عَمْرٍو وَابْنُ كَثِيرٍ وَعَاصِمٌ بِالتَّخْفِيفِ، مِنْ (أَثْبَتَ)، وَقَرَأَهُ البَاقُونَ بِالتَّشْدِيدِ، وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَاخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ (^١) وَأَبِي حَاتِمٍ (^٢) لِكَثْرَةِ مَنْ قَرَأَ بِهَا، وَلِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (^٣).
وَمَفْعُولُ (يُثْبِتُ) مَحْذُوفٌ؛ أَيْ: (وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ)، إِلَّا إِنَّهُ اسْتُغْنِيَ بِتَعْدِيَةِ الفِعْلِ الأَوَّلِ عَنْ تَعْدِيَةِ الثَّانِي (^٤)؛ كَمَا فِي قَوْلِهِ - سُبْحَانَهُ -: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ … (^٥).
إِذَا تَقَرَّرَ هَذَا؛ فَذَهَبَ جَمْعٌ كَثِيرٌ وَجَمٌّ غَفِيرٌ إِلَى أَنَّ العُمُرَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَكَذَا القَوْلُ فِي السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ، وَالإِيمَانِ وَالكُفْرِ؛ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ
_________________
(١) هُوَ: القَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، مِنْ كِبَارِ العُلَمَاءِ بِالحَدِيثِ وَالأَدَبِ وَالفِقْهِ، تُوُفِّيَ سَنَةَ (٢٢٤هـ)، انْظُرِ «الأَعْلَامَ» لِلزِّرِكْلِيِّ (٥/ ١٧٦).
(٢) هُوَ: سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ السِّجِسْتَانِيُّ، مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ اللُّغَةِ وَالشِّعْرِ، تُوُفِّيَ سَنَةَ (٢٤٨هـ)، انْظُرِ «الأَعْلَامَ» لِلزِّرِكْلِيِّ (٣/ ١٤٣).
(٣) سُورَةُ (إِبْرَاهِيم)، آيَة (٢٧).
(٤) حَذْفُ المَفَاعِيلِ الخَمْسَةِ - وَنَحْوِهَا - يُفِيدُ أَغْرَاضًا عِدَّةً؛ مِنْهَا: التَّعْمِيمُ بِاخْتِصَارٍ؛ كَقَوْلِهِ - تعالى -: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾؛ أَيْ: جَمِيعَ عِبَادِهِ، وَمِنْهَا: طَلَبُ الاخْتِصَارِ؛ كَنَحْوِ: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾؛ أَيْ: يَغْفِرُ الذُّنُوبَ، وَمِنْهَا: المُتَعَلِّقُ بِالاعْتِمَادِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ؛ كَالآيَةِ الَّتِي أشَارَ إِلَيْهَا المُصَنِّفُ - وَغَيْرُهَا مِنَ الأَغْرَاضِ -. وَانْظُرْ - لِمَزِيدِ بَيَانٍ - «جَوَاهِرَ البَلَاغَةِ فِي المَعَانِي وَالبَيَانِ وَالبَدِيعِ» لِأَحْمَدَ الهَاشِمِيِّ (ص١٥٦ - ١٥٧).
(٥) سُورَةُ (الأَحْزَاب)، آيَة (٣٥).
[ ٢٣ ]
الشَّرِيفَةِ، وَبِهِ قَالَ الإِمَامُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو وَائِلٍ (^١)، وَكَعْبُ الأَحْبَارِ (^٢)، وَمَالِكُ بْنُ دِينَارٍ (^٣) - وَغَيْرُهُمْ -.
وَهُوَ قَوْلُ الكَلْبِيِّ (^٤)؛ فَإِنَّهُ قَالَ: يَمْحُو مِنَ الرِّزْقِ وَيَزِيدُ فِيهِ، وَيَمْحُو مِنَ الأَجَلِ وَيَزِيدُ فِيهِ.
وَرَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (^٥).
_________________
(١) قَالَ العَيْنِيُّ فِي «عُمْدَةِ القَارِي» (١/ ٢٧٨): «بِالهَمْزَةِ بَعْدَ الأَلِفِ: شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ الأَسَدِيُّ - أَسَدُ خُزَيْمَةَ -، كُوفِيٌّ تَابِعِيٌّ، أَدْرَكَ زَمَنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَمْ يَرَهُ … وَسَمِعَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ وَعُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَابْنَ مَسْعُودٍ وَعَمَّارًا وَغَيْرَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ … وَأَجْمَعُوا عَلَى جَلَالَتِهِ وَصَلَاحِهِ وَوَرَعِهِ وَتَوْثِيقِهِ، وَهُوَ مِنْ أَجَلِّ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ».
(٢) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي «شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ» (٣/ ٧٦): «هُوَ كَعْبُ بْنُ مَاتِعٍ - بِالمِيمِ وَالمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ بَعْدَهَا عَيْنٌ -، وَ(الأَحْبَارُ): العُلَمَاءُ، وَاحِدُهُمْ: (حَبْرٌ) بِفَتْحِ الحَاءِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ؛ أَيْ: كَعْبُ العُلَمَاءِ، كَذَا قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: سُمِّيَ كَعْبَ الأَحْبَارِ لِكَوْنِهِ صَاحِبَ كُتُبِ الأَحْبَارِ، جَمْعُ (حِبْرٍ)، وَهُوَ مَا يُكْتَبُ بِهِ، وَهُوَ مَكْسُورُ الحَاءِ، وَكَانَ كَعْبٌ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الكِتَابِ، ثُمَّ أَسْلَمَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَقِيلَ: بَلْ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ﵄ … وَهُوَ مِنْ فُضَلَاءِ التَّابِعِينَ».
(٣) هُوَ: أَبُو يَحْيَى، مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ البَصْرِيُّ، كَانَ وَرِعًا، تُوُفِّيَ فِي البَصْرَةِ سَنَةَ (١٣١هـ)، انْظُرِ «الأَعْلَامَ» لِلزِّرِكْلِيِّ (٥/ ٢٦١).
(٤) هُوَ: أَبُو النَّضْرِ، مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ بْنِ بِشْرٍ الكَلْبِيُّ: نَسَّابَةٌ، رَاوِيَةٌ، عَالِمٌ بِالتَّفْسِيرِ وَالأَخْبَارِ وَأَيَّامِ العَرَبِ، وَصَنَّفَ كِتَابًا فِي تَفْسِيرِ القُرْآنِ، وَهُوَ ضَعِيفُ الحَدِيثِ؛ حَدَّثَ عَنْهُ ثِقَاتٌ مِنَ النَّاسِ، وَرَضُوهُ فِي التَّفْسِيرِ، وَأَمَّا الحَدِيثُ فَفِيهِ مَنَاكِيرُ، تُوُفِّيَ سَنَةَ (١٤٦هـ)، انْظُرِ «الأَعْلَامَ» لِلزِّرِكْلِيِّ (٦/ ١٣٣).
(٥) أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي «الطَّبَقَاتِ» (٣/ ٥٧٤)، وَابْنُ جَرِيرٍ فِي «تَفْسِيرِهِ» (١٣/ ٥٦٥ - ٥٦٦). قَالَ الأَلْبَانِيُّ فِي «الضَّعِيفَةِ» (١١/ ٧٦٨): «وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ جِدًّا - إِنْ لَمْ يَكُنْ مَوْضُوعًا -؛ آفَتُهُ الكَلْبِيُّ - هَذَا -؛ فَإِنَّهُ سَبَئِيٌّ مُتَّهَمٌ بِالكَذِبِ؛ بَلْ قَدِ اعْتَرَفَ هُوَ بِذَلِكَ …».
[ ٢٤ ]
قَالَ الإِمَامُ الفَخْرُ (^١): «قَالُوا: إِنَّ اللهَ يَمْحُو مِنَ الرِّزْقِ وَيَزِيدُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ القَوْلُ فِي الأَجَلِ وَالسَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ وَالإِيمَانِ وَالكُفْرِ» (^٢).
قَالَ: «وَالقَائِلُونَ بِهَذَا القَوْلِ كَانُوا يَدْعُونَ وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَى اللهِ أَنْ يَجْعَلَهُمْ سُعَدَاءَ لَا أَشْقِيَاءَ».
فَعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ (^٣)، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ كَانَ يَطُوفُ بِالبَيْتِ وَهُوَ يَبْكِي، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي فِي أَهْلِ السَّعَادَةِ فَأَثْبِتْنِي بِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي فِي أَهْلِ الشَّقَاوَةِ وَالذَّنْبِ فَامْحُنِي (^٤) وَأَثْبِتْنِي فِي أَهْلِ السَّعَادَةِ وَالمَغْفِرَةِ؛ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الكِتَابِ (^٥).
وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي فِي السُّعَدَاءِ فَأَثْبِتْنِي فِيهِمْ، وَإِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِي فِي الأَشْقِيَاءِ فَامْحُنِي مِنَ الأَشْقِيَاءِ
_________________
(١) هُوَ: أَبُو عَبْدِ اللهِ، مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ الحَسَنِ، المَعْرُوفُ بِفَخْرِ الدِّينِ الرَّازِيِّ، مِنْ تَصَانِيفِهِ: «مَفَاتِيحُ الغَيْبِ» فِي تَفْسِيرِ القُرْآنِ، تُوُفِّيَ سَنَةَ (٦٠٦هـ)، انْظُرِ «الأَعْلَامَ» لِلزِّرِكْلِيِّ (٦/ ٣١٣).
(٢) انْظُرْ «تَفْسِيرَ الرَّازِي» (١٩/ ٥١).
(٣) (النَّهْدِيُّ): بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الهَاءِ، وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ملٍّ - بِلَامٍ ثَقِيلَةٍ، وَالمِيمُ مُثَلَّثَةٌ -، مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ، انْظُرْ «تَقْرِيبَ التَّهْذِيبِ» (ص٣٥١).
(٤) بِتَثْلِيثِ الحَاءِ؛ مِنْ (مَحَاهُ): (يَمْحُوهُ) وَ(يَمْحَاهُ) وَ(يَمْحِيهِ)؛ أَيْ: أَذْهَبَ أَثَرَهُ. وَالأَوْلَى - هُنَا - ضَبْطُهَا بِالضَّمِّ، وَذَلِكَ لأَنَّ المُتَكَلِّمَ اسْتَعْمَلَ لَفْظَ (يَمْحُو) فِي السِّيَاقِ الَّذِي بَعْدَهُ.
(٥) أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ فِي «تَفْسِيرِهِ» (١٣/ ٥٦٤). وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ فِي «الضَّعِيفَةِ» (١١/ ٧٦٤) بِالمُتَابَعَةِ.
[ ٢٥ ]
وَاكْتُبْنِي فِي السُّعَدَاءِ؛ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ (^١).
وَكَانَ أَبُو وَائِلٍ ﵁ يُكْثِرُ أَنْ يَدْعُو: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنَا أَشْقِيَاءَ فَامْحُنَا وَاكْتُبْنَا سُعَدَاءَ، وَإِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنَا سُعَدَاءَ فَأَثْبِتْنَا؛ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ وَعِنْدَكَ أُمُّ الكِتَابِ» (^٢).
وَقَالَ كَعْبٌ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵄: لَوْلَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ لأَنْبَأْتُكَ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (^٣).
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي دَعَا لَهَا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ فِي بَطْنِهَا جَارِيَةٌ فَأَبْدِلْهَا غُلَامًا؛ فَإِنَّكَ تَمْحُو مَا تَشَاءُ وَتُثْبِتُ (^٤).
وَحُجَّةُ القَائِلِينَ بِذَلِكَ: الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ.
فَأَمَّا الكِتَابُ فَهَذِهِ الآيَةُ الشَّرِيفَةُ.
وَجْهُ الحُجَّةِ مِنْهَا أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُ اللَّفْظِ.
_________________
(١) أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ فِي «تَفْسِيرِهِ» (١٣/ ٥٦٤). وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ فِي «الضَّعِيفَةِ» (١١/ ٧٦٤) بِمَجْمُوعِ طُرُقِهِ.
(٢) أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ فِي «تَفْسِيرِهِ» (١٣/ ٥٦٣). قَالَ الأَلْبَانِيُّ فِي «الضَّعِيفَةِ» (١١/ ٧٦٤): «رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْهُ».
(٣) أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ فِي «تَفْسِيرِهِ» (١٣/ ٥٦٥).
(٤) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي «السُّنَنِ» (٤/ ٥٠١)، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ فِي «سُنَنِهِ الكُبْرَى» (٧/ ٧٢٩).
[ ٢٦ ]
وَأَمَّا دَعْوَى التَّخْصِيصِ فَفِيهَا نَظَرٌ كَمَا يَأْتِي:
فَعَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ أَنَّهُمَا قَالَا: يَمْحُو السَّعَادَةَ وَالشَّقَاوَةَ، وَيَمْحُو الرِّزْقَ وَالأَجَلَ، وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ (^١).
وَفِي «تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ» (^٢) وَ«ابْنِ عَادِلٍ» (^٣): رَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ - سُبْحَانَهُ - يَفْتَحُ الذِّكْرَ فِي ثَلَاثِ سَاعَاتٍ يَبْقَيْنَ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَنْظُرُ فِي الكِتَابِ الَّذِي لَا يَنْظُرُ فِيهِ أَحَدٌ غَيْرُهُ، فَيَمْحُو مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ» (^٤).
وَفِي «تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ» - وَغَيْرِهِ -: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ لِله لَوْحًا مَحْفُوظًا، مَسِيرَةَ (^٥) خَمْسِ مِئَةِ عَامٍ، مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، لَهُ دَفَّتَانِ (^٦) مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، لِلهِ فِيهِ كُلَّ (^٧) يَوْمٍ ثَلَاثُ مِئَةٍ وَسِتُّونَ نَظْرَةً، يُثْبِتُ مَا يَشَاءُ وَيَمْحُو مَا
_________________
(١) يُرِيدُ بِذَلِكَ: الأَثَرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ آنِفًا عَنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄ (ص٢٥ - ٢٦).
(٢) انْظُرْ «تَفْسِيرَ القُرْطُبِيِّ» (٩/ ٣٣٢).
(٣) انْظُرْ «تَفْسِيرَ ابْنِ عَادِلٍ» (١١/ ٣٢٠).
(٤) رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ فِي «تَفْسِيرِهِ» (١١/ ٥٦٠) و(١٣/ ٥٧٠) و(١٥/ ٣٤).
(٥) بِالرَّفْعِ أَوِ النَّصْبِ، أَمَّا الرَّفْعُ فَعَلَى الخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: (طُولُهُ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِئَةِ عَامٍ)، وَأَمَّا النَّصْبُ فَعَلَى الظَّرْفِيَّةِ، تَقْدِيرُهُ (فِي مَسِيرَةِ خَمْسِ مِئَةِ عَامٍ).
(٦) (الدَّفَّتَانِ): بِفَتْحِ الدَّالِ؛ أَيِ: الجَانِبَانِ، وَ(الدَّفَّةُ) هِيَ: الجَنْبُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، وَمِنْهُ: (دَفَّتَا المُصْحَفِ).
(٧) بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ؛ أَيْ: (فِي كُلِّ يَوْمٍ).
[ ٢٧ ]
يَشَاءُ (^١).
وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: خَلَقَ اللهُ لَوْحًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، قَلَمُهُ مِنْ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ، وَكِتَابُهُ نُورٌ، يَنْظُرُ اللهُ فِيهِ كَلَّ يَوْمٍ ثَلَاثَ مِئَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيَرْفَعُ أَقْوَامًا وَيَخْفِضُ آخَرِينَ، وَيَحْكُمُ مَا يَشَاءُ، وَيَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (^٢).
وَقَالَ قَيْسُ بْنُ عُبَادٍ (^٣) - فِي اليَوْمِ العَاشِرِ مِنْ رَجَبٍ -: هُوَ اليَوْمُ الَّذِي يَمْحُو اللهُ فِيهِ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ (^٤).
_________________
(١) أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ فِي «التَّفْسِيرِ» (١٣/ ٥٧٠) و(٢٢/ ٢١٥)، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي «العَظَمَةِ» (٢/ ٤٩٢و٦٢١)، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي «الكَبِيرِ» (١٠/ ٢٦٠). قَالَ رِضَاءُ اللهِ المُبَارَكْفُورِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى «العَظَمَةِ» (٢/ ٤٩٢): «وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ». وَقَالَ الأَلْبَانِيُّ فِي «شَرْحِ العَقِيدَةِ الطَّحَاويَّةِ» (ص٢٣٣) - مُعَلِّقًا عَلَى رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ -: «وَإِسْنَادُهُ يَحْتَمِلُ التَّحْسِينَ؛ فَإِنَّ رِجَالَهُ كُلَّهُمْ ثِقَاتٌ؛ غَيْرَ بُكَيْرِ بْنِ شِهَابٍ - وَهُوَ الكوفِيُّ -، قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِمٍ: «شَيْخٌ»، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي «الثِّقَاتِ»».
(٢) رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي «العَظَمَةِ» (٢/ ٧٠٥ - ٧٠٦) وَفِيهِ طُولٌ. قَالَ مُحَقِّقُ الكِتَابِ رِضَاءُ اللهِ المُبَارَكْفُورِيُّ (٢/ ٧٠٨): «مَوْضُوعٌ؛ لأَنَّ فِي إِسْنَادِهِ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ البَاهِليَّ - غُلَامَ خَلِيلٍ -؛ كَانَ مِمَّنْ يَفْتَعِلُ الحَدِيثَ.
(٣) وَفِي المَخْطُوطِ: «عُبَادَة»، وَالصَّوَابُ مَا أَثْبَتْنَاهُ مِنْ كُتُبِ التَّرَاجِمِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي «التَّقْرِيبِ» (ص٤٥٧): «بِضَمِّ المُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ المُوَحَّدَةِ … مُخَضْرَمٌ، مَاتَ بَعْدَ الثَّمَانِينَ، وَوَهِمَ مَنْ عَدَّهُ فِي الصَّحَابَةِ».
(٤) رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ فِي «تَفْسِيرِهِ» (١٣/ ٥٧١)، وَالبَيْهَقِيُّ فِي «شُعَبِهِ» (٥/ ٣٠٣و٣٠٤)؛ قَالَ مُحَقِّقُهُ عَبْدُ العَلِيِّ حَامِد فِي الحَدِيثِ الأَوَّلِ: «إِسْنَادُهُ فِيهِ جَهَالَةٌ»، وَفِي الثَّانِي: «إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِذَاكَ».
[ ٢٨ ]
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُحْكِمُ اللهُ أَمْرَ السَّنَةِ فِي رَمَضَانَ، فَيَمْحُو مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ (^١).
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ اللهَ يَقْضِي الأَقْضِيَةَ فِي لَيْلَةِ نِصْفِ شَعْبَانَ، وَيُسَلِّمُهَا لأَرْبَابِهَا فِي لَيْلَةِ القَدْرِ (^٢).
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي (سُورَةِ فَاطِرٍ): ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (^٣)؛ أَيْ: لَا يَطُولُ عُمُرُ إِنْسَانٍ وَلَا يَنْقُصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا وَهُوَ فِي كِتَابٍ؛ أَيْ: فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
وَقَالَ كَعْبُ الأَحْبَارِ - حِينَ طُعِنَ عُمَرُ وَحَضَرَتْهُ الوَفَاةُ -: وَاللهِ لَوْ دَعَا اللهَ عُمَرُ أَنْ يُؤَخِّرَ أَجَلَهُ لأَخَّرَهُ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ اللهَ ﷿ يَقُولُ: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (^٤)، فَقَالَ: (هَذَا إِذَا حَضَرَ الأَجَلُ، فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَيَجُوزُ أَنْ يُزَادَ وَيُنْقَصَ)، وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ (^٥)، حَكَاهُ البَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ.
_________________
(١) رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ فِي «تَفْسِيرِهِ» (١٣/ ٥٦٨).
(٢) لَمْ أَظْفَرْ بِسَنَدِهِ، وَأَوْرَدَهُ البَغَوِيُّ فِي «تَفْسِيرِهِ» (٧/ ٢٢٨) مَرْوِيًّا عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
(٣) سُورَةُ (فَاطِر)، آيَة (١١).
(٤) سُورَةُ (الأَعْرَاف)، آيَة (٣٤).
(٥) أَخْرَجَهُ مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ فِي «جَامِعِهِ» (١١/ ٢٢٤ - المُلْحَق)، وَابْنُ سَعْدٍ فِي «الطَّبَقَاتِ» (٣/ ٣٦١)، وَالفِرْيَابِيُّ فِي «القَدَرِ» (ص٢٤٧)؛ قَالَ مُحَقِّقُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ حَمَدٍ المَنْصُور: «إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ …».
[ ٢٩ ]
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «وَقَدِ اسْتَفَاضَ عَلَى أَلْسِنَةِ النَّاسِ: (أَطَالَ اللهُ عُمُرَكَ وَفَسَحَ فِي مُدَّتِكَ) - وَمَا أَشْبَهَهُ -» (^١).
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - فِي (سُورَةِ الأَنْعَامِ): ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ … (^٢).
فَثَبَتَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ لِلإِنْسَانِ أَجَلَيْنِ، وَتَأَوَّلَهَا حُكَمَاءُ الإِسْلَامِ
- عَلَى مَا حَكَاهُ الإِمَامُ الفَخْرُ (^٣) - أَنَّ لِكُلِّ إِنْسَانٍ أَجَلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: الآجَالُ الطَّبِيعِيَّةُ.
الثَّانِي: الآجَالُ الاخْتِرَامِيَّةُ (^٤).
فَالآجَالُ الطَّبِيعِيَّةُ هِيَ الَّتِي لَوْ بَقِيَ المِزَاجُ مَصُونًا عَنِ العَوَارِضِ الخَارِجِيَّةِ - كَالغَرَقِ وَالحَرْقِ وَلَسْعِ الحَشَرَاتِ وَغَيْرِهَا - لانْتَهَتْ مُدَّةُ بَقَائِهِ إِلَى الأَوْقَاتِ الفَلَكِيَّةِ.
_________________
(١) انْظُرِ «الكَشَّاف» لِلزَّمَخْشَرِيِّ (٣/ ٦٠٤).
(٢) سُورَةُ (الأَنْعَام)، آيَة (٢).
(٣) أَيِ: الإِمَامُ الرَّازِيُّ، وَتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ (ص٢٥).
(٤) وَفِي المَخْطُوطِ: (الآجَالُ الاعْتِرَاضِيَّةُ)، وَالصَّوَابُ مَا أَثْبَتْنَاهُ؛ نَقْلًا عَنِ الرَّازِي فِي «تَفْسِيرِهِ» (١٢/ ٤٨١). قَالَ ابْنُ فَارِسٍ فِي «المَقَايِيسِ» (٢/ ١٧٣): «الخَاءُ وَالرَّاءُ وَالْمِيمُ: أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الِاقْتِطَاعِ، يُقَالُ: (خَرَمْتُ الشَّيْءَ)، وَ(اخْتَرَمَهُمُ الدَّهْرُ) …». قُلْتُ: وَيُرِيدُ الرَّازِيُّ بِذَلِكَ: العَوَارِضَ الخَارِجِيَّةَ الَّتِي تَخْتَرِمُ المِزَاجَ عَنْ طَبِيعَتِهِ؛ أَيِ: الَّتِي تَقْتَطِعُ مِنْهُ سُكُونَ النَّفْسِ وَالاطْمِئْنَانَ.
[ ٣٠ ]
وَالآجَالُ الاخْتِرَامِيَّةُ: هِيَ الَّتِي تَحْصُلُ بِسَبَبٍ مِنَ الأَسْبَابِ الخَارِجِيَّةِ - كَالغَرَقِ وَالحَرْقِ وَلَسْعِ الحَشَرَاتِ -.
وَعَلَيْهِ: فَالعُمُرُ الطَّبِيعِيُّ: أَنْ يَمُوتَ الشَّخْصُ لَا بِعِلَّةٍ خَارِجِيَّةٍ (^١).
هَذَا احْتِجَاجُهُمْ مِنَ الكِتَابِ.
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَاحْتَجُّوا مِنْهَا بِقَوْلِهِ ﷺ: «صِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الخُلُقِ
_________________
(١) وَهَذَا التَّقْسِيمُ للآجَالِ وَالأَعْمَارِ مِمَّا شَطَّ بِهِ الرَّازِيُّ عَنْ أَقْوَالِ السَّلَفِ فِي تَفْسِيرِ الآيَةِ المَذْكُورَةِ، وَوَافَقَ بِقَوْلِهِ - هَذَا - رَأْيَ المُعْتَزِلَةِ؛ كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو حَيَّانَ الأَنْدَلُسِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ «البَحْرِ المُحِيطِ» (٤/ ٤٣٢) بِقَوْلِهِ - بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ كَلَامَ الرَّازِيِّ -: «وَهَذَا قَوْلُ المُعْتَزِلَةِ، وَهُوَ نَقَلَهُ عَنْهُمْ وَقَالَ: هَذَا قَوْلُ حُكَمَاءِ الْإِسْلَامِ». وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أَقْوَالَ السَّلَفِ فِي تَفْسِيرِ الآيَةِ، وَرَجَّحَ قَوْلَ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الأَجَلَ الأَوَّلَ هُوَ: أَجَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَالأَجَلَ الثَّانِيَ المُسَمَّى عِنْدَهُ: هُوَ أَجَلُ البَعْثِ، انْظُرْ «تَفْسِير الطَّبَرِيِّ» (٩/ ١٥٠ - ١٥٤). وَقَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي «مَجْمُوعِ الفَتَاوَى» (١٤/ ٤٨٩): «فَالْأَجَلُ الْأَوَّلُ هُوَ أَجَلُ كُلِّ عَبْدٍ؛ الَّذِي يَنْقَضِي بِهِ عُمْرُهُ، وَ(الْأَجَلُ المُسَمَّى عِنْدَهُ) هُوَ: أَجَلُ الْقِيَامَةِ الْعَامَّةِ، وَلِهَذَا قَالَ: (مُسَمًّى عِنْدَهُ)؛ فَإِنَّ وَقْتَ السَّاعَةِ لَا يَعْلَمُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ؛ كَمَا قَالَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: (مُسَمًّى)؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾؛ إذْ لَمْ يُقَيَّدْ بِأَنَّهُ مُسَمًّى عِنْدَهُ؛ فَقَدْ يَعْرِفُهُ الْعِبَادُ، وَأَمَّا أَجَلُ المَوْتِ فَهَذَا تَعْرِفُهُ المَلَائِكَةُ الَّذِينَ يَكْتُبُونَ رِزْقَ الْعَبْدِ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؛ كَمَا قَالَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ - وَهُوَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ -: «إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُبْعَثُ إلَيْهِ المَلَكُ، فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ، فَيُقَالُ: اُكْتُبْ رِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَعَمَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ»، فَهَذَا الأَجَلُ الَّذِي هُوَ أَجَلُ المَوْتِ قَدْ يُعْلِمُهُ اللهُ لِمَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَأَمَّا أَجَلُ القِيَامَةِ (المُسَمَّى عِنْدَهُ) فَلَا يَعْلَمُهُ إلَّا هُوَ».
[ ٣١ ]
وَحُسْنُ الجِوَارِ يَعْمُرْنَ (^١) الدِّيَارَ وَيَزِدْنَ فِي الأَعْمَارِ»، رَوَاهُ إِمَامُنَا أَحْمَدُ، وَالبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ (^٢).
وَقَوْلِهِ ﷺ: «صِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي العُمُرِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ» (^٣)، رَوَاهُ القُضَاعِيُّ (^٤) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَقَوْلِهِ ﷺ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَأَنْ يُنْسَأَ (^٥) لَهُ فِي أَثَرِهِ (^٦)؛ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (^٧)، رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَفِي طَرِيقٍ آخَرَ (^٨): «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمُدَّ اللهُ فِي عُمُرِهِ وَأَجَلِهِ، وَيَبْسُطَ فِي
_________________
(١) بِضَمِّ المِيمِ مِنْ (عَمَرَ يَعْمُرُ)، أَوْ ضَمِّ اليَاءِ وَسُكُونِ العَيْنِ وَكَسْرِ المِيمِ مِنْ (أَعْمَرَ يُعْمِرُ)، أَوْ ضَمِّ المِيمِ وَفَتْحِ العَيْنِ وَكَسْرِ المِيمِ المُشَدَّدَةِ مِنْ (عَمَّرَ يُعَمِّرُ).
(٢) رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي «مُسْنَدِهِ» (٤٢/ ١٥٣)، وَالبَيْهَقِيُّ فِي «شُعَبِ الإِيمَانِ» (١٠/ ٣٤٤)، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي «مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ» (ص١٠٣و١٠٥)، قَالَ الأَلْبَانِيُّ فِي «الصَّحِيحَةِ» (٢/ ٤٨): «وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ؛ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ؛ رِجَالُ الشَّيْخَيْنِ؛ غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ مِهْزَمٍ، وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي «الثِّقَاتِ» …».
(٣) رَوَاهُ القُضَاعِيُّ فِي «مُسْنَدِهِ» (١/ ٩٣)، وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ فِي «الصَّحِيحَةِ» (٤/ ٥٣٥) مُورِدًا الشَّطْرَ الثَّانِي مِنْهُ بِشَوَاهِدِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مِنْهَا حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ (٤/ ٥٣٧)، وَقَالَ عَنْ شَطْرِهِ الأَوَّلِ - بَعْدَ أَنْ ضَعَّفَ الإِسْنَادَ -: «وَالزِّيَادَةُ الَّتِي أَوَّلَهُ لَهَا شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ فِي «التَّرْغِيبِ» …».
(٤) بِضَمِّ القَافِ وَفَتْحِ الضَّادِ - كَمَا فِي «الأَنْسَابِ» لِلسَّمْعَانِيِّ (١٠/ ٤٤٦) -.
(٥) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي «الفَتْحِ» (١٠/ ٤١٦): «(وَيُنْسَأ): بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ النُّونِ، بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ ثُمَّ هَمْزَةٌ؛ أَيْ: يُؤَخَّر».
(٦) قَالَ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي «الفَتْحِ» (١٠/ ٤١٦): «(فِي أَثَرِهِ)؛ أَيْ: فِي أَجَلِهِ».
(٧) مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَوَاهُ البُخَارِيُّ (٢٠٦٧) (٥٩٨٦)، وَمُسْلِمٌ (٢٥٥٧).
(٨) أَوْ (أُخْرَى)؛ فَـ (الطَّرِيقُ) تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ.
[ ٣٢ ]
رِزْقِهِ؛ فَلْيَتَّقِ اللهَ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» (^١).
وَفِي آخَرَ: «صِلْ رَحِمَكَ؛ يُزَدْ فِي عُمُرِكَ» (^٢).
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ (^٣) عَنْ عَلِيٍّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ
_________________
(١) مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَخْرَجَهُ الخَرَائِطِيُّ فِي «مَكَارِمِ الَاخْلَاقِ» (ص١٠١)، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي «الأَوْسَطِ» (٧/ ٧٠)، وَابْنُ عَدِيٍّ فِي «الكَامِلِ» (٣/ ٢٩١)، وَالبَيْهَقِيُّ فِي «شُعَبِ الإِيمَانِ» (١٠/ ٣٣٠). وَجَوَّدَ إِسْنَادَهُ المُنْذِرِيُّ فِي «التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ» (٣/ ٢٢٧)، وَالعِرَاقِيُّ فِي «المُغْنِي عَنْ حَمْلِ الأَسْفَارِ» (ص٦٧٨)، ويَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ أَنَسٍ الَّذِي قَبْلَهُ. وَقَدْ جَاءَتْ زِيَادَةٌ غَيْرُ ثَابِتَةٍ فِي الحَدِيثِ بِلَفْظِ: «وَيُدْفَعُ عَنْهُ مِيتَةُ السَّوْءِ» عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ «المُسْنَدِ» (١/ ١٤٣) وَالطَّبَرَانِيِّ فِي «الأَوْسَطِ» (٣/ ٢٣٣) وَابْنِ عَدِيٍّ فِي «الكَامِلِ» (٥/ ٣٩٥) (٨/ ٤١٥) - وَغَيْرِهِمْ -، انْظُرِ «الضَّعِيفَةَ» للأَلْبَانِيِّ (١١/ ٦٢١).
(٢) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، رَوَاهُ الحَارِثُ فِي «مُسْنَدِهِ» (٢/ ٨١٣ - بُغْيَةِ البَاحِثِ) بِلَفْظِ: «يَا ابْنَ آدَمَ! اتَّقِ رَبَّكَ، وَبِرَّ وَالِدَيْكَ، وَصِلْ رَحِمَكَ؛ يُزَدْ لَكَ فِي عُمُرِكَ، وَيُيَسَّرْ لَكَ يُسْرُكَ، وَيُجَنَّبْ عُسْرُكَ، وَيُبْسَطْ لَكَ فِي رِزْقِكَ، يَا ابْنَ آدَمَ! أَطِعْ رَبَّكَ تُسَمَّ عَاقِلًا، وَلَا تَعْصِ رَبَّكَ فَتُسَمَّى جَاهِلًا». وَالحَدِيثُ أَوْرَدَهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي «إِتْحَافِ المَهَرَةِ» (٦/ ٢٤) فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي العَقْلِ، وَقَالَ (٦/ ٣٠): «كُلُّ حَدِيثٍ فِي هَذَا البَابِ ضَعِيفٌ». وَأَوْرَدَهُ الحَافِظُ - كَذَلِكَ - فِي «المَطَالِبِ العَالِيَةِ» (١٣/ ٧٢٠)، وَقَالَ (١٣/ ٧٢٥): «هَذِهِ الْأَحَادِيثُ مِنْ كِتَابِ «الْعَقْلِ» لِدَاوُدَ بْنِ المُحَبَّرِ: كُلُّهَا مَوْضُوعَةٌ، ذَكَرَهَا الحَارِثُ فِي «مُسْنَدِهِ»». قُلْتُ: وَأَمَّا صِلَةُ الرَّحِمِ وَزِيَادَتُهَا فِي العُمُرِ؛ فَقَدْ ثَبَتَتْ بِأَحَادِيثَ أُخْرَى صَحِيحَةٍ - كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا -.
(٣) هُوَ: أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنُ مَرْدُوَيْه، أَبُو بَكْرٍ الأَصْبَهَانِيُّ: حَافِظٌ، مُؤَرِّخٌ، مُفَسِّرٌ، لَهُ كِتَابُ «التَّارِيخِ»، وَكِتَابٌ فِي تَفْسِيرِ القُرْآنِ، وَمُسْنَدٌ، وَمُسْتَخْرَجٌ فِي الحَدِيثِ، تُوُفِّيَ سَنَةَ (٤١٠هـ)، انْظُرِ «الأَعْلَامَ» لِلزِّرِكْلِيِّ (١/ ٢٦١). أَمَّا ضَبْطُ (مَرْدُوَيْهِ)؛ فَقَدْ قَيَّدَ شَكْلَهُ ابْنُ نَاصِرِ الدِّينِ الدِّمَشْقِيُّ فِي «تَوْضِيحِ المُشْتَبِهِ» (٨/ ١١٠) بِفَتْحِ المِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَضمِّ الدَّالِ وَسُكُونِ الوَاوِ، وَذَكَرَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ ضَمَّ المِيمَ وَكَسَرَهَا، وَضَبَطَ (ويه) بِسُكُونِ الوَاوِ وَفَتْحِ اليَاءِ. وَهُوَ مِنَ الأَعْلَامِ المَخْتُومَةِ بِـ (وَيْهِ)؛ كَسِيبَوَيْهِ - بِفَتْحِ الوَاوِ وَسُكُونِ اليَاءِ -، وَيُبْنَى عَلَى الكَسْرِ، إِلَّا أَنَّ المُحَدِّثِينَ يَضْبِطُونَهَا بِـ (سِيبُويَهْ) وَ(مَرْدُويَهْ) - بِسُكُونِ الوَاوِ وَفَتْحِ اليَاءِ - كَمَا ضَبَطَهُ ابْنُ نَاصِرِ الدِّينِ. وَقَدْ ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي «بُغَيْةِ الوُعَاةِ» (١/ ٤٢٨) سَبَبَ ضَبْطِ المُحَدِّثِينَ بِهَذَا الشَّكْلِ بِقَوْلِهِ: «هَذَا اصْطِلَاحٌ لِأَهْلِ الحَدِيثِ فِي كُلِّ اسْمٍ بِهَذِهِ الصِّيغَةِ، وَإِنَّمَا عَدَلُوا إِلَى ذَلِكَ لِحَدِيثٍ وَرَدَ أَنَّ (وَيْه) اسْمُ شَيْطَانٍ، فَعَدَلُوا عَنْهُ كَرَاهَةً لَهُ». قُلْتُ: وَأَوْرَدَ السَّخَاوِيُّ الحَدِيثَ المُشَارَ إِلَيْهِ فِي «المَقَاصِدِ الحَسَنَةِ» (ص٧٠٨)، وَذَكَرَ بِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ النُّوقَاتِيُّ فِي «مُعَاشَرَةِ الأَهْلِينَ» عَنِ ابْنِ عُمَرَ - مِنْ قَوْلِهِ -، وَكَذَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ.
[ ٣٣ ]
اللهِ ﷺ: «الصَّدَقَةُ عَلَى وَجْهِهَا (^١)، وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ، وَاصْطِنَاعُ المَعْرُوفِ: تُحَوِّلُ الشَّقَاءَ سَعَادَةً، وَتَزِيدُ فِي العُمُرِ، وَتَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ» (^٢).
وَرَوَى الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الجَعْدِ، عَنْ ثَوْبَانَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا يَزِيدُ فِي العُمُرِ إِلَّا البِرُّ، وَلَا يَرُدُّ القَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَإِنَّ العَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» (^٣).
هَذَا حَاصِلُ اسْتِدْلَالِ مَنْ قَالَ بِزِيَادَةِ العُمُرِ وَنَقْصِهِ، وَالمَحْوِ وَالإِثْبَاتِ
_________________
(١) قَالَ المُنَاوِيُّ فِي «فَيْضِ القَدِيرِ» (٤/ ٢٣٧) - شَارِحًا -: «عَلَى وَجْهِهَا المَطْلُوبِ شَرْعًا».
(٢) رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي «الحِلْيَةِ» (٦/ ١٤٥)، وَضَعَّفَهُ الأَلْبَانِيُّ، انْظُرِ «الضَّعِيفَةَ» (٨/ ٢٦٧).
(٣) لَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي «مُسْنَدِهِ»، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ (٣٧/ ٦٨و٩٥و١١١)، وَابْنُ مَاجَهْ (٩٠) و(٤٠٢٢)، وابْنُ حِبَّانَ (٣/ ١٥٣)، والحَاكِمُ فِي «مُسْتَدْرَكِهِ» (١/ ٦٧٠). وَحَسَّنَهُ الأَلْبانِيُّ بِشَاهِدٍ؛ دُونَ قَوْلِهِ: «وَإِنَّ العَبْدَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بالذَّنْبِ يُصِيبُهُ»، وَقَالَ: «فَإِنِّي لَمْ أَجِدْ لَهَا شَاهِدًا»، انْظُرِ «الصَّحِيحَةَ» (١/ ٢٨٦).
[ ٣٤ ]