بدأت السورة بتقسيم الناس إلى ثلاثة أقسام (مؤمنين، كافرين، منافقين)، مع توضيح صفات كل منهم كما في الآيات (٢٠: ٢).
تجارب الاستخلاف في الأرض:
التجربة الأولى: عرضت السورة أول تجربة استخلاف في الأرض متمثلة في أبينا (آدم ﵇)، فكانت بمثابة التمهيد، ومن خلال هذه التجربة تبين لنا الآيات عداوة إبليس القديمة وأنه لا يدَّخر وقتًا ولا جهدًا لمحاربتنا وإغوائنا هو وقبيلُه، فنحن إذًا في حرب شرية ولا نجاة لنا منها ولا
[ ٢٨ ]
نَصْر إلا بالاعتصام بالله، والانقياد لأوامره، واجتناب نواهيه، كما في الآيات (٣٩: ٣٠).
التجربة الثانية: عرضت السورة ثاني تجربة استخلاف في الأرض، متمثلة في (بني إسرائيل)، وبينت كيف أنعم الله عليهم وفضَّلهم على أهل زمانهم، وجعل فيهم الأنبياء، ووسَّع لهم من فضله وعطائه، وكيف قابلوا ذلك (بالكفر والعصيان والجحود)، فضيعوا الأمانة، وفشلوا في تحمل المسؤولية، كما في الآيات (١٢٣: ٤٠).
التجربة الثالثة: عرضت السورة تجربة ناجحة للاستخلاف في الأرض، متمثلة في أبي الأنبياء (إبراهيم ﵇)، فكان نموذجًا صالحًا رائعًا فأدَّى الأمانة، ونجح في المهمة، كما في الآيات (١٤١: ١٢٤).
إذن: بدأت السورة بالتجربة الأولى؛ للتمهيد وخُتِمت بالتجربة الناجحة، لرفع المعنويات، وأتت بينهما بالتجربة الفاشلة؛ لنأخذ الدروس والعبر، ونتعلم من الأخطاء، (كان هذا الجزء الأول من السورة).
المنهج والدستور:
ثم جاء الجزء الثاني، يوضح للأمة المنهج والدستور الذي يسيرون عليه؛ لتحقيق مهمة الاستخلاف في الأرض، وجاء هذا المنهج وهذا الدستور مرتبًا على مراحل مناسبًا لأحوال الأمة، ونفوس وطبائع أفرادها، على النحو التالي:
١. التميز عن الأمم السابقة والتخلص من التبعية (١٤١، ١٠٦، ١٠٤).
[ ٢٩ ]
٢. التوازن والوسطية في التميز (١٥٨).
٣. اختبارات عملية للطاعة (١٥٠: ١٤٢).
٤. تفصيل المنهج والتشريعات:
أ - إباحة طيبات الأرض كلها، إلا ما حرم الله، واستثنى (١٧٣: ١٧٢).
ب - جنائي (١٧٩: ١٧٨).
ت - التنبيه على أهمية (الوصية) (١٨٢: ١٨١: ١٨٠).
ث - تشريع تعبدي (الصيام) (١٨٧: ١٨٣).
ج - تشريع الجهاد والقتال (٢١٦: ٢٠١٨: ١٩٥: ١٩٠).
ح - تشريع الحج (٢٠٣: ١٩٦: ١٨٩).
خ - تشريع أحكام الأسرة:
- الزواج (٢٢١).
- الإيلاء (٢٢٦).
- الطلاق (٢٢٧ إلى ٢٣٢).
- الخُلع (٢٢٩).
عند قوله تعالى فَإِن خِفتُم أَلّا يُقيما حُدودَ اللَّهِ. . . .﴾، إلى آخر الآية.
- العِدَّة للمطلقة والأرملة (٢٣٤: ٢٢٨).
- النفقة والمتعة (٢٤١: ٢٤٠: ٢٣٧: ٢٣٦).
- الرضاع (٢٣٣).
- الحيض (٢٢٣: ٢٢٢).
[ ٣٠ ]
تأمل معي: تدرجت السورة تدرجًا رائعًا:
١ - تحقيق التميز ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
٢ - التوازن في التميز ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ. . .﴾.
٣ - الإتجاه ليس كل شيء ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. . .﴾ بل القضية إصلاح شامل والتزام كامل.
٤ - مفردات الإصلاح الشامل (التشريعات والأحكام).
وهنا سؤال (لماذا اختلطت التشريعات ولم تكن مرتبة؟)
تشريع جنائي ثم تعبدي، لم يأت تشريع العبادات منفصلًا عن غيره من الأحكام؛ تأكيدًا على شمولية المنهج، وأنه يتناول كل مظاهر الحياة.
وسؤال آخر (لماذا جاءت أحكام الأسرة متأخرة عن أحكام العبادات؟)
- لأنه لا بد من إعداد النفوس والقلوب، عن طريق الالتزام بالعبادة والتقوى؛ لتتمكن من تلقي هذه الأحكام بالقبول، والانقياد ولتيسير الالتزام بها.
- ولذلك تجد هذه الآيات ختمت بتقوى الله، ومراقبته، والتذكير بعلمه سبحانه، كما في الآيات ﴿٢٣١، ٢٣٣، ٢٣٤، ٢٣٧، ٢٤١﴾
فالأخلاق والعمل مرتبطان دائمًا في شريعتنا.
[ ٣١ ]
- ثم عرضت السورة المباركة لنا قصة (طالوت وجالوت) وهي تحكي عن طائفتين من بني إسرائيل مع الاستخلاف في الأرض، فشلت الأولى منهم في المهمة بسبب (الخوف من لقاء العدو - التولي عند اللقاء - عصيانهم لنبيهم ﵇ - قياس النصر والهزيمة دوما بالمعايير المادية فقط دون الأخذ في الاعتبار بالمقاييس الربانية الإيمانية).
ونجحت الطائفة الثانية بسبب (شجاعتها وصدقها وطاعتها وقوة يقينها وتوكلها).
- وهذه القصة السابقة للتأكيد على أهمية القتال؛ لحماية المنهج، وأن الجبناء والخائفين لا يصلحون لحمل المسؤولية، وأداء الأمانة الربانية.
- ثم عرضت السورة المباركة التشريع المالي الاقتصادي، مع بيان بعض تفاصيله والتحذير الشديد من (الربا)؛ لأنه من أكبر الكبائر.
كما في الآيات ﴿١٩٥، ٢١٥، ٢٤٥، ٢٥٤، ٢٦١: ٢٨٣﴾.