وتعدى على علم في وصيته فأصلح١ بينهم، أي: بين الموصي والموصى لهم فلا إثم عليه في إصلاح الخطأ وتصويب الخطأ والغلط، وختم هذا الحكم بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وعدًا بالمغفرة والرحمة لمن أخطأ غير عامد.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- نسخ الوصية للوارثين مطلقًا بإجازة٢ الورثة.
٢- استحباب٣ الوصية بالمال لمن ترك مالًا كثيرًا يوصي به في وجوه البر والخير.
٣- تأكد الوصية حضر٤ الموت أو لم يحضر لمن له أو عليه حقوق خشية أن يموت فتضيع الحقوق فيأثم بإضاعتها.
٤- حرمة تبديل الوصية وتغييرها إلى غير٥ الصالح.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾
شرح الكلمات:
كتب
: فرض وأثبت.
_________________
(١) ١ من أوصى بما لا يجوز الانتفاع به أو تناوله واستعماله كمن أوصى أو بناء قبة على ميت أو إحياء بدعة مولد ونحوه فإنه يجوز تبديله بما هو جائر ولا يصح إمضاؤه. ٢ الحديث الصحيح: "فلا وصية لوارث". ٣ لحديث سعد في الصحيح. ٤ لحديث ابن عمر ﵄ في الصحيح. ٥ يجوز تبديل الوصية إذا كان فيها جور أو محرم لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ .
[ ١ / ١٥٩ ]
الصيام: لغة الإمساك، والمراد به هنا: الامتناع عن الأكل والشرب وغشيان النساء من طلوع الفجر إلى غروب الشمس١.
أيامًا معدودات: تسعة وعشرون أو ثلاثون يومًا بحسب شهر رمضان.
فعدة من أيام أخر: فعل من أفطر لعذر المرض أو السفر فعليه صيام أيام أخر بعدد الأيام التي أفطر فيها.
يطيقونه: أي: يتحملونه بمشقة لكبر سن أو مرض لا يرجأ برؤه.
فدية طعام مسكين: فالواجب على من أفطر لعذر مما ذكر أن يطعم على كل يوم مسكينًا، ولا قضاء عليه.
فمن تطوع خيرًا: أي: زاد على المُدّين٢ أو أطعم أكثر من مسكين فهو خير له.
وأن تصوموا خيرًا: الصيام على من يطيقه ولو بمشقة خير من الإفطار مع الطعام.
معنى الآيتين:
لما هاجر الرسول ﷺ وأصبحت دار إسلام أخذ التشريع ينزل ويتوالى، ففي الآيات السابقة كان حكم القصاص والوصية ومراقبة الله في ذلك، وكان من أعظم ما يكون في المؤمن من ملكة التقوى الصيام، فأنزل الله تعالى فرض الصيام في السنة الثانية للهجرة، فناداهم بعنوان الإيمان: يا أيها الذين آمنوا. وأعلمهم أنه كتب عليهم الصيام كما كتبه على الذين من قبلهم من الأمم السابقة، فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ علل ذلك بقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي: ليعدكم به للتقوى التي هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي، لما في الصيام من مراقبة الله تعالى، وقوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ ذكره ليهون به عليهم كلفة الصوم ومشقته، إذ لم يجعله شهورًا ولا أعوامًا. وزاد في التخفيف أن أذن للمريض والمسافر أن يفطر ويقضي بعد الصحة أو العودة من السفر فقال لهم: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى٣ سَفَرٍ٤ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ كما أن غير المريض والمسافر إذا
_________________
(١) ١ أي بنية امتثال أمر الله تعالى به، أو بنية التقرب إليه ﷿. ٢ هل الواجب مد أو مدان خلاف، فمن الفقهاء من يرى مدين، ومنهم من يرى مدًا واحدًا، والمد: الحفنة بحفنة الرجل المعتدل بين القصر والطول. ٣ أي في حالة سفر فلذا لا ينبغي لمن عزم على السفر أن يفطر حتى يغادر بلده المقيم به شأن الصيام كشأن الصلاة فلا يقصر حتى يغادر مباني البلد. ٤ أي فالواجب صيام عدة من أيام أخر.
[ ١ / ١٦٠ ]
كان يطيق الصيام بمشقة وكلفة شديدة له أن يفطر ويطعم على كل يوم مسكينًا، وأعلمهم أن الصيام في هذه الحال خير. ثم نسخ هذا الحكم الأخير بقوله في الآية الآتية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يريد: تعلمون فوائد الصوم الدنيوية والآخروية، وهي كثيرة أجلها مغفرة الذنوب وذهاب الأمراض.
هداية الآيات
من هداية الآيات:
١- فرضية الصيام وهو شهر رمضان.
٢- الصيام يربي ملكة التقوى في المؤمن.
٣- الصيام يكفر الذنوب لحديث: "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه".
٤- رخصة الإفطار للمريض١ والمسافر.
٥- المرأة الحامل أو المرضع دل قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أنه يجوز لهما الإفطار مع القضاء، وكذا الشيخ الكبير فإنه يفطر ولا يقضي، والمريض مرضًا لا يرجى برؤه كذلك. إلا أن عليهما أن يطعما عن كل يوم مسكينًا بإعطائه حفنتي طعام كما أن المرأة الحامل والمرضع٢ إذا خافت على حملها أو طفلها أو على نفسها أن عليها أن تطعم مع كل صوم تصومه قضاء مسكينًا.
٦- في الصيام فوائد دينية واجتماعية عظيمة أشير إليها بلفظ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
من هذه الفوائد:
١- يعود الصائم الخشية من الله تعالى في السر والعلن.
٢- كسر حدة الشهوة، ولذا أرشد العازب٣ إلى الصوم.
٣- يربي الشفقة والرحمة في النفس.
٤- فيه المساواة بين الأغنياء والفقراء والأشراف٤ والأوضاع.
_________________
(١) ١ المريض له حالتان. الأولى: أن يكون مرضه شديدًا فهذا يجب عليه أن يفطر. والثانية: أن يكون مرضه غير شديد فيستحب له الفطر. ٢ في الكلام إجمال وهذا تفصيله: الحامل والمرضع إذا خافتا على طفليهما فعليهما القضاء والإطعام، وإن خافتا على نفسيهما فعليهما الصيام دون الإطعام. ٣ لحديث: "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه فإنه له وجاء" أي خصاء. ٤ الأشراف: جمع شريف، والأوضاع: جمع وضيع، وهو الدنيء.
[ ١ / ١٦١ ]