ليس في مسلك الصحابة ﵃ في الأخذ بعموم اللفظ وأصل معناه في لغة العرب ما يُعاب، بل هو الصواب؛ ولذلك لم يتوجه الخطاب النبوي لتخطئتهم فيما فهموه من ذلك في هذه الآية، وإنما أبان التفسير النبوي معنىً خاصًا للكنْز في
_________________
(١) ينظر: تهذيب اللغة ١٠/ ٥٨، ومقاييس اللغة ٢/ ٤٢٥، وجامع البيان ١٠/ ١٥٦، والكشف والبيان ٥/ ٣٩.
(٢) ينظر: جامع البيان ١٠/ ١٥٦، والنهاية في غريب الحديث ٤/ ١٧٦.
(٣) المرجع السابق، وأحكام القرآن، للجصاص ٣/ ١٣٧، وفتح الباري ٣/ ٣٢٠.
(٤) جامع البيان ١٠/ ١٥٧، وأحكام القرآن، للجصاص ٣/ ١٣٧.
[ ١٠٩ ]
الاستعمال الشرعي، فسر به هذه الآية، وهو: منع الزكاة. فمن أدى الواجب في المال الذي هو الزكاة، لا يُكوى بالباقي الذي أمسكه؛ لأن المواريث ما جُعلت إلا في أموال تبقى بعد مالكيها، وهذا المعنى النبوي يتفق مع النصوص الشرعية الأخرى الموجبة للزكاة في المال، وما بقي بعدها فهو حلال لا مؤاخذة فيه، ومنها قوله تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة ١٠٣]، فأمره بأخذ بعض أموالهم وهي زكاتها، التي فيها تطهير للباقي ونماء له (^١)، وقوله ﷺ: (نعم المال الصالح للرجل الصالح) (^٢)، قال البخاري (ت: ٢٥٦): (باب: ما أُدِّيَ زكاته فليس بكنْز؛ لقول النبي ﷺ: "ليس فيما دون خمسة أواقٍ صدقة")، قال ابن حجر (ت: ٨٥٢) في شرحه للباب: (ما لم تجب فيه الصدقة لا يُسَمى كنْزًا؛ لأنه معفوٌّ عنه، فليكن ما أُخرِجت منه الزكاة كذلك؛ لأنه عُفِيَ عنه بإخراج ما وجب منه فلا يُسَمى كنْزًا) (^٣)، وعن أم سلمة ﵂ قالت: كنت ألبس أوضاحًا (^٤) من ذهب، فقلت: يا رسول الله أكنْزٌ هو؟ فقال: (ما بلغ أن تؤدى زكاته فَزُكِّيَ فليس بكنْز) (^٥)، ولمَّا سُئل ابن عمر ﵁ عن هذه الآية قال: (من كَنَزَها فلم يؤد زكاتَها فويل له) (^٦)، وسُئلَ عن الكنْز ما هو؟ فقال: (هو المال الذي لا تُؤدَّى منه الزكاة) (^٧). قال ابن كثير (ت: ٧٧٤): (وقد روي هذا عن ابن عباس، وجابر،
_________________
(١) أضواء البيان ٢/ ٣٢٢.
(٢) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٩٧ (١٧٧٩٨)، والبخاري في الأدب المفرد ١/ ١١٢ (٢٩٩)، وابن حبان في صحيحه ٨/ ٦ (٣٢١٠)، وإسناده صحيح.
(٣) فتح الباري ٣/ ٣٢٠.
(٤) جمع وَضَح، وهي نوع من الحلي يُعمل من الفضة، سُمِّيَت بها لبياضها. ينظر: النهاية في غريب الحديث ٥/ ١٧٠.
(٥) أخرجه أبو داود ٢/ ٩٥ (١٥٦٤)، والحاكم ١/ ٥٤٧ (١٤٣٨) وصححه، والدارقطني في سننه ٢/ ١٠٥، والبيهقي في السنن ٤/ ٨٣ (٧٠٢٦)، والطبراني في الكبير ٢٣/ ٢٨١ (٦١٣)، وصححه ابن القطان، وقال العراقي: (سنده جيد). ينظر: نصب الراية ٢/ ٣٧١، وفتح الباري ٣/ ٣٢٠.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه ٣/ ٣١٨ (١٤٠٤).
(٧) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ٢٥٦، وإسناده صحيح.
[ ١١٠ ]
وأبي هريرة موقوفًا ومرفوعًا، وعمر بن الخطاب نحوه) (^١).
وقال به عكرمة (ت: ١٠٥)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، والسدي (ت: ١٢٨)، والشافعي (ت: ٢٠٤)، وابن جرير (ت: ٣١٠)، والجصاص (ت: ٣٧٠)، والثعلبي (ت: ٤٢٧)، والواحدي (ت: ٤٦٨)، والبغوي (ت: ٥١٦)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، والشنقيطي (ت: ١٣٩٣) (^٢)، وعليه جمهور العلماء، كما ذكر ابن عبد البر (^٣) (ت: ٤٦٣) (^٤).
* * *
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ٤/ ١٦٤٨، وينظر: جامع البيان ١٠/ ١٥٢، وأحكام القرآن، للجصاص ٣/ ١٣٧.
(٢) ينظر: جامع البيان ١٠/ ١٥٢، ١٥٥، وأحكام القرآن، للجصاص ٣/ ١٣٧، ١٣٨، والكشف والبيان ٥/ ٣٧، والنكت والعيون ٢/ ٣٥٧، والوسيط ٢/ ٤٩٢، ومعالم التنْزيل ٤/ ٤٣، والمحرر الوجيز ٣/ ٢٨، والجامع لأحكام القرآن ٨/ ٨٠، والموافقات ٣/ ٣٥٧، ونيل المرام من تفسير آيات الأحكام ٢/ ٥٦٩، وأضواء البيان ٢/ ٣٢٢.
(٣) يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النَّمري، أبو عمر القرطبي، المحدث اللغوي النسَّابة الفقيه المالكي، صَنَّف: التمهيد، والاستذكار، والاستيعاب، وغيرها، توفي سنة (٤٦٣). ينظر: السير ١٨/ ١٥٣، والبداية والنهاية ١٢/ ٩٣.
(٤) الاستذكار ٣/ ١٧٢، وينظر: المحرر الوجيز ٣/ ٢٨، وفتح الباري ٣/ ٣٢٠.
[ ١١١ ]