هداية الآية الكريمة
من هداية الآية:
١- وجوب الجهاد على أمة الإسلام ما بقيت فتنة في الأرض وشرك فيها.
٢- جهل الإنسان بالعواقب يجعله يحب المكروه، ويكره المحبوب.
٣- أوامر الله كلها خير، ونواهيه١ كلها شر. فلذا يجب فعل أوامره واجتناب نواهيه.
﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾
شرح الكلمات:
﴿الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾: أي المحرم: قتال بدل اشتمال من الحرام، إذ السؤال عن القتال في الشهر الحرام (رجب) .
﴿كَبِيرٌ﴾: أي ذنب عظيم.
﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾: صرف عن دين الله.
_________________
(١) ١ المراد بالأوامر: ما أمر الله تعالى به في كتابه وعلى لسان رسوله من المعتقدات والعبادات والأحكام، ومن النواهي ما نهى الله عنه في كتابه وعلى لسانه رسوله من المعتقدات الباطلة والعبادات المبتدعة والأحكام الفاسدة.
[ ١ / ١٩٧ ]
﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾: كفر بالله تعالى.
﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: مكة والمسجد الحرام فيها.
﴿أَهْلِهِ﴾: النبي ﷺ والمهاجرون.
﴿أَكْبَرُ﴾: أعظم وزرًا.
﴿وَالْفِتْنَةُ﴾: الشرك واضطهاد المؤمنين ليكفروا.
﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ١﴾: بطل أجرها فلا يثابون عليها لردتهم.
﴿هَاجَرُوا﴾: تركوا ديارهم خوف الفتنة والاضطهاد في ذات الله.
معنى الآيتين:
لما أخبر تعالى أنه كتب على المؤمنين القتال أرسل النبي ﷺ سرية بقيادة عبد الله بن جحش إلى بطن نخلة يتعرف على أحوال الكفار. فشاء الله تعالى أن يلقى عبد الله ورجاله عيرًا لقريش فقاتلوهم فقتلوا منهم رجلًا يدعى عمرو بن الحضرمي وأسروا اثنين وأخذوا العير وقفلوا راجعين وكان ذلك في آخر يوم من جمادى الثانية، وهي أول ليلة من رجب. فثارت ثائرة قريش وقالت: محمد يحل الشهر الحرام بالقتال فيه، وردد صوتها اليهود، والمنافقون بالمدينة حتى أن الرسول ﷺ وقف العير والأسيرين ولم يقض فيهما بشيء، وتعرض عبد الله بن جحش ورفاقه لنقد ولوم عظيمين من أكثر الناس، وما زال الأمر كذلك حتى أنزل الله تعالى هاتين الآيتين ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ٢ قِتَالٍ فِيهِ﴾ أي: عن القتال فيه، أجبهم يا رسولنا وقل لهم القتال فيه وزر كبير بيد أن الصد عن دين الله والكفر به تعالى، وكذا الصد عن المسجد الحرام، وإخراج الرسول منه والمؤمنين وهم أهله وولاته بحق أعظم وزرًا في حكم الله تعالى، كما أن شرك المشركين في الحرم وفتنة المؤمنين فيه لإرجاعهم عنه دينهم الحق إلى الكفر بشتى أنواع التعذيب أعظم من القتل في الشهر الحرام. مضافًا إلى كل هذا عزمهم على قتال المؤمنين إلى أن يردوهم عن دينهم إن استطاعوا. ثم أخبر تعالى المؤمنين محذرًا إياهم من الارتداد مهما كان العذاب أن من يرتد عن دينه ولم يتب بأن مات كافرًا فإن
_________________
(١) ١ إن وفاهم الموت على ذلك أما إن تابوا وماتوا على الإسلام ففي إثباتهم على أعمالهم قبل الردة خلاف انظره على الصفحة التالية تحت رقم ١. ٢ هذا كان قبيل نسخ حرمة القتال في الشهر الحرام.
[ ١ / ١٩٨ ]
أعماله الصالحة كلها١ تبطل ويصبح من أهل النار الخالدين فيها أبدًا. هذا ما تضمنته الآية الأولى، أما الآية الثانية (٢١٨) ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا٢﴾ فقد نزلت في عبد الله بن جحش وأصحابه طمأنهم الله تعالى على أنهم غير آثمين لقتالهم في الشهر الحرام كما شنع عليهم الناس بذلك، وأنه يرجون رحمة الله أي الجنة وأنه تعالى غفور لذنوبهم رحيم بهم، وذلك لإيمانهم وهجرتهم وجهادهم في سبيل الله، وقال تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ٣ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
هداية الآيتين
من هداية الآيتين:
١- حرمة الشهر الحرام والبلد الحرام.
٢- نسخ القتال في الشهر الحرام بدليل قتال الرسول ﷺ هوازن وثقيف في شوال وأول القعدة وهما في الأشهر الحرم.
٣- الكشف عن نفسية الكافرين وهي عزمهم الدائم على قتال المسلمين إلى أن يردوهم عن الإسلام ويخرجوهم منه.
٤- الردة٤ محبطة للعمل فإن تاب المرتد٥ يستأنف العمل من جديد، وإن مات قبل التوبة فهو من أهل النار الخالدين فيها أبدًا.
٥- بيان فضل الإيمان والهجرة والجهاد في سبيل الله.
_________________
(١) ١ على هذا مالك وأبو حنيفة خلافًا للشافعي إذ يرى رحمه الله تعالى أن من ارتدد ثم تاب يعود إليه كل عمل صالح عمله قبل الردة فلا يعيد الحج إذا حج، والراجح ما قررناه في التفسير إذ أقل ما يقال عليه إعادة الحج طمعًا في مغفرة ذنوبه وعدم مؤاخذاته، أما من مات كافرًا فالإجماع على خلوده في النار، ودليل الجمهور قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الآية، وحمله الشافعي على أنه مطلق مقيد بآية الموت على الكفر فما دام لم يمت كافرًا فإن أعماله قبل الردة لا تبطل، والله أعلم. ٢ نقل فعل هجر الشيء إذا تركه إلى هاجر، وهي صيغة المفاعلة إما أنه للمبالغة في الترك كما قيل عافاك الله، والمعافي واحد وهو الله تعالى، وأما لأنه ترك شيئًا عن عداوة ولا تكون إلا بين اثنين، فقيل: هاجر، والمكان المهاجر منه يقال له: مهاجر. ٣ الرجاء: ترقب الخير مع تغليب ظن حصوله. ٤ اختلف في المرتد هل يستتاب أو يقتل بالردة فورًا والجمهور على أنه يستتاب أولًا فإن أصر قتل ومالك يرى أن من سب النبي ﷺ لا يستتاب ويقتل واستشهد بالمرأة التي قتلت خادمها بسب النبي ﷺ وأخبرت الرسول ﷺ فلم ينكر عليها، وكذلك الزنديق يقتل ولا يستتاب. ٥ الأصل في قتل المرتد حديث صحيح: "من بدل دينه فاقتلوه" واختلف في قتل المرأة إذا ارتددت الجمهور إنها لا تقتل لنهي النبي ﷺ عن قتل النساء والأطفال في الحرب.
[ ١ / ١٩٩ ]