تدور كلمة السَّلَف في أصل الوضع اللغوي على معنى التَّقَدُّمِ والسَّبْق، فكُلُّ من تَقَدَّمكَ وما قَدَّمتَه فهو سَلَفٌ لك، ثم تفيد بعد ذلك مدحًا أو ذمًّا بحسب موضعها وسياقها. قال ابن فارس (ت: ٣٩٥): (السين واللام والفاء أصلٌ يدل على تقدُّمٍ وسَبْق، من ذلك السَّلَف: الذين مضوا، والقوم السُّلاف: المُتَقَدِّمون) (^١)، والسَّلَفُ كلُّ عملٍ صالحٍ قدَّمته، أو فَرَطٍ فَرَطَ لك، وكلُّ من تقدمك من آبائك وقرابتك، مِمَّنْ هم فوقك في السِّنِّ والفضل (^٢)، ومنه قول الشاعر (^٣):
مضوا سلفًا، قَصد السبيل عليهِمُ … وصرفُ المنايا بالرجال تَقَلَّبُ
_________________
(١) مقاييس اللغة ١/ ٥٦٧.
(٢) ينظر: القاموس المحيط (ص: ٧٣٨)، والكلِّيَّات (ص: ٥١١)، ولسان العرب ٩/ ١٥٨.
(٣) هو طُفَيل الغنوي، يرثي قومه. والبيت في ديوانه (ص: ٥٦).
[ ٢٥ ]
(أراد أنهم تقدمونا وقصدُ سبيلنا عليهم، أي: نموت كما ماتوا فنكون سلفًا لمن بعدنا كما كانوا سلفًا لنا) (^١)، وقال الراغب الأصفهاني (^٢) (ت: بعد ٤٠٠): (السَّلَفُ: المتقدم، قال تعالى ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ﴾ [الزخرف ٥٦]، أي: مُعتَبَرًا متقدمًا) (^٣)، (وفي الدعاء للميت "واجعله سلفًا لنا" (^٤)، قيل: هو من سلف المال كأنه قد أسلفه وجعله ثمنًا للأجر والثواب الذي يُجازى على الصبر عليه، وقيل: سلف الإنسان من تقدمه بالموت من آبائه وذوي قرابته) (^٥)، ويشهد لهذا المعنى الأخير قول النبي ﷺ لفاطمة ﵂: (ولا أراني إلا قد حضر أجلي، وإنك أوّل أهلي لُحوقًا بي، ونعم السلف أنا لك) (^٦) أي: المتقدم.
وقد تستعمل هذه الكلمة في الذم، كما في قوله تعالى ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ﴾ [الزخرف ٥٦]، قال مجاهد (^٧) (ت: ١٠٤): (قوم فرعون كفارهم سلفًا لكفار أمة محمد ﷺ (^٨)،
_________________
(١) لسان العرب ٩/ ١٥٩، ويُنظر: المعجم الوسيط ١/ ٤٤٤.
(٢) الحسين بن محمد بن المفضل، أبو القاسم الأصفهاني، من أعلام الأدب والحكمة، صنف المفردات، والمحاضرات، وغيرها، توفي بعد (٤٠٠). يُنظر: السير ١٨/ ١٢٠، وبغية الوعاة ٢/ ٢٩٧.
(٣) المفردات (ص: ٤٢٠)، وتفسير آيات أشكلت ٢/ ٦٩٤.
(٤) أخرجه البيهقي في السنن ٤/ ٩ (٦٥٨٥)، موقوفًا من قول أبي هريرة ﵁، وأخرجه البخاري ٣/ ٢٤٢ (باب: ٦٥ - قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة)، معلَّقًا بصيغة الجزم عن الحسن البصري. ووردت لفظة (فرطًا وسلفًا) في صحيح مسلم ٥/ ٤٥١ (٢٢٨٨) من حديث أبي موسى الأشعري مرفوعًا: (إن الله ﷿ إذا أراد رحمة أُمَّةٍ من عباده قبض نبيّها قبلها، فجعله لها فَرَطًا وسَلَفًا بين يديها).
(٥) النهاية في غريب الحديث ٢/ ٣٥١.
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه ٦/ ٨ (٢٤٥٠).
(٧) مجاهد بن جبر، أبو الحجاج المكي، من أعلم التابعين بالتفسير، ومن أشهر تلاميذ ابن عباس ﵁، توفي سنة (١٠٤). ينظر: طبقات ابن سعد ٥/ ٣١٩، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٥٠٤).
(٨) جامع البيان ٢٥/ ١٠٩.
[ ٢٦ ]
وقال قتادة (^١) (ت: ١١٧) ومعمر (^٢) (ت: ١٥٣): (سلفًا إلى النار) (^٣)، وعن زيد بن أسلم (^٤) (ت: ١٣٦) قال: (ما من أحد إلا وله سَلَفٌ في الخير والشر) (^٥).