لم تسعفني المصادر التي- وقفت عليها- والتي ترجمت لبيان الحق النيسابوري بكثير من الأخبار عن حياته، فلم تذكر شيئا عن زمن مولده أو وفاته، ولم أقف على تحديد للفترة التي عاش فيها.
ومن المرجح أن يكون النيسابوري من علماء القرن السادس الهجري، وأن وفاته كانت بعد سنة ٥٥٣ هـ.
فقد ذكر إسماعيل باشا «١» أن النيسابوري فرغ من تأليف كتابه «إيجاز البيان عن معاني القرآن» ب «الخجند» «٢» سنة ٥٥٣ هـ.
ويبدو أنه وقف على نسخة من الكتاب المذكور ورد فيه هذه الفائدة لأنه ذكر جميع ما أشار إليه النيسابوري من مصنفاته، أو ربما اطلع على نص من المتقدمين على ذلك. فإن هذا الأمر لا يدرك إلا بدليل أو تنصيص.
وفي القرن السادس الهجري كانت الدولة العباسية تمر بمرحلة من أضعف مراحلها وتنتظر أفولها وانهيارها، حتى إنه لم يبق من الخلافة إلا اسمها.
_________________
(١) هدية العارفين: ٢/ ٤٠٣.
(٢) بضم الخاء المعجمة، وفتح الجيم، وسكون النون: مدينة بما وراء النهر على شاطئ سيحون، وهي أول مدن فرغانة من الغرب. معجم البلدان: ٢/ ٣٤٧، وبلدان الخلافة الشرقية: ٥٢٢.
[ ١١ ]
وتشتت الدولة العباسية الكبيرة إلى دويلات متناثرة هنا وهنالك، فالفاطمية (٣٥٨- ٥٦٧ هـ)، والأيوبية (٥٦٧- ٦٤٨ هـ) في مصر، ودولة خوارزم «١» (٤٧٠- ٦٢٨ هـ)، والمرابطية في المغرب العربي (٤٤٨- ٥٤١ هـ) .
ومن أهم الأحداث التي وقعت في هذا العصر سقوط نيسابور في يد غير المسلمين، وكذلك «مرو» و«سرخس» . وقتل في نيسابور عدد كبير من الأهالي بينهم طائفة من العلماء الذين عرفوا بزهدهم وورعهم «٢» .
كما شهد أواخر القرن الخامس الهجري ومطلع القرن السادس صراعات بين أفراد الأسرة السلجوقية التي كانت تحكم البلاد فعليا في ظل الخلافة العباسية الشكلية «٣»، وقد كانت تلك الصراعات دموية ومؤسفة في كثير من الأحيان، وأدت في نهاية الأمر إلى ضعف الدولة السلجوقية السنية، وكان هذا الضعف سببا مباشرا للهجمات الصليبية على البلاد الإسلامية، وانقسمت الدولة السلجوقية العظيمة إلى دويلات الأتابكة التي حكمت البلاد بعد ذلك «٤» .
والأتابك- في الأصل- كانوا قوادا وأمراء للسلاطين السلاجقة، تولوا بعض الأقاليم التابعة للدولة السلجوقية، ثم انفردوا بحكم تلك الأقاليم عقب
_________________
(١) نسبة إلى مدينة خوارزم، وقد امتد حكم هذه الدولة من خراسان إلى ما وراء النهر. ينظر تاريخ الإسلام للدكتور حسن إبراهيم: (٤/ ٩٥، ٩٦) .
(٢) الكامل لابن الأثير: (١١/ ٨٧، ٨٨)، والبداية والنهاية: ١٢/ ٢٤٨، وتاريخ الإسلام: ٤/ ٥٨.
(٣) ينتسب السلاجقة إلى سلجوق (بفتح السين)، أحد رؤساء الأتراك، وكانوا يسكنون بلاد ما وراء النهر في مكان قريب من بخارى، وكان عدد السلاجقة- كما يقول ابن خلكان- يجل عن الحصر والإحصاء، ظلوا في الحكم أكثر من مائة عام (٤٤٧- ٥٥٢ هـ)، وإلى السلاجقة يرجع الفضل في تجديد قوة الإسلام وإعادة تكوين وحدته السياسية. ينظر الموسوعة العربية الميسرة: ١/ ٩٩٣، وتاريخ الإسلام: ٤/ ١.
(٤) تاريخ الإسلام: ٤/ ٦٢. []
[ ١٢ ]
الضعف الذي دب في بلاط السلطنة «١» .
وقد شهد هذا القرن أعظم انتصار حققه المسلمون على الصليبيين، وذلك بدخول صلاح الدين الأيوبي- رحمه الله تعالى- بيت المقدس عام ٥٨٣ هـ بعد احتلال دام أكثر من ثمانين عاما «٢» .
وتعاقب على الخلافة العباسية- الصورية- في القرن السادس الهجري والسابع الهجري سبعة خلفاءهم:
١- المستظهر بالله بن المقتدي (٤٨٧- ٥١٢ هـ) .
٢- المسترشد بالله بن المستظهر (٥١٢- ٥٢٩ هـ) .
٣- المنصور الراشد بالله بن المسترشد (٥٢٩- ٥٣٠ هـ) .
٤- المقتفي لأمر الله بن المستظهر (٥٣٠- ٥٥٥ هـ) .
٥- المستنجد بالله بن المقتفي (٥٥٥- ٥٦٦ هـ) .
٦- المستضيء بأمر الله بن المستنجد (٥٦٦- ٥٧٥ هـ) .
٧- الناصر الدين الله بن المستضيء (٥٧٥- ٦٢٢ هـ) .
أما المجتمع الإسلامي في ذلك العصر فقد كان يتكون من عدة أجناس ففي المشرق كان أبرز تلك الأجناس الجنس العربي، والتركي، والفارسي.
وفي المغرب الإسلامي والأندلس كان العرب والبربر والمولدون «٣» وكانت الدولة تضم- بجانب المسلمين- أقليات دينية كاليهود والنصارى، حيث كانت الحرية مكفولة لهم في ممارسة شعائرهم الدينية، وتقلد بعضهم مناصب عليا في الدولة.
كما ظهرت بعض الفرق الباطنية كانوا محسوبين على المسلمين،
_________________
(١) تاريخ الإسلام: ٤/ ٦٢.
(٢) الكامل لابن الأثير: ١١/ ٥٤٦، والبداية والنهاية: (١٢/ ٣٤١- ٣٤٤)، وتاريخ الإسلام: ٤/ ١١٠.
(٣) هم أعقاب الأسبان الذين أسلموا بعد الفتح الإسلامي للأندلس. ينظر نهاية الأندلس: ٧٠.
[ ١٣ ]
فكانت الفاطمية في مصر لها حكم ونفوذ واستمرت دولتهم أكثر من مائتي عام.
كما كان هناك الدروز والإسماعيلية في بلاد الشام وفارس «١» .
ولا شك أن الوضع السياسي المضطرب في ذلك العصر قد أثر سلبا على حياة الناس من حيث الاستقرار والأمان، والمحافظة على قواعد الشريعة والأخلاق.
وتأثر المجتمع العباسي خصوصا، والمجتمعات الإسلامية على وجه العموم بالخلافات السياسية، وبضعف السلطة الحاكمة، حيث إن الحكام مشغولون بالصراع على الحكم، وبتسيير الجيوش لقتال بعضهم بعضا، منصرفين عن الاهتمام برعاية مصالح العباد وتدبير شؤونهم الدينية والدنيوية.
ونتيجة لذلك انتشر الفقر، وظهر الفساد الخلقي في معظم طبقات المجتمع بما في ذلك الطبقة الحاكمة التي كانت تدير البلاد، فأدمن بعضهم الخمر، واقترف الظلم وظهر الغش في المعاملات والبيوع وانتشر الربا، وضعفت القيم الروحية والأخلاق الفاضلة في نفوس الناس، وتهاون كثير منهم في أداء العبادات، وعظم الجهل في معرفة أحكامها وشروطها.
وانعدم الأمن، وكثرت الجرائم والسرقات «٢» .
كما أدى ظهور الاتجاهات الفكرية والفرق الكلامية المختلفة إلى وقوع كثير من الفتن والمحن، وذلك بسبب اشتداد الخلاف بين تلك الاتجاهات المتباينة «٣» .
أما النشاط العلمي والثقافي فقد تأثر بالوضع المتدهور الذي كان سائدا
_________________
(١) ينظر في طبقات المجتمع الإسلامي والأقليات الدينية في: ظهر الإسلام: ١/ ٣، وتاريخ الإسلام للدكتور حسن إبراهيم: ٤/ ٦٢٥.
(٢) ينظر صيد الخاطر لابن الجوزي: (٢٦٢- ٢٦٦)، والبداية والنهاية: (١٢/ ٢٣٧، ٢٤٠، ٢٤٦، ٢٤٨)، وتاريخ الإسلام للدكتور حسن إبراهيم: (٤/ ٦٢٥- ٦٣٢) .
(٣) المنتظم: (١٠/ ١٩٨، ٢٨٥) .
[ ١٤ ]
في ذلك العصر، لكنه ظل يقاوم المؤثرات التي كانت تحد من استمراره وقد ظهر خلال القرن السادس الهجري عدد كبير من الأئمة الأعلام، ونخبة متميزة من العلماء في مختلف فنون المعرفة.
منهم- على سبيل المثال- الحافظ أبي طاهر السلفي المتوفى سنة ٥٧٦ هـ، والحافظ ابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ هـ، والزمخشري المتوفى سنة ٥٣٨ هـ، وابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧ هـ.
وقد خلف هؤلاء ثروة عظيمة ضخمة، نهل من مواردها من جاء بعدهم وأفادت الأجيال اللاحقة فائدة عظيمة.
وقد شهد ذلك العصر- أيضا- ظاهرة حميدة وهي اهتمام الخلفاء والسلاطين والوزراء ببناء المدارس والأربطة، وتخصيص الأوقاف لعلماء وطلاب تلك المدارس.
ومن أشهر المدارس التي كانت قائمة في ذلك الوقت وكانت مصدر نور وإشعاع- المدارس النظامية، التي أسسها الوزير السلجوقي نظام الملك الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي المتوفى سنة ٤٨٥ هـ، وقد اكتمل بناء كبرى هذه المدارس ببغداد وبدأ التدريس بها عام ٤٥٩ هـ «١» .
كما كانت حلقات العلم والمجالس العلمية تعقد في المساجد المختلفة، ويتصدر للتدريس في تلك الحلقات أبرز العلماء في ذلك العصر.
_________________
(١) ينظر تاريخ دولة آل سلجوق: ٣٢، والكامل لابن الأثير: (١٠/ ٤٩، ٥٠) . وقد وصف الحافظ الذهبي الوزير نظام الملك بقوله: الوزير الكبير، نظام الملك، قوام الدين، أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، عاقل سائس، خبير سعيد، متدين، محتشم، عامر المجلس بالقراء والفقهاء. أنشأ المدرسة الكبرى ببغداد، وأخرى بنيسابور، وأخرى بطوس، ورغب في العلم، وأدرّ على الطلبة الصلات، وأملى الحديث، وبعد صيته » . ينظر سير أعلام النبلاء: ١٩/ ٩٤.
[ ١٥ ]
وشهدت الدولة في تلك الفترة ظاهرة طيبة، وهي التنافس بين الأمراء والحكام والوزراء على بناء المدارس، والاهتمام بها، والحرص على جلب خيار العلماء إليها، وتشجيع طلاب العلم بها على التحصيل.