قصر العام على بعض أفراده
وذلك أن اللفظ أحيانًا قد يصدق على عدة معان ويطلق عليها ويحتملها كلها أو يقصد به مجموعها، فلو قيل بأحدها فقط وطرح الباقي، ولم يلتفت إليه لكان اطراحًا لمعان حقه هي جزء من مدلولات اللفظ.
وإليك الأمثلة لذلك:
المثال الأول: صفحة "٥٠" من سورة البقرة الآية رقم "٢٥٥" في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ .
قال المؤلف: " وهو العلي: فوق خلقه بالقهر ".
وفي سورة النحل الآية رقم "٥٠" في قوله تعالى:
[ ٤١ ]
﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِ﴾ .
قال المؤلف: "أي عاليًا عليهم بالقهر".
قلت: هذا قصر لمعنى "العلي" على أحد مدلولاته وإغفال لباقي ما يدل عليه هذا الاسم من المعاني فإنه سبحانه العلي بذاته العلي على جميع مخلوقاته وهو العلي بعظمة صفاته وهو العلي الذي قهر المخلوقات ودانت له الموجودات وخضعت له الكائنات فلابد من إثبات كل هذه المعاني لله.
المثال الثاني: سورة النحل الآية رقم "٣٦" في قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ .
قال المؤلف: "الطاغوت: الأوثان".
قلت: الطاغوت كل ما عبد من دون الله وهو راضٍ بالعبادة.
[ ٤٢ ]
المثال الثالث: صفحة "٦٧٤" من سورة الأعراف الآية رقم "١٨٠" في قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ . والآية "٢٤" من سورة الحشر في قوله تعالى: ﴿لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ .
قال المؤلف: "التسعة والتسعون الوارد بها الحديث".
قلت: التسعة والتسعون من أسماء الله الحسنى لأن أسماء الله غير محصورة بعدد لقوله ﷺ: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك" ١.
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد "١/٣٩١" والطبراني في الكبير "١٠/٢٠٩-٢١٠" وابن حبان كما في موارد الظمأن ص"٥٨٩" كلهم من طريق عبد الرحمن بن عبد الله، عن عبد الله بن مسعود وأورده الهيثمي في المجمع "١٠/١٣٦" قال: "رجاله أحمد وأبي يعلي رجال الصحيح غير أبي سلمة الجهني وقد وثقه ابن حبان".
[ ٤٣ ]
المثال الرابع: صفحة "٧٤٧" من سورة البينة الآية رقم "١" في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ .
قال المؤلف: " أي عبدة الأصنام".
قلت: فيه نظر فالمشركون عباد الصالحين والقبور والجن والأشجار والأحجار فإن غالب المشركين كانوا عبدة للصالحين، وهذا كان مبدأ الشرك في الأرض، الغلو في الصالحين ثم اتخاذ أصنام بأشكالهم ثم عبادتهم من دون الله.
المثال الخامس: صفحة "٧٥٣" من سورة الكافرين الآية رقم "٢" في قوله تعالى: ﴿أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ .
[ ٤٤ ]
قال المؤلف: "ما تعبدون: من الأصنام".
قلت: قوله ما تعبدون أي الأصنام فيه نظر؛ لأنه قصر للعام على بعض أفراده، والصواب المعبودات سواء كان من الصالحين أو القبور أو الأشجار أو الأصنام، يقول: قل لهم: لا أعبد ما تعبدن من دون الله من هذه المعبودات الباطلة التي اتخذتموها من دونه، ولا أصرف لها شيئًا من العبادة، بل إنما أتوجه بعبادتي وأصرفها لله تعالى الذي يستحقها وأبيتم أن تعبدوه.
[ ٤٥ ]