ما ذكره ابن عباس ﵁ في تفسير هذه الآية هو أظهر معانيها، ولذلك أُعجب به عمر ﵁، وفسَّرَها به وهو كذلك تفسير علي ﵁، كما سبق في ذكر شواهد الرواية، والسياق أقرب ما يَدُلُّ عليه، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (والذي هو أولى بظاهر هذه الآية من التأويل، ما رُوي عن عمر بن الخطاب، وعن علي بن أبي طالب وابن عباس ﵃، من أن يكون عَنى بها الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وذلك أن الله جلَّ ثناؤُه وصف صفة فريقين: أحدهما منافق يقول بلسانه خلاف ما في نفسه، وإذا اقتدر على معصية الله ركبها، وإذا لم يقتدر رامها، وإذا نُهِيَ أخذته العزَّة بالإثم بما هو آثم به، والآخر منهما بائع نفسه، طالب من الله رضا الله، فكان الظاهر من التأويل أن الفريق الموصوف بأنه شرى نفسه لله وطلب رضاه؛ إنما شراها للوثوب بالفريق الفاجر؛ طلبَ رضا الله. فهذا هو الأغلب الأظهر من تأويل الآية) (^١).
ولكن في لفظ الآية، وفي سبب نزولها، ما يجعل التفسير السابق أحد المعاني الصحيحة الداخلة في الآية، وليس هو كُلُّ المعنى، فإن لفظ الآية عام، يشمل (كلَّ مُبطِن كفرٍ، أو نفاق، أو كذب، أو إضرار، وهو يظهر بلسانه خلاف ذلك) (^٢)، وهو قول (قتادة ومجاهد وجماعة من العلماء) (^٣)، وورد في سبب نزولها أقوال:
_________________
(١) جامع البيان ٢/ ٤٣٨.
(٢) المحرر الوجيز ١/ ٢٧٩.
(٣) المرجع السابق.
[ ١١٤ ]
- أنها نزلت في الأخنس بن شريق، واسمه أبيّ، والأخنس لقب، وذلك أنه جاء إلى النبي ﷺ فأظهر الإسلام، وقال: والله يعلم إني لصادق، ثم هرب بعد ذلك، فمر بقوم مسلمين فأحرق زرعهم، وعقر حُمُرَهم، فنَزلت فيه الآيات. ذكره السُّدي (ت: ١٢٨) (^١)، وقال عنه ابن عطية (ت: ٥٤٦): (ما ثبت قط أن الأخنس أسلم) (^٢).
- وقيل نزلت في قومٍ من المنافقين تكلموا في السرية التي بعثها النبي ﷺ للرجيع، فأُصيبت، فقال رجالٌ من المنافقين: يا ويح هؤلاء المقتولين الذين هلكوا هكذا، لا هم قعدوا في بيوتهم، ولا هم أَدَّوا رسالة صاحبهم، فنَزلت الآيات في صفات هؤلاء المنافقين، وفي الثناء على المُستَشهدين. ورُويَ هذا عن ابن عباس ﵁. (^٣)
وفي قوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ [البقرة ٢٠٧]، ورد أنها نزلت:
- في المهاجرين والأنصار، قاله قتادة (ت: ١١٧) (^٤)، وهذا على رأي من جعل ما قبلها في الأخنس بن شريق (^٥)، أو في شهداء غزوة الرجيع (^٦).
- وقيل في رجال من المهاجرين بأعيانهم، كصهيب بن سنان الرومي ﵁، قاله ابن عباس وأنس وسعيد بن المسيب (ت: ٩٤)، وأبو عثمان النهدي (^٧)
_________________
(١) جامع البيان ٢/ ٤٢٥.
(٢) المحرر الوجيز ١/ ٢٧٩.
(٣) جامع البيان ٢/ ٤٢٦، وفي إسناده: محمد بن أبي محمد، مولى زيد بن ثابت، مجهول، تفرد عنه ابن إسحاق، وقد جعل ابن حجر روايته من قبيل المقبول، وقال السيوطي عن طريق ابن إسحاق عنه: (وهي طريق جيدة، وإسنادها حسن). ينظر: التقريب (ص: ٨٩٤)، والعجاب في بيان الأسباب ١/ ٢٠٥، والإتقان ٢/ ٣٧٥.
(٤) جامع البيان ٢/ ٤٣٧.
(٥) المحرر الوجيز ١/ ٢٨١.
(٦) جامع البيان ٢/ ٤٣٧.
(٧) عبد الرحمن بن مُِلّ- وقيل: مَلي- بن عمرو بن عديّ البصري، مخضرم مُعَمّر ثقة، من سادات العلماء العاملين، عاش مئة وثلاثين سنة، ومات سنة (١٠٠). ينظر: السير ٤/ ١٧٥، والبداية والنهاية ٩/ ١٦٢.
[ ١١٥ ]
(ت: ١٠٠)، وعكرمة (ت: ١٠٥)، وجماعة (^١). - وقيل فيه وفي أبي ذر الغفاري جندب بن السكن ﵁، ذكره عكرمة (ت: ١٠٥) (^٢).
ومن فَسَّرَ الآية الأولى بالعموم حمل هذه على العموم أيضًا، وهو الأصح؛ فإن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، قال ابن جرير (ت: ٣١٠): (وأما ما رُوي من نزول الآية في أمر صهيب، فإن ذلك غير مستنكر؛ إذ كان غير مدفوع جواز نزول آيةٍ من عند الله على رسوله ﷺ بسبب من الأسباب، والمَعنِيُّ بها كُلّ من شمله ظاهرها) (^٣).
وذاكر سعيدٌ المقبري (^٤) (ت: ١٢٣) محمدَ بن كعب القُرَظي (ت: ١٠٨)، فقال سعيد: (إن في بعض الكتب: إن لله عبادا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمَرُّ من الصَّبِر، لبسوا للناس مسوك الضأن من اللين، يجترُّون الدنيا بالدين، قال الله ﵎: أَعَلَيّ يجترئون؟ وبي يغترون؟ وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم منهم حيران. فقال محمد بن كعب: هذا في كتاب الله جل ثناؤه. فقال سعيد: وأين هو من كتاب الله؟ قال: قول الله ﷿ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة ٢٠٤ - ٢٠٥])، فقال سعيد: قد عرفتَُ فيمن أنزلت هذه الآية. فقال محمد بن كعب: إن الآية تنْزل في الرجل ثم تكون عامة بعد) (^٥)، قال ابن كثير (ت: ٧٧٤) بعد ذكره لهذا الحديث: (وهذا الذي قاله القُرَظِي حسنٌ صحيح). (^٦)
_________________
(١) تفسير ابن كثير ٢/ ٥٢٥، ونسبه الثعلبي (ت: ٤٢٧) لأكثر المفسرين. ينظر: الكشف والبيان ٢/ ١٢٤.
(٢) جامع البيان ٢/ ٤٣٧.
(٣) جامع البيان ٢/ ٤٣٩.
(٤) سعيد بن أبي سعيد كيسان المقبري، أبو سعد المدني، ثقة فقيه، مات سنة (١٢٣). ينظر: الكاشف ١/ ٣٦١، والتقريب (ص: ٣٧٩).
(٥) حسنٌ لغيره، ينظر تخريجه ودراسته في الاستدراك رقم (٦٥) (ص: ٣١٩).
(٦) تفسير القرآن العظيم ٢/ ٥٢٣.
[ ١١٦ ]