ما فهمه ابن عمر ﵁ من هذه الآية هو ما فهمه الصحابة ﵃ من قبل، فعن أبي هريرة ﵁ قال: (لما نزلت على رسول الله ﷺ ﴿لِلَّهِ ما فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢٨٤]، قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، فأتوا رسول الله ﷺ ثم بركوا على الرُّكَب، فقالوا: أي رسول الله: كُلِّفنا من الأعمال ما نُطِيق، الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها. قال رسول الله ﷺ: (أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا، بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير) قالوا: سمعنا وأطعنا
_________________
(١) كتاب التوحيد (ص: ٤٦)، وبِهذا يُعلم خطأ الجصاص في أحكام القرآن ١/ ٦٥١ حين قال: (وإنما قول من رُويَ عنه أنها منسوخة؛ فإنه غلطٌ من الراوي في اللفظ). وينظر: شرح النووي على مسلم ١/ ٣١٣.
(٢) مجموع الفتاوى ١٤/ ١٠١.
(٣) جامع العلوم والحكم ٢/ ٣٢٤.
[ ١٢١ ]
غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم، ذَلَّت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة ٢٨٥] فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله ﷿ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] قال: نعم. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة ٢٨٦] قال: نعم. ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة ٢٨٦] قال: نعم. ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٨٦] قال: نعم) (^١). وفي رواية: (قد فعلت) (^٢). وهذا على عادتهم ﵃ في الأخذ بعموم اللفظ، وقد صَحَّ فهمهم ذلك في أوّل الأمر؛ إذ أمرهم رسول الله ﷺ أن يُسَلِّموا ويطيعوا، فلمَّا كان ذلك منهم خَفَّفَ الله عنهم، وأزال ما في نفوسهم من مشقة بالآيات بعدها؛ بصبرهم وتسليمهم. وإذا عُلِمَ معنى "النسخ" عند السلف كما تقدم، فإن قول ابن عباس ﵁ في معنى الآية وهو: أن الإنسان مُحاسبٌ على قوله وفعله وما عزم عليه بقلبه، وتقرر في نفسه، واستُصحِبَت الفكرة فيه، دون ما عرض له من الوساوس والخطرات؛ فإنها ليست من كسبه، ولا في وُسعه = هو الراجح، ويدلُّ على صحته أمور:
الأول: أن للقلب كسبًا وعملًا يُحاسَب عليه الإنسان، كما في قوله تعالى ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٥]، وقوله ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ [الإسراء ٣٦]، ونحوها من الآيات (^٣)، قال النووي (ت: ٦٧٦): (وقد تظاهرت نصوص الشرع بالمُؤاخذة بعزم القلب المستقر) (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٣٠٩ (١٢٥).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٣١٠ (١٢٦).
(٣) ينظر: أحكام القرآن، للجصاص ١/ ٦٥١، والكشف والبيان ٢/ ٣٠٠.
(٤) شرح النووي على مسلم ١/ ٣١٤.
[ ١٢٢ ]
الثاني: أن المذكور في الآية هو الحساب وليس العقاب، وكلُّ عمل الإنسان محصِيٌ عليه في الدنيا، وقد أخبر الله عن المجرمين يوم القيامة قولهم ﴿يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف ٤٩] (^١)، (وأكّدَ وقوع المحاسبة إيراد الكلام في قالب الشرط؛ الحاكم بتَحَتُّم الجزاء، زجرًا للعبيد عن إلقاء النفس في ورطة المخالفة، وحَثًّا على الموافقة، وفي ذلك -مع إسناد المحاسبة إليه المُؤذن بالاعتناء بها- إرعاب للقلوب، وتخويف العبد من اقتراف الذنوب، فإن مُتَوَلِّي المحاسبة لا يحتجب عن علمه مثاقيل الذَّر، ولا يستعصي عليه أمر) (^٢)، وليس يلزم من محاسبة المؤمنين أن يكونوا بكل ما أحصته الكتب مُؤاخذين؛ (لأن الله ﷿ وعدهم العفو عن الصغائر باجتنابهم الكبائر، فقال في تنْزيله ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء ٣١]، فدَلَّ أن مُحاسبة الله عباده المؤمنين بما هو مُحاسبهم به من الأمور التي أخفتها أنفسهم غير موجبة لهم منه عقوبة، بل مُحاسبته إياهم إن شاء الله عليها لِيُعَرِّفَهم تفضُّله عليهم بعفوه لهم عنها) (^٣)، كما في حديث المناجاة الذي رواه ابن عمر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كَنَفَه فيقرره بذنوبه: (تعرف ذنب كذا؟) يقول: أعرف. يقول: رب أعرف. مرتين، فيقول: (فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم) ثم تطوى صحيفة حسناته، وأما الكفار والمُنافقون، فيُنَادَى بهم على رؤوس الأشهاد ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨]) (^٤)، وهو ما أشارت إليه الآية بقوله تعالى ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٨٤]. (^٥)
_________________
(١) جامع البيان ٣/ ٢٠٢، والتفسير الكبير ٧/ ١٠٩، ومجموع الفتاوى ١٤/ ١٠١، ١٣٣.
(٢) المواهب المُدَّخرة في خواتيم سورة البقرة (ص: ٥٢)، وينظر: المحرر الوجيز ١/ ٣٨٩.
(٣) جامع البيان ٣/ ٢٠٢.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٢٠٤ (٤٦٨٥)، ومسلم في صحيحه ٦/ ٢٣٨ (٢٧٦٨).
(٥) ينظر: جامع البيان ٣/ ٢٠٣، وتفسير ابن كثير ٢/ ٦٧١.
[ ١٢٣ ]
الثالث: موضوع السورة، وسياق الآيات، قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨): (ولمَّا كان تصرُّفه سبحانه في خلقه لا يخرج عن العدل والإحسان، وهو تصرف بخلقه وأمره، وأخبر أن ما في السموات وما في الأرض ملكه، فما تصَرَّف خلقًا وأمرًا إلا في ملكه الحقيقي، وكانت سورة البقرة مشتملة من الأمر والخلق على ما لم يشتمل عليه سورة غيرها؛ أخبرنا تعالى أن ذلك صدر منه في ملكه قال تعالى ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة ٢٨٤]، فهذا متضمنٌ لكمال علمه سبحانه وتعالى بسرائر عباده وظواهرهم، وأنه لا يخرج شيء من ذلك عن علمه، كما لم يخرج شيء ممن في السموات والأرض عن ملكه، فعلمه عام وملكه عام. ثم أخبر تعالى عن محاسبته لهم بذلك؛ وهي تعريفهم ما أبدوه أو أخفوه، فتضمن ذلك علمه بهم وتعريفهم إياه، ثم قال ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٨٤]، فتضمن ذلك قيامَه عليهم بالعدل والفضل، فيغفر لمن يشاء فضلًا، ويعذب من يشاء عدلًا، وذلك يتضمن الثواب والعقاب، المستلزم للأمر والنهي، المستلزم للرسالة والنبوة، ثم قال تعالى ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢٨٤]، فتضمن ذلك أنه لا يخرج شيء عن قدرته البتة وأن كل مقدور واقع بقَدَرِه). (^١)
الرابع: ورود معناه في السنة الصحيحة، فعن ابن عباس ﵁، عن النبي ﷺ فيما يروي عن ربه ﷿ قال: (إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيّن ذلك: فمن هَمَّ (^٢) بحسنة فلم يعملها، كتبها الله له عنده حسنةً كاملةً، فإن هو همَّ بها وعملها، كتبها الله له
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٤/ ١٣١، وينظر: التفسير الكبير ٧/ ١٠٨، والبحر المحيط ٢/ ٣٧٥.
(٢) حقق شيخ الإسلام ابن تيمية الهَمَّ الذي يُؤاخذ عليه العبد، وهو ما صار عزمًا، ولا يصير الهَمُّ عزمًا حتى يقترن به قولٌ أو فعل. ينظر: مجموع الفتاوى ١٤/ ١٢٢.
[ ١٢٤ ]
عنده عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعافٍ كثيرة، ومن همَّ بسيئة فلم يعملها، كتبها الله له عنده حسنةً كاملة، فإن هو همَّ بها فعملها، كتبها الله له سيئة واحدة) (^١).
الخامس: كما يشهد له ما رواه أبو هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (إن الله تجاوز لأمتي عمَّا وَسْوَسَت- أو: حدثت- به أنفسها ما لم تعمل به أو تَكَلَّم) (^٢).
ويلخص ذلك ابن تيمية (ت: ٧٢٨) فيقول: (وقد عرفتَ بهذا أن الآية لا تقتضي العقاب على خواطر النفوس المجردة، بل إنما تقتضى محاسبة الرب عبده بها، وهي أعم من العقاب، والأعم لا يستلزم الأخص، وبعد محاسبته بها يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، وعلى هذا فالآية محكمة لا نسخ فيها، ومن قال من السلف: نسخها ما بعدها، فمراده: بيانُ معناها والمراد منها، وذلك يسمى نسخًا في لسان السلف، كما يسمون الاستثناء نسخًا) (^٣).
وقد اتفقت على هذا المعنى للآية كلمةُ من سبق ذكرهم في القول بالنسخ في الآية، وكذلك من قال بأنها لا نسخ فيها- كابن عباس في رواية ابن أبي طلحة (^٤) (ت: ١٤٣)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والضحاك (ت: ١٠٥)، والحسن (ت: ١١٠)، والربيع بن أنس (ت: ١٣٩) (^٥)؛ لاختلاف القضية في الآيتين، فالأولى في إثبات الحساب على كل ما يظهر ويخفى من عمل العبد وكسبه، والثانية في نفي التكليف بما
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ١١/ ٣٣١ (٦٤٩١)، ومسلم في صحيحه ١/ ٣١٣ (١٣١).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ١١/ ٥٥٧ (٦٦٦٤)، ومسلم في صحيحه ١/ ٣١١ (١٢٧)، واللفظ للبخاري.
(٣) مجموع الفتاوى ١٤/ ١٣٣.
(٤) علي بن أبي طلحة سالم، مولى بني العباس، سكن حمص، واشتهرت صحيفته عن ابن عباس في التفسير، واحتج بها العلماء، ولم ير ابنَ عباس، وبينهما مجاهد أو سعيد بن جبير، صدوق، أخرج له مسلم حديثًا واحدًا، والبخاري لا يُسَميه وإنما يُعلق عن ابن عباس بِما هو من طريقه، توفي سنة (١٤٣). ينظر: الكاشف ٢/ ٢٨٧، وتهذيب التهذيب ٣/ ١٧١، والتقريب (ص: ٦٩٨)، والعجاب في بيان الأسباب ١/ ٢٠٧.
(٥) جامع البيان ٣/ ١٩٩، وتفسير ابن أبي حاتم ٢/ ٥٧٢، وتفسير ابن كثير ٢/ ٦٧٢.
[ ١٢٥ ]
لا وُسع لهم به، أو كان نفيُ من نَفَى منهم النسخ؛ لأنه في الأخبار، وهي ممَّا لا يدخله النسخ-؛ فإن كلاهُما ذهب إلى عموم المُحاسبة، واختلفت ألفاظهم في النسخ، وقد بَيَّنَّا مُراد كُلٍّ بذلك. وهذا ممَّا يُفسِّر تكرر الرواية عن بعض السلف في هذه الآية، مَرَّةً بإثبات النسخ، وأُخرى بنفيه، كما رُويَ عن ابن عباس، وابن عمر ﵃ (^١)، ومجاهد (ت: ١٠٤)، والحسن (ت: ١١٠).
وقد جمع ابن تيمية (ت: ٧٢٨) بين أقوال المفسرين في هذه الآية فقال: (وكلام السلف يوافق ما ذكرناه، قال ابن عباس: (هذه الآية لم تنسخ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يقول إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم، مما لم تطلع عليه ملائكتي، فأما المؤمنون فيخبرهم، ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم، وهو قوله ﴿يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة ٢٨٤]، يقول: يخبركم به الله، وأما أهل الشرك والريب، فيخبرهم بما أخفوه من التكذيب، وهو قوله ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٨٤]) (^٢)، وقد رُويَ عن ابن عباس: (أنها نزلت في كتمان الشهادة) (^٣)، ورُويَ ذلك عن عكرمة، والشعبي (^٤)، وكتمان الشهادة من باب ترك الواجب، وذلك ككتمان العيب الذي يجب إظهاره، وكتمان العلم الذي يجب إظهاره، وعن مجاهد: (أنه الشك واليقين)، وهذا أيضًا من باب ترك الواجب؛ لأن اليقين واجب، ورُويَ عن عائشة: (ما أعلنت فإن الله يحاسبك به، وأمَّا ما أخفيت، فما عُجِّلت لك به العقوبة في الدنيا)، وهذا قد يكون مما يعاقب فيه العبد بالغم، كما سُئِلَ سفيان بن عيينة عن غمٍّ لا يعرف سببه؟ قال: هو ذنب هممت به في سِرِّك ولم تفعله فجزيت همًا به. فالذنوب لها عقوبات، السرُّ بالسرِّ، والعلانية
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ٥٣ (٤٥٤٥).
(٢) جامع البيان ٣/ ١٩٩ (٥٠٨٣).
(٣) جامع البيان ٣/ ١٩٢ (٥٠٦٢).
(٤) ينظر: جامع البيان ٣/ ١٩٣.
[ ١٢٦ ]
بالعلانية، ورُوىَ عنها مرفوعًا قالت: (سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة ٢٨٤]؟ فقال: (يا عائشة هذه معاتبة الله العبدَ مما يصيبه من النكبة والحمى حتى الشوكة، والبضاعة يضعها في كُمِّه فيفقدها، فيروع لها، فيجدها في جيبه، حتى أن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكِير) (^١)، قلت: هذا المرفوع هو والله أعلم بيان ما يُعاقَب به المؤمن في الدنيا، وليس فيه أن كلَّ ما أخفاه يعاقب به، بل فيه أنه إذا عوقب على ما أخفاه عوقب بمثل ذلك، وعلى هذا دلت الأحاديث الصحيحة) (^٢).
واختار هذا المعنى أيضًا ابن جرير (ت: ٣١٠)، والجصاص (ت: ٣٧٠)، والثعلبي (ت: ٤٢٧)، والماوردي (ت: ٤٥٠)، ونسبه للجمهور، والواحدي (ت: ٤٦٨) (^٣)، ونسبه للمُحَقِّقين، والزمخشري (ت: ٥٣٨)، وابن عطية (ت: ٥٤٦)، والرازي (ت: ٦٠٤)، والقرطبي (ت: ٦٧١)، وابن جُزَيّ (ت: ٧٤١)، وأبو حيان (ت: ٧٤٥)، والشاطبي (ت: ٧٩٠). (^٤)
* * *
_________________
(١) أخرجه الترمذي ٥/ ٢٢١ (٢٩٩١)، وأحمد ٦/ ٢١٨ (٢٥٨٧٧)، وابن جرير ٣/ ٢٠٢ (٥٠٩٢).
(٢) مجموع الفتاوى ١٤/ ١١٠.
(٣) شرح النووي على مسلم ١/ ٣١٤، ولم أجده في تفسيريه: الوسيط، والوجيز، فلعلَّه في البسيط.
(٤) ينظر: جامع البيان ٣/ ٢٠٢، وأحكام القرآن ١/ ٦٥١، والكشف والبيان ٢/ ٣٠٢، والنكت والعيون ١/ ٣٦٠، ٣٦٢، والكشاف ١/ ٣٢٥، والمحرر الوجيز ١/ ٣٨٩، والتفسير الكبير ٧/ ١٠٩، والجامع لأحكام القرآن ٣/ ٢٧٢ ووالتسهيل ١/ ٢٣١، والبحر المحيط ٢/ ٣٧٦، والموافقات ٣/ ٣٥٠.
[ ١٢٧ ]