ما ذكره مسروق من احتمال كون المرئِيِّ في كلا الآيتين هو الله تعالى، ذَهَبَ إليه بعض العلماء كابن عباس ﵁، وكعب (ت: ٣٢)، والحسن (ت: ١١٠)، وعكرمة
_________________
(١) ينظر: الفتح ٨/ ٤٧٢.
(٢) ينظر: مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٤١.
(٣) تحدث العلماء عن بُعدِ ما استدَلَّت به عائشة ﵂، وخُلاصته: أن الآية الأولى في نفي الإدراك وهو الإحاطة، والثانية في نفي التكليم إلا في ثلاثة صُوَر ذكرتها الآية، وليستا في نفي الرؤية. ينظر: المُفْهِم ١/ ٤٠٤، والفتح ٨/ ٤٧٣.
[ ٩٩ ]
(ت: ١٠٥)، وأبي صالح (^١) (ت: ١٢١)، والسُّدِّي (ت: ١٢٨) والربيع بن أنس (^٢) (ت: ١٣٩) في رواية (^٣)، ونسبهُ النووي (ت: ٦٧٦) إلى جمهور المفسرين (^٤)، ولكنَّه مُقابَلٌ بنَصٍّ نبويّ بَيَّنَ المُراد، وأنّه جبريل ﵇، قال القرطبي (ت: ٦٥٦): (وقد روت ذلك- أي: أن مرجع الضمير في كلا الآيتين جبريل ﵇ عائشة مرفوعًا، مُفَسّرًا على ما يأتي، فلا يُلتَفت إلى ما يُقال في الآية غير هذا) (^٥)، وقال ابن عطيّة (ت: ٥٤٦): (وحديث عائشة قاطعٌ لكلِّ تأويل في اللفظ؛ لأن قول غيرها إنما هو منتزعٌ من ألفاظ القرآن) (^٦)، وزاد أبو حيَّان (ت: ٧٤٥) على قول ابن عطيّة هذا: (وليست نَصًّا في الرؤية بالبصر (^٧) بل ولا بغيره) (^٨)، وورود المعنى صحيحًا صريحًا عن رسول الله ﷺ كافٍ في
_________________
(١) باذام، ويُقال: باذان، مولى أم هانئ، روى عنها وعن أبي هريرة وابن عباس، مُفَسِّرٌ، يروي عن ابن عباس كثيرًا، وقَلَّ ما له من المُسند، توفي سنة (١٢١) تقريبًا. ينظر: السِّيَر ٥/ ٣٧، وتهذيب التهذيب ١/ ٢١١.
(٢) الربيع بن أنس البكري البصري، ثم الخراساني الحنفي، عالم مرو بزمانه، أخذ عن أنس بن مالك، وأبي العالية، له تفسير يرجع أكثره إلى أبي العالية، توفي سنة (١٣٩). ينظر: السير ٦/ ١٦٩، والتقريب (ص: ٣١٨).
(٣) ينظر: الكشف والبيان ٩/ ١٤١، والمحرر الوجيز ٥/ ١٩٩، وزاد المسير (ص: ١٣٦٢)، والبحر المحيط ٨/ ١٥٦، وتفسير ابن كثير ٧/ ٣٣٢٩.
(٤) شرح النووي على مسلم ١/ ٣٨٤. ومُراده بجمهور المفسرين أي: المتأخرون؛ لأن عامَّةَ مفسري السلف على قول عائشة، بل نُقِل إجماع الصحابة عليه كما سيأتي. ثم نقل النووي عن الواحدي أنه قول المفسرين، والذي في الوسيط للواحدي ٤/ ٢٩٦: أن الأكثرين على أنه ﷺ رأى جبريل ﵇!.
(٥) المُفْهِم ١/ ٤٠٣.
(٦) المحرر الوجيز ٥/ ١٩٨.
(٧) قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (ومن روى عنه- أي: ابن عباس ﵁ بالبصر فقد أغرب؛ فإنه لا يصِحُّ في ذلك شيءٌ عن الصحابة ﵃، وقول البغوي في تفسيره- ٧/ ٤٠٣ -: وذهب جماعة إلى أنه رآه بعينه، وهو قول أنس والحسن وعكرمة. فيه نظر، والله أعلم). تفسير القرآن العظيم ٧/ ٣٣٢٩، وذكر الثعلبي في تفسيره: (ذكر من قال أنَّه رآه بعينه)، ثم ذكر أربعة آثار عن الحسن وابن عباس وعكرمة والربيع، ليس في واحد منها ذِكْرُ العين أو البصر! ينظر: الكشف والبيان ٩/ ١٤٠.
(٨) البحر المحيط ٨/ ١٥٦.
[ ١٠٠ ]
لزومه والمصير إليه (^١)، بل نقل الدارمي (^٢) (ت: ٢٨٠) إجماع الصحابة عليه (^٣)، غير أنّه مِمَّا يدلُّ عليه كذلك سِتَّةَ عَشَرَ وجهًا ذكرها ابن القيم (ت: ٧٥١) في "مدارج السالكين" (^٤)، قال في أوَّلِها: (ولفظ القرآن لا يدلُّ على غير ذلك من وجوه)، ثم ذكرها، ومنها:
أولًا: أنه الوارد في التفسير النبوي.
ثانيًا: أنه قال ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم ٥]، وهذا جبريل الذي وصفه الله بالقوة في سورة التكوير، فقال ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير ١٩ - ٢٠]، وهذه دلالة السياق.
ثالثًا: أنه قال ﴿فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى﴾ [النجم ٦ - ٧]، وهو ناحية السماء العليا، وهذا استواء جبريل بالأفق الأعلى، وأمَّا استواء الرب ﷻ فعلى عرشه.
رابعًا: أنَّ مُفَسَّر الضمير في قوله ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ [النجم ١٣]، وقوله ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى﴾ [النجم ٧]، وقوله ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم ٨] واحد، فلا يجوز أن يُخَالَف بين المُفَسَّر والمُفَسَّر من غير دليل.
خامسًا: أنه سبحانه ذكر في هذه السورة الرسولين الكريمين، المَلَكيّ والبَشَريّ، ونَزَّه البَشَريّ عن الضلال والغواية، ونَزَّه المَلَكيّ عن أن يكون شيطانًا قبيحًا ضعيفًا؛
_________________
(١) حاول بعض العلماء تضعيف وتأويل ما ثبت صريحًا عن أبي ذَرٍّ وعائشة ﵄ في هذه المسألة، وفي الرد على تلك الأقوال ينظر: تفسير ابن كثير ٧/ ٣٣٣٣.
(٢) عثمان بن سعيد بن خالد الدارمي، أبو سعيد التميمي، إمام حافظ ناقد، قائمٌ بالسنة، صنف المسند، والرد على بشر المريسي، والرد على الجهمية، وغيرها، مات سنة (٢٨٠). ينظر: السير ١٣/ ٣١٩، وشذرات الذهب ٣/ ٣٣٠.
(٣) ينظر: زاد المعاد ١/ ٧٩.
(٤) / ٢٣٣، وذكر قريبًا من ذلك في: التبيان في أقسام القرآن (ص: ٢٥٢، ٢٥٦)، وزاد المعاد ٣/ ٣٤.
[ ١٠١ ]
بل هو قويٌّ كريمٌ حسن الخَلق، وهذا نظير الوصف المذكور في سورة التكوير سواءً. (^١)
وهو قول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة وأبي ذَرٍّ ﵃، وكذا مُجاهد (ت: ١٠٤)، وقتادة (ت: ١١٧)، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩) في رواية، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والنحاس (ت: ٣٣٨)، وابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩)، والسمعاني (ت: ٤٨٩)، والبغوي (ت: ٥١٦)، وابن تيمية (ت: ٧٢٨) (^٢).
وذكره السمرقندي (ت: ٣٧٥)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، وابن عطيّة (ت: ٥٤٦)، وأبو حيَّان (ت: ٧٤٥) عن جمهور المفسرين، وعامَّة العلماء (^٣).
* * *