الزيات، أحد القراء ا لسبعة. ولد سنة (٨٠ هـ) وكانت وفاته سنة (١٥٦ هـ). (معرفة القراء الكبار - ١/ ١١١).
(٢) نافع هو: نافع بن عبد الرحمن بن أبي نُعيم الليثي، المقرئ المدني، أحد القراء السبعة، وكانت وفاته سنة (١٦٩ هـ). (معرفة القراء الكبار - ١/ ١٠٧).
(٣) أبو عبيد هو: القاسم بن سلام الأنصاري، ذو التصانيف الكثيرة في القراءات والفقه واللغة والشعر، وكانت وفاته سنة (٢٢٤ هـ) .. (معرفة القراء الكبار - ١/ ١٧٠).
[ ٩٢ ]
ووجدنا بعض من يحتج لمن قرأها (مالِكِ) يحتج بقول الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران:٢٦]. وكان أولى ما قرأت عليه عندنا - والله أعلم- أن يرجع فيما سمى الله ﷿ به نفسه إلى ما سمى الله به نفسه، فقد سمى الله نفسه في كتابه بما قد تلوناه في: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:١]. وبما ذكره في سورة الحشر من قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر:٢٣]. وبما ذكره في سورة الجمعة في قوله ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ﴾ [الجمعة:١]، فكان ما سمى به نفسه مما قد تلوناه في هذه الآيات أولى ما رد إليه الحرف المختلف فيه الذي قد ذكرناه من (مالكِ) ومن (ملِكٍ) إلى (مَلِكِ) لا إلى (مالكٍ)، وبالله التوفيق.
(شرح مشكل الآثار - ١٤/ ٥ - ٢٤)
الدراسة
بين الإمام الطحاوي عند قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]. قراءة (مالِك) و(مَلِكِ) الواردة في الآية، مع ذكر من قرأبهما، وبعض أوجه ترجيح كلًا من القراءتين، وموافقته لمن رجح قراءة (مَلِكِ يوم الدين):
وإليك أولًا: بيان القراءات الواردة في الآية:
القراءة الأولى: (مَلِكِ): بفتح الميم، وكسر اللام والكاف.
- وهي قراءة: ابن عباس - وابن عمر - وأبي الدرداء - ﵃.
وقراءة: نافع - وابن كثير - وأبي عمرو - وابن عامر - وحمزة. (^١)
القراءة الثانية: (مَالِكِ): بفتح الميم، وزيادة ألف بعد الميم، وكسر اللام والكاف.
- وهي قراءة: أبي بكر - وعمر - وعثمان - وعلي - وأبن مسعود - وأبي بن كعب.
_________________
(١) انظر: الإملاء للعكبري: (١/ ٣). - والتيسير لأبي عمرو (١٨). والحجة لابن خالوية (٦٢) - والسبعة لابن مجاهد (١٠٤) وتفسير الطبري (١/ ١٤٧) - وتفسير الزمخشري (١/ ١١٥).
[ ٩٣ ]
وقراءة: عاصم - والكسائي - وخلف - ويعقوب. (^١)
القراءة الثالثة: (مَلِكُ): بفتح الميم، وكسر اللام، وضم الكاف.
- وهي قراءة: عائشة - سعد بن أبي وقاص - ومورق العجلي - ﵃ (^٢)
ثانيًا: أوجه ترجيح كلًا من القراءتين.
- أ- أوجه ترجيح قراءة: (مَلِكِ يوم الدين):
١ - أن لفظة (مَلِكِ) أعم من لفظة (مالك) إذا كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكا. (^٣)
قال الطبري: (وأولى التأويلين بالآية وأصح القراءتين في التلاوة عندي: التأويل الأول، وهي قراءة من قرأ (مَلِكِ) بمعنى: المُلك، لأن في الإقرار له بالانفراد بالملك، إيجابًا لانفراده بالمِلْكِ، وفضيلة زيادة الملك على المَالك، إذ كان معلومًا أن لامَلِك إلا وهو مالكُ، وقد يكون المالك لاملكًا.) (^٤).
وقد ذكر الإمام الطحاوي هذا الوجه في الترجيح نقلًا عن أبي عبيد القاسم بن سلام.
٢ - أن الله تعالى قد أخبر عباده في الآية التي قبل هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة:٢ - ٣]. قد أخبرهم بأنه مالك جميع العالمين، والرحيم بهم في الدنيا والآخرة.
وعلى هذا فقراءة (مالك) تكرار وإعادة لما قد وصف الله به نفسه في الآية المتقدمة.
أما قراءة (مَلِكِ) فليس فيها تكرار للمعنى المتقدم، إذ أن قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] بمعنى إخلاص المُلك له يوم الدين. (^٥).
_________________
(١) انظر: تفسير ابن عطية (١/ ٦٦) - وتفسير أبي حيان (١/ ٣٦).
(٢) تفسير أبي حيان (١/ ٣٦).
(٣) الحجة لابن خالويه (٦٢).
(٤) تفسير الطبري (١/ ٩٥).
(٥) تفسير الطبري (١/ ٩٥).
[ ٩٤ ]
قال أبو علي الفارسي في رد هذا الوجه: (ولا حجة في هذا، لأن في التنزيل أشياء على هذه الصورة، تقدم العام ثم ذكر الخاص، كقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر:٢٤] فالخالق يعم، وذكر المصور لما في ذلك من التنبيه على الصنعة ووجوه الحكمة) (^١)
٣ - أن (مَلِكِ) أبلغ في الوصف والمدح من (مالك)، وذلك لعموم تصرفه فيمن حوته مملكته، وقصر تصرف المالك على ملكه، فالمَلك يفيد الامر وسعة المقدرة (^٢)
٤ - أن (مَلِكِ) أوفق لألفاظ القرآن، حيث وصف الله به نفسه في عموم كتابه.
مثال ذلك: قوله جل ذكره: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ [طه:١١٤].
وقوله: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾] الناس:٢] وقوله: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾] الحشر:٢٣].
وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦]، فقد وصف الله جل وعلا ذاته بأنه الملك يوم القيامة والقرآن يعضد بعضه بعضًا، وتتناسب معانيه (^٣).
وقد ذكر إلامام الطحاوي هذا الوجه في الترجيح لقراءة: (مَلِكِ يوم الدين).
٥ - أن (مَلِكِ) قراءة أهل الحرمين، وهم أولى الناس بأن يقرأوا القرآن غضًا طريًا كما أنزل، وقراؤهم هم الأعلون رواية وفصاحة. (^٤)
٦ - أن قراءة (مَلِكِ يوم الدين) لا تقتضي حذفًا، بخلاف قرءة (مالك).
قال ابن جزي: (وقراءة الجماعة أرجح من ثلاثة أوجه:
٣ - أنها لا تقتضي حذفًا، والأخرى، (مالك) تقتضيه، لأن تقديرها: (مالك الأمر، أو مالك مجيء يوم الدين). والحذف على خلاف الأصل.
_________________
(١) تفسير ابن عطية (١/ ٧٠).
(٢) انظر: تفسير السمرقندي (١/ ٨٠) وتفسير أبي حيان (١/ ٣٩) - والفروق اللغوية للعسكري (١٨٢).
(٣) انظر: تفسير السمعاني (١/ ٣٦) - وتفسير القاسمي (١/ ٢٢٢) - وتفسير البغوي (١/ ٥٣).
(٤) انظر: تفسير الزمخشري (١/ ١١٥) - وتفسير القاسمي (١/ ٢٢٢) - وتفسير ابن الجوزي (١/ ٩).
[ ٩٥ ]
وأما قراءة الجماعة فإضافة (ملك) إلى (يوم الدين). فهي على طريقة الإتساع، وأجرى الظرف مجرى المفعول به. والمعنى على الظرفية، أي المَلِكَ في يوم الدين)
٧ - أن قراءة (مَلِكِ) وهي أول القرآن. توافق قوله (ملك الناس) وهي آخر القرآن (^١).
- وقد اختار هذه القراءة (مَلِكِ يوم الدين): أبوعبيد، وأبو العباس المبرد، وأبو جعفر النحاس، وأبو جعفر الطبري، ومحمود الزمخشري، وابن الجوزي، وابن جزي الكلبي.
- ب- أوجه ترجيح قراءة (مَالِكِ يوم الدين):
١ - أن (مالك) أبلغ في المدح من (مَلِكِ)، لأنه قد يكون ملكًا على من لا يملك، كما يقال: (ملك العرب) وإن كان لا يملكهم، ولا يكون (مالكًا) إلا على من يملك (^٢).
قال أبو حاتم: (إن (مالكًا) أبلغ في مدح الخالق من (ملك) والفرق بينهما: أن المالك من المخلوقين قد يكون غير ملك، وإذا كان الله تعالى مالكًا، كان ملكًا) (^٣)
٢ - أن (المَلك) داخل تحت (المالك) (^٤) والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران:٢٦]. وقد ذكر الإمام الطحاوي هذا الوجه حجة لمن قرأ (مالك يوم الدين).
٣ - أن المالكية سبب لإطلاق التصرف، والملكية ليست كذلك (^٥).
(فالمالك) هو من اتصف بصفة الملك، التي من آثارها أن يأمر وينهى، ويثيب ويعاقب، ويتصرف بمماليكه بجميع أنواع التصرفات (^٦).
٤ - أن (مالك) أمدح لحسن إضافته إلى من لا تحسن إضافة (ملك) إليه.
نحو: مالك الجن والإنس والطير والملائكة والسماء والأرض والسحاب.
فـ (مالك) أجمع وأوسع لشموله العقلاء وغيرهم.
_________________
(١) انظر: تفسير ابن جزي (١/ ٤٦) وتفسير أبي حيان (١/ ٣٩).
(٢) تفسير الماوردي (١/ ٥٦).
(٣) تفسير القرطبي (١/ ١٥٧).
(٤) الحجة لابن خالويه (٦٢).
(٥) تفسير الرازي (١/ ٢٣٨).
(٦) تفسير السعدي (١/ ٣٥).
[ ٩٦ ]
أما (ملك) فلا يحسن إضافته إلا إلى الملائكة والإنس والجن. (^١)
٥ - أن في (مَالِكِ) حرفًا زائدًا على قراءة (مَلِكِ) فكانت قراءته أكثر ثوابًا.
وذلك لأن لقارئ القرآن بكل حرف عشر حسنات.
فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: (من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول (الم) حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) (^٢).
قال أبو حيان: (ولزيادته في البناء، والعرب تعظم بالزيادة في البناء) (^٣).
٦ - أن الإنقياد والخضوع في المالكية، أكمل منه في الملكية، بيان ذلك:
أن الملك ملك للرعية، والمالك مالك للعبيد. والعبد مملوك فهو أقل حالًا من الرعية، كما أنه لا يمكنه إخراج نفسه عن كونه مملوكًا لذلك المالك باختيار نفسه، كما أن عليه خدمة المالك، وأن لا يستقل بأمر إلا بإذن مولاه. والرعية على خلاف كل هذا.
فثبت بذلك أن الإنقياد والخضوع في المالكية أعلى منه في الملكية (^٤).
- وقد اختار هذه القراءة (مَالِكِ يوم الدين): أبو حاتم السجستاني، وأبو عبيدة، وأبو بكر ابن العربي
- الترجيح: قراءة (مَالِكِ يوم الدين) و(مَلِكِ يوم الدين) كلاهما قراءة صحيحة، ثبت عن الرسول - ﷺ - القراءة بهما، وأخطأ من رجح إحداهما على الأخرى.
_________________
(١) انظر: معاني القرآن للنحاس (١/ ٦١) والفروق اللغوية للعسكري (١٨٢) وتفسير أبي حيان (١/ ٣٩) وتفسير البغوي (١/ ٥٣).
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب ثواب القرآن - باب ما جاء فيمن قرأ حرفًا من القرآن (حـ ٢٩١٥ - ١١/ ٣٤) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه أهـ. وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (حـ ٨٦٤٧ - ٩/ ١٣٠).
(٣) تفسير أبي حيان (١/ ٣٩).
(٤) تفسير الرازي (١/ ٢٣٨).
[ ٩٧ ]
وهكذا كل ما ثبت عن الرسول - ﷺ - من القراءات لا يفضل بعضها على بعض فالكل منزل من عند الله، إذا كل قراءة منها مع الأخرى، بمنزلة الآية مع الآية، يجب الإيمان بها كلها واتباع ما تضمنته من المعنى علمًا وعملًا (^١).
قال ابن كثير: وقد رجح كلًا من القراءتين مرجحون من حيث المعنى، وكلاهما صحيحة حسنة (^٢).
وقد ذهب إلى هذا القول: أبو المظفر السمعاني، وابن كثير، وابن عطية، والقرطبي، والقاسمي.
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي من ترجيح لقراءة (مَلِكِ يوم الدين) هو خلاف القول الأولى، إذ الأولى الأخذ بالقراءتين جميعًا بدون ترجيح لإحداهما على الأخرى. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة:٦].
قال أبو جعفر الطحاوي: ورأينا الدعاء له بالهداية دعاء قد يكون على واحد من وجهين:
أحدهما: الدلالة على الأشياء المحمودة.
ومن ذلك قوله الله ﷿ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]. ..
والآخر: الثبوت على الأمور المحمودة.
ومن ذلك قول الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧].
(شرح مشكل الآثار - ١٠/ ١٨١ - ١٨٢)
_________________
(١) انظر: النشر في القراءات العشر (١/ ٥١)، وتفسير البغوي (١/ ٥٣) وتفسير ابن عطية (١/ ٦٨) وتفسير السمعاني (١/ ٣٧) وتفسير القرطبي (١/ ١٥٦). وتفسير القاسمي (١/ ٢٢٣).
(٢) تفسير ابن كثير (١/ ٢٦).
[ ٩٨ ]
الدراسة
بين الإمام الطحاوي أن المراد بالهداية في الآية: هدية الدلالة والإرشاد إلى الأمور المحمودة.
وهذا القول هو قول أئمة أهل اللغة، كما هو قول جمهور المفسرين.
وإليك أولًا: بيان معنى الهداية في اللغة:
الهداية في اللغة تكون بمعنى: الدلالة والإرشاد.
قال الفيروز آبادي: الهُدى بضم الهاء وفتح الدال: الرشاد والدلالة (^١).
وقال ابن فارس: الهاء والدال والحرف المعتل: أصلان، أحدهما: التقدم للإرشاد، والآخر: بعثة لطف.
فالأول كقولهم: (هديته الطريق هداية)، أي: تقدمته لأرشده. وكل متقدم لذلك هاد. (والهادية): العصا، لأنها تتقدم ممسكها كأنها ترشده (^٢).
وقال الأصمعي: هداه يهديه في الدين هُدى، وهداه يهديه هداية: إذا دله على الطريق (^٣).
وقال أبو جعفر النحاس: وأصل هَدَى: أرشد، والمعنى: أرشدنا إلى الصراط المستقيم (^٤).
ثانيًا: بيان أقوال المفسرين في المراد (بالهداية) في قوله جل وعلا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦].
القول الأول: أن المراد بـ (اهدنا) أي: دلنا وأرشدنا ووفقنا إلى الصراط المستقيم.
قال ابن كثير: (والهداية ههنا: الإرشاد والتوفيق) (^٥).
وقال القرطبي: (المعنى: دلنا على الصراط المستقيم وأرشدنا إليه) (^٦).
القول الثاني: أن المراد: بـ (اهدنا): الثبات والزيادة.
قال أبو المظفر السمعاني: (ذلك بمعنى طلب مزيد الهداية. ويكون بمعنى سؤال للتثبيت، (اهدنا) بمعنى: ثبتنا، كما يقال للقائم: (قم حتى أعود إليك)، أي: اثبت قائمًا) (^٧).
_________________
(١) القاموس المحيط (مادة: هدى- ١٧٣٣).
(٢) معجم مقاييس اللغة (مادة: هدى - ٦/ ٤٢).
(٣) تهذيب اللغة للأزهري (مادة: هدى - ٦/ ٣٧٨).
(٤) معاني القرآن للنحاس (١/ ٦٦).
(٥) تفسير ابن كثير (١/ ٢٩).
(٦) تفسير القرطبي (١/ ١٦٤).
(٧) تفسير السمعاني (١/ ٣٨).
[ ٩٩ ]
قال ابن جزي: (ذلك طلب للثبات على الهدى إلى الموت، أو الزيادة منه، فإن الإرتقاء في المقامات لانهاية له) (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على من قال بهذا القول: (ولهذا كان أنفع الدعاء وأعظمه وأحكمه: دعاء الفاتحة ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة:٦] فإنه إذا هداه هذا الصراط، أعانه على طاعته وترك معصيته، فلم يصبه شره في الدنيا ولا في الآخرة.
لكن الذنوب هي من لوزم نفس الإنسان، وهو محتاج إلى الهدى في كل لحظة ..، ليس كما يقوله طائفة من المفسرين: إنه قد هداه فلماذا يسأل الهدى؟ وأن المراد بسؤال الهدى: الثبات، أو مزيد الهداية. بل العبد محتاج إلى أن يعلمه ربه ما يفعله من تفاصيل أحواله، وإلى ما يتولد من تفاصيل الأمور في كل يوم، وإلى أن يلهم أن يعمل ذلك) (^٢).
فشيخ الإسلام ابن تيمية يرى أن المراد بالهداية في الآية: الدلالة والإرشاد، لأن العبد وإن كان من المؤمنيين فإنه عن الدلالة إلى كل خير ليس من المستغنين. في كل وقت وحين.
القول الثالث: أن المراد (اهدنا): جميع الأقوال المتقدمة.
إذ أن هذه الأقوال اختلفت باختلاف أنظار قائليها إلى أبعاض الهداية وجزئياتها، والجميع يصح أن يكون مرادًا بالآية، إذ لا تنافي بينها، فهذا اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد (^٣).
قال ابن عطية: (والهداية في اللغة الإرشاد، لكنها تتصرف على وجوه يعبر عنها المفسرون بغير لفظ الإرشاد، وكلها إذا تؤملت رجعت إلى الإرشاد) (^٤).
الترجيح: القول الثالث هو القول الراجح في المراد بالهداية في الآية.
_________________
(١) تفسير ابن جزي (١/ ٤٦).
(٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٤/ ٣٢٠) و(١٤/ ٣٧).
(٣) تفسير القاسمي (١/ ٢٢٨).
(٤) تفسير ابن عطية (١/ ٧٧).
[ ١٠٠ ]
فالأولى أن يقال: إن المراد بـ (اهدنا): أي: ثبتنا على ما نحن عليه مهتدون، وزدنا هدنًا فيما نحن فيه مقصرون، وأرشدنا إلى ما نحن به جاهلون (^١).
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو أحد الأقوال الواردة في المراد بالآية.
والله تعالى أعلم.
_________________
(١) تفسير ابن عطية (١/ ٨٠).
[ ١٠١ ]