(٢٥٦) ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾ قد علمت مما تقدم في الكلام على الآيات المتقدمة، من آية (٢٤٣) إلى هنا، أنها تدور على بيان حكمة الجهاد، ودفع المطاعن التي ربما تورد عليه.
وأيضًا، [٢٤/أ] فهذه قرينة توجب حمل هذه الجملة ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ على ما لا ينافي الجهاد، ما دام يمكن حملها على ذلك، ولو بنوعٍ من التجوُّز. هذه هي القاعدة العقلية المطردة في فهم الكلام، ولا ينكرها أحد من العقلاء.
وأيضًا، الكلام بعد هذه الجملة كله مما يؤيد الأمر بالجهاد، كما يأتي إن شاء الله. وهاك تفصيل ذلك:
أولًا: حكمة الجهاد التي تقدمت في آية (٢١٥).
٢ - ما تقدم من كونه كان مشروعًا في الشرائع المتقدمة.
٣ - ما تقدمت الإشارة إليه في آية (٢٥٤).
٤، ٥ - ما تقدمت إليه الإشارة في الكلام على آية الكرسي (٢٥٥).
٦ - قوله تعالى عقب هذه الجملة: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
٧ - قوله تعالى عقب ذلك: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ (^١) على ما يأتي إيضاحه أيضًا إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) في الأصل: " فقد هدي إلى صراط مستقيم"، وهو سهو.
[ ٧ / ١٨٠ ]
٨ - قوله تعالى عقب ذلك: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] على ما يأتي إيضاحه أيضًا إن شاء الله تعالى.
[٢٤/ب] ٩ - الآيات الآتية في الأمر بالإنفاق، وهي في هذا السياق، كما يأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.
وختام العشرة: ختام هذه السورة: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (^١) [البقرة: ٢٨٦].
وهناك وجوه أخرى تدل على ما قدمناه، أو على تخصيص الجملة المذكورة، أو نسخها؛ فيترجح دلالتها على المعنى الأول لموافقته بقية الأدلة.
منها: أن نزول سورة البقرة كان عقب الهجرة، وقد نزل بعدها سور وآيات في الأمر بالجهاد، وجاهد النبي - ﵌ - بنفسه، واستمر حكم الجهاد إلى وفاته - ﵌ -، فإنه عند وفاته كان قد جهز جيشًا مع أسامة بن زيد، ولم يزل يحض على تنفيذه إلى آخر رمق. دع جهاد الصحابة وإجماعهم ــ والأمة من بعدهم ــ على الجهاد.
إذا علمت ما تقدم (^٢) فاعلم أن المفسرين متفقون ــ فيما أعلم ــ على أن المعنى: لا إكراه على الدخول في الدين.
واختار الصاوي في "حواشيه على الجلالين" بأن (^٣) (في) بمعنى (على)،
_________________
(١) في الأصل: "وانصرنا "، وهو أيضًا سهو.
(٢) الكلام من "فاعلم" إلى "نتكلم على هذا المعنى" ألحقه المؤلف في أعلى الأوراق (٢٤/ب- ٣٢/أ).
(٣) كذا "بأن" في الأصل.
[ ٧ / ١٨١ ]
كما في قوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] (^١)؛ فالمعنى: لا إكراه على الدين. ولكن من يقول بأن استعمال (في) موضع (على) لا يكون إلا لنكتة يطلب النكتة هنا، ولم أستحضر نكتة.
وعندي أن في الكلام تضمينًا، ضمن الإكراه معنى الإدخال لتؤدي الكلمة المعنيين معًا، ونبه على ذلك بتعدية الإكراه بـ (في) التي يعدى بها الإدخال، فصار المعنى: لا إدخال في الدين بالإكراه. والتضمين كثير في القرآن وغيره.
والمراد بالنفي عندي ظاهر (^٢)، أي: لا يمكن الإدخال في الدين بالإكراه.
والمراد بالدين هنا الإيمان، بدليل قوله في السياق: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ
بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. ودليل ثانٍ وهو: أن الإيمان هو الذي لا يمكن الإدخال فيه بالإكراه. ودليل ثالث وهو قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] كما يأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.
ولك أن تبقي كلمة "الدين" على عمومها الشامل للإيمان والإسلام
_________________
(١) "حاشية الصاوي" (١/ ١٢١) فسره الجلال بمعنى "على الدخول فيه"، وقال الصاوي: "والمعنى: لا يكره أحد أحدًا على الدخول في الإسلام" دون التصريح بأن "في" بمعنى "على" والاستشهاد بقوله تعالى: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾.
(٢) في الأصل: "ظاهرة".
[ ٧ / ١٨٢ ]
والإحسان، كما في حديث جبريل (^١). والإيمان هو الأعظم. مع أن الإسلام والإحسان لا يمكن الإدخال فيه بالإكراه؛ لأن تحققه متوقف على الإيمان، فغير المؤمن لا يمكن أن يصلي أو يصوم أو يحج أو يعمل شيئًا من الأعمال الدينية؛ لأنه إذا عمل الأعمال التي تسمى في الظاهر صلاةً لم تكن أعماله تلك صلاة شرعية التي هي من الدين. وهكذا.
وأيضًا، فالأعمال الدينية يتوقف الاعتداد بها من الدين على النية، والنية لا يمكن تحصيلها بالإكراه.
فإن قلت: فما وجه ارتباط هذه الجملة بما قبلها؟
فالجواب: أن الله ﷿ لما قدم بيان حكمة الجهاد، وكونه حقًّا من عنده ــ كما تقدم بيانه ــ وبيَّن وضوح الحق وسقوط أعذار الكفار، وأنهم هم الظالمون= كان ذلك مظنة لأن يحمل المسلمين على الغلو في الجهاد حبًّا للحق ورغبة في قبول الناس به، فدفع الله تعالى هذا ببيانه أن الدين لا يحصل بالإكراه.
فدل بذلك على أن الجهاد ليس المقصود منه الإكراه على الدين، وإنما المقصود منه حكم أخرى بيَّن الله تعالى بعضها فيما سبق، وبعضها يفهمه العقلاء، وباقيها يعلمها الله تعالى، كما تقدمت الإشارة إليه في آية الكرسي.
فإذا كان كذلك فعلى المسلمين أن يقتصروا من الجهاد على ما شرعه الله تعالى، ولا يغلوا فيه؛ فإن الغلو إنما يبعثهم عليه الرغبة في دخول الناس
_________________
(١) البخاري: كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان والإسلام والإحسان (٥٠)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام (٩، ١٠).
[ ٧ / ١٨٣ ]
في الدين، ودخول الناس في الدين لا يحصل بالجهاد.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ كأنه ــ والله أعلم ــ جوابٌ عن سؤال مقدر، كأن المسلمين قالوا: فكيف نصنع في حمل الناس على الحق؟ فأجابهم تعالى بذلك، أي: إنه ليس عليكم إلا البلاغ.
وقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ ﴾ من تتمة الجواب، أي إن من قبل الإيمان برضاه واختياره، فنفسَه نَفَعَ، ومن أبى فنفسه ضرَّ. والله أعلم.
ويمكن بيان الارتباط بأكثر من هذا، ولكن يحتاج إلى إطالة، وفي هذا كفاية إن شاء الله تعالى.
فإن قال قائل: أنا لا أسلِّم أن معنى ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾: لا إكراه على الدين ــ كما قلت ــ وإن اتفق عليه المفسرون، بل الظاهر عندي أن المعنى: ليس في أحكام الدين حكم بالإكراه. أي أعم من أن يكون إكراهًا على الإيمان أو على عملٍ ما من الأعمال مطلقًا.
قلت: السياق يأبى هذا، ولاسيما قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ
بِاللَّهِ﴾، وقوله في آية يونس: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾.
ومع ذلك، فلا بأس أن نتكلم على هذا المعنى (^١)، فأقول: المتبادر إلى
_________________
(١) هنا تم اللحق الذي بدأ في أعلى الورقة (٢٤/ب).
[ ٧ / ١٨٤ ]
الأذهان أن الإكراه ظلمٌ مذموم؛ فلو قيل لك: إن في إقليم كذا ملكًا يكره الناس، [٢٥/أ] تبادر إلى ذهنك أنه ظالم.
فإذا وافقت على هذا ساغ لنا أن ندعي أن الإكراه الحقيقي هو ما يكون ظلمًا، بدليل التبادر المذكور. فلا يشمل ما يسمى إكراهًا وليس بظلم، كإكراه المريض على الدواء، والصبي على التعليم.
ولو قيل لك
_________________
(١) بدل المثال المتقدم : إن في بلد كذا ملكًا يكره الأطفال على التعلم، ويكره العامَّة على تعلُّم الصنائع المفيدة، ويكره الرعية على القيام بما تتوقف عليه مصلحة شرف الأمة واستقلالها من النفقات، ويُكره الصالحين للقتال على القتال في الدفاع عن الأمة وشرفها، وأشباه ذلك= لم يتبادر إلى ذهنك من هذه الصفات أن الملك ظالم، بل بالعكس نفهم أن الواصف يصفه بالحكمة والعدل. فإن سلمت هذا، قلنا: إن الإكراه في الآية المراد به الإكراه الحقيقي، وهو ما يكون ظلمًا. [٢٥/ب] وإن بقي في نفسك شيء من هذا، فلا بأس أن نفرض أن الإكراه يشمل الضربين حقيقة، ولكن نقول: أريد منه هاهنا الضرب الأول خاصة، بمعونة القرائن والأدلة التي قدمناها، وذلك على سبيل المجاز، لما كان الضرب الثاني المقصود منه المصلحة والعدل والمنفعة مما يحسِّنه العقل، فكان ينبغي للناس أن يقبلوه برضاهم واختيارهم، ولا يلجئوا المصلح إلى إكراههم عليه. ولذلك صح تخصيص الإكراه بالضرب الأول، وكان الثاني غير معتدٍّ به ولا منظورٍ إليه.
[ ٧ / ١٨٥ ]
وعليه فالمعنى: وليس في أحكام الدين إكراه يكون ظلمًا. وهذا صحيح، بل ليس فيها ظلمٌ البتة، والحمد لله. وقوله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ الآية يؤيد ذلك (^١).
_________________
(١) هنا انتهت مسودة هذه الرسالة.
[ ٧ / ١٨٦ ]