مُعَاوِيَةَ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «قَدْ سَأَلْتِ اللهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَنْ يُعَجِّلَ اللهُ شَيْئًا قَبْلَ أَجَلِهِ (^١)، وَلَنْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ أَجَلِهِ، وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ أَوْ عَذَابٍ فِي القَبْرِ كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ» (^٢).
فَفِي هَذَا الحَدِيثِ: أَنَّ الدُّعَاءَ يَكُونُ مَشْرُوعًا نَافِعًا فِي بَعْضِ الأَسْبَابِ دُونَ بَعْضٍ، فَالأَعْمَارُ المُقَدَّرَةُ لَمْ يُشْرَعِ الدُّعَاءُ بِتَغْيِيرِهَا، بِخِلَافِ النَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ؛ فَإِنَّ الدُّعَاءَ مَشْرُوعٌ لَهُ، نَافِعٌ فِيهِ، وَلِذَلِكَ كَانَ الإِمَامُ أَحْمَدُ يَكْرَهُ أَنْ يُدْعَى لَهُ بِطُولِ العُمُرِ، وَيَقُولُ: هَذَا فُرِغَ مِنْهُ (^٣)، فَتَأَمَّلْ هَذَا؛ فَإِنَّهُ نَفِيسٌ جِدًّا (^٤).
(تَنْبِيهٌ): اعْلَمْ - أَيَّدَكَ اللهُ - أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ مِنْ مَجْمُوعِ مَا أَسْلَفْنَاهُ: أَنَّ حَاصِلَ مَا مَرَّ مِنَ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ:
أَنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي
_________________
(١) وَفِي «مُسْلِمٍ» (٢٦٦٣): «قَبْلَ حِلِّهِ»؛ بِكَسْرِ الحَاءِ وَفَتْحِهَا؛ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي «شَرْحِ مُسْلِمٍ» (١٦/ ٢١٣): «هُمَا لُغَتَانِ، وَمَعْنَاهُ: وُجُوبُهُ وَحِينُهُ؛ يُقَالُ: (حَلَّ الأَجَلُ يَحِلُّ حِلًّا وَحَلًّا)».
(٢) رَوَاهُ مُسْلِمٌ (٢٦٦٣).
(٣) رَوَاهُ عَبْدُ اللهِ ابْنُ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي «المَسَائِلِ» (ص ٤٤٨)، قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي إِذَا دُعِيَ لَهُ بِالبَقَاءِ يَكْرَهُهُ، وَيَقُولُ: هَذَا شَيْءٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ.
(٤) الفِقْرَةُ مِنْ كَلَامِ شَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، انْظُرِ «الاسْتِقَامَةَ» (١/ ١٥٧).
[ ٨٨ ]
كِتَابٍ﴾ (^١) أَنَّ مَعْنَاهُ: كُلُّ مَنْ طَالَ عُمْرُهُ أَوْ قَصُرَ فَهُوَ مَكْتُوبٌ فِي الكِتَابِ، وَأَنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ (^٢) أَنَّ الأَجَلَ المُسَمَّى عِنْدَهُ هُوَ الأَجَلُ الَّذِي قَضَاهُ، وَأَنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ (^٣) عَلَى عُمُومِهِ، حَتَّى فِي الشَّقَاوَةِ وَالسَّعَادَةِ وَالأَجَلِ وَالرِّزْقِ وَالخَلْقِ وَالخُلُقِ، لَكِنْ بِاعْتِبَارِ مُتَعَلَّقِ الكِتَابَةِ وَالعِلْمِ - كَمَا مَرَّ -؛ لأَنَّ مِنَ المُشَاهَدِ أَنَّ الشَّخْصَ يَكُونُ كَافِرًا - وَذَلِكَ مَكْتُوبٌ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ لأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الحَوَادِثِ - ثُمَّ يُسْلِمُ، وَمُسْلِمًا ثُمَّ يَكْفُرُ، وَفَقِيرًا ثُمَّ يَسْتَغْنِي، وَعَكْسُهُ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ حَوَادِثُ، وَالحَوَادِثُ كُلُّهَا مَكْتُوبَةٌ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَبِالضَّرُورَةِ حَصَلَ المَحْوُ وَالإِثْبَاتُ، وَأَنَّ عِلْمَ اللِه - تَعَالَى - بِذَلِكَ أَزَلِيٌّ، لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَتَبَدَّلُ؛ فَقَدْ ثَبَتَ بِالدَّلَائِلِ القَطْعِيَّةِ أَنَّ اللهَ عَالِمٌ بِالآجَالِ وَالأَرْزَاقِ - وَغَيْرِهَا -.
وَحَقِيقَةُ العِلْمِ: مَعْرِفَةُ المَعْلُومِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَإِذَا عَلِمَ اللهُ أَنَّ زَيْدًا يَمُوتُ فِي وَقْتٍ مُعَيَّنٍ اسْتَحَالَ أَنْ يَمُوتَ قَبْلَهَ أَوْ بَعْدَهُ، فَلَا يَتَغَيَّرُ عِلْمُهُ - تَعَالَى - بِذَلِكَ، وَإِنَّ المَعْلُومَ هُوَ الَّذِي يَتَغَيَّرُ وَيَتَبَدَّلُ عَلَى وَفْقِ عِلْمِهِ، وَيَنْتَقِلُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَذَلِكَ مَعْلُومٌ بِضَرُورَةِ المُشَاهَدَةِ، وَأَنَّهُ لَا يَمْحُو شَيْئًا وَلَا
_________________
(١) سُورَةُ (فَاطِر)، آيَة (١١).
(٢) سُورَةُ (الأَنْعَام)، آيَة (٢).
(٣) سُورَةُ (الرَّعْد)، آيَة (٣٩).
[ ٨٩ ]
يُثْبِتُ شَيْئًا إِلَى مَا سَبَقَ عِلْمُهُ بِهِ، وَأَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ - وَنَحْوَهُ مِمَّا قُدِّرَ طُولُ العُمُرِ بِسَبَبِهِ - يَزِيدُ فِي الأَجَلِ فِي أَنَّ الدُّعَاءَ المُقَدَّرَ دَفْعُ البَلَاءِ بِهِ يَدْفَعُهُ (^١).
فَقَدْ ظَهَرَ لَكَ بِهَذَا التَّقْرِيرِ غَايَةُ البَيَانَ، وَارْتَفَعَ بِهِ اللَّبْسُ وَالإِشْكَالُ، وَأَغْنَاكَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الهَذَيَانِ - وَاللهُ ﷾ أَعْلَمُ -.
وَبِالجُمْلَةِ (^٢): فَاعْلَمْ - وَفَّقَكَ اللهُ - أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ تَزيدُ فِي العُمُرِ بِشَرْطِهِ، وَأَنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ وَتَحْصُلُ بِهِ النَّجَاةُ وَالهَلَاكُ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ دَلَّ العَقْلُ وَالنَّقْلُ وَالفِطْرَةُ وَتَجَارِبُ الأُمَمِ - عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهَا وَمِلَلِهَا وَنِحَلِهَا - عَلَى أَنَّ التَّقَرُّبَ إِلَى رَبِّ الأَرْبَابِ وَطَلَبَ مَرْضَاتِهِ وَالإِحْسَانَ إِلَى خَلْقِهِ: مِنْ أَعْظَمِ الأَسْبَابِ الجَالِبَةِ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَأَضْدَادَهَا مِنْ أَكْبَرِ الأَسْبَابِ الجَالِبَةِ لِكُلِّ شَرٍّ، فَمَا اسْتُجْلِبَتْ نِعَمُ اللهِ وَاسْتُدْفِعَتْ نِقْمُهُ بِمِثْلِ طَاعَتِهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ وَالإِحْسَانِ إِلَى خَلْقِهِ، وَقَدْ رَتَّبَ اللهُ - سُبْحَانَهُ - حُصُولَ الخَيْرَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَحُصُولَ الشُّرُورِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ عَلَى الأَعْمَالِ تَرَتُّبَ الجَزَاءِ عَلَى الشَّرْطِ وَالعِلَّةِ عَلَى المَعْلُولِ وَالمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ، فَقَالَ - جَلَّ مِنْ قَائِلٍ -: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (^٣)، وَقَالَ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ
_________________
(١) انْظُرْ «شَرْحَ صَحِيحِ مُسْلِمٍ» لِلنَّوَوِيِّ (١٦/ ٢١٣).
(٢) انْظُرِ «الجَوَابَ الكَافِي» لابْنِ القَيِّمِ (ص١٨).
(٣) سُورَةُ (الأَنْفَال)، آيَة (٢٩).
[ ٩٠ ]
سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (^١)، وَقَالَ: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (^٢)، وَقَالَ: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (^٣).
وَبِالجُمْلَةِ: فَالقُرْآنُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ صَرِيحٌ فِي تَرَتُّبِ الجَزَاءِ بِالخَيْرِ وَالشَّرِّ وَالأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى الأَسْبَابِ؛ بَلْ أَحْكَامُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَصَالِحُهُمَا وَمَفَاسِدُهُمَا عَلَى الأَسْبَابِ وَالأَعْمَالِ (^٤).
وَمَنْ فَقِهَ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ وَتَأَمَّلَهَا حَقَّ التَّأَمُّلِ انْتَفَعَ بِهَا غَايَةَ النَّفْعِ، وَلَمْ يَتَّكِلْ عَلَى القَدَرِ جَهْلًا مِنْهُ وَعَجْزًا وَتَفْرِيطًا وَإِضَاعَةً - فَيَكُونُ تَوَكُلُّهُ عَجْزًا وَعَجْزُهُ تَوَكُّلًا -؛ بَلِ الفَقِيهُ - كُلُّ الفَقِيهِ - الَّذِي يَرُدُّ القَدَرَ بِالقَدَرِ وَيَدْفَعُ القَدَرَ بِالقَدَرِ وَيُعَارِضُ القَدَرَ بِالقَدَرِ؛ بَلْ لَا يُمْكِنُ الإِنْسَانُ أَنْ يَعِيشَ إِلَّا بِذَلِكَ؛ فَإِنَّ الجُوعَ وَالعَطَشَ وَالبَرْدَ وَأَنْوَاعَ المَخَاوِفِ وَالمَحَاذِيرِ هِيَ مِنَ القَدَرِ، وَالخَلْقُ كُلُّهُمْ سَاعُونَ فِي دَفْعِ هَذَا القَدَرِ بِالقَدَرِ حَتَّى يَأْتِيَ القَضَاءُ المَحْتُومُ الَّذِي لَا يَدْفَعُهُ أَحَدٌ وَلَا يُغَيِّرُهُ؛ بِخِلَافِ مَا قُضِيَ صَرْفُهُ بِالتَّوْبِةِ وَالدُّعَاءِ وَالصَّدَقَةِ وَالحِفْظِ؛ فَفِي تَفْسِيرِ ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ (^٥)؛ أَيْ:
_________________
(١) سُورَةُ (النِّسَاء)، آيَة (٣١).
(٢) سُورَةُ (إِبْرَاهِيم)، آيَة (٧).
(٣) سُورَةُ (الصَّافَّات)، آيَة (١٤٣ - ١٤٤).
(٤) انْظُرِ «الجَوَابَ الكَافِي» لابْنِ القَيِّمِ (ص٢٠).
(٥) سُورَةُ (الطَّارِق)، آيَة (٤).
[ ٩١ ]
يَحْفَظُهَا مِنَ الآفَاتِ حَتَّى يُسَلِّمَهَا إِلَى القَدَرِ، قَالَ الفَرَّاءُ: «الحَافِظُ مِنَ اللهِ، يَحْفَظُهَا حَتَّى يُسَلِّمَهَا إِلَى المَقَادِيرِ»، وَقَالَهُ الكَلْبِيُّ (^١).
وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ﴾ (^٢)؛ يَعْنِي: المَلَائِكَةَ المُوَكَّلِينَ بِهِ لِحِفْظِهِ مِنَ الوُحُوشِ وَالهَوَامِّ (^٣) وَالأَشْيَاءِ المُضِرَّةِ لُطْفًا مِنْهُ، فَإِذَا جَاءَ القَدَرُ خَلَّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (^٤).
وَنَقَلَ المَاوَرْدِيُّ: يَحْفَظُونَهُ مِنَ المَوْتِ مَا لَمْ يَأْتِ أَجَلُهُ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ، وَقِيلَ: يَحْفَظُونَهُ مِنَ الجِنِّ وَالهَوَامِّ المُؤْذِيَةِ مَا يَأْتِ قَدَرٌ، قَالَهُ أَبُو أُمَامَةَ (^٥) وَكَعْبُ الأَحْبَارِ، فَإِذَا جَاءَ القَدَرُ خَلَّوْا عَنْهُ (^٦).
_________________
(١) انْظُرْ «تَفْسِيرَ القُرْطُبِيِّ» (٢٠/ ٣).
(٢) سُورَةُ (الرَّعْد)، آيَة (١١).
(٣) بِتَشْدِيدِ المِيمِ، قَالَ ابْنُ الأَثِيرِ فِي «النِّهَايَةِ فِي غَرِيبِ الأَثَرِ» (٥/ ٢٧٥): «(الهَامَّةُ): كُلُّ ذاتِ سُمٍّ يَقْتُلُ، وَالجَمْعُ: (الهَوَامُّ)، فَأَمَّا مَا يَسُمُّ وَلَا يَقْتُلُ فَهُوَ السَّامَّةُ - كَالعَقْرَبِ وَالزُّنْبُورِ -، وَقَدْ يَقَعُ الهَوَامُّ عَلَى مَا يَدِبُّ مِنَ الحَيَوَانِ وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ - كَالحَشَرَاتِ -».
(٤) أَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي «تَفْسِيرِهِ» (١٣/ ٤٥٨) مُخْتَصَرًا بِلَفْظِ: «فَإِذَا جَاءَ القَدَرُ خَلَّوْا عَنْهُ»، وَأَمَّا أَثَرُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَأَوْرَدَهُ السُّيُوطِيُّ فِي «الدُّرِّ المَنْثُورِ» (٤/ ٦١٥) بِلَفْظِ: «لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَمَعَهُ مَلَائِكَةٌ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ حَائِطٌ، أَوْ يَتَرَدَّى فِي بِئْرٍ، أَو يَأْكُلَهُ سَبُعٌ، أَوْ غَرْقٍ، أَوْ حَرْقٍ، فَإِذا جَاءَ القَدَرُ خَلَّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَ القَدَرِ»، وَعَزَاهُ إِلَى ابْنِ المُنْذِرِ وَأَبِي الشَّيْخِ.
(٥) عِنْدَ المَاوَرْدِيِّ فِي «تَفْسِيرِهِ» (٣/ ٩٩): أَبُو مَالِكٍ.
(٦) انْظُرْ «تَفسِيرَ المَاوَرْدِيِّ» (٣/ ٩٨ - ٩٩).
[ ٩٢ ]
وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ (^١): جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ: احْتَرِسْ؛ فَإِنَّ نَاسًا يُرِيدُونَ قَتْلَكَ، فَقَالَ: إِنَّ مَعَ كُلِّ رَجُلَيْنِ مَلَكَيْنِ يَحْفَظَانِهِ مِمَّا لَمْ يُقَدَّرْ، فَإِذَا جَاءَ القَدَرُ خَلَّيَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَدَرِ اللهِ، وَإِنَّ الأَجَلَ حِصْنٌ حَصِينٌ (^٢).
وَهَكَذَا مَنْ وَفَّقَهُ اللهُ - تَعَالَى - وَأَلْهَمَهُ رُشْدَهُ؛ يَدْفَعُ قَدَرَ العُقُوبَةِ الأُخَرْوِيَّةِ (^٣) بِقَدَرِ التَّوْبَةِ وَالإِيمَانِ وَالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ؛ فَهَذَا وِزَانُ (^٤) القَدَرِ المَخُوفِ (^٥) فِي الدُّنْيَا، وَمَا يُضَادُّهُ سَوَاءٌ، فَرَبُّ الدَّارَيْنِ وَاحِدٌ وَحِكْمَتُهُ وَاحِدَةٌ، لَا يُنَاقِضُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَلَا يُبْطِلُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ مِنْ أَشْرَفِ المَسَائِلِ لِمَنْ عَرَفَ قَدْرَهَا وَرَعَاهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا؛ فَإِنَّ الأَعْمَالَ
_________________
(١) بِكَسْرِ المِيمِ وَسُكُونِ الجِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ، وَهُوَ: لَاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ السَّدُوسِيُّ، انْظُرْ «تَقْرِيبَ التَّهْذِيبِ» (ص٥٨٦).
(٢) أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي «الطَّبَقَاتِ» (٣/ ٣٤)، وَالطَّبَرِيُّ فِي «تَفْسِيرِهِ» (١٣/ ٤٦٦) بِلَفْظِ: (جُنَّةٌ حَصِينَةٌ) بَدَلَ: (حِصْنٌ حَصِينٌ).
(٣) بِضَمِّ الهَمْزَةِ، نِسْبَةً - هُنا - إِلَى (الآخِرَةِ)، وَهِيَ مِنَ النِّسَبِ الشَّاذَّةِ الَّتِي أَخَذَتْ بِهَا العَرْبُ تَشْبِيهًا بِالدُّنْيَوِيِّ المَنْسُوبِ إِلَى الدُّنْيَا، وَيَأْتِي هَذَا اللَّفْظُ - أَيْضًا - عَلَى القِيَاسِ؛ نِسْبَةً إِلَى (الأُخْرَى).
(٤) بِالكَسْرِ؛ وَ(وِزَانُ الشَّيْءِ): مَا يُعَادِلُهُ وَيُسَاوِيهِ وَيُقَابِلُهُ.
(٥) بِفَتْحِ المِيمِ وَضَمِّ الخَاءِ - هُنَا -؛ أَيِ: مَا يُخَافُ مِنْهُ؛ مِنْ (خَافَ الشَّيْءَ) فَهُوَ: مَخُوفٌ؛ كَـ (مَحْذُورٍ)؛ أَيْ: مَا يُحْذَرُ مِنْهُ؛ مِنْ (حَذِرَ الشَّيْءَ)، أَمَّا (المُخَوِّفُ) - بِضَمِّ المِيمِ وَفَتْحِ الخَاءِ وَتَشْدِيدِ الوَاوِ المَكْسُورَةِ - فَمِنْ: (خَوَّفَ النَّاسَ)؛ أَيْ: جَعَلَ النَّاسَ يَخَافُونَهُ، وَهَذَا بِخِلَافِ اللَّفْظِ الأَوَّلِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لِلتَّخْوِيفِ قَصْدٌ، وَهُوَ المُوَافِقُ لِلَفْظِ القَدَرِ المَذْكُورِ فِي السِّيَاقِ.
[ ٩٣ ]
الصَّالِحَةَ تَنْفَعُ فِي الآخِرَةِ - بِإِجْمَاعِ العُلَمَاءِ -، وَإِنَّ الكُفْرَ مُحَرِّمٌ لِدُخُولِ الجَنَّةِ - بِنَصِّ القُرْآنِ -، وَالعَمَلَ الصَّالِحَ وَالدُّعَاءَ يَدْفَعُ البَلَاءَ المُقَدَّرَ دَفْعُهُ بِهِ، وَيَحْصُلُ بِهِ المَحْوُ وَالإِثْبَاتُ المُقَدَّرَانِ بِهِ؛ فَقَدْ نَقَلَ القُرْطُبِيُّ - وَغَيْرُهُ - قَالَ: بَيْنَمَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ يَوْمًا جَالِسٌ؛ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا يَحْيَى! ادْعُ لامْرَأَةٍ حُبْلَى مُنْذُ أَرْبَعِ سِنِينَ قَدْ أَصْبَحَتْ فِي كَرْبٍ شَدِيدٍ، فَغَضِبَ مَالِكٌ، وَأَطْبَقَ المُصْحَفَ، ثُمَّ قَالَ: مَا يَرَى هَؤُلَاءِ القَوْمُ إِلَّا أَنَّا أَنْبِيَاءُ، ثُمَّ قَرَأَ، ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَذِهِ المَرْأَةُ إِنْ كَانَ فِي بَطْنِهَا رِيحٌ فَأَخْرِجْهُ السَّاعَةَ، وَإِنْ كَانَ فِي بَطْنِهَا جَارِيَةٌ فَأَبْدِلْهَا بِهَا غُلَامًا؛ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الكِتَابِ، ثُمَّ رَفَعَ مَالِكٌ يَدَيْهِ، وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ، وَجَاءَ الرَّسُولُ إِلَى الرَّجُلِ، فَقَالَ: أَدْرِكِ امْرَأَتَكَ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ، فَمَا حَطَّ مَالِكٌ يَدَهُ حَتَّى طَلَعَ الرَّجُلُ مِنْ بَابِ المَسْجِدِ عَلَى رَقَبَتِهِ غُلَامٌ جَعْدٌ (^١)، ابْنُ أَرْبَعِ سِنِينَ، قَدِ اسْتَوَتْ أَسْنَانُهُ (^٢).
فَهَذَا دُعَاءُ مَالِكٍ قَدْ كَانَ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ ظَاهِرًا، كَمَا أَنَّ الأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَعَدَمَ ذَبْحِ الحَيَوَانِ سَبَبٌ ظَاهِرٌ فِي الحَيَاةِ، وَالسَّبَبُ وَالمُسَبَّبُ كُلُّ ذَلِكَ قَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللهِ وَتَقْدِيرِهِ كَمَا هُوَ؛ لَا يُبَدَّلُ، وَلَا يَكُونُ الْبَتَّةَ إِلَّا مَا سَبَقَ فِي
_________________
(١) بِفَتْحِ الجِيمِ، وَالجَعْدُ مِنَ الشَّعْرِ: المُلْتوِي، وَمِنَ الرَّأْسِ: المُسْتَدِيرُ قَلِيلُ اللَّحْمِ.
(٢) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي «السُّنَنِ» (٤/ ٥٠١)، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ فِي «سُنَنِهِ الكُبْرَى» (٧/ ٧٢٩)، وَقَدْ تَقَدَّمَ.
[ ٩٤ ]
عِلْمِهِ وَتَقْدِيرِهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ.
وَاعْلَمْ - أَيَّدَكَ اللهُ - كَمَا قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ (^١): أَنَّ أَهْلَ المِلَلِ كُلَّهُمْ (^٢) مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللهَ يُثِيبُ عَلَى الطَّاعَةِ وَيُعَاقِبُ عَلَى المَعَاصِي.
وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ المُدَّعِينَ لِلْمَعْرِفَةِ وَالحَقِيقَةِ وَالفَنَاءِ الَّذِينَ يَطْلُبُونَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ مُرَادٌ؛ بَلْ يُرِيدُونَ مَا يُرِيدُ الحَقُّ - تَعَالَى -، فَقَالُوا: إِنَّ الكَمَالَ أَنْ تَفْنَى عَنْ إِرَادَتِكَ وَتَبْقَى مَعَ إِرَادَةِ رَبِّكَ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ جَمِيعَ الكَائِنَاتِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّبِّ سَوَاءٌ، فَلَا يَسْتَحْسِنُونَ حَسَنَةً وَلَا يَسْتَقْبِحُونَ سَيِّئَةً.
قَالَ: وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ مُمْتَنِعٌ عَقْلًا، مُحَرَّمٌ شَرْعًا، وَلَيْسَتِ الطَّاعَاتُ عِنْدَهُمْ سَبَبًا لِلثَّوَابِ، وَلَا المَعَاصِي سَبَبًا لِلْعِقَابِ، وَالعَارِفُ عِنْدَهُمْ مَنْ يَكُونُ مُشَاهِدًا سَبْقَ الحَقِّ بِحُكْمِهِ وَعِلْمِهِ؛ أَيْ: يَشْهَدُ أَنَّهُ عَلِمَ مَا سَيَكُونُ وَحَكَمَ بِهِ؛ أَيْ: أَرَادَهُ وَقَضَاهُ وَكَتَبَهُ.
وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ هَذَا المَذْهَبِ يَتْرُكُونَ الأَسْبَابَ الدُّنْيَوِيَّةَ، وَيَجْعَلُونَ وُجُودَ السَّبَبِ كَعَدَمِهِ، وَمِنْهُمْ قَوْمٌ زَنَادِقَةٌ؛ يَتْرُكُونَ الأَسْبَابَ الأُخْرَوِيَّةَ، فَيَقُولُونَ: إِنْ سَبَقَ العِلْمُ وَالحُكْمُ أَنَّا سُعَدَاءُ فَنَحْنُ سُعَدَاءُ، وَإِنْ سَبَقَ أَنَّا أَشْقِيَاءُ فَنَحْنُ أَشْقِيَاءُ، فَلَا فَائِدَةَ فِي العَمَلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتْرُكُ العَمَلَ بِنَاءً عَلَى هَذَا الأَصْلِ الفَاسِدِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الأَصْلَ الفَاسِدَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
_________________
(١) انْظُرْ «مِنْهَاجَ السُّنَّةِ» (٥/ ٣٦٠).
(٢) بِالنَّصْبِ عَلَى التَّأْكِيدِ، وَالرَّفْعِ عَلَى الابْتِدَاءِ.
[ ٩٥ ]
وَأَئِمَّةِ الدِّينِ، وَمُخَالِفٌ لِصَرِيحِ المَعْقُولِ، وَمُخَالِفٌ لِلْحِسِّ وَالمُشَاهَدَةِ، وَقَدْ سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ إِسْقَاطِ الأَسْبَابِ نَظَرًا إِلَى القَضَاءِ وَالقَدَرِ، فَرَدَّ ﵇ ذَلِكَ؛ كَمَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ عُلِمَ مَقْعَدُهُ مِنَ الجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ! أَفَلَا نَدَعُ العَمَلَ وَنَتَّكِلُ عَلَى الكِتَابِ؟! فَقَالَ: «لَا؛ اعْمَلُوا؛ فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» (^١)، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَدَّمَ مِنَ الأَحَادِيثِ وَالآيَاتِ.
وَفِي «السُّنَنِ» أَنَّهُ ﵇ قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ أَدْوِيَةً نَتَدَاوَى بِهَا وَرُقًى نَسْتَرْقِي بِهَا وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ شَيْئًا؟ فَقَالَ ﵇: «هِيَ مِنْ قَدَرِ اللهِ - تَعَالَى -» (^٢).
فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ اللهَ - تَعَالَى - جَعَلَ السَّعَادَةَ وَالشَّقَاوَةَ أَسْبَابًا، وَأَنَّهُ ﷾ هُوَ مُسَبِّبُ الأَسْبَابِ وَخَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ بِسَبَبٍ، لَكِنَّ الأَسْبَابَ - كَمَا قَالَ فِيهَا الغَزَالِيُّ وَابْنُ الجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُمَا -: الالْتِفَاتُ إِلَى الأَسْبَابِ شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ، وَالإِعْرَاضُ عَنِ الأَسْبَابِ بِالكُلِّيَّةِ قَدْحٌ في الشَّرْعِ، وَالتَّوَكُّلُ مَعْنًى يَلْتَئِمُ مِنْ مَعْنَى التَّوْحِيدِ وَالعَقْلِ وَالشَّرْعِ؛ فَالمُؤْمِنُ المُتَوَكِّلُ لَا يَلْتَفِتُ إلَى الأَسْبَابِ؛ بِمَعْنَى: أَنَّهُ لَا يَطْمَئِنُّ إِلَيْهَا وَلَا يَثِقُ بِهَا، وَلَا
_________________
(١) مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ، رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٤٩٤٥) وَمُسْلِمٌ (٢٦٤٧) - وَقَدْ تَقَدَّمَ -.
(٢) مِنْ حَدِيثِ أَبِي خُزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ - وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنِ ابْنِ أَبِي خُزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ -، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (٢٠٦٥) وَ(٢١٤٨)، وَابْنُ مَاجَهْ (٣٤٣٧)، وَحَسَّنَهُ الأَلْبَانِيُّ، انْظُرِ «التَّعْلِيقَاتِ الحِسَانَ» (٨/ ٤٥٦).
[ ٩٦ ]