لقد نزع الصحابة ﵃ في هذه الآية منزعًا أصيلًا، ولا غرو، فإنما نزل القرآن عليهم وبِلُغتهم، فهم أعلم الناس بالتأويل، وأسعدهم بمشاهدة التنْزيل، وكلُّ فضلٍ وشرفٍ فيهم فإنما يُذكَر بعد فضيلة وشرف صحبتهم رسولَ الله ﷺ، وحيثما جاء البيان عن رسول الله ﷺ فهو البيان، وهذا من أصول الديانة في كل ما جاء به رسول الله ﷺ عامّةً، وفيما أبانه من معاني كلام الله تعالى على الخصوص، قال تعالى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر ٧]، وقال سبحانه ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل ٤٤]، فَمِنْ الله تعالى التنْزيل، وَمِنْ رسوله ﷺ البيان والتأويل.
_________________
(١) فتح الباري، لابن رجب ١/ ١٤٤، وينظر: أضواء البيان ٢/ ١٥٤.
(٢) محمد بن عمر بن الحسين القرشي التيميّ البكري، فخر الدين أبو عبد الله الرازي، إمام مفسر أصولي متكلم، صنف: التفسير الكبير، وإعجاز القرآن، توفي سنة (٦٠٦). ينظر: السير ٢١/ ٥٠٠، وطبقات الشافعية الكبرى ٨/ ٨١.
(٣) قصّةُ مُحاجّة إبراهيم ﵇ لقومه، وهي من آية (٧٤) إلى آية (٨٣) من سورة الأنعام.
(٤) التفسير الكبير ١٣/ ٥٠، وينظر: التحرير والتنوير ٧/ ٣٣٣.
[ ٥١ ]
ومن ثَمَّ فإن تفسير الظلم في هذه الآية بالشرك هو المتعيّن؛ لوروده عن النبي ﷺ صحيحًا صريحًا، وقد نَصَّ العلماء على وجوب الأخذ بما هذا سبيله من التفسير عن رسول الله ﷺ، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وإن كان الله- جل ذكره- قد أخبر عباده أنه قد جعل القرآن عربيًّا، وأنّه أنزله بلسان عربي مبين، ثم كان ظاهره محتملًا خصوصًا وعمومًا، لم يكن لنا السبيل إلى العلم بما عنى الله- تعالى ذكره- من خصوصه وعمومه إلا ببيان من جُعِل إليه بيان القرآن؛ وهو رسول الله ﷺ (^١)، وقال ابن العربي (^٢) (ت: ٥٤٣) عند هذه الآية: (وبعد تفسير النبي ﷺ فلا تفسير، وليس للمُتَعَرِّضِ إلى غيره إلا النكير) (^٣)، وقال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (ومما ينبغي أن يُعلم، أن القرآن والحديث إذا عُرِف تفسيره من جهة النبي ﷺ، لم يُحتَج في ذلك إلى أقوال أهل اللغة؛ فإنه قد عُرِف تفسيره، وما أُريد بذلك من جهة النبي ﷺ فلم يُحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم) (^٤).
وقد هُدِيَ الصحابة ﵃ في ذلك لأحسن الهدي؛ فلم يُعرَف عن أحد منهم مُراجعة رسول الله ﷺ في ذلك، بل استقام تفسيرهم بعد ذلك على بيان رسول الله ﷺ (^٥).
_________________
(١) جامع البيان ١/ ٢٤، وينظر منه: ١/ ٥٢.
(٢) محمد بن عبد الله بن محمد بن العربي، أبو بكر المعافري الأندلسي الإشبيلي المالكي، الحافظ المفسر، صَنَّفَ: أحكام القرآن، وقانون التأويل، وغيرهما، توفي سنة (٥٤٣). ينظر: شذرات الذهب ٦/ ٢٣٢، وشجرة النور الزكية ١/ ١٩٩.
(٣) أحكام القرآن ٣/ ٨٨.
(٤) مجموع الفتاوى ١٣/ ٢٧، و٧/ ٢٨٦. وينظر: التسهيل ١/ ١٧، ٢٠، والبحر المحيط ٤/ ١٧٦، وإيثار الحق على الخلق (ص: ٣٨١).
(٥) لم أجد في الصحابة ﵃ من فسرها بغير الشرك، إلا ما رُوِيَ عن علي بن أبي طالب ﵁، أنه قال: (هذه الآية لإبراهيم ﷺ خاصة، ليس لهذه الأمة منها شيء). ينظر: جامع البيان ٧/ ٣٣٦، وتفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٣٣، ومستدرك الحاكم ٢/ ٣٤٦. وعلى هذا المعنى فليس في عموم لفظ الظلم فيها إشكال، إذ المقصود بها نبي معصوم ﵇، ولكن هذا المعنى لا يُساعد عليه التفسير النبوي الصريح الذي لا قول بعده، كما أنه رُوِيَ عن علي ﵁ ما وافق فيه النص النبوي وجمهور الصحابة. ينظر: تفسير السمعاني ٢/ ١٢١.
[ ٥٢ ]
فمِمّن فسَّر الظلم في هذه الآية بالشرك من الصحابة: أبو بكر، وعمر، وأُبيّ بن كعب، وسلمان، وعلي، وحذيفة، وابن عمر، وابن عباس ﵃ (^١)، بل كان تعويلهم في كشف ما أشكل فيها على غيرهم هو بيان رسول الله ﷺ، فعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه سُئلَ عن هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام ٨٢]، فقال: ما تقولون؟ قالوا: لم يظلموا. قال: حملتم الأمر على أشده، بظلم: بشرك، ألم تسمع إلى قول الله ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]) (^٢). وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قرأ هذه الآية ففزع، فأتى أبيَّ بن كعب فقال: يا أبا المنذر قرأت آية من كتاب الله، من يسْلَم؟ فقال: ما هي؟ فقرأها عليه؛ وقال: فأيُّنا لا يظلم نفسه؟ فقال: غفر الله لك، أما سمعت الله تعالى يقول ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، إنما هو: ولم يلبسوا إيمانهم بشرك) (^٣). وسأل زيدُ بن صوحان (^٤) سلمانَ ﵁ فقال: يا أبا عبد الله، آية من كتاب الله قد بلغت مني كل مبلغ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام ٨٢]، فقال سلمان: هو الشرك بالله تعالى. فقال زيد: ما يسرني بها أني لم أسمعها منك وأن لي مثل كل شيء أمسيت أملكه. (^٥)
_________________
(١) ينظر: جامع البيان ٧/ ٣٣٢ - ٣٣٦، وتفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٣٣.
(٢) ينظر: جامع البيان ٧/ ٣٣٣، ومستدرك الحاكم ٢/ ٤٧٨، والدر ٣/ ٢٧٧.
(٣) ينظر: تفسير ابن وهب ٢/ ١٠٤، وجامع البيان ٧/ ٣٣٤، ومستدرك الحاكم ٣/ ٣٤٥، والدر ٣/ ٢٧٩.
(٤) زيد بن صوحان بن حُجر بن الحارث العبدي، أبو سلمان الكوفي، تابعي مخضرم، صحب سلمان، وسمع من عمر وعلي ﵃، وهو ثقة قليل الحديث، توفي إثرَ يوم الجمل سنة (٣٦). ينظر: السير ٣/ ٥٢٥، والإصابة ٢/ ٥٠٤، ٥٣٢.
(٥) جامع البيان ٧/ ٣٣٣.
[ ٥٣ ]
كما سار على ذلك أئمة التفسير من التابعين وأتباعهم، كعلقمة (^١) (ت: ٦٢)، وعمرو بن شرحبيل (^٢) (ت: ٦٣)، وأبي عبد الرحمن السلمي (^٣) (ت: ٧٤)، وإبراهيم النخعي (^٤) (ت: ٩٦)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، وعكرمة (^٥) (ت: ١٠٥)، والضحاك (^٦) (ت: ١٠٥)، وقتادة (ت: ١١٧)، والسدي (^٧) (ت: ١٢٨)، وابن زيد (^٨) (ت: ١٨٢)، وعليه جمهور المفسرين مِنْ بَعدِهم (^٩)،
_________________
(١) علقمة بن قيس بن عبد الله النخعي، أبو شبل الكوفي، خال إبراهيم النخعي، المُقرئ المفسر، من أعلم أصحاب ابن مسعود ﵁، ثقة عابد، توفي سنة (٦٢) وقيل غير ذلك. ينظر: السير ٤/ ٥٣، وتهذيب التهذيب ٣/ ١٤٠.
(٢) عمرو بن شرحبيل الهمداني، أبو ميسرة الكوفي، ثقة من العباد، من أصحاب عبد الله بن مسعود ﵁، توفي بالكوفة سنة (٦٣). ينظر: طبقات ابن سعد ٦/ ٤١٥، والإصابة ٥/ ١١٣.
(٣) عبد الله بن حبيب بن رُبَيِّعة السُّلَمِي، أبو عبد الرحمن الكوفي، مُقرئ الكوفة، من أولاد الصحابة، برع في حفظ القرآن وتجويده وإقراءه، وتوفي سنة (٧٤) وقيل غير ذلك. ينظر: طبقات القراء ١/ ٣١، والتقريب (ص: ٤٩٩).
(٤) إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، أبو عمران الكوفي الفقيه، ثقة كثير الإرسال، من أصحاب ابن مسعود ﵁، توفي سنة (٩٦). ينظر: السير ٤/ ٥٢٠، وتهذيب التهذيب ١/ ٩٢.
(٥) عكرمة بن عبد الله البربري، أبو عبد الله المدني، مولى ابن عباس ﵁، ثقة ثبت عالم بالتفسير، صنَّف: تفسير القرآن، وتوفي بالمدينة سنة (١٠٥) وقيل قبلها. ينظر: السير ٥/ ١٢، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٢٦٥).
(٦) الضحاك بن مُزاحم الهلالي البلخي، أبو محمد الخراساني، ثقة مُفَسر، يروي تفسيره عن ابن عباس مُرسلا؛ لأنه لم يلقه، توفي سنة (١٠٥). ينظر: السير ٤/ ٥٩٨، وتهذيب التهذيب ٢/ ٢٢٦.
(٧) إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السُدِّي، أبو محمد الأعور، المشهور بالسُدِّي الكبير، مفسر صدوق يَهِمْ، توفي سنة (١٢٨). ينظر: السير ٥/ ٢٦٤، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ٧٩).
(٨) عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدويّ، مولاهم المدني، المفسر ابن المفسر، صَنّف: تفسير القرآن، والناسخ والمنسوخ، وتوفي سنة (١٨٢). ينظر: طبقات ابن سعد ٥/ ٢٩٦، وطبقات المفسرين، للداوودي (ص: ١٨٨).
(٩) ينظر: المسائل والأجوبة (ص: ٢٧٠)، وجامع البيان ٧/ ٣٣٣، وتفسير ابن أبي حاتم ٤/ ١٣٣٣، والزاهر، لابن الأنباري ١/ ١١٨، وتفسير القرآن، للسمعاني ٢/ ١٢١، والمحرر الوجيز ٢/ ٣١٥.
[ ٥٤ ]
قال القاسمي (^١) (ت: ١٣٣٢): (وبالجملة فلا يُعلمُ مُخالف من الصحابة والتابعين في تفسير "الظلم" هنا بالشرك، وقوفًا مع الحديث الصحيح في ذلك، المبين للنظائر القرآنية، الموضِّح بعضها لِما أُبْهم في بعض) (^٢).