أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (٨٠) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١)﴾
شرح الكلمات:
ويل: الويل١: كلمة تقال لمن وقع في هلكة أو عذاب.
﴿الْكِتَابَ﴾: ما يكتبه علماء اليهود من أباطيل وينسبونه إلى الله تعالى ليتوصلوا به إلى أغراض دنية من متاع الدنيا القليل.
﴿مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾: ينسبون ما كتبوه بأيديهم إلى التوراة بوصفها٢ كتاب الله ووحيه إلى موسى ﵇.
﴿يَكْسِبُونَ﴾: الكسب يكون في الخير، وهو هنا في الشر فيكون من باب التهكم بهم.
﴿أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾: أربعين٣ يومًا وهذا من كذبهم وتضليلهم للعوام منهم ليصرفوهم عن الإسلام.
﴿أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا﴾: الهمزة للإستفهام الانكاري، والعهد: الوعد المؤكد.
﴿سَيِّئَةً﴾: هذه سيئة الكفر والكذب على الله تعالى.
﴿وَأَحَاطَتْ ٤ بِهِ﴾: الإحاطة بالشيء: الالتفاف به والدوران عليه.
_________________
(١) ١ الويل: مصدر أمات، العرب فعله، ومؤنثه: الويلة، والجمع: الويلات، وإعرابه: إن أفرد ولم يضف الرفع بالابتداء وخبره المجرور بحرف الجر، وإن أضيف إلى ضمير نصب نحو: ويلك لا تفعل كذا، وإن أضيف إلى ظاهر رفع الابتداء، نحو: ويل أمه. مسعر حرب الحديث. ٢ من المعلوم إن التوراة قد أخذت من اليهود في حملة بختنصر، وفي حملة القائد الروماني، ولذا ضاع أكثرها وزيد فيها ونقص بحيث ما أصبحت صالحة لهداية البشرية، ومن هنا أصبح علماؤهم يكتبون الكلمات وينسبونها إلى التوراة التي هي كتاب الله في الأصل، ويزعمون أن ما كتبوه هو من كتاب الله. ٣ ذكر ابن كثير في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا﴾ أن عكرمة قال: "خاصمت اليهود رسول الله ﷺ فقالوا: لن ندخل النار إلا أربعين ليلة، وسيخلفنا فيها آخرون، يعنون محمدًا وأصحابه، فقال رسول الله ﷺ بيده على رؤسهم: "بل أنتم خالدون مخلدون لا يخلفنكم فيها أحد" فأنزل الله ﷿: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ ﴾ الآية. ٤ بين هذا رسول الله ﷺ بقوله: في رواية أحمد، فقال: "إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل".
[ ١ / ٧٥ ]
﴿خَطِيئَتُهُ﴾: الخطيئة: واحدة الخطايا وهي الذنوب عامة.
الخلود: البقاء الدائم الذي لا تحول معه ولا ارتحال.
معنى الآيات:
يتوعد الرب ﵎ بالعذاب الأليم أولئك المضللين من اليهود الذين يحرفون كلام الله، ويكتبون أمورًا من الباطل وينسبونها إلى الله تعالى ليتوصلوا بها إلى أغراض دنيوية سافلة.
وينكر عليهم تبجحهم الفارغ بأنهم لا يعذبون بالنار مهما كانت ذنوبهم ما داموا على ملة اليهود إلا أربعين يومًا ثم يخرجون، وجائز أن يتم هذا لو كان هناك عهد من الله تعالى قطعه لهم به ولكن أين العهد؟ إنما هو الإدعاء الكاذب فقط ثم يقرر العليم الحكيم ﷾ حكمه في مصير الإنسان بدخول النار أو الجنة ذلك الحكم القائم على العدل والرحمة البعيد عن التأثير بالأنساب والأحساب، فيقول: ﴿بلى﴾، ليس الأمر كما تدعون، وإنما هي الخطايا والحسنات فمن كسب سيئة وأحاطت١به خطيئته٢ فخبثت نفسه ولوثتها فهذا لا يلائم خبث نفسه إلا النار، ومن آمن وعمل صالحًا فزكى بالإيمان والعمل الصالح نفسه وطهرها فإنه لا يلائم طهارة روحه وزكاة نفسه إلا الجنة دار النعيم. أما الحسب والنسب والادعاءات الكاذبة فلا تأثير لها البتة.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- التحذير الشديد من الفتاوى الباطلة التي تحرم ما أحل الله أو تحلل ما حرم ليتوصل بها صاحبها إلى غرض دنيوي كمال، أو حظوة لدى ذي سلطان.
٢- إبطال الانتفاع بالنسب والانتساب، وتقرير أن سعادة الإنسان؛ كشقائه مردهما في السعادة إلى الإيمان والعمل الصالح. وفي الشقاوة إلى الشرك والمعاصي.
٣- التنبيه على خطر الذنوب صغيرها وكبيرها، وإلى العمل على تكفيرها بالتوبة والعمل الصالح قبل أن تحوط بالنفس فتحجبها عن التوبة. والعياذ بالله.
_________________
(١) ١ دل على هذا على أن المعلق على شرطين لا يتم بأقلهما، وهو في قوله ﷺ للذي قال له: قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك. قال: "قل آمنت بالله ثم استقم" حديث حسن ذكره النووي في الأربعين. ٢ قرأ نافع: خطيئاته، بالجمع. وقرأ حفص: خطيئته بالإفراد.
[ ١ / ٧٦ ]
﴿وَالَّذِينَ١ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ٢ إِلا اللهَ وَبِالْوَالِدَيْن٣ ِ إِحْسَانًا وَذِي٤ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلًا٥ مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ٦ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ
_________________
(١) ١ قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إلخ. بعد ذكر النار وأهلها من باب ذكر الترغيب بعد الترهيب كما في سنة القرآن الكريم. ٢ قوله: ﴿لا تَعْبُدُونَ..﴾ إلخ. تفسير لمضمون الميثاق. والجملة خبرية لفظًا، إنشائية معنى، إذ هي في معنى اعبدوا الله وحده، وأحسنوا بالوالدين. وقولوا للناس حسنًا. إلخ. ٣ الوالدان: الأم، والأب. يقال: للأم، والد، ووالدة. فلذا ثنى على الوالدين، أو هو من باب التغليب؛ كالعمرين في أبي بكر وعمر ﵄. ٤ ذي: بمعنى صاحب. ٥ فيه إنصاف واحتراز حيث استثنى من لم يتل عما التزم به من بنود العهد، وإن كان قليلًا. ٦ أعرب: (أنتم) خبر مقدم، وهؤلاء مبتدأ مؤخر، وتقتلون: حال. وأعرب أيضًا: (أنتم) مبتدأ، وهؤلاء منادى، والخبر، تقتلون: أي: ثم أنتم يا هؤلاء تقتلون. وفيه معنى التعجب من حالهم والإنكار عليهم.
[ ١ / ٧٧ ]